«حماس» تسلم 3 إسرائيليين و5 تايلانديين ونتنياهو يؤخر التبادل

مقتل فتى بالشجاعية وعودة النازحين تتواصل لليوم الرابع في غزة

مقاتل من «حماس» يرافق المحتجزة أربيل يهود قبل تسليمها بخان يونس الخميس (أ.ب)
مقاتل من «حماس» يرافق المحتجزة أربيل يهود قبل تسليمها بخان يونس الخميس (أ.ب)
TT

«حماس» تسلم 3 إسرائيليين و5 تايلانديين ونتنياهو يؤخر التبادل

مقاتل من «حماس» يرافق المحتجزة أربيل يهود قبل تسليمها بخان يونس الخميس (أ.ب)
مقاتل من «حماس» يرافق المحتجزة أربيل يهود قبل تسليمها بخان يونس الخميس (أ.ب)

سلمت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حركة حماس» وفصائل فلسطينية أخرى، صباح الخميس، الدفعة الثالثة من المختطفين الإسرائيليين، التي شملت مجندة ومدنيين و5 رهائن من العمال التايلانديين الذين اختطفوا في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 من مستوطنات وبلدات تقع في غلاف غزة.

وجرت عملية التسليم الأولى للمجندة آجام بيرغر، في منطقة الرزان بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، الذي دمرته القوات الإسرائيلية بشكل شبه كامل، وحوّلته إلى كومة من الركام خلال العملية الأخيرة التي استمرت فيه ما يقرب من 100 يوم.

وشارك العشرات من المسلحين التابعين لـ«كتائب القسام» في عملية التسليم التي جرت بشكل منظم، بعرض عسكري مماثل لما جرى في المرحلتين السابقتين منذ أسبوعين، كما عُرضت أسلحة إسرائيلية تم الحصول عليها بعد قتل جنود إسرائيليين خلال القتال في جباليا. وفي أعقاب انتهاء عملية التسليم وخروج مركبات الصليب الأحمر، التقط المئات من المواطنين الغزيين صوراً مع المسلحين الذين كانوا يحملون تلك الأسلحة.

المحتجزة أربيل يهود وسط حشد من المقاتلين والمدنيين بخان يونس الخميس (أ.ب)

وبيرغر واحدة من 7 مجندات إسرائيليات اختطفن من قاعدة للمراقبة في كيبوتس ناحال عوز شرق حي الشجاعية إلى الشرق من مدينة غزة، وتبين أن اثنتين منهن قد قتلتا، فيما أفرج عن 4 منهن في الدفعة الثانية التي جرت في الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) الحالي، في عملية جرت بميدان فلسطين، شرق مدينة غزة.

وجرت عملية التسليم الثانية، الخميس، بخان يونس وتحديداً من أمام منزل رئيس المكتب السياسي لـ«حركة حماس» يحيى السنوار، الذي دمرته القوات الإسرائيلية بداية الحرب، قبل أن تقتل السنوار نفسه في اشتباكات عرضية وقعت بمدينة رفح جنوب قطاع غزة خلال أكتوبر 2024.

مقاتلون يحيطون باثنين من العاملين بالصليب الأحمر قبيل تسليم المحتجزين بخان يونس الخميس (إ.ب.أ)

وشملت العملية تسليم المختطفة أربيل يهود، والمختطف غادي موزس، إلى جانب 5 عمال تايلانديين.

وشهدت عملية التسليم في خان يونس، حالة من الفوضى العارمة على عكس ما جرى في جباليا ومن قبل في مدينة غزة، حيث احتشد مئات الفلسطينيين وضيقوا مساحة مكان التسليم لأكثر من ساعة، ما زاد من قلق الإسرائيليين، وكذلك فريق الصليب الأحمر الذي كان موجوداً بالمكان.

ورغم انتشار عشرات المسلحين من «حماس» و«الجهاد الإسلامي» وغير ذلك، فإنهم لم يستطيعوا السيطرة على تحركات المواطنين واحتشادهم ومحاولاتهم التقاط الصور للمختطفين خلال عملية التسليم.

مسلحون ومدنيون فلسطينيون خلال تسليم المحتجزين في خان يونس الخميس (إ.ب.أ)

وشوهدت أربيل يهود، التي أصرت إسرائيل على تسليمها قبل السبت المقبل، وربطت الإفراج عنها بعودة النازحين من جنوب قطاع غزة إلى شماله، وهي تسير بصعوبة ويمسك بذراعيها اثنان من المسلحين على الأقل يحاولان فيما يبدو إما حمايتها بشكل مباشر وإما أنها قد تكون تعاني من إصابة قديمة ما يؤخر طريقة سيرها.

وأغضبت تلك المشاهد في ظل احتشاد الفلسطينيين، إسرائيل بشكل كبير ما دفعها لنقل رسائل تهديد وغضب للوسطاء القطريين والمصريين بسبب ما جرى في خان يونس، كما ذكرت هيئة البث الإسرائيلية العامة، التي أشارت إلى أن ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لـ«الشرق الأوسط»، وصل إلى مقر منتدى عائلات المختطفين في تل أبيب لمتابعة المشاهد مع العائلات الإسرائيلية، وأبلغهم أنه تجري مفاوضات لإطلاق سراح رهينة يحمل الجنسية الأميركية، الجمعة.

فلسطينيون يتابعون من فوق مبنى مدمر عملية تسليم المحتجزين بخان يونس الخميس (رويترز)

وعلق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالقول: «أرى ببالغ الخطورة المشاهد خلال إطلاق سراح المختطفين، وأطالب الوسطاء بالتعهد بعدم التعرض للمختطفين، ومن يحاول المس بهم سيعاقب».

بينما دعا وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، الذي عارض الصفقة، إلى استئناف القتال والقضاء على «حماس» بعد تلك المشاهد.

وطالب أعضاء لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بعقد جلسة طارئة عقب تلك المشاهد.

ودفع كل ذلك المستوى السياسي الإسرائيلي للإيعاز بتعليق إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين مؤقتاً، كما ذكرت قناة 12 العبرية.

وقال مكتب نتنياهو إنه لن يتم إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين قبل الحصول على ضمانات من الوسطاء بتأمين سلامة المختطفين، وعدم تكرار المشاهد التي أتت من خان يونس اليوم، قبل أن يتراجع عن ذلك لاحقاً ويعلن انتهاء الأزمة بعد تقديم الوسطاء لهذه الضمانات.

فيما قالت «حركة حماس» إنها تابعت مع الوسطاء عملية عرقلة الاحتلال الإسرائيلي الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين.

ومن المفترض أن تطلق إسرائيل سراح 110 أسرى فلسطينيين بينهم قاصرون، وأصحاب مؤبدات وأحكام عالية، حيث كان سيفرج عنهم من سجن «عوفر» قرب رام الله، وجزء آخر كان سينقل إلى قطاع غزة.

مقاتلون من «حماس» و«الجهاد الإسلامي» قبيل تسليم المحتجزين بخان يونس الخميس (أ.ب)

وهذا العدد من الأسرى المفرج عنهم هو مقابل المختطفين الإسرائيليين، فيما تم تسليم العمال التايلانديين من دون مقابل، حيث إن هناك 10 أجانب اختطفوا في السابع من أكتوبر، بينهم تنزاني واحد قُتل، ونيبالي واحد، وثمانية تايلانديين، ستة منهم على قيد الحياة، واثنان قُتلا، وفق ما ذكرت قناة 12 العبرية.

وقدمت الخارجية التايلاندية شكرها لكثير من الدول، بينها قطر ومصر وتركيا وإيران وغيرها؛ لوساطتها بالإفراج عنهم، مؤكدة أن هناك رهينة لا يعرف مصيره.

وتتزامن هذه العراقيل والخروقات التي تواجه الصفقة، مع خروقات ميدانية في قطاع غزة، من بينها قتل فتى فلسطيني برصاص قناص من الجيش الإسرائيلي في شارع المنصورة بحي الشجاعية، إلى جانب إطلاق النيران على سكان حاولوا الوصول لمنازلهم ببعض مناطق مدينة رفح جنوب القطاع.

بينما تواصلت عمليات عودة النازحين لليوم الرابع على التوالي من جنوب قطاع غزة إلى شماله، فيما شهدت حركة المشاة تحركات العشرات من السكان من الشمال إلى الجنوب لزيارة أقاربهم.


مقالات ذات صلة

كيف نقلت إسرائيل «الخط الأصفر» إلى عمق حي مدمّر في غزة

المشرق العربي صورة عامة لمنازل مدمرة في مناطق حددها الجيش الإسرائيلي بـ«الخط الأصفر» شرق مدينة غزة 16 يناير 2026 (رويترز)

كيف نقلت إسرائيل «الخط الأصفر» إلى عمق حي مدمّر في غزة

أظهرت صور التقطتها أقمار اصطناعية أن إسرائيل نقلت كتلاً ترسم الخط الفاصل بموجب الاتفاق المبرم مع حركة «حماس» إلى عمق أحد أحياء المدينة في ديسمبر (كانون الأول).

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج الرئيس دونالد ترمب يصفق بعد توقيع الأمير فيصل بن فرحان على ميثاق تأسيس «مجلس السلام» في دافوس الخميس (أ.ف.ب)

السعودية تُوقِّع على ميثاق تأسيس «مجلس السلام»

وقَّع الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الخميس، على ميثاق تأسيس «مجلس السلام» في غزة، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على هامش «دافوس 2026».

«الشرق الأوسط» (دافوس)
أوروبا باريس تقول إنها لن تنضم في الوقت الراهن إلى «مجلس السلام» الذي ‌اقترحه الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب (أ.ف.ب)

فرنسا: لن ننضم إلى «مجلس السلام» في الوقت الراهن

قال المتحدث ​باسم وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، إن باريس لن تنضم ​في ‌الوقت الراهن إلى «مجلس السلام»، الذي ‌اقترحه الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال التوقيع على ميثاق مبادرة «مجلس السلام» في دافوس (أ.ف.ب)

ترمب يوقّع الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام»

وقّع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الخميس، ميثاق ما يُسمى «مجلس السلام»، الذي وصفه بأنه هيئة لحل النزاعات الدولية، وذلك بحضور الأعضاء المؤسسين الآخرين.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يسعى لعقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن لدى أميركا علاقة رائعة وقوية مع مصر، وأوضح أنه سيحاول عقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق بشأن «سد النهضة».

«الشرق الأوسط» (دافوس)

منظمة أممية تُحمّل قوات الأسد مسؤولية هجوم كيميائي في 2016

مقر «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» في لاهاي بهولندا (رويترز)
مقر «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» في لاهاي بهولندا (رويترز)
TT

منظمة أممية تُحمّل قوات الأسد مسؤولية هجوم كيميائي في 2016

مقر «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» في لاهاي بهولندا (رويترز)
مقر «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» في لاهاي بهولندا (رويترز)

خلصت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الخميس، إلى أن القوات السورية في عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد استخدمت غاز الكلور في هجوم عام 2016 أسفر عن إصابة 35 شخصاً، على الأقل.

كانت تقارير سابقة قد تناولت الهجوم الذي وقع قرب مستشفى ميداني على مشارف بلدة كفر زيتا في غرب سوريا، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تتهم فيها المنظمة قوات الأسد بالضلوع فيه.

وقالت المنظمة، في تقرير لها: «هناك أسباب وجيهة لاعتقاد أن مروحية من طراز (مي 17) تابعة للقوات الجوية العربية السورية، ألقت عبوة صفراء مضغوطة واحدة على الأقل»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلص محققو المنظمة، ومقرها لاهاي، إلى أنه «عند الارتطام، انفجرت العبوة وأطلقت غاز الكلور الذي انتشر في وادي العنز، ما أسفر عن إصابة 35 شخصاً جرى التعرف عليهم، في حين تأثّر العشرات غيرهم».

وقد أجرى فريق المنظمة مقابلات مع عشرات الشهود، وحلَّل عيناتٍ، وفحص صوراً للأقمار الاصطناعية.

ووُجّهت اتهامات متكررة للأسد باستخدام الأسلحة الكيميائية، خلال النزاع الذي استمر 13 عاماً. ويُعدّ مصير مخزونات الأسلحة الكيميائية السورية مصدر قلق بالغ منذ الإطاحة به في نهاية عام 2024.

وتعهدت السلطات الجديدة، على لسان وزير الخارجية أسعد الشيباني، العام الماضي، بتفكيك كل مخلفات برنامج الأسلحة الكيميائية في عهد الأسد.

ورحّبت المنظمة بالوصول الكامل وغير المقيد الذي منحته السلطات السورية الجديدة لمحققيها. وذكرت أن هذا «أول مثال على التعاون من جانب الجمهورية العربية السورية، خلال تحقيق».

وتبدي المنظمة رغبتها في إقامة وجود دائم لها في سوريا لوضع قائمة بمواقع الأسلحة الكيميائية والشروع في تدمير المخزونات.


دبلوماسي سوري: مستعدون للمساعدة في نقل سجناء «داعش» إلى العراق

مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)
مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)
TT

دبلوماسي سوري: مستعدون للمساعدة في نقل سجناء «داعش» إلى العراق

مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)
مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)

أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، اليوم (الخميس)، ترحيب بلاده بالعملية الأميركية لنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سجون في شمال شرقي سوريا إلى العراق، وقال إن دمشق على استعداد لتقديم الدعم اللوجيستي والأمني لنجاحها.

وقال الدبلوماسي السوري، خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن الوضع في سوريا، إن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي محاولات هروب لعناصر «داعش» من السجون، مؤكداً أن وزارة الداخلية نجحت في القبض على معظم العناصر الفارين، وتواصل ملاحقة الباقين.

وأدان علبي ما وصفه بمحاولة «قسد» توظيف ملف عناصر «داعش» في السجون كورقة ضغط وابتزاز سياسي، مؤكداً أن الحكومة السورية تفاوضت معها لمدة نحو عام كامل، و«قوبل ذلك بالتلكؤ وغياب المسؤولية».

وقال المندوب السوري إن القوات، التي يهيمن عليها الأكراد، نقضت تعهداتها فيما يتعلق بالاتفاق الذي وقعته مع الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي، وأشار إلى أن «اعتداءات (قسد)» تحدث كلما اقترب موعد دمج عناصرها مع القوات السورية.

وأكد علبي أن نهج الدولة هو «صون التعددية وبناء المواطنة المتساوية»، مشدداً على أن الأكراد جزء من مؤسسات الدولة السورية.

وفي وقت سابق من الجلسة، أكدت ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن تامي بروس، أن واشنطن تدعم الحكومة السورية الجديدة، مضيفة أنها تعمل على تحقيق الاستقرار في البلاد.

وقال الجيش الأميركي إنه بدأ بنقل معتقلي تنظيم «داعش» الذين كانوا محتجزين في شمال شرقي سوريا، إلى العراق.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن عملية النقل بدأت أمس (الأربعاء)، حيث تم نقل 150 عضواً من التنظيم حتى الآن من محافظة الحسكة إلى «مواقع آمنة» في العراق.

ويُتوقع نقل ما يصل إلى 7 آلاف من معتقلي التنظيم الإرهابي من سوريا إلى مرافق تسيطر عليها السلطات العراقية.


رواية كردية لأحداث سوريا... وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)
الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)
TT

رواية كردية لأحداث سوريا... وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)
الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

تتسع دائرة الجدل الكردي حول ما جرى أخيراً مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، بين توصيفه تراجعاً سياسياً فرضته موازين القوى الإقليمية والدولية، وبين اعتباره إعادة تموضع اضطرارية بانتظار اتضاح ملامح تسوية جديدة. وفي الحالتين، يتقاطع النقاش مع أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الكرد في سوريا.

واستعادت الحكومة السورية السيطرة على مساحات شاسعة من شمال وشرق سوريا من «قسد» التي يقودها الكرد، معززة بذلك حكم الرئيس السوري أحمد الشرع بعد نحو 14 شهراً من الإطاحة ببشار الأسد.

وأعاد هذا التحول السريع في مجريات الأحداث كل سوريا تقريباً إلى سلطة الدولة المركزية في دمشق، وسلّط الضوء أيضاً على تحول السياسة الأميركية.

جندي سوري يرفع علم بلاده في ميدان النعيم بالرقة بعد انتزاع السيطرة عليها من «قسد» (أ.ب)

خسارة سياسية

تزعم مصادر مقربة من قيادة «قسد»، لـ«الشرق الأوسط»، أن قواتها «لم تخض معارك ميدانية واسعة، ولا تزال تحتفظ بقوامها العسكري الذي يقدر بنحو 40 ألف مقاتل»، مشدداً على أن ما جرى «خسارة سياسية أكثر منه انهياراً عسكرياً».

وتشير المصادر إلى أن التباين الأساسي لم يكن داخل «قسد» بقدر ما كان في المقاربة الأميركية، بين رؤية قيادة التحالف الدولي في شمال شرقي سوريا، وما انتهى إليه عملياً المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك.

وأعادت الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها؛ فبحسب قراءات، فضلت واشنطن دعم السلطة السورية الجديدة وإدماجها في التحالف الدولي ضد الإرهاب، إلى جانب العمل على تحسين علاقتها بإسرائيل وتفادي الصدام مع تركيا.

وقد أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا أن بلاده تفضّل التعاون مع «الدولة السورية» في محاربة الإرهاب، بدلاً من كيان غير دولتي مثل «قسد».

وبحسب المصادر، فإن الكرد، رغم توترات شهدتها مناطق الجزيرة وتمرد بعض العشائر العربية، «لا يزالون يحتفظون بعلاقات احترام مع عدد من القبائل»، في محاولة لتفادي انزلاق الوضع إلى صراع واسع.

جندي سوري في حقل الثورة النفطي بمحافظة الرقة بعد استعادته من «قسد» الأحد (أ.ب)

مظلة «قسد»

يقول الباحث الكردي جبار قادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك تبايناً خفياً في وجهات النظر داخل (قسد)»، موضحاً أن التنظيم يقوم على مظلة كردية أساسية تضم في إطارها تشكيلات عسكرية ذات خلفيات إثنية ودينية متعددة.

ولا يستبعد قادر تأثير التدخلات المستمرة من قيادات «حزب العمال الكردستاني»، مشيراً إلى أن رسائل زعيمه المسجون كان لها «تأثير ملموس في عملية اتخاذ القرار داخل (قسد)».

ومن هذا الواقع، برزت داخل «قسد» أجنحة براغماتية، بحسب قادر، مالت إلى تجنب الصدام المباشر مع النظام السوري، قبل الحرب وبعدها، والسعي إلى الحفاظ على توازن دقيق بين أطراف الصراع. إلا أن انخراط «قسد» في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، واعتماد واشنطن عليها في محاربة «داعش»، أفرز جناحاً آخر عوّل على الدعم الغربي، ما أدخل الحركة الكردية في وضع أكثر تعقيداً، خصوصاً مع انتشار قواتها في مناطق واسعة ذات غالبية عربية.

ومع نشوء النظام السوري الجديد، برز داخل «قسد» تباين آخر بين تيار دعا إلى الانخراط المبكر مع دمشق لضمان المكاسب، وآخر فضل الانتظار خشية إعادة إنتاج دولة مركزية متحالفة مع تركيا، التي تتبنى سياسة مناهضة للحقوق الكردية.

وأضعف الانقسام وحدة القرار، وقلص قدرة «قسد» على فرض شروط تفاوضية واضحة. ويخلص قادر إلى أن القيادات الكردية «لم تكن موفقة في قراءة التحولات السياسية وتغير موازين القوى إقليمياً ودولياً».

ويشاع على نطاق واسع أن تياراً متشدداً داخل «قسد» تمثله قيادات مثل سيبان حمو وباهوز أردال، أسهم إلى حد بعيد في ضرب وحدة القرار السياسي والميداني، وقيل إنه تسبب في التصعيد الأخير في مدينة حلب.

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

انقسام لكنه طبيعي

ويرى الكاتب والباحث الكردي هوشنك وزيري أن تعدد الآراء داخل «قسد» كان طبيعياً، ولا يرقى إلى انقسام حقيقي، معتبراً أن جوهر الأزمة يرتبط بالسياسات الإقليمية، ولا سيما موقف تركيا من القضية الكردية في سوريا. ويقول إن أنقرة لا تعترف بوجود قضية كردية، وهو ما أسهم في تعقيد علاقة «قسد» بدمشق وتسريع المواجهات، مستفيداً من مناخات احتقان تاريخية ضد الكرد.

ويرفض وزيري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، توصيف ما جرى على أنه استسلام، مؤكداً أن «قسد» لم تنهَر، بل تحاول الدفاع عن مناطقها ذات الغالبية الكردية. ويربط مستقبل الكرد برؤية السلطة السورية الجديدة، محذراً من تكرار أخطاء الأنظمة السابقة، ومشدداً على أن بناء «جمهورية للجميع» يظل السؤال الحاسم في سوريا المقبلة.

دور أربيل في التهدئة

على خط موازٍ، يبرز دور «الحزب الديمقراطي الكردستاني» في العراق. ويقول كفاح محمود، المستشار الإعلامي لرئيس الحزب مسعود بارزاني، إن الحزب دعم مساعي السلام بين الحكومة التركية و«حزب العمال الكردستاني»، واستقبل وفود الحوار، بالتوازي مع دعم المباحثات بين «قسد» والحكومة السورية الجديدة منذ أيامها الأولى.

ويرى محمود أن للحزب دوراً مهماً في وقف إطلاق النار الأخير والعودة إلى الحوار، ما أفضى إلى الإعلان الذي رحب به رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني.

ويضيف محمود أن العمل جارٍ لترسيخ التهدئة وتطبيق الاتفاق «بما يحافظ على السلم والأمن المجتمعي، ويحقق ما يصبو إليه الكرد بوصفهم مكوناً أساسياً من مكونات الشعب السوري»، معتبراً أن تواصل بارزاني مع الرئيس السوري أحمد الشرع يؤكد «مكانة الحزب ودوره في إرساء أسس السلام».

جندي سوري في حقل الثورة النفطي بمحافظة الرقة بعد استعادته من «قسد» الأحد (أ.ب)

سيناريوهات

أما على صعيد السيناريوهات المقبلة، فيرى قادر أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في تسوية مع دمشق، حتى وإن تطلبت تنازلات مؤلمة، مثل تقليص الصلاحيات العسكرية والإدارية، ودمج «قسد» في الجيش السوري، مع ما يحمله ذلك من تحديات تنظيمية.

في المقابل، ينظر إلى التوسع التركي المحتمل بوصفه السيناريو الأخطر، لما قد يحمله من تغيير واسع في مناطق أساسية، فضلاً عن خطر عودة تنظيم «داعش»، مستبعداً في الوقت نفسه أن «يسمح الوجود الأميركي في سوريا بانزلاق الأطراف في صراع دموي طويل الأمد أو محاولة مسح الهویة الكردیة كلیاً»، على حد تعبيره.

في المحصلة، يتفق معظم المراقبين الكرد على أن مستقبل مناطق شمال شرقي سوريا بات رهناً بتسوية مع دمشق، مهما كانت كلفتها، باعتبارها أقل الخيارات خسارة في ظل توازنات القوى الراهنة.