أسبوع أول عاصف لترمب يثير مخاوف أميركية ودولية

ظهرت رغبة الرئيس الجمهوري في الانتقام من خصومه السياسيين

ترمب يلوّح بقرار تنفيذي وقَّع عليه في البيت الأبيض في 20 يناير 2025 (د.ب.أ)
ترمب يلوّح بقرار تنفيذي وقَّع عليه في البيت الأبيض في 20 يناير 2025 (د.ب.أ)
TT

أسبوع أول عاصف لترمب يثير مخاوف أميركية ودولية

ترمب يلوّح بقرار تنفيذي وقَّع عليه في البيت الأبيض في 20 يناير 2025 (د.ب.أ)
ترمب يلوّح بقرار تنفيذي وقَّع عليه في البيت الأبيض في 20 يناير 2025 (د.ب.أ)

عادة ما ينتظر المحللون والخبراء الـ100 يوم الأولى من ولاية أي رئيس أميركي، لتقديم رصد وتحليل لسياساته وتوجهاته الآيديولوجية وأفكاره الاقتصادية، لكن الرئيس دونالد ترمب قلب هذه العادة، وأصدر خلال أسبوع واحد من ولايته كثيراً من القرارات والتصريحات التي أثار بعضها القلق والمخاوف، وقوبل البعض الآخر بالرضا والترحيب والحفاوة.

فقد تحرك الرئيس ترمب بسرعة مذهلة خلال أسبوعه الأول من ولايته الثانية، وجاء منذ اليوم الأول حاملاً قائمة طويلة من الأوامر التنفيذية وقائمة من المنافسين والمعارضين السياسية للانتقام منهم، وأجندة للتأكد من ولاء ووفاء كل أعضاء حكومته وكل أعضاء الحزب الجمهوري وخطة لإخضاع مليارديرات التكنولوجيا، وأباطرة وول ستريت، والمديرين التنفيذيين للشركات، وأصحاب وسائل الإعلام الذين عارضوه سابقاً على إظهار الاحترام والتحسب لما يمكن أن يتخذه من قرارات.

رغبة واضحة لترمب في ترك بصماته القوية على الرئاسة للمرة الثانية (إ.ب.أ)

وقد تركت حصيلة الأسبوع الأول من ولاية ترمب بعض المحللين في حالة ذهول لقيامه بتنفيذ سريع لوعوده الانتخابية التي جاء بعضها صادماً ومثيراً لجدل قانوني ودستوري، بينما تفاخر أنصار الرئيس بأنه لم يهدر كثيراً من الوقت في الوفاء بهذه الوعود.

رسالة قوية

عاد ترمب إلى البيت الأبيض حاملاً معه خبرة ولايته الأولى من عام 2016 إلى عام 2020 وتجربته المؤلمة في خسارة انتخابات 2020 والملاحقات القانونية المتعددة التي أرهقته، وجعلته يضع خريطة واضحة المعالم لمن وقف بجانبه، ومن يجب الانتقام والتنكيل به.

وكدأبه في إثارة الجدل، أعلن قبل توليه السلطة أنه يريد ضم جزيرة غرينلاند وإعادة السيطرة على قناة بنما وضم كندا ولايةً أميركيةً، وخلال حفل تنصيبه، يوم الاثنين الماضي، حرص ترمب على إرسال رسالة واضحة أنه تعلم كثيراً خلال السنوات الثماني الماضية.

جنود أميركيون يثبِّتون أسلاكاً شائكة قرب الحدود بكاليفورنيا في 24 يناير 2025 (رويترز)

وفي اليوم الأول أطلق ترمب عاصفة من الإجراءات التنفيذية، منها 18 قراراً تنفيذياً يتعلق بالحكومة الفيدرالية و8 قرارات تنفيذية تتعلق بترحيل المهاجرين غير الشرعيين، و6 قرارات تتعلق بالمناخ والطاقة ومنها الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ و6 قرارات تتعلق بالاقتصاد و4 تتعلق بالأمن القومي، إضافة إلى قرارات متنوعة من العفو عن أنصاره الذين قاموا بالهجوم على مبنى الكابيتول، وسحب حق التجنيس للمواليد لأشخاص ليسوا مواطنين، وتغيير اسم خليج المكسيك إلى خليج أميركا، وإلغاء 78 من الأوامر التنفيذية لبايدن. ويقول محللون إن هناك قيوداً على ما يمكن للرئيس القيام به قانونياً من خلال القرارات التنفيذية، وبعض أوامر ترمب تم الطعن فيها بالفعل في المحاكم، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إبطاء أو إيقاف بعض هذه القرارات.

وعلى المستوى الدولي، أثار ترمب مخاوف الحلفاء الأوروبيين وقبل يومين، بحديثه المسجل لمنتدى دافوس الاقتصادي من مواجهة تعريفات جمركية كبيرة إذا لم يقوموا بالاستثمار في الولايات المتحدة، وأشار إلى أنه سيطلب من «أوبك» خفض أسعار النفط، وكرر مطالبه دول حلف شمال الأطلسي بزيادة الإنفاق الدفاعي من 2 في المائة إلى 5 في المائة. ومساء السبت، أثار عاصفة أخرى من الجدل الإقليمي والجيوسياسي، مصرّحاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية أنه يريد ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة إلى كل من مصر والأردن للقيام بأعمال إعادة التعمير.

ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين بمنتدى دافوس في 23 يناير 2025 (أ.ف.ب)

عاد لينتقم

قبل ساعات من رحيله من البيت الأبيض، أصدر الرئيس السابق جو بايدن عفواً استباقياً لأفراد من عائلته، وعفواً آخر لكبار المشرعين مثل ليز تشيني وآدم شيف ومسؤولين كبار مثل الجنرال مارك ميلي رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق، والدكتور أنطوني فاوتشي تحسباً لانتقام ترمب.

وظهرت رغبة ترمب في الانتقام من خصومه السياسيين وكبار المسؤولين في ولايته السابقة، حيث قام خلال الأسبوع الماضي بإلغاء الحماية الحكومية الأمنية لوزير الخارجية الأسبق، مايك بومبيو، وكبير مساعديه، برايان هوك، ومستشار ترمب للأمن القومي الأسبق، جون بولتون، رغم المخاوف الأمنية من تهديدات إيرانية بالقتل انتقاماً لمقتل الجنرال سليماني. وأنهى ترمب أيضاً الحماية الأمنية للدكتور أنطوني فاوتشي، مستشار ترمب السابق في مكافحة وباء «كوفيد - 19»، وأمر بإزالة صورة الجنرال مارك ميلي من جدران وزارة الدفاع الأميركي. وألغى ترمب التصاريح الأمنية لضباط المخابرات السابقين البالغ عددهم 51 مسؤولاً لمساندتهم لبايدن في الإقرار بوجود تسلل روسي للكمبيوتر المحمول لابنه هانتر بايدن.

وعلقت صحيفة «واشنطن بوست» قائلة إن الأيام الأولى لعودة ترمب إلى منصبه كانت تحولاً صارخاً في الأسلوب والمضمون يكشف رغبة ترمب في ترك بصماته القوية على الرئاسة للمرة الثانية.

وقال أحد كبار المسؤولين في البيت الأبيض: «إن الرئيس يعرف ما يريد أن يفعله خلال هذه الولاية، ومتى يريد أن يفعل ذلك»، ملمحاً إلى أن ترمب لديه فقط هذه السنوات الأربع؛ لأنه لا يستطيع الحصول على ولاية ثالثة. ويرفض حلفاء ترمب أن يكون لديه طموحات استبدادية؛ لأن فترة الرئاسة تخضع للتعديل الثاني والعشرين من الدستور الذي يمنعه من الترشح لولاية أخرى، لكن النائب الجمهوري آندي أوجلز قدم طلباً لتعديل دستوري للسماح لترمب بالترشح مرة أخرى؛ ما أثار الكثير من الجدل.

هل تستمر سياسات ترمب؟

يطرح المحللون تساؤلات حول إمكانية استمرار ترمب في هذه السياسة التي يستعرض بها صلاحيات جديدة واسعة النطاق تثير استياء الديمقراطيين والمدعين العامين ووسائل الإعلام. وقالت صحفية «بوليتيكو» إن استعراض القوة قد يثير الخلافات الداخلية داخل الحزب الجمهوري، لأن الأسبوع الأول لترمب أظهر أنه أكثر اهتماماً باستخدام قوته السياسية للقيام بأعمال الهيمنة، أكثر من اهتمامه بتسوية الانقسامات الداخلية التي قد تعوق أجندته. وأظهرت صحيفة «ذا هيل» مخاوف الديمقراطيين من أن تكون السنوات الأربع المقبلة في ولاية ترمب مشابهة للأسبوع الماضي.


مقالات ذات صلة

جورج كلوني ينتقد البيت الأبيض لوصف تمثيله بـ«جريمة حرب»

يوميات الشرق الممثل الأميركي جورج كلوني (رويترز)

جورج كلوني ينتقد البيت الأبيض لوصف تمثيله بـ«جريمة حرب»

في خضم تصاعد التوترات السياسية والإعلامية، دخل النجم الأميركي جورج كلوني في سجال حاد مع البيت الأبيض، بعدما وُصف أداؤه التمثيلي بأنه «جريمة حرب».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)

امرأة تضع مولودها خلال رحلة جوية إلى نيويورك… هل يصبح أميركياً؟

في واقعة نادرة ولافتة، شهدت رحلة جوية متجهة إلى الولايات المتحدة حدثاً استثنائياً تمثّل في ولادة طفل على متن الطائرة قبل لحظات من هبوطها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ) p-circle

البيت الأبيض: ترمب سيواصل مناقشة ملف لبنان مع نتنياهو

أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض ‌كارولاين ‌ليفيت للصحافيين ‌الأربعاء ⁠أن الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب سيوفد فريق التفاوض ⁠مع ‌إيران إلى باكستان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - إسلام آباد)
الاقتصاد صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)

مخزونات النفط الأميركية ترتفع لأعلى مستوى منذ 3 سنوات

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام الأميركية ارتفعت إلى أعلى مستوى لها منذ ثلاث سنوات تقريباً خلال الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية مؤتمر صحافي لوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (يسار) ورئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كين (رويترز) p-circle 00:36

هيغسيث: أميركا حققت انتصاراً عسكرياً حاسماً على إيران

قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، اليوم (الأربعاء)، إن الولايات المتحدة حققت انتصاراً عسكرياً حاسماً على إيران، وإن برنامج طهران الصاروخي جرى تدميره.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

ترمب: الجيش الأميركي سيبقى منتشراً قرب إيران حتى يتم التوصل إلى «اتفاق حقيقي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب  (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: الجيش الأميركي سيبقى منتشراً قرب إيران حتى يتم التوصل إلى «اتفاق حقيقي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب  (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الأربعاء أن القوات الأميركية المنتشرة قرب إيران ستبقى متمركزة في المنطقة إلى حين التوصل إلى «اتفاق حقيقي»، وذلك إثر بدء سريان وقف هشّ لإطلاق النار مع طهران لمدة أسبوعين.

 

وكتب ترامب على منصته «تروث سوشال» أن «كل السفن والطائرات والأفراد العسكريين الأميركيين، بالإضافة إلى الذخائر والأسلحة الإضافية، وكل ما هو مناسب وضروري لإلحاق الهزيمة الساحقة بالعدو الذي أُضعف بشكل كبير، ستبقى في مواقعها داخل إيران وحولها إلى حين الالتزام الكامل بالاتفاق الحقيقي الذي تم التوصل إليه».

 

 


تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

TT

تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأميركية، أن الرئيس دونالد ترمب يدرس خطة لمعاقبة بعض أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذين يعتقد أنهم لم يقدموا الدعم الكافي للولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب على إيران.

وأضاف التقرير أن المقترح يتضمن سحب القوات الأميركية من دول بالحلف تعدها واشنطن غير متعاونة في حربها على إيران، ونشرها في دول قدمت دعماً أكبر للحملة العسكرية الأميركية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض، الأربعاء، إن الرئيس الأميركي يعتقد أن حلف شمال الأطلسي «تعرض للاختبار وفشل» خلال حرب إيران، إذ نقلت عنه تصريحاً مباشراً قبل اجتماعه مع الأمين العام للحلف مارك روته في البيت الأبيض.

ويستقبل ترمب أمين عام الحلف في وقت دفعت فيه حرب إيران علاقات الولايات المتحدة مع دول أخرى في الحلف إلى مرحلة الأزمة.

وهدد الرئيس الجمهوري بالانسحاب من الحلف، الذي يضم 32 دولة، وانتقد حلفاءه الأوروبيين خلال الأسابيع القليلة الماضية، معتبراً أن دعمهم للحملة العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران غير كاف.

وأدى الخلاف المتعلق بحرب إيران إلى تفاقم القلق على جانبي الأطلسي بشأن ملفات أخرى مثل أوكرانيا وغرينلاند والإنفاق العسكري.

وقال أحد المسؤولين الأوروبيين اللذين شاركا في محادثات تتعلق بالأمر إن مسؤولين أميركيين كباراً أكدوا في أحاديث خاصة للحكومات الأوروبية على أن الإدارة الأميركية لا تزال ملتزمة بالحلف.

وقالت أوانا لونجيسكو، المتحدثة السابقة باسم الحلف، وحالياً مع معهد «رويال يونايتد سيرفيس»، وهو مجموعة بحثية مقرها لندن: «هذه مرحلة حرجة للتحالف عبر الأطلسي».

وقال دبلوماسيون إن من المرجح أن يحاول روته إقناع ترمب بتخفيف انتقاداته العلنية للحلف مع إبراز الخطوات التي اتخذتها الدول الأوروبية لزيادة الإنفاق الدفاعي.


قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

حين خرج وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كاين، إلى منصة البنتاغون، صباح الأربعاء 8 أبريل (نيسان) 2026، لم يقدّما رواية انتصار نهائي بقدر ما رسّخا وصفاً أدقّ: «تجميد مؤقت لحرب مفتوحة».

فالإدارة الأميركية أرادت أن تقول إن «عملية الغضب الملحمي» حققت أهدافها العسكرية، وإن إيران وافقت على وقف إطلاق النار من موقع الضعف. لكنّ مضمونَ المؤتمرِ نفسَه كشف عن أن جوهر النزاع لم يُحسم: مضيق هرمز لم يعد إلى وضعه الطبيعي بالكامل، وملف اليورانيوم عالي التخصيب ما زال مفتوحاً، والتفاوض المرتقب في إسلام آباد يبدأ من روايتين متناقضتين لا من أرضية مشتركة صلبة. هذا التناقض هو ما يجعل منطقة الشرق الأوسط الساحةَ الأكبرَ عرضةً لارتدادات الأسبوعين المقبلين، وفق خبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط».

تدمير قدرات إيران

قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، خلال مؤتمر صحافي الأربعاء، إن واشنطن «دمّرت تماماً القاعدة الصناعية للدفاع في إيران». وصرّح هيغسيث: «لم يعودوا قادرين على صناعة صواريخ وقذائف ومنصات إطلاق أو مسيّرات. دُمّرت مصانعهم». وأعلن أن «(عملية الغضب الملحمي) شكّلت نصراً تاريخياً ساحقاً على أرض المعركة»، في إشارة إلى التسمية الأميركية للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. وأكّد أن هذه العملية «سحقت القوات العسكرية لإيران، وجعلتها عاجزة عن القتال للسنوات المقبلة».

كما حذّر هيغسيث بأن الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على اليورانيوم الذي تملكه إيران، في حال رفضت تسليمه. وقال: «نعرف ما عندهم، وسيسلّمونه، وسنحصل عليه، وسنأخذه إن اضُطررنا إلى ذلك... يمكن القيام بهذا الأمر بكل الوسائل الممكنة».

رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، دان كاين: «هاجمنا مع شركائنا نحو 90 في المائة من مصانع الأسلحة»، بينها «كلّ مصانع إنتاج المسيّرات المفخخة من نوع (شاهد)»، فضلاً عن «كلّ المعامل التي تُنتج أنظمة التوجيه» الخاصة بهذه المسيّرات. وبشأن الأسطول البحري، أوضح كاين أن «الأمر سيستغرق سنوات قبل أن تعيد إيران بناء المنشآت القتالية السطحية».

وأفاد الجنرال بأن «نحو 80 في المائة من القاعدة الصناعية النووية الإيرانية استُهدفت؛ مما قوّض من شكل أكبر محاولات تطوير السلاح النووي». وحذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة بأن القوات الأميركية جاهزة لاستئناف القتال مع إيران في حال انتهاء الهدنة بين البلدين. وقال: «لنكن واضحين، وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة، والقوات المسلحة تبقى على أهبة الاستعداد؛ إذا صدرت الأوامر أو طُلب منها ذلك، لاستئناف العمليات القتالية بالسرعة والدقة نفسيهما اللتين أظهرناهما خلال الأيام الـ38 الماضية».

القاذفة الاستراتيجية الأميركية «ب 52 ستراتوفورتريس» داخل القاعدة الجوية «فيرفورد» في بريطانيا يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتشير تصريحات كاين، وتلويحه باستئناف القتال، إلى أن إعلان تعليق الحرب جاء تحت التهديد الأميركي، وفق مايكل روبين، الباحث في «معهد أميركان إنتربرايز». أما عن استعادة حرية الملاحة، فلم تُشر تصريحات المسؤولين العسكريين إلى أنها باتت أمراً محسوماً، واكتفت بالتشديد على ضرورة «ضمان امتثال إيران» ومرور السفن بأمان.

في الوقت نفسه، استمرت مؤشرات إلى أن سفناً تلقت رسائل من قوات إيرانية تُفيد بأنها تحتاج إلى إذن لعبور المضيق؛ مما يعني أن طهران تحاول تثبيت معادلة جديدة: فتح هرمز مشروط بالاعتراف بدور رقابي أو سيادي لها. وإذا صحّ ذلك، فإن المنطقة، والاقتصاد العالمي، يدخلان مرحلة تختلف عن مجرد وقف إطلاق النار؛ لأن الخطر ينتقل من الصواريخ إلى قواعد المرور والتأمين والتسعير والرسوم البحرية.

أبرز نقاط الخلاف

تصريحات قادة البنتاغون، وما تبعها من تصريحات ترمب، كشفتا عن أن الخلاف الحقيقي ليس على وقف النار نفسه، بل على تعريف ما بعده. فواشنطن ترفض استمرار تخصيب اليورانيوم الإيراني، وتُطالب بتسليم المخزون عالي التخصيب أو «أخذه» بالقوة إذا لزم الأمر. أما الروايات المتداولة في الإعلام الإيراني عن «النقاط العشر» لاتفاق وقف النار، فتذهب في اتجاه مختلف تماماً: الاعتراف بحق إيران في التخصيب، ورفع العقوبات، من دون وضوح بشأن مصير المخزون المخصب. هُنا تحديداً يكمن التناقض البُنيوي الذي قد يُقوّض جولة التفاوض منذ يومها الأول، وفق روبين.

إيرانيون يحتفلون في طهران بالإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الشق الثاني من الخلاف يتعلق بنطاق التهدئة؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل أوضحتا أن وقف النار مع إيران لا يعني وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان ضد «حزب الله»، فيما توالت تقارير بشأن استمرار هجمات صاروخية ومسيّرة على دول الخليج في الساعات التي تلت الهدنة؛ هذا يعني أن المنطقة تواجه نسخة من «خفض التصعيد الانتقائي» وفق مراقبين؛ أي تهدئة مباشرة بين واشنطن وطهران، مقابل بقاء ساحات الوكلاء والرسائل المتبادلة مفتوحة.

كما أن تصريحات هيغسيث عن أن واشنطن كانت مستعدة، قبل ساعات، لضرب محطات كهرباء وجسور وبنية نفطية وطاقوية «لا يمكن لإيران إعادة بنائها» تكشف عن أن قرار الهدنة لم ينبع من تسوية مكتملة، بل من تعليق ضربة تصعيدية هائلة ضد طهران. لذلك؛ يبدو وقف النار أشبه بمهلة اختبار: فإذا استجابت طهران لشروط الملاحة وتسليم اليورانيوم، فقد تستمرّ الهدنة وتُمهّد لنهاية فعلية للحرب. أما إن لم تستجب، فقد تعود الولايات المتحدة إلى خيار التدمير الشامل للبنية التحتية.

هشاشة الاتفاق

القراءة الأرجح أن المنطقة تدخل فترة هدوء تكتيكي، يعتمد على مخرجات المفاوضات في إسلام آباد ومدى التزام الجانبين شروط وقف النار.

رجال إطفاء يعملون على إخماد حرائق جراء غارة إسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

ويقول رزين نديمي، الباحث في الشأن الإيراني بـ«معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يرى ما جرى «توقفاً في القتال» أكثرَ منه نهاية له، وإن الهدنة «هشة بالفعل، لكنها مرجّحة الصمود». في المقابل، بدا أكبر تشككاً تجاه المفاوضات نفسها، متوقعاً «ألّا تفضي إلى شيء حاسم، وأن نشهد فترة توقف مطوّلة قبل بدء المرحلة التالية». وتكمن أهمية هذا التقدير في أنه يُميّز بين قدرة الأطراف على تجميد النار مؤقتاً، وعجزها عن إنتاج اتفاق نهائي بشأن أسباب الحرب نفسها.

أما مايكل روبين، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل اتفاق يجلب السلام»، لافتاً إلى أن فكرةَ فرض إيران رسوماً على الملاحة أو التعامل مع المنطقة كأنها مجالها الخاص «فكرةٌ سخيفة».