«بكاء وزغاريد وتكبيرات»... هكذا كانت مسيرة العودة إلى شمال غزة

«الشرق الأوسط» رافقت آلاف النازحين في رحلتهم

TT

«بكاء وزغاريد وتكبيرات»... هكذا كانت مسيرة العودة إلى شمال غزة

نازح فلسطيني يعبر عن فرحته بالعودة إلى شمال غزة (الشرق الأوسط)
نازح فلسطيني يعبر عن فرحته بالعودة إلى شمال غزة (الشرق الأوسط)

 

بالبكاء والزغاريد والهتافات وحتى «تكبيرات العيد»، شق آلاف النازحين طريقهم من جنوب قطاع غزة إلى شماله، وسط مشاعر مختلطة غلبت عليها الفرحة بعد أن هُجروا قسراً من بيوتهم جراء حرب إسرائيلية تواصلت 15 شهراً.

ومنذ أن أعلن ليلاً عن التوصل لاتفاق يسمح بعودة النازحين، تجمع الآلاف عند «تبة النويري» بالنصيرات وسط قطاع غزة، وقضوا ليلتهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، إلى جانب آخرين نصبوا خياماً مؤقتة، في ظل لحظات عصيبة خشيةً من أي توتر جديد يمنع عودتهم.

وساد خلاف بين «حماس» وإسرائيل على موعدة بدء عودة النازحين، الذي كان مقرراً الأحد، لكن إسرائيل رفضت السماح بذلك لتمسكها بالإفراج عن رهينة قالت إنها مدنية بينما تمسكت الحركة بأنها «عسكرية»، لكن الوسطاء تدخلوا للوصول إلى توافق أسفر عن بدء العودة الاثنين.

وبحسب ما رصدت «الشرق الأوسط» فإن بداية التحركات جاءت عقب أداء كثير من العائدين لصلاة الفجر، وبعدها راقبوا تحركات دبابات الاحتلال الإسرائيلي التي تراجعت تدريجياً، وعقب ذلك تدفق شباب ركضاً وكأنهم في سباق، قبل أن يلحق بهم عشرات الآلاف من السكان مشياً على الأقدام إلى شمال قطاع غزة.

تجاهل المخاطر

ورغم المخاطر، لم ينتظر السكان طواقم الدفاع المدني وخبراء المتفجرات من الأجهزة الأمنية لفحص الطرق خشية وجود أي من مخلفات الاحتلال، وسارعوا بالعودة فوراً، وفق ما رصدت «الشرق الأوسط».

النازحون لم ينتظروا إجراءات التأمين وتوجهوا شمال غزة فور انسحاب الدبابات الإسرائيلية (الشرق الأوسط)

ولم تستطع الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة «حماس» في غزة تطبيق خطتها الأمنية لمنع مرور المواطنين قبل اتخاذ الإجراءات اللازمة حفاظاً على حياتهم، وذلك بسبب السيل البشري الكبير الذي تدفق من الجنوب إلى الشمال.

وبحسب بيان أصدرته «حماس»، الخميس الماضي، فإنه يُسمح للمواطنين بالانتقال من «محافظات الجنوب والوسطى إلى محافظات غزة والشمال من شارع الرشيد - البحر (مشياً على الأقدام فقط، وليس بالمركبات والسيارات).

وأشارت الحركة إلى أن العودة عبر مفترق الشهداء (نتساريم) - شارع صلاح الدين ستكون «بالمركبات والسيارات فقط، وليس مشياً على الأقدام»، مشيرة إلى أنه «سيكون هناك تفتيش عبر (جهاز X - RAY) لجميع المركبات بأصنافها».

فرحة بعد ألم وفقد

تقول سهام صافي وهي من سكان مخيم جباليا (شمال غزة)، وكانت نازحة في دير البلح (وسط)، لـ«الشرق الأوسط»: «لم أصدق أن هذه اللحظة ستأتي وأننا سنعود إلى مكان سكننا، بعد أن فقدت الأمل في العودة مجدداً».

وأشارت صافي إلى أنها فقدت منزلها ودمر بشكل كامل، لكنها تريد العودة إليه وتراه «حتى ولو كان ركاماً».

وبيّنت أنها قطعت مسافة طويلة حتى وصلت إلى «محور نتساريم» وصولاً لأطراف مدينة غزة، مشيرةً إلى أن المشي أنهكها تماماً، لكنها فعلت ذلك مضطرة في ظل اشتراطات الاحتلال من جانب وعدم قدرتها على دفع مبالغ باهظة الثمن وصلت إلى لأكثر من 1300 دولار من أجل أن تعود بمركبة عبر طريق صلاح الدين.

النازحون قطعوا مسافات طويلة على الأقدام في ظل صعوبة التنقل بالسيارات (الشرق الأوسط)

وقطع بعض العائدين نحو 7 كيلومترات من «تبة النويري» بالنصيرات وصولاً إلى دوار النابلسي بمدينة غزة سيراً على الأقدام، وغالبيتهم لم يفلح بالحصول على فرصة العودة لمكان سكنه بمركبة أو أي عربة، ما اضطره لاستكمال مسافات أكبر وصلت إلى 20 كيلومتراً في بعض الحالات، رغم أنهم يحملون أطفالهم وأمتعتهم. كما رصد مراسل «الشرق الأوسط».

وقال الشاب سمير شريم الذي كانت اعتقلته إسرائيل من شمال القطاع وأبعدته إلى جنوبه بعد الإفراج عنه، إن هذا التعب بعد السير لمسافات طويلة «يستحق لأنني سأعود لبيتي واشتقت لمنطقة سكني في حي الشيخ رضوان». وأضاف: «فرحتي لا يمكن أن توصف... أخيراً راجعين لبيوتنا ولغزة... اشتقنا لكل حاجة فيها».

أما المسنة فاتن الحجار وهي من سكان مخيم الشاطئ فقالت إنها تعود لمنزلها «بعد أكثر من عام عاشته في الخيام بظروف قاسية وصعبة جداً، فقدت خلالها اثنين من أبنائها». وأضافت: «لا شيء يعوضني عن أبنائي، ورغم كل الألم والوجع والقهر، إلا أني مبسوطة بعودتي لبيتي».

«حركة عكسية»

ومن بين مشاهد لافتة رصدها مراسل «الشرق الأوسط»، بدا أن بعض من تبقوا في شمال غزة، تحركوا عكسياً من مواقعهم إلى وسط وجنوب القطاع، لتقريب المسافات ولقاء عائلاتهم النازحة مبكراً واستكمال الحركة معهم.

وقال الشاب محمد الجوراني لـ«الشرق الأوسط»: «جئت من مخيم الشاطئ، وقطعت مسافة لا تقل عن 16 كيلومتراً، وسأصل إلى أقرب نقطة ممكنة من أجل لقاء والدتي التي اشتقت إليها كثيراً». وأضاف: «أنا مستعد أقطع 40 كيلومتراً من أجل أن أشاهد أمي وأشقائي بعد حرمان استمر 13 شهراً».

بعض من ظلوا شمالاً تحركوا جنوباً لاستعجال لقاء عائلاتهم (الشرق الأوسط)

ولم يكن الحال مغايراً بالنسبة لرامز الحسني، الذي كان ينتظر عودة شقيقه الأكبر بعد أن فقدا والدتهما في مواصي خان يونس إثر وفاتها مريضة خلال محاولة نزوحها.

وبعدما تبادل الشقيقين الأحضان وهما يبكيان، قال رامز: «مشاعري مختلطة ولا أعرف فيما إذا كنت أبكي من السعادة بعودة شقيقي أو حزناً على وفاة والدتي... كانت أشهراً عصيبة وشعرنا وكأننا في غربة ولن نلتقي مرةً أخرى لكننا اليوم اجتمعنا بعد معاناة كبيرة».

«غصب عن الاحتلال»

ورغم الظروف الصعبة التي عاشها النازحون في جنوب قطاع غزة، والدمار الذي لحق في مناطق شماله، وتدمير غالبية المنازل، فإن بعضهم عد عودتهم تحدياً لإسرائيل وحكومتها ومنهم النازح فريد سليمان الذي قال: «رجعنا غصباً عن نتنياهو وكل حكومة الاحتلال... والتحية للمقاومة اللي رجعتنا على بيوتنا، وأفشلت مخططات التهجير»، وفق قوله.

آلاف الفلسطينيين يشقون طريقهم نحو شمال غزة (الشرق الأوسط)

وطالب سليمان الجهات الوسيطة وكل الأطراف بالإسراع بإدخال خيام وغيرها من المساعدات لمناطق شمال قطاع غزة بهدف إيواء النازحين العائدين بعدما فقد غالبيتهم منازلهم، مشيراً إلى أن هناك عائلات لم تستطع جلب خيامها معها بسبب المسافات الكبيرة التي قطعتها سيراً على الأقدام.

وذهب نازح آخر، واسمه عطية الهبيل، وكان من أوائل الشبان الذين عادوا إلى شمال القطاع إلى أن عودة النازحين تعني (تماماً) فشل كل محاولات ومخططات الاحتلال الإسرائيلي التي كانت تهدف لتهجير السكان من شمال قطاع غزة إلى جنوبه وربما من هناك إلى سيناء أو غيرها». وقال: «صمودنا نحن المواطنين الذين لا حول لنا ولا قوة هو ما أفشل هذه المخططات». وتابع: «كما تم تعمير غزة عدة مرات في حروب سابقة سنعود لتعميرها مرة أخرى... ولن نسمح مرة أخرى بتهجيرنا».


مقالات ذات صلة

«إطار ملادينوف»... رهان الضمانات بين نزع سلاح «حماس» وانسحاب إسرائيل

المشرق العربي فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

«إطار ملادينوف»... رهان الضمانات بين نزع سلاح «حماس» وانسحاب إسرائيل

محادثات بشأن تنفيذ بنود اتفاق غزة مع حركة «حماس» في أعقاب لقاءات مع الممثل السامي لقطاع غزة بمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، شهدت مطالبات بضمانات للتطبيق.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي سفينة «إترنيتي سي» تغرق بالبحر الأحمر في مشهد من فيديو نشره الحوثيون يوم 9 يوليو 2025 (رويترز)

بحار روسي يغادر اليمن بعد شهور من احتجازه في هجوم حوثي 

 غادر بحار روسي اليمن متجها ​إلى بلاده بعد أن ظل محتجزا لحوالي ثمانية أشهر على أثر تعرض سفينة كان على متنها لهجوم من المسلحين الحوثيين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تشد دعائم خيمتها وسط يوم عاصف في خان يونس جنوب غزة الخميس (رويترز) p-circle

«حماس» في القاهرة بعد أنقرة بحثاً عن تفاهمات «نزع السلاح»

بدأ وفد من حركة «حماس» محادثات في القاهرة، الخميس، قادماً من جولة أخرى في أنقرة، لمناقشة تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في غزة.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)

الممثل السامي لقطاع غزة يزور مصر وتركيا ويؤكد: «لا مجال لإضاعة الوقت»

تحرك جديد للممثل الأعلى لقطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، مع الوسطاء بعد نحو أسبوع من طرح مبادرته لنزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار، في ظل اتفاق لوقف إطلاق يراوح مكانه.

محمد محمود (القاهرة)
الخليج القافلة الإغاثية حملت على متنها كميات كبيرة من السلال الغذائية (واس)

قافلة مساعدات سعودية جديدة تصل إلى غزة

تواصل توافد المساعدات السعودية إلى غزة، لإغاثة المتضررين من الشعب الفلسطيني داخل القطاع، وسط خطة توزيع شاملة تستهدف آلاف الأسر الأكثر تضرراً.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تتحضر لمعركة «بنت جبيل»

آلية عسكرية للجيش اللبناني عند مدخل بلدة بنت جبيل جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
آلية عسكرية للجيش اللبناني عند مدخل بلدة بنت جبيل جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تتحضر لمعركة «بنت جبيل»

آلية عسكرية للجيش اللبناني عند مدخل بلدة بنت جبيل جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
آلية عسكرية للجيش اللبناني عند مدخل بلدة بنت جبيل جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

تتحضر إسرائيل لمعركة «بنت جبيل»، ثانية كبرى مدن جنوب الليطاني في ظل تصعيد ميداني متدرّج، يجمع بين الضغط العسكري وتوسيع الإنذارات والإخلاءات، مع تركيز واضح على فرض «العزل الميداني» للبلدات اللبنانية الحدودية.

وتبرز المدينة بوصفها هدفاً رئيسياً إذ تعتمد القوات الإسرائيلية تكتيك التطويق الكامل من عدة محاور بدل التوغل المباشر، ما يؤدي عملياً إلى عزلها من الجهات الأربع. وتشير التقديرات إلى أن هذا الأسلوب يهدف لتفادي كلفة الاقتحام، في ظل وجود دفاعات محضّرة قد تجعل المعركة استنزافية.

في موازاة ذلك، وفي حين نقلت وكالة «رويترز» عن السفارة الأميركية تحذيراً من نية إيران وحلفائها استهداف جامعات في لبنان، يتصاعد الجدل داخل إسرائيل حول أهداف الحرب، بين طرح تدمير القرى الحدودية وتهجير سكانها لإقامة منطقة عازلة خالية من السكان، وهدف نزع سلاح «حزب الله» تدريجياً، ما دفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تأجيل اجتماع الكابنيت، الذي كان مقرراً أمس، إلى اليوم واستبدل به مشاورات مع عدد مقلَّص من الوزراء والجنرالات.


قتيل بنيران إسرائيلية في جنوب سوريا

جندي إسرائيلي في هضبة الجولان (أ.ب)
جندي إسرائيلي في هضبة الجولان (أ.ب)
TT

قتيل بنيران إسرائيلية في جنوب سوريا

جندي إسرائيلي في هضبة الجولان (أ.ب)
جندي إسرائيلي في هضبة الجولان (أ.ب)

أفادت وسائل إعلام رسمية سورية، الجمعة، بمقتل رجل بنيران إسرائيلية في محافظة القنيطرة قرب هضبة الجولان المحتلة في جنوب البلاد.

وأشارت وكالة «سانا» إلى «مقتل شاب سوري باستهداف من دبابة إسرائيلية»، فيما أعلن التلفزيون السوري الرسمي «استشهاد شاب في استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي لسيارة بقذيفة دبابة».

كانت «سانا» قد أفادت في وقت سابق بأن القوات الإسرائيلية في محافظة القنيطرة «أقدمت على إغلاق الطرق المؤدية إلى النقاط العسكرية الجديدة التي أنشأتها في المنطقة»، ما أدى إلى تقييد حركة السكان والمزارعين.

ولفتت إلى أن عدداً من الآليات الإسرائيلية «نصبت حاجزاً مؤقتاً» في إحدى القرى حيث عمدت إلى تفتيش المارة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبعد إطاحة الرئيس السوري بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، نشرت إسرائيل قوات في منطقة عازلة كانت تخضع لمراقبة الأمم المتحدة وتفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية في الجولان بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

ومنذ ذلك الحين، نفذت إسرائيل توغلات متكررة داخل الأراضي السورية إلى جانب ضربات جوية، معلنة سعيها إلى إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب البلاد.

واحتلت إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية خلال حرب عام 1967، ثم ضمّت المناطق التي تسيطر عليها في خطوة لا يعترف بها معظم المجتمع الدولي.


السفارة الأميركية في بيروت: إيران وحلفاؤها يعتزمون استهداف جامعات بلبنان

مشهد عام لبيروت (رويترز)
مشهد عام لبيروت (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت: إيران وحلفاؤها يعتزمون استهداف جامعات بلبنان

مشهد عام لبيروت (رويترز)
مشهد عام لبيروت (رويترز)

قالت السفارة الأميركية في بيروت، اليوم الجمعة، إن إيران والجماعات المسلّحة المتحالفة معها «قد تستهدف جامعات في لبنان».

وحضّت السفارة المواطنين الأميركيين، في بيان أمني نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، على مغادرة لبنان «ما دامت خيارات الرحلات الجوية التجارية متاحة».

ونصحت السفارة الأميركية في بغداد، الخميس، الرعايا الأميركيين بمغادرة العراق فوراً.

وفي إشعارٍ لها على منصة «إكس»، قالت السفارة إن «ميليشيات إرهابية عراقية متحالفة مع إيران قد تعتزم تنفيذ هجمات في وسط بغداد، خلال الـ24 إلى 48 ساعة المقبلة».

وأشارت إلى أن «الميليشيات الإرهابية» قد تستهدف المواطنين الأميركيين والشركات والجامعات والمرافق الدبلوماسية والبنى التحتية للطاقة والفنادق والمطارات، وغيرها من المواقع التي يُعتقد أنها مرتبطة بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى مؤسسات عراقية وأهداف مدنية.

وهدَّد «الحرس الثوري» الإيراني، الأحد، باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفاد بأن ضربات أميركية وإسرائيلية دمّرت جامعتين في إيران.