المجاعة تنهش السودان... «لا طعام ولا دواء ولا أي شيء»

الأم السودانية النازحة منى إبراهيم وأطفالها يجلسون على الأرض في مخيم زمزم للنازحين داخلياً الذي يعاني من المجاعة في شمال دارفور في 21 يناير 2025 (أ.ف.ب)
الأم السودانية النازحة منى إبراهيم وأطفالها يجلسون على الأرض في مخيم زمزم للنازحين داخلياً الذي يعاني من المجاعة في شمال دارفور في 21 يناير 2025 (أ.ف.ب)
TT

المجاعة تنهش السودان... «لا طعام ولا دواء ولا أي شيء»

الأم السودانية النازحة منى إبراهيم وأطفالها يجلسون على الأرض في مخيم زمزم للنازحين داخلياً الذي يعاني من المجاعة في شمال دارفور في 21 يناير 2025 (أ.ف.ب)
الأم السودانية النازحة منى إبراهيم وأطفالها يجلسون على الأرض في مخيم زمزم للنازحين داخلياً الذي يعاني من المجاعة في شمال دارفور في 21 يناير 2025 (أ.ف.ب)

في خلال شهرين، دفنت منى إبراهيم اثنين من أولادها قضيا جوعاً في مخيّم للاجئين في السودان الذي تنهشه حرب أهلية منذ نحو سنتين بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وشهدت هذه الأمّ البالغة 40 عاماً، التي لا حول لها، كيف انطفأت ابنتها رانيا في ربيعها العاشر قبل أن يموت منتصر في شهره الثامن في مخيّم زمزم، حسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وهي باتت تخشى على حياة ابنتها رشيدة (4 سنوات) التي تعاني من فقر حادّ في الدمّ بلا أيّ رعاية طبّية.

الأم السودانية النازحة منى إبراهيم وأطفالها يجلسون على الأرض في مخيم زمزم للنازحين داخلياً الذي يعاني من المجاعة في شمال دارفور في 21 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وتتحسّر في تسجيل مصوّر أرسلته عبر «واتسابـ» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أمام مأوى بلا سقف قرب الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور التي تحاصرها «قوّات الدعم السريع» منذ مايو (أيار): «أنا خائفة جداً أن تضيع منّي. نحن متروكون».

وتؤكّد: «ليس هناك طعام ولا دواء ولا أي شيء».

وتروي منى كيف فقدت اثنين من أولادها وهي عاجزة عن مساعدتهما: «ما كان لي سوى أن أضمّهما وهما يحتضران».

وكانت رانيا أوّل من لقي حتفه في المستشفى الوحيد في الفاشر الذي ما زال قيد الخدمة لكنّه يعاني نقصاً شديداً في الطواقم والمعدّات الطبية، في نوفمبر (تشرين الثاني) بعد ثلاثة أيّام من إدخالها بسبب إسهال حادّ. وبعد بضعة أسابيع، لحقها منتصر بعدما انتفخ جسده الصغير بسبب سوء تغذية حادّ.

«هذا كلّ ما لدينا»

أُعلنت حالة المجاعة في مخيّم زمزم الشاسع الذي أنشئ سنة 2004، ويضمّ ما بين 500 ألف ومليون شخص، بالاستناد إلى نظام تصنيف مدعوم من منظمات الأمم المتحدة. وانتشرت في مخيّمين آخرين، وفي بعض أنحاء جبال النوبة في جنوب البلد.

وأنكرت الحكومة الموالية للجيش حدوث مجاعة في البلد، في حين يعاني ملايين الأشخاص نقصاً في التغذية.

في «سلام 56»، إحدى الوحدات الـ48 المكتظّة باللاجئين التي تشكّل مخيّم زمزم، تهزّ أمّهات أطفالهن الذين يعجزون عن المشي من شدّة الإنهاك. وتتشارك عائلات بقايا طبق فول لا طعم له.

وتقرّ راوية علي (35 عاماً)، وهي أمّ لخمسة أطفال: «هذا كلّ ما لدينا». وإلى جانبها دلو فيه ماء عكر من خزّان لمياه الأمطار على بعد ثلاثة كيلومترات، «تشرب منه الحيوانات ونحن أيضاً».

وتعيش في «سلام 56» أكثر من 700 أسرة نزحت من جرّاء الحرب الطاحنة التي تدور منذ أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوّات الدعم السريع» بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو الملقب بـ«حميدتي».

ويقول المنسّق المشرف على الوحدة آدم محمود عبد الله، إنه لم يتلقّ سوى أربع شحنات من المساعدات الغذائية منذ اندلاع الحرب، تعود آخرها إلى سبتمبر (أيلول) مع نحو عشرة أطنان من الدقيق، و«مذاك، لم يصلنا شيء».

ويعكس البؤس الذي حلّ بزمزم ضراوة هذه الحرب التي أودت بحياة عشرات الآلاف، وهجّرت أكثر من 12 مليون شخص وتسبّبت بـ«أكبر أزمة إنسانية تسجّل على الإطلاق»، بحسب «لجنة الإغاثة الدولية» (آي آر سي).

أم تحتضن طفلها الذي يعاني من سوء التغذية الحاد في مستشفى الرحمة في ولاية جنوب كردفان بالسودان (رويترز)

«قرارات تدمي القلوب»

وعلى مسافة نحو 700 كيلومتر من جنوب شرقي مخيّم زمزم، ليس الوضع أفضل حالاً.

وأمام أحد آخر المطابخ الجماعية قيد العمل في مدينة ديلينغ في جنوب كردفان، تمتدّ طوابير الانتظار إلى ما لا نهاية له، بحسب ما تخبر نازك كابالو التي تدير مجموعة للدفاع عن حقوق النساء.

وفي الصور التي تشاركتها مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، نساء ورجال وأطفال هزلى منتفخو البطون، عظامهم ناتئة، يصعب عليهم الوقوف من شدّة الإنهاك.

وبعد أيام من دون أي لقمة تسدّ الرمق، «ينهار البعض منهم... في حين يتقيّأ البعض الآخر عندما يحصل على بعض الطعام»، بحسب كابالو.

وفي كردفان الجنوب التي كانت فيما مضى منطقة زراعية غنيّة، يقتات بعض المزارعين بذوراً كان يفترض بهم زرعها، أو يغلون أوراق نبات.

وتؤكّد كابالو: «بتنا نلحظ الجوع في مناطق لم تشهد سابقاً مجاعة».

نساء سودانيات فررن من الصراع في منطقة دارفور بالسودان يصطففن لتلقي حصص الأرز من متطوعي الصليب الأحمر في أورانغ على مشارف أدري بدولة تشاد 25 يوليو 2023 (رويترز)

وقد حلّ الجوع بهذا البلد الزاخر بالموارد الطبيعية، حتّى على بعد مئات الكيلومترات من المناطق التي ضربتها المجاعة.

وفي القضارف، على بعد 400 كيلومتر من جنوب شرقي الخرطوم، حيث يعيش أكثر من مليون نازح، تصل عائلات فارة من المعارك الضارية يائسة ومتضوّرة.

وتخبر ماري لوبول، مديرة الشؤون الإنسانية في منظمة «أنقذوا الأطفال» غير الحكومية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها رأت «أطفالاً شديدي الضعف، تسيل أنوفهم، ويعانون التهاباً في ملتحمة العين. ويتّخذ الأهل قرارات تدمي القلوب ليحدّدوا أيّاً من أطفالهم تحتّم عليه الموت».

تداعيات طويلة الأمد

في جنوب العاصمة الخرطوم، أخبر عمّال في برنامج الأغذية العالمي أنهم رأوا أشخاصاً «هم جلد على عظم»، يقتاتون عدساً وحبوباً مغلية، بحسب ما نقلت ليني كينزلي، المسؤولة عن التواصل في البرنامج، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتؤكد المنظمات المعنية بالمساعدات الإنسانية أن الحرب تجعل عملها شبه مستحيل.

صورة ملتقطة في يناير 2024 تُظهر نساء وأطفالاً في مخيم زمزم للنازحين بالقرب من الفاشر في شمال دارفور (رويترز)

وتكشف لوبول: «لا يمكننا بكلّ بساطة أن نحمّل الإعاشات في شاحنة وننقلها إلى المناطق المتأثّرة بالمجاعة. فحواجز العبور وقرارات الرفض وعمليات النهب من جماعات مسلّحة تحرم من هذه المساعدات مَنْ هم في أشدّ الحاجة إليها».

ومن دون تحرّك سريع، قد تعيث المجاعة خراباً في البلد، بحسب منظمات غير حكومية.

وتحذّر لوبول من أن «أشخاصاً يموتون راهناً لكنّ التداعيات الطويلة المدى ستلاحق السودان على مدى أجيال».

ومع حلول الليل في مخيّم زمزم، تتمدّد ابنة منى إبراهيم على الفراش بلا طاقة ومقطوعة النفس. وتقول والدتها: «لا أعلم إلى أي حد يمكننا أن نصبر».


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

شمال افريقيا مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

أعلن الجيش السوداني، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة معادية من طراز «FH – 95» صينية الصنع، في مدينة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:59

البرهان يفتح باب الحوار ويتمسك بحسم «الدعم السريع»

أعلن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، موافقته رسمياً على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لإطلاق حوار سوداني خالص بضمانات وحصانات للمشاركين.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة) p-circle

هجمات المسيّرات تشعل 3 جبهات في السودان

احتدم القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، الخميس، على محورَي كردفان والنيل الأزرق، إضافة إلى الخرطوم في أكبر هجمات بالمسيرات منذ بداية الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مواطنون يزيلون الأنقاض من ساحة جامع في الخرطوم بحري أصيب بهجوم المسيرات (أ.ف.ب)

«الدعم السريع» تشن هجوماً واسع النطاق بالمسيّرات على الخرطوم ومدن سودانية

شنّت «قوات الدعم السريع»، الأربعاء، هجوماً واسعاً بعشرات الطائرات المسيّرة طالت عدداً من المدن السودانية الكبرى في شمال البلاد وغربها.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)

هجوم بمسيّرات على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان

وقع هجوم بمسيّرات، فجر اليوم، على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان، وفق مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» وشهود.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم )

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
TT

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

في تصعيد جديد للتوتر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، حذّر مصدر مصري مسؤول من «خطط إثيوبيا للسيطرة على تدفقات مياه النيل».

وجاء التحذير ردّاً على تصريحات أخيرة منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، بشأن بناء سدود إضافية على نهر النيل، والسيطرة على تدفقات المياه إلى دولتي المصبّ مصر والسودان.

وحسب وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية في مصر، أكّد مصدر مصري مسؤول أن «القاهرة لديها أدوات متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل، وأن مصر لن تقبل، ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات المياه لدول المصبّ».

واعتبر دبلوماسيون ومراقبون مصريون، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أحاديث إثيوبيا تبرهن على أن سد النهضة هدفه سياسي للضغط على القاهرة، «وليس مشروعاً تنموياً كما تروج»؛ لافتين إلى أن دولتي المصب «تعرضتا لمخاطر بسبب التصرفات الأحادية من الجانب الإثيوبي»، وأن القاهرة تتخذ مسارات دبلوماسية عدة لحماية حقوقها المائية.

والخلاف بين القاهرة وأديس أبابا ممتد لنحو 15 عاماً بسبب النزاع حول مشروع «سد النهضة» الذي أنشأته إثيوبيا على رافد نهر النيل الشرقي، وأعلنت افتتاحه قبل عام تقريباً، وتخشى القاهرة أن يؤثر على حصتها المائية.

وفي الأيام الأخيرة، تداولت وسائل إعلام عربية ومحلية تصريحات منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، قال فيها إن «تدفق مياه النيل باتجاه دول المصبّ سيكون تحت سيطرة بلاده». وأشار أيضاً إلى أنها «تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل، في إطار الاستخدام العادل لمياه النيل، وتحقيق التنمية المستدامة».

غير أن المصدر المصري المسؤول قال إن تصريحات المسؤول الإثيوبي «تمثل إمعاناً في نهج أديس أبابا الأحادي في انتهاك القانون الدولي، وتعكس استمرار أوهام إثيوبيا بإمكانية فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك وإخضاعه لإرادة دولة واحدة».

وقال المصدر، في تصريحات نقلتها الوكالة الرسمية بمصر، إن «هذه التصريحات تُسقط مجدداً الادعاءات الإثيوبية المتكررة بأن تحركاتها تستهدف التنمية دون الإضرار بالآخرين».

مخاوف في مصر من تأثير السد الإثيوبي على حصتها المائية (وزارة الري المصرية)

وأضاف أن الإعلان صراحة عن السعي إلى السيطرة على تدفقات نهر دولي يعبِّر عن «توجه بالغ الخطورة لفرض الأمر الواقع واحتكار مورد مائي دولي مشترك». وقال إن إثيوبيا «تسعى لاستخدام الموقع الجغرافي لتهديد الحقوق والمصالح المائية لدولتي المصب، بالمخالفة للقانون الدولي، ولن تسمح مصر بفرضه كأمر واقع».

وحسب المصدر المصري، فإن القاهرة سبق أن أعلنت في خطاباتها إلى مجلس الأمن أنها «ستتخذ كافة التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوق ومقدرات شعبها في نهر النيل».

«خيارات عديدة»

ولدى مصر «خيارات عديدة»، وفقاً للقانون الدولي، لحماية مصالحها وحقوقها المائية، حسبما قال عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، من بينها - على الصعيد الدبلوماسي - اللجوء مرة أخرى لمجلس الأمن «لتوثيق النوايا الإثيوبية للإضرار بدولتي المصب»، مشيراً إلى أنها يمكن أن «تطالب بإجراءات لفضّ المنازعات الدولية وفق الفصل السادس».

وتابع قائلاً: «في حالة عدم التجاوب، يمكن اللجوء للفصل السابع، على اعتبار أن السد الإثيوبي يمثل عدواناً ويهدد الحياة والوجود لدولتي المصب، ما يستوجب حق الدفاع عن النفس».

ويتعلق «الفصل السادس» بـ«التسوية السلمية للمنازعات»، ويُلزم الدول بالبحث عن «حلول سلمية مثل التفاوض والوساطة»، ويسمح بـ«توصيات فقط دون إكراه». وفي المقابل، يمنح «الفصل السابع» مجلس الأمن سلطة اتخاذ «إجراءات قسرية، عسكرية وغير عسكرية، لحفظ السلم والأمن الدوليين».

وأصدر مجلس الأمن الدولي بياناً رئاسياً في 15 سبتمبر (كانون الأول) 2021، عقب مناقشة قضية «سد النهضة»، حثّ فيه مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف المفاوضات، بدعوة من رئيس الاتحاد الأفريقي، بـ«هدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف، وعلى وجه السرعة، بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، ضمن إطار زمني معقول».

وقال حليمة لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأثيوبية الأخيرة تؤكد الرواية المصرية التي ترى أن سد النهضة هدفه سياسي، وليس تنموياً، على عكس ما تشيع أديس أبابا»، مضيفاً أن هناك أضراراً تتعرض لها بالفعل دولتا المصب، وأن هناك «اعتداء على حقوقهما المائية، كان من بينها انحسار المياه مؤخراً في السودان».

وتابع: «النهج الإثيوبي العدائي في قضية المياه يستوجب مجابهته لتفعيل مبادئ القانون الدولي بشأن إدارة الأنهار الدولية».

القانون الدولي

وأكد المصدر المصري على أن «نهر النيل ليس ملكاً لدولة بعينها، وأن أوهام السيطرة عليه أو التحكم المنفرد في تدفقاته تتعارض بصورة صارخة مع القواعد المستقرة للقانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية المشتركة، وفي مقدمتها عدم الإضرار، والتشاور والتوافق والتعاون بحسن نية، واحترام حقوق ومصالح باقي دول الحوض».

وقال أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الإثيوبية الأخيرة تأتي بعد تأكيدات مسؤولين مصريين بعدم السماح لأديس أبابا ببناء سدود جديدة»، مضيفاً أن القاهرة ترى في التشغيل الأحادي للسد من جانب إثيوبيا «تهديداً دائماً لدولتي المصب».

ويرى شراقي أن الجانب الإثيوبي «يُريد أن يُبقى وضع السد دون تفاوض أو أي اتفاق قانوني ملزم»، وأن «الخطورة تكمن في محاولة أديس أبابا استغلال الوضع لبناء سدود أخرى»، عاداً ذلك «يهدد الأمن والسلم بالمنطقة».

وكان وزير الري المصري هاني سويلم قد أكد، الأسبوع الماضي، أن «بلاده لن تسمح ببناء سدود جديدة في إثيوبيا».


«المربوعة» في ليبيا... مجلس تتوارثه الأجيال ويتسع دوره السياسي

جانب من جلسة في «مربوعة» أحد أعيان مدينة سلوق بشرق ليبيا (الشرق الأوسط)
جانب من جلسة في «مربوعة» أحد أعيان مدينة سلوق بشرق ليبيا (الشرق الأوسط)
TT

«المربوعة» في ليبيا... مجلس تتوارثه الأجيال ويتسع دوره السياسي

جانب من جلسة في «مربوعة» أحد أعيان مدينة سلوق بشرق ليبيا (الشرق الأوسط)
جانب من جلسة في «مربوعة» أحد أعيان مدينة سلوق بشرق ليبيا (الشرق الأوسط)

في شرق ليبيا وغربها، لا تزال «المربوعة» حاضرة في بيوت تتوارثها أجيال، بوصفها غرفة لاستقبال الضيوف ومجلساً اجتماعياً يجمع شيوخ القبائل والشباب، قبل أن تتسع وظيفتها لتشمل الشأن العام، وتعزز حضورها في «شبكات النفوذ السياسي والمسلح» منذ سقوط نظام الزعيم الراحل معمر القذافي في 2011.

وفي مدينة سلوق بشرق البلاد، رصدت «الشرق الأوسط» جانباً من أجواء هذه المجالس، حيث اجتمع شيوخ وأعيان وشباب وموظفون داخل غرفة استقبال ملحقة بمنزل أحدهم.

وتوزعت الأحاديث في أمسية ليلية بين مشروعات «إعادة الإعمار»، والتحسن النسبي في الخدمات بمدن الشرق، والمخاوف من استمرار التعقيدات الأمنية والسياسية في غرب ليبيا، فضلاً عن قضايا اجتماعية ومعيشية وأحوال الناس اليومية.

ومن ثم لا تبدو «المربوعة» مجرد غرفة للضيافة، بل إن لها، حسب باحثين اجتماعيين، مكانتها بوصفها مساحة اجتماعية في البيوت الليبية تواصلت عبر أجيال، وظلت تؤدي دوراً في جمع الناس وتبادل الآراء، رغم تغير أنماط البناء وتصميم المنازل.

ويترسخ هذا التصور في دراسة أكاديمية تحدثت عن أن التطور المعماري في البيوت الليبية العصرية لم يقترب من وظيفة «المربوعة» الاجتماعية، إذ لا يزال الليبيون يخصصون لها مساحة مستقلة وواسعة، حسب عواطف فرج بوجلدين، الباحثة في كلية الفنون والعمارة بجامعة درنة.

ولم يكن حضور «المربوعة» في الشأن العام وليد مرحلة ما بعد 2011، وإن ظل دورها السياسي قبل ذلك محدوداً مقارنة بما آلت إليه وظائفها لاحقاً.

فقبل «ثورة» فبراير (شباط) 2011، ارتبطت مجالسها بمعالجة المشكلات الاجتماعية، والتدخل في حل النزاعات الأهلية، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية وجمع التبرعات.

كما كان لها حضور سياسي محدود تمثل في المشاركة في اختيار ممثلي المدن والقرى في المؤتمرات الشعبية الأساسية، التي كانت تؤدي دوراً شبيهاً بالمجالس المحلية في الوقت الراهن، وفق حديث عضو مجلس النواب فهمي التواتي لـ«الشرق الأوسط».

ومع سقوط نظام القذافي وما أعقبه من ضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي والأمني، اتسعت وظائف هذه المجالس، فتحولت في مناطق عدة إلى فضاءات غير رسمية للنقاش والتشاور والمصالحة، وأصبحت جزءاً من شبكات العلاقات المحلية.

ويفسر رئيس «المنظمة الليبية للتنمية السياسية»، جمال الفلاح، جانباً من هذا التحول انطلاقاً من تجربة عايشها خلال الفوضى الأمنية التي أعقبت 2011، حين كانت بعض الميليشيات تقتحم اجتماعات سياسية.

ويشير في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى أن «المربوعة» وفرت في بعض الحالات مساحة أكثر أمناً لعقد اجتماعات تتعلق بالدستور أو الترتيبات السياسية، إذ كان اقتحامها يعد خرقاً للأعراف الاجتماعية.

ويرى الفلاح أن مجالس «المربوعة» أدت أيضاً دور «رمانة الميزان» خلال فترات غياب الدولة، عندما عادت القبيلة إلى الواجهة لتؤدي أدواراً أوسع في ضبط التوازنات واحتواء الخلافات.

كما لعبت هذه المجالس دوراً في المصالحات المحلية، إذ استضافت لقاءات بين قبائل ومدن متخاصمة، وساعدت في مناقشة قضايا تتعلق بوقف الثأر وفتح الطرق وعودة المهجرين وتسوية النزاعات.

ويستند هذا الدور إلى المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها شيوخ القبائل والأعيان، وإلى الأعراف المحلية التي تمنح التفاهمات التي تنشأ داخل هذه المجالس وزناً في مجتمعاتها.

ولا يقتصر حضور «المربوعة» على المصالحات، إذ يشير التواتي إلى أنها أصبحت في بعض المناطق مساحة للتشاور والتوافق بشأن المرشحين في الاستحقاقات الانتخابية.

ويمتد حضور «المربوعة» إلى مدن وقرى عدة شرقاً وغرباً، وإن اختلفت طبيعة دورها من منطقة إلى أخرى. ويقول التواتي إن حضورها «لا يزال أكثر وضوحاً خارج مراكز المدن الكبرى».

وفي طرابلس، تراجع حضورها التقليدي داخل قلب العاصمة لتحل الفنادق والمكاتب واللقاءات الخاصة والرسمية محلها في كثير من الأحيان، لكنه يؤكد استمرارها في الضواحي.

ولا يعني تراجع شكلها التقليدي، وفق التواتي، اختفاء دورها، إذ يمكن أن تكون جلساتها تمهيداً اجتماعياً لما يجري لاحقاً في الفنادق والمكاتب من لقاءات سياسية، وربما تفاهمات أو صفقات سياسية.

ويضيف التواتي أن كثيراً من التفاهمات التي تناقَش في الأماكن المغلقة قد تسبقها مشاورات اجتماعية داخل «المربوعة»، خصوصاً في المدن والقرى التي لا تزال تحتفظ بهذا النمط من التواصل.

ويرصد سياسيون وبرلمانيون ومحللون اتساع توظيف «المربوعة» لبناء العلاقات وتوطيد النفوذ الاجتماعي والسياسي، حتى مع تغير شكلها في بعض المناطق واتخاذها طابعاً أكثر عصرية.

وفي غرب ليبيا، تظهر بين حين وآخر صور ولقطات لقيادات سياسية وأمنية وعسكرية خلال جلسات داخل مجالس اجتماعية؛ كما احتضنت «المربوعة» لقاءات لرئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقت عبد الحميد الدبيبة في منزله مع قادة اجتماعيين وقبليين.

مربوعة المنزل تجمع أيضاً قيادات مجموعات مسلحة في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لمعمر الضاوي قائد إحدى المجموعات المسلحة)

أما في شرق البلاد، فقد احتضنت «المربوعة» لقاءات قبل عدة أعوام بين سلطات شرق ليبيا وأعضاء في مجلسي النواب والدولة، بهدف ترطيب الأجواء والحصول على قاعدة شعبية لمشروعات الإعمار، حسب مصدر برلماني فضّل عدم الكشف عن هويته.

لكن اتساع الدور السياسي لـ«المربوعة» يثير نقاشاً حول حدود تأثير المؤسسات الاجتماعية غير الرسمية في إدارة الشأن العام، وسط تحذيرات من تحولها إلى بديل عن مؤسسات الدولة.


«الدولة» الليبي يرفض رسمياً استقالة محافظ «المركزي»

رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)
رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)
TT

«الدولة» الليبي يرفض رسمياً استقالة محافظ «المركزي»

رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)
رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)

رفض المجلس الأعلى للدولة في ليبيا استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، وسط أنباء عن قرب عودته إلى عمله بـ«شروط».

وأعلن رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، في رسالة رسمية الأحد، رفضه «طلب الاعتذار والإعفاء الذي تقدم به عيسى»، وطالبه في خطاب رسمي بالاستمرار في أداء مهامه والاضطلاع بمسؤولياته.

يأتي هذا فيما بحث عيسى مع الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، مستجدات الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد. ونشر تكالة رسالته عقب اجتماع عقده أيضاً في مكتبه مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة.

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى مستقبلاً المبعوثة الأممية لدى البلاد هانا تيتيه بطرابلس يوم الأحد (المركزي)

وأوضح المصرف المركزي أن لقاء عيسى وتيتيه تناول أيضاً «جهود المصرف في تنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية مع الجهات ذات العلاقة».

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر بـ«المصرف المركزي» أن المحافظ يستعد للعدول عن استقالته والعودة لممارسة مهامه، مقابل تنفيذ ثلاثة شروط رئيسية، تشمل ممارسة مجلسي النواب والدولة ضغوطاً على مختلف الأطراف لتسريع تنفيذ الاتفاق التنموي الموحد، ووقف أي زيادات جديدة في بند المرتبات، وإصدار قوانين ولوائح وسياسات لحماية موارد الدولة والحد من التهريب وتقليص الضغط على العملة الأجنبية.

وكان عيسى قد لوَّح باستقالته بسبب الضغوط المتزايدة وتعارض الرؤى الاقتصادية والمالية بين مؤسسات الدولة المختلفة، في خطوة فجرت تفاعلات واسعة ومتباينة بين الأطراف المحلية والدولية.

وسبق أن اجتمع عيسى، الأربعاء الماضي، مع تكالة وأعضاء المكتب السياسي ورؤساء اللجان الدائمة للمجلس، وأكدوا «رفض اعتذار عيسى عن ممارسة مهامه، واستمراره في العمل».

وفي الاجتماع استعرض عيسى أبرز التحديات المالية والنقدية، وما يتصل بإدارة الموارد العامة والإنفاق والسيولة وسعر الصرف، وانعكاساتها على الاستقرار الاقتصادي والأوضاع المعيشية للمواطنين.