محكمة الحريري... اعتصام في بيروت كاد يشعل فتنة

«البرزخ»... بري يكشف وعلي حسن خليل يروي (1 - 2)

تجمع للبنانيين في اعتصام بساحة الشهداء (كتاب البرزخ)
تجمع للبنانيين في اعتصام بساحة الشهداء (كتاب البرزخ)
TT

محكمة الحريري... اعتصام في بيروت كاد يشعل فتنة

تجمع للبنانيين في اعتصام بساحة الشهداء (كتاب البرزخ)
تجمع للبنانيين في اعتصام بساحة الشهداء (كتاب البرزخ)

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات من كتاب «البرزخ - أيامٌ لوطنٍ لم يأتِ بعد»، الذي يكشف فيه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، على لسان النائب علي حسن خليل، جانباً من أبرز التطورات التي شهدها لبنان بين عامي 2006 و2008. يقول بري في مقدمة «البرزخ» (الصادر عن دار الكتاب العربي): «هذا الكتاب لا يشكل وجهة نظر كما قد يظن البعض، بل هو عصارة سرد تفصيلي لوقائع حصلت بالفعل والراوي الأخ علي حسن خليل من خلال مسؤولياته القيادية في حركة أمل وموقعه ومواكبته السياسية دوَّن كل شاردة وواردة وسجَّل كل تفصيل مهما كان صغيراً خلال محطات مفصلية من مرحلة صعبة من تاريخ لبنان، وكان في توثيقه للأحداث أميناً على كتابة كل شيء حرفياً، حريصاً على أن يصل بدقائقه إلى الرأي العام اللبناني حتى ولو أزعج البعض، ومنهم أصدقاء». تتضمن حلقة اليوم تفاصيل عن توترات شهدتها بيروت عام 2007 وهددت بشرخ طائفي. وجاءت تلك الأحداث على خلفية قانون المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2004.

لم تتوقف الأكثرية عن الدعوة المتكررة لعقد جلسة برلمانية من أجل إقرار المحكمة الدولية (الخاصة بمحاكمة المتهمين باغتيال الحريري عام 2004)، الأمر الذي دفع الرئيس (بري) إلى إصدار بيانٍ أكد فيه أن المجلس في حالة عدم انعقاد مع انتهاء الدورة العادية وعدم صدور مرسوم فتح دورة استثنائية، وأنّ أي مشروع قانون بشأن المحكمة الدولية لم يصل إلى المجلس النيابي، مؤكداً مرة جديدة عدم ميثاقية ودستورية كل الإجراءات التي حصلت قبل ذلك.

وبينما كانت البلاد على فوهة مواعيد مضطربة، وزعت الأمانة العامة لمجلس الوزراء جدول أعمال جلسة جديدة للحكومة يوم الجمعة التالي، من دون الالتفات إلى تحرّك المعارضة أو إلى رسالة رئيس الجمهورية (إميل لحود) الرافضة لعقد الجلسة الجديدة ولمقررات الجلسة السابقة يوم الخميس الأخير، واعتبار الرئيس لحود القرارات التي اتُّخذت فيها باطلة بطلاناً مطلقاً وكأنّها لم تكن، لصدورها عن هيئة فقدت مقوّمات السلطة الدستورية وفقدت الأهلية لممارسة السلطة الإجرائية.

وبموازاة ذلك، وزّعت الأمانة العامة لمجلس النواب عريضة المعارضة التي تدعو إلى عقد جلسة خاصة للمجلس لمناقشة «خرق» فؤاد السنيورة وأعضاء حكومته الدستور وإحالتهم إلى المحاكمة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، والتي كان الرئيس بري قد رفض أن يوقّعها أي من أعضاء كتلة التنمية والتحرير.

استباق التوتر

إنه صباح العاشر من يناير (كانون الثاني)، ومع متابعتنا حركة الاعتصام أمام وزارة الطاقة، وصلتنا أنباء عن محاولة من المعتصمين لدخول الوزارة، وظهور بوادر مشكلات مع قوى الأمن. عندها أصرّ الرئيس (بري) على العمل بحزم لضبط الوضع بأي شكل وإنهاء الاعتصام، استباقاً لانقلاب الرأي العام المتوتّر أصلاً، والخائف من حصول صدام، لا سيما مع الأجهزة الأمنية.

بري مجتمعاً مع خوجة (كتاب البرزخ)

كان التصعيد السياسي سمة المرحلة، مع حديث متزايد عن نيّة قوى «14 آذار» عقد جلسة برلمانية برئاسة فريد مكاري مجدّداً، وقد ردّ على هذا الخيار النائب محمد رعد «حزب الله»، مؤكداً أنه يشكّل انزلاقاً شيطانياً من شأنه أن يعيد الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه قبل اتفاق الطائف، وكان هذا موضع تقويم بأنّه انقلاب، وفيه تحذير من العودة إلى الحرب الأهلية من قِبل قوى «14 آذار».

وفي لقائه مع الرئيس بري، ميّز النائب تمام سلام نفسه عن فريق الموالاة، مؤكداً مرجعية رئيس البرلمان ورهانه عليه لفتح كوّة في الجدار والعودة إلى أجواء الحوار.

وفي زيارة أخرى، استقبل الرئيس بري السفير المصري حسين ضرار الذي نقل أجواء لقائه نواب تكتل التغيير والإصلاح في منزل النائب غسان مخيبر، حيث طُرح هناك اقتراح يقضي بانتخاب رئيس انتقالي للجمهورية لمدّة سنتين كحلّ مرحلي.

رأى الرئيس مبالغة في تقويم جديّة هذا الطرح من قِبل السفير الذي كان يحاول لعب دورٍ سياسي استثنائي.

ومع استمرار النبرة التصعيدية في خطاب «14 آذار» واستعدادات المعارضة للخطوات اللاحقة، وخلال اتصال به بالخط الداخلي، أرسل السيد حسن (نصر الله، أمين عام حزب الله) اقتراحه بأن يكون موعد التحرك في 20 أو 21 الشهر الجاري.

بينما كان الرئيس يصدر مواقف جديدة خلال لقائه وفداً طلابياً مصرياً، ولقاء آخر جمعه بالتجمّع النسائي لقوى المعارضة، قال فيه: «إنّهم يسألون لماذا ما زلتُ صابراً، والحقيقة أنّ القضية هي قضية مصير وطن ومسؤوليتي أن أتحمّل، رغم علمي بأنّهم سيوصلون البلد بموقفهم إلى ما لا تُحمد عقباه».

بري مجتمعاً مع متقي (كتاب البرزخ)

وفي حين كان ذلك يحدث، جرت اتصالات بين الحاج حسين الخليل والسفير السعودي، وقد أبلغني الخليل أنّها لم تقدّم جديداً، وأنّه يكرّر الكلام حول ضرورة الانفتاح واللقاء مع السنيورة.

وكان الرئيس بري قد تحدث، مشيراً إلى سكوت الأكثرية النيابية عن موضوع الدول العشر التي رفضت التعاون مع لجنة التحقيق الدولية، وهذا ما كان قد أثاره السفير الروسي في مجلس الأمن. فردّ النائب سعد الحريري بأنّ على الرئيس بري أن يسأل نفسه قبل أن يسأل الأكثرية عن سرّ السكوت، عن تعطيل الجلسة النيابية لإقرار المحكمة الدولية.

وعلى لسان النائب علي بزي، رد الرئيس بري بأنه لم تكن هناك جلسة نيابية ليتم تعطيلها، فأي مشروع قانون حول المحكمة الدولية لم يصل المجلس، فضلاً عن عدم وجود حكومة كي تُقرّ مثل هذا المشروع، مضيفاً أن على الحريري أن يرشدنا - وهو العليم والخبير القانوني الشهير - لماذا يقود تدمير المؤسسات من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة؟ إلا إذا كان الهدف من السؤال أسفه لعصمة المجلس النيابي ومنعته واستعصائه عن التدمير.

الحريري في حوار مع النواب في البرلمان (كتاب البرزخ)

ومع استمرار حركة الاعتصام للمعارضة السبت أمام قصر العدل، عقد الرئيس بري لقاء مع السفير السعودي عبد العزيز خوجة بحضوري والحاج حسين الخليل، والذي تحدث مجدداً عن حرصه على الوصول إلى تفاهم وأنّ هناك أجواء لقاءات إيرانية - سعودية في الرياض، ونقل ورقة للحل لا تختلف كثيراً عن ورقة التشاور وورقة عمرو موسى لكنّها كانت بحاجة إلى المزيد من الإيضاح، حيث ورد فيها أنّ الحكومة المزمع تأليفها تتشكل من 19 للموالاة و10 للمعارضة ووزير تسمّيه المعارضة. (...)

حمَّل الرئيس بري الحاج حسين الخليل رسالة إلى السيد نصر الله، يكرر فيها ضرورة الانتباه إلى الوقوع في الفتنة جرَّاء أي اقتراح للتصعيد، مع اعتقاده أنّ «14 آذار» لن ينصاعوا للتحرّكات السلمية المحدودة التي نقوم بها، وأنّه لا مشكلة بخصوص المواعيد المقترحة لتصعيد التحرّك.

(...)

جاء السفير السعودي ليضع الرئيس بري، بحسب قوله في أجواء ما حصل خلال زيارة علي لاريجاني للمملكة، ويبلغه بحصول اتفاق على اقتراح خمسة أسماء حياديين مرّة واحدة ليختار السنيورة واحداً من بينهم، وأن تكون المشاركة في الحكومة من المعارضة النيابية، أي: «أمل» و«حزب الله» و«كتلة عون»، وأن يُشكَّل فريقٌ لدراسة قرار المحكمة الدولية وفق الاقتراح السابق، مشيراً إلى أن لاريجاني والأمير بندر بن سلطان سيحضران إلى لبنان بطلب من الملك عبد الله وموافقة إيران لمتابعة هذا الأمر.

(...) صيغت مسودة مشروع الاتفاق على الشكل التالي:

1 - يشكَّل فريق عمل لدراسة بنود المحكمة ذات الطابع الدولي ويحدَّد وقت معين لإنهاء عمله.

2 - يبدأ البحث في توسيع الحكومة القائمة ليصبح عدد وزرائها ثلاثين وزيراً (بصيغة 19 + 10 + 1)، تتألّف من ممثلي الأكثرية القائمة و«حزب الله» و«حركة أمل» و«التيار الوطني الحر»، ويجري الاتفاق على آلية بخصوص الوزير الحادي عشر.

3 - يوقَّع ما يجرى الاتفاق عليه من قبل الفريقين، مع التزام سياسي وأخلاقي به لا يمكن نقضه من قِبل أي منهما.

4 - يُدعى إلى دورة استثنائية لجلسة مجلس النواب لإعلان هذا الاتفاق.

5 - ما يُتّفق عليه بخصوص مسوَّدة المحكمة الدولية يمرّ بعد ذلك عبر القنوات الدستورية. فيُقرّ في حكومة الوحدة الوطنية ويُرفع القرار إلى رئيس الجمهورية، ثم يُعاد في اليوم نفسه بالموافقة، ويُرفع بعد ذلك إلى مجلس النواب للتصديق عليه، ثم يُرسل إلى الأمم المتحدة.

6 - مهمة هذه الحكومة أيضاً متابعة الإشراف على «باريس 3»، والاتفاق على قانون انتخاب نيابي جديد، ثم انتخاب رئيس الجمهورية في موعده. أما بالنسبة إلى الانتخابات البرلمانية فتكون في موعدها عام 2009.

وإلى جانب هذه المعطيات، سُجّلت ملاحظة مهمة تمثلت بموافقة لاريجاني مع السعوديين على تسمية الأسماء الخمسة مرّة واحدة، يختار الرئيس السنيورة واحداً منهم، على أن يكونوا من المعارضة النيابية المحصورة في «أمل»، «حزب الله» وعون.

انزعاج وتحرك

وعلى انزعاجٍ واضح، طلب الرئيس مني الاتصال فوراً بالحزب وبالسفير الإيراني مجدّداً للاستفسار عن الموضوع.

لم تغير هذه الأجواء المريبة في مسار الاستعدادات للتحرّك الواسع الذي بدأنا الإعداد له ليلاً في اجتماع بيني وبين كل من أحمد بعلبكي والحاج حسين الخليل ومسؤول الحزب في بيروت، حيث اتفقنا فيه على تحرّك شامل، وجرى اختيار أماكن الاعتصام والحواجز حيث يوجد عمق بشري مؤيّد، مع تأكيد استمراره لأكثر من يوم، والتشديد على عدم النزول المسلّح أو السماح بالاحتكاك مع القوى العسكرية والأمنية أو مع تجمّعات للموالاة، إضافة إلى تأمين القدرة على السيطرة والتحكم. وأكدنا أنّه عند قرار إقفال أي شارع أو نقطة، فمن غير المسموح التراجع عن أي مواقع يتم إقفالها بما فيها المطار، وضبط حماية المؤسسات العامة والخاصة والتركيز على شمول التحرك كل لبنان، وإبلاغ قيادة الجيش بالأمر ليلة التحرك وإخطار قوى الأمن الداخلي، وخصوصاً فرع المعلومات بضرورة التنبه للشارع.

بري مستقبلاً جنبلاط في أحد لقاءاتهما (كتاب البرزخ)

ومع اختباره التجارب السابقة، أبدى الرئيس حرصه مجدداً على ألَّا نكرّر التحركات غير المجدية، وأن نناقش تفاصيل الخطّة لتكون ذات فاعلية، وهذا ما راعيناه في اللقاء مع التأكيد على الابتعاد عن التخريب والإشكالات الأمنية. وبينما كنا لا نزال في الشارع حيث أجرينا اللقاء، تلقيتُ اتصالاً من الحاج حسين الخليل ليتحدث عن طارئ جديد، وفيه أن السيد حسن اتصل بعد خروجنا وقال: «لماذا تحمّلون أنفسكم كل هذا العبء؟ يمكننا أن نقوم بمناورة، بتحرّك تحذيري ليوم واحد، ونرى بعدها ماذا سيحصل».

لم أفهم ما الذي حصل، وقلتُ للحاج حسين: «هذا أمر جديد كلياً، نحن لم نكن متحمّسين للخطوات على الأرض، لكن إذا أردناها فلتكن مجدية، أنا أخاف أن يجري استيعاب الأمر سريعاً إذا كان كما قلت، لكن في كل الأحوال نناقش الأمر ونتواصل لاحقاً».

كما أبلغني الحاج بأن السيد نصر الله سيلتقي جبران باسيل، على أن نتحدث بعد ذلك.

رسائل متسارعة

وفي صباح يوم الأربعاء، وكان السابع عشر من يناير، كنت في عين التينة، وهناك كان الرئيس متفاجئاً يتساءل حول السر المخفي والتطور غير المعلن الذي قلب الأمور. وبشيءٍ من الغضب قال: «أنا لا أحتمل هذا، إما أن نكون في كل الأجواء الحقيقية وإلّا فلن ندخل في هذا الموضوع كلياً».

وب

بري ونصرالله في دردشة أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

عدها طلب مني أن أرتّب اتصالاً مع الجنرال عون لاستكشاف مدى علمه بالتطورات. اتصلتُ بجبران باسيل، الذي نقل السماعة إلى عون، جسَّ الرئيس بري النبض وسأله عن أمر مختلف يتعلق بالسفير الفرنسي ليرصد ردّ فعله، وما إذا كان في أجواء جديدة، لكنه لم يلحظ شيئاً. قدَّر الرئيس بعد الاتصال أنَّه ربما لم يكن في أجواء ما يحصل، وشعر بأنه ربما طرأ تطوّر حقيقي على المسار السعودي - الإيراني، وربما كان هناك تهديد لإيران إذا ما استمرت المعارضة في التصعيد.

وطلب مني مجدداً أن أتصل بالحاج حسين الخليل الذي اتفقتُ معه على اللقاء عند السفير الإيراني، بعدما ذهبتُ إلى كلية العلوم لافتتاح معرض طلابي وإلقاء كلمة.

بدأ السفير الإيراني بالتعبير عن راحته بعدما سمع بالاستعداد للتصعيد، وقبل إكمال حديثه اتصل السيد نصر الله بالحاج حسين الخليل، وتحدّث أيضاً مع السفير الإيراني لدقائق باللغة الفارسية، قبل أن يتحدث إلي، ويحملني رسالة إلى الرئيس بري، فيها أنه (السيد) التقى بالأمس بمَن يتواصل مع السيد لاريجاني، الذي نقل أنّ اللقاء بينه وبين الملك السعودي كان فيه كلام عام من دون الدخول في التفاصيل، وأنّ الملك قال إنّ ما يهمه هو اتفاق اللبنانيين بين بعضهم بعضاً، لكنّ اللقاء المطوّل والمهم كان مع الأمير بندر بن سلطان، الذي أصرّ على تشكيل وفد يجمعه بلاريجاني لزيارة لبنان.

رئيس البرلمان نبيه بري (كتاب البرزخ)

ووفقاً لكلام السيد نصر الله فقد كان لاريجاني منفتحاً لكنّه لم يلتزم بشيء قبل أن يشاورنا، بل أبلغهم بالحاجة لدراسة الأمر وأبقى خط الرجعة مفتوحاً.

(...) أبقى لاريجاني الخط مفتوحاً من دون إعطاء أي جواب، وفق كلام السيد الذي أضاف أن لاريجاني ليس في صورة الانتخابات النيابية اللبنانية، ولم يجرِ البحث التفصيلي فيها.

تحرك تحذيريبعد إتمام السيد كلامه معي، لم أعلّق كثيراً، لكني سألته عن التحرك، فقال إن فكرته منذ البداية كانت أن نقوم بتحرّك تحذيري واسع ليوم واحد. فأطلعته على أن الشباب كانوا في جوّ مختلف بالأمس، ولم يطرحوا هذه الفكرة. فأرجع ذلك إلى خلل في التنسيق ربما يكون قد حصل، لكن أكد أن الحديث مع باقي المعارضة كان عن تحرّك ليوم واحد، وأن هناك خوفاً من مستوى التجاوب، لأنّ الناس يحتاجون الذهاب إلى أعمالهم، ولا يمكن تحميلهم الكثير. لكنه أضاف أننا في الأحوال كلها يمكننا أن نجمع، وأن نعلن يوم الثلاثاء المقبل يوم إضراب ونقطع الطرقات ونبقى في الشارع في الأيام الثلاثة اللاحقة (23 - 24 - 25 من يناير).

من جهتي، أجبته بأن الرئيس بري يهمه مسألتان كما قال لي: أن نقوم بخطوة مدروسة توصل إلى نتيجة، وألَّا تصل الأمور إلى حدود الصدام المسلّح والفوضى الأمنية. لذا فلا صيغة محدّدة لديه، لكنّ سؤاله كان عن التبدّل السريع في النقاش.

بري متوسطاً السنيورة (يمين) وخليل في جولة بالضاحية الجنوبية بعد حرب 2006 (كتاب البرزخ)

(...) ثم طرح السيد نصر الله اقتراحه، الذي يتمثل بالنقاط التالية:

- أن نبلغ الإيرانيين الآن أنّه من الخطأ أن تُقدِم إيران على أي مشروع من دون التنسيق مع سوريا، لأنّ هذا سيُدخلنا في مشكلة، وأنّ الخطر هو التفاهم مع الحريري ووليد جنبلاط وخسارة سوريا.

- خطر السير في المحكمة بالشكل الذي يريدون وبأي ثمن.

- أن نكمل التحرّك خلف مطلب الانتخابات النيابية المبكرة، الذي سنرميه في وجه الموالاة.

- أن نطلب من لاريجاني المجيء إلى سوريا للتحدّث معهم حول المشروع، وأن ندفع الإيرانيين إلى العمل وفق فكرة الرئيس بري التي طرحها سابقاً، بأنّ الحلّ يكون بتأجيل إقرار المحكمة حتى الانتهاء من التحقيق، وبهذا نأخذ وقتنا، وفي الوقت نفسه يبقى المسعى قائماً.

خرجتُ من السفارة مباشرة إلى عين التينة، وهناك كان الرئيس مجتمعاً مع ميشال المر، فوضعتُه في الأجواء بصورة عامة. وهو أبدى إصراره مجدّداً على سلمية التحرّك مهما كان شاملاً، وهو ما عكسه المر أيضاً في تصريحه بعد اللقاء.

(...) طلب مني الرئيس بري أن أُبلغ السفير الإيراني أنه لا مصلحة بزيارة لاريجاني والأمير بندر من دون تنسيق مع الجانب السوري، حيث سيخسرون حليفاً من دون أن يربحوا الآخر. أما إذا تمّ الأمر بالتنسيق مع السوريين، فهو أكثر من جيد، حيث إنّها المرة الأولى التي يدخلون فيها لبنان من باب سياسي واسع عبر تكريس التعاون مع السعوديين. وفي الوقت نفسه يقدمون خدمة إلى لبنان وسوريا من باب المحكمة الدولية، وحلّ مشكلتها ربما من خلال السير في محكمة عربية أو إسلامية أو أي أمر آخر نبتكره.

بري مستمعاً إلى وشوشة من خليل (كتاب البرزخ)

وطلب الرئيس أن نتابع البحث مع الحزب والتيار، على أن يحدّد موقفه بعد الاجتماع المشترك للهيئات الحركية عند السادسة من مساء اليوم نفسه.

انتقلتُ أنا وأحمد بعلبكي للغداء مع جبران باسيل قرب مجلس النواب. لم يكن جبران حاسماً في خيار تصعيد الشارع الذي يحتاج في رأيه إلى استعداد كبير على المستوى السياسي والإعلامي، وأعاد طرح ما كنّا قد اتفقنا عليه سابقاً لجهة إقدام الرئيس لحود على خطوة اعتبار الحكومة مستقيلة، وأشار إلى أنّ هناك خللاً في التنسيق مع «حزب الله»، معبراً عن امتعاضه من طريقة تعاطي الحاج حسين الخليل معه، وأوضح أنّهم أُحرجوا جداً عندما أصدروا بياناً ضدّ «باريس 3»، ليفاجأوا في اليوم التالي أنّ السيد حسن والحزب أصدروا بياناً يفصلون فيه بين «باريس 3» والإصلاحات، واقترح أن يتوقّف تحرّك الاتحاد العمالي وأن يبدأ الحلّ من عند الرئيس لحود، وسأل عن إمكانية أن يزوره الرئيس بري لهذه الغاية.

وعند طرح هذه الفكرة الأخيرة، كنت حاسماً وسريعاً في رفضها.

نصر الله وعلي حسن خليل في أحد لقاءاتهما (كتاب البرزخ)

وأعاد باسيل التذكير بخطأ التراجع عن احتلال السراي الحكومية، وكرّرتُ له قناعتنا بالموقف الذي اتّخذناه حينها.

ومساءً، عند السادسة بالتحديد، ترأّس الرئيس بري اجتماعاً مشتركاً للهيئات القيادية الحركية، شرح فيه مخاطر المرحلة وأبدى اعتقاده بأنّنا مقبلون على ظروف سيئة يجب ألاّ تُبعدنا عن ثوابت الخطاب الحركي بالصلابة في الدفاع عن حقوقنا ومكتسباتنا وعدم التراجع، وفي الوقت نفسه أبدى الحرص على السلم الأهلي وإبقاء الأبواب مفتوحة مع الجميع رغم قناعته بأنّ الحريري قد برهن على أنّ قراره مرهون للخارج، والمفاوضة على المحكمة ليست للوصول إلى الحقيقة، بل للضغط من أجل تحقيق مكاسب والتأثير على سوريا، وأنّ المقصود إبقاؤها سيفاً مسلطاً للاستخدام في أي لحظة مستقبلية، وأشار في العموم إلى الخطوة التي تُدرس حول تصعيد التحرّك من دون الدخول في التفاصيل.

تحرك مبتور

بعد الاجتماع طلب الرئيس تدوين الملاحظات للجواب على رسالة السيد حسن، على الشكل التالي:

- تجديد التذكير بأهمية إقدام الرئيس لحود على خطوة اعتبار الحكومة مستقيلة الآن، لأنّ الظروف الدستورية والسياسية يمكن أن تختلف لاحقاً.

- أي تحرّك ليوم واحد يكون مبتوراً ومن دون أفق، لن يؤدّي إلى تحقيق الأهداف.

- أي تحرّك يجب أن يحصل خلال انعقاد «باريس 3».

- فيما يتعلّق بالتحرك السعودي - الإيراني التشديد على التنسيق مع الجانب السوري والعمل على تحييد المحكمة.

حملت هذه الرسالة وانتقلتُ على عجلٍ إلى مكتب الحاج حسين الخليل، وهناك اتصلتُ بالسيد حسن، وأبلغتُه رسالة الرئيس. ومن جانبه علَّق على موضوع التحرك بالقول إنه من الأفضل أن ننزل إلى الشارع ونبقى فيه حتى حصول تغيير في الواقع السياسي، ومن دون إضراب عام.

ثم أضاف أن جبران زاره وتحدث معه عبر الهاتف أيضاً، معرباً عن قلقه الشديد مما سيأتي بعد النزول إلى الشارع، ومتحسراً على عدم الدخول إلى السراي في أول أيام الاعتصام، كون ذلك كان يمكن أن «يريحنا» منذ البداية. كان رد السيد أن دخول السراي كان يمكن أن يؤدي إلى الخراب أيضاً.

حسين الخليل، مساعد نصر الله، وعلي حسن خليل، مساعد بري (كتاب البرزخ)

وكان باسيل يعبر عن الحاجة إلى غطاء قانوني من خلال اعتبار الرئيس لحود الحكومة مستقيلة، وعندها ننزل نحن إلى الأرض، وهذا برأيهما يستطيع أن يحققه الرئيس بري إذا قام بزيارة لحود.

تغطية سياسيةأجابه السيد بأن ذلك لا يكفي، فالأمر يحتاج إلى تغطية سياسية. لكن باسيل لمح إلى دخول الوزارات واحتلالها، وهو ما تركه السيد للنقاش فيما بعد، متسائلاً إن كان إجراء مثل هذا يسقط الحكومة!

وعاد جبران ليقول إنّه إذا كنتم محشورين بالمشكلة مع السنة نتفهّم ونخرج معاً من الأمر، ونؤجّله إلى مرحلة لاحقة. لكن السيد أشار إليه بأنه لا يضمن أي نتيجة.

كان رأي جبران أن السيد نصر الله والرئيس بري استخدما لغة ذكية بالوقوف ضدّ الورقة الإصلاحية وليس «باريس 3»، متسائلاً: «لماذا نحن مضطرون أن ننزل قبل (باريس 3)، فنظهر أنّنا ضدّ المؤتمر وهذا ما لا نريده، وداعياً إلى القيام بالتحرّك في 26 - 27 من الشهر نفسه.

يقول السيد إنه لا يعرف ما إذا كان هذا الاقتراح من عنده أو من عند الجنرال عون، لكنّه اقترح فكرة أن ينزل كل من السيد والجنرال عون عند الرئيس بري، وأن يعقدوا جلسة سرّية جداً.

كان السيد يقترح أن يتم اللقاء في اليوم التالي إذا كان ذلك ممكناً. وأشار إلى إمكانية وصوله بأمان إلى عين التينة، وأن عون مستعد أيضاً، لافتاً إلى ضرورة التواصل معه في الخيارات الكبرى، لأنّه من الصعب أن نصل إلى نتيجة مع باسيل.

بري والحريري وبينهما خليل في البرلمان أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

عند التاسعة، وصلت مباشرة إلى عين التينة. وهناك حملني الرئيس رسالة الرد للسيد نصر الله، وفيها أن التقدير للموقف مشترك بينهما، لكن إذا حصل هذا الاجتماع، الآن فسيكون معلوماً أننا خططنا للنزول واحتلال الطرقات، إضافة إلى أن الرئيس لا يقبل في كل الأحوال بالمخاطرة بحياة السيد، ويقترح أن تؤيد المعارضة إعلان الإضراب الصادر عن الاتحاد العمالي العام، في سيناريو أن يستيقظ الناس في الصباح والشوارع مقطوعة بالإطارات المشتعلة، على أن تعقد جلسة تجمع علي خليل وحسين الخليل وسليمان فرنجية عند الجنرال عون، يتفق فيها على الخطوات. وفي الرسالة أيضاً إشارة إلى خطورة تحمل المسؤولية المباشرة والعلنية عن كل شيء، وأن الخطر الأكبر هنا يقع على الحزب فيما لو حدث شيء أكبر وهو الذي يؤكد دائماً أن السلاح غير موجه للداخل، ثم إنّه من غير المناسب أن تُكشف إدارة رئيس البرلمان المباشرة للحدث، كما أن العماد عون مرشح لرئاسة الجمهورية، ومن شأن ذلك أن يضر به.

ومع هذه الملاحظات، طلب إلى الرئيس إبلاغ السيد أنه في كل الأحوال، إن كان هناك إصرار على الاجتماع، فليكن عند السيد نصر الله من أجل أمنه الشخصي، وأي شيء يتم تقريره يلتزم هو فيه، وأنه لا يمانع أن يحصل لقاء ثنائي بين السيد وعون، يمثل فيه السيد الرئيس بري فيما يقرّر. باسيل ذكّر بخطأ التراجع عن احتلال السراي... وأراد السيطرة على الوزارات.

غداً حلقة ثانية


مقالات ذات صلة

واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

تحليل إخباري أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

لم يمضِ شهران على إنشاء «حزب الله» مؤسسة تجارية مرخصة بدأت القيام بجزء من نشاطات «القرض الحسن» في إقراض مناصريه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)

الجيش اللبناني يفكك مصنعاً للمخدرات شرق البلاد

فكك الجيش اللبناني آلات لتصنيع المخدرات في بلدة بوداي في شرق لبنان، خلال مداهمة وحدة من الجيش، منازل مطلوبين في البلدة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)

خاص تقسيط «حزب الله» بدلات الإيواء يكشف عن عمق أزمته المالية

يخفي إعلان الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، أنّ «(الحزب) اتخذ قراراً بتأمين الإيواء عن 3 أشهر»، أزمة الحزب المالية التي اضطرته لصرف بدلات الإيواء بالتقسيط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)

واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

لم يمضِ شهران على إنشاء «حزب الله» مؤسسة تجارية مرخّصة تولّت جزءاً من أنشطة «القرض الحسن» في إقراض مناصريه، حتى أدرجتها وزارة الخزانة الأميركية على لائحة العقوبات، في خطوة قالت واشنطن إنها تهدف إلى إحباط محاولات الحزب الالتفاف على العقوبات بعد إغلاق هذه النافذة.

وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن «حزب الله» أنشأ شركة «جود» التجارية، المعنية ببيع الذهب وشرائه عبر عقود تتم في فروع مؤسسة «القرض الحسن»، الذراع المالية للحزب، والخاضعة بدورها للعقوبات الأميركية، وذلك بوصف ذلك جزءاً من «سياسة تموضع قانوني» داخل البلاد للإفلات من الضغوط الدولية والمحلية لإغلاقها.

وسرعان ما أحبطت واشنطن هذه المحاولة، إذ قال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، الثلاثاء، إنه فرض عقوبات على شركة «جود ش.ذ.م.م»، وهي شركة صرافة ذهب، ومقرّها لبنان، وتعمل تحت إشراف مؤسسة «القرض الحسن»، التي تُعدّ الذراع المالية لـ«حزب الله». وأوضحت وزارة الخزانة أن شركة «جود» تحوّل احتياطيات الذهب إلى أموال قابلة للاستخدام لدعم إعادة تنظيم الحزب.

فشل الالتفاف على العقوبات

وتظهر الحزمة الجديدة من العقوبات أن الحزب فشل في الالتفاف عليها، إذ تلاحق واشنطن الكيانات التي تُسهم في تمويل الحزب، بمعزل عن تسميتها وشكلها القانوني. وفيما لم تصدر السلطات اللبنانية، كما «حزب الله»، أي موقف تجاه التعيين الجديد على العقوبات، ترجّح مصادر مالية أن تتخذ المؤسسات المالية اللبنانية تدابير تلقائية لمنع التعامل معها.

وإذ أكدت المصادر أن الضغوط الأميركية على السلطة اللبنانية «أكبر من أن يتم تجاهلها»، أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «مجرد صدور إدراج على العقوبات على أي شخص أو كيان، يُمنع تلقائياً من تعامله مع المصرف المركزي أو القطاع المالي»، مشيرة إلى أنه «في حال كان لديه حساب مصرفي يجمد الحساب تلقائياً، ويبلغ المصرف هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان بتجميد هذا الحساب»، وهي تندرج ضمن إطار «سلسلة إجراءات وقائية تتخذها المصارف والسلطة المالية».

وقالت المصادر: «الأشخاص أو الكيانات المدرجة على العقوبات لن تتمكن من القيام بأي عمليات مالية في المصارف أو مع مصرف لبنان، كما لن تتمكن من إجراء تحويلات إلى الخارج بشكل نهائي، وهي إجراءات معروفة في لحظة الإعلان عن صدور العقوبات الدولية أو العقوبات السيادية (الصادرة عن الولايات المتحدة) ضد أي فرد أو كيان تجاري أو منظمة».

إسرائيل تستهدف «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت في أكتوبر 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

ويُشكّل «القرض الحسن» أحد أكثر الملفات حساسية في الداخل اللبناني. ففي حين تصفه واشنطن بأنه أداة مالية تساعد الحزب على تجاوز النظام المصرفي، يرى الحزب ومؤيدوه أنه مؤسسة اجتماعية تمكّن آلاف العائلات من الحصول على خدمات مالية في بلد يعاني انهياراً مصرفياً شاملاً.

ورفض «حزب الله» في السابق المطالب الأميركية من السلطات اللبنانية بإغلاق المؤسسة، واتهم الولايات المتحدة بمحاولة «تجفيف الموارد المالية بغرض إلغاء وجود الحزب ومنعه من تقديم الخدمات الاجتماعية»، حسبما قال أمينه العام نعيم قاسم في خطاب الشهر الماضي.

تحدٍّ للرقابة ومخاطر إضافية

وكان مصرف لبنان المركزي قد أصدر تعميماً في السابق يمنع على أي مؤسسة التعامل مع «القرض الحسن»، في وقت يدفع «حزب الله» بدلات الإيواء للمتضررين من الحرب، عبر شيكات مسحوبة على «القرض الحسن»، ما يضطر الناس للتعامل مع تلك المؤسسات لقبض مستحقاتها.

وقال الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان لـ«الشرق الأوسط»: «إن إعادة صرف أموال (القرض الحسن) تُعدّ بمثابة تحدٍّ مباشر لسلطة مصرف لبنان وللأجهزة الرقابية». وأوضح أن «تعميم مصرف لبنان الذي حظر التعامل مع أي مؤسسة غير مرخّصة يفترض أن يكون موضع التزام صارم».

وكان مصرف لبنان المركزي قد أصدر العام الماضي التعميم رقم «170» بهدف منع دخول أي أموال -بشكل مباشر أو غير مباشر– مصدرها هيئات أو منظمات لبنانية خاضعة لعقوبات دولية، ولا سيما العقوبات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC)، إلى القطاع المصرفي اللبناني الشرعي، وذلك لتجنب تعريض علاقات المصارف اللبنانية المراسلة في الخارج للخطر، خصوصاً مع المصارف الأميركية التي تتولى عمليات التحويل بالدولار الأميركي.

وحذّر أبو سليمان من «أنّ استمرار التعامل مع مؤسسات غير مرخّصة قد يعرّض لبنان لمخاطر إضافية، بما في ذلك احتمال الوقوع تحت طائلة عقوبات خارجية، حتى لو جرى ذلك تحت عنوان المساعدات الاجتماعية». ورأى أن «أي تحويلات أو خدمات مالية صادرة عن مؤسسة غير خاضعة للترخيص والرقابة تثير علامات استفهام، خصوصاً في ظل التدقيق الدولي القائم على النظام المصرفي اللبناني».

وفيما يتصل بالانعكاسات الاجتماعية، رأى أبو سليمان أنّ مسألة تهدئة الشارع عبر أدوات ذات طابع مالي تحمل أبعاداً سياسية بغطاء اقتصادي، مشيراً إلى «أنّ الشارع اللبناني يعاني ضغوطاً معيشية كبيرة، لكنه شدد على صعوبة الجزم بحجم السيولة لدى مثل هذه المؤسسات؛ لأنها لا تنشر بيانات مالية مدققة وغير خاضعة للرقابة».


الجيش اللبناني يفكك مصنعاً للمخدرات شرق البلاد

آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
TT

الجيش اللبناني يفكك مصنعاً للمخدرات شرق البلاد

آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)

فكك الجيش اللبناني، الأربعاء، آلات لتصنيع المخدرات في بلدة بوداي في شرق لبنان، خلال مداهمة وحدة من الجيش، منازل مطلوبين في البلدة ضمن إطار التدابير الأمنية التي تنفّذها المؤسسة العسكرية لمكافحة الاتجار بالمخدرات وضبط الأمن.

وقالت قيادة الجيش، في بيان صادر عن «مديرية التوجيه»، إن الوحدة العسكرية «أوقفت لبنانياً لإطلاقه النار في تواريخ سابقة، كما ضبطت آلات تُستخدم في تصنيع المخدرات وكمية كبيرة من المواد المخدّرة».

وأشارت إلى أن «العملية تأتي في سياق خطة أمنية متواصلة تستهدف شبكات التصنيع والترويج في أكثر من منطقة، ولا سيما في نطاق بعلبك – الهرمل (شرق لبنان)، حيث تتكرر عمليات المداهمة المرتبطة بملاحقة مطلوبين وضبط معدات ومواد أولية تُستخدم في تصنيع المخدرات».

عمليات أمنية مكثفة

وتأتي هذه التحركات في ظل تكثيف المؤسسة العسكرية عملياتها الأمنية في عدد من المناطق، ولا سيما في البقاع والشمال، ضمن خطة متواصلة لضرب شبكات المخدرات والسلاح والجريمة المنظمة. كما تتزامن مع مطالبات محلية بتعزيز الاستقرار وحماية الأهالي، عبر ملاحقة المطلوبين وضبط معامل التصنيع ومصادر التمويل غير القانوني، خصوصاً في المناطق التي تشهد توترات أمنية متقطعة وارتفاعاً في معدلات الجرائم المرتبطة بالسلاح والمخدرات.

وتُعدّ منطقة بعلبك-الهرمل من أبرز النقاط الساخنة في ملف المخدرات، إذ شهدت خلال الأسابيع الماضية عمليات أمنية متلاحقة. وكان الجيش اللبناني قد أعلن في 7 فبراير (شباط) الحالي تنفيذ عملية دهم استهدفت منزلاً مهجوراً في بلدة حوش تل صفية- بعلبك، بعد رصد ومتابعة لتحركات شبكة يُشتبه في نشاطها بترويج المواد المخدّرة، وأسفرت عن ضبط نحو 3 ملايين و800 ألف حبة كبتاغون، إضافة إلى 73 كيلوغراماً من مادة البودرة البيضاء المخدّرة، بينما أكدت الجهات المعنية أن التحقيقات والإجراءات مستمرة لتعقّب المتورطين وتوقيفهم.

ملاحقة شبكات التهريب

وتعكس هذه الوقائع، مساراً تصاعدياً في عمليات الملاحقة والضبط، سواء داخل المناطق المصنّفة بؤراً ساخنة لعمليات التصنيع، أو على مستوى المرافق الحدودية، في محاولة للحد من تمدّد الشبكات المنظمة وتجفيف مسارات التهريب.

وفي موازاة الإجراءات الميدانية في الداخل، تواصل الأجهزة اللبنانية متابعة شبكات التهريب عبر المعابر والمرافق الحدودية، وسط تشديد رسمي على منع استخدام لبنان منصة لتهريب المخدرات إلى الخارج. وكانت المديرية العامة للأمن العام قد أعلنت في 28 يناير (كانون الثاني) توقيف شبكة منظمة لتهريب المخدرات من تركيا إلى المملكة العربية السعودية عبر مطار رفيق الحريري الدولي، مؤكدة في بيان رسمي أنّ لبنان «لن يكون منصة أو معبراً لتهريب المخدرات إلى الدول الشقيقة أو الصديقة». وأوضحت المديرية أن عناصرها أوقفت 4 مواطنين أتراك (3 رجال وسيدة) لدى محاولتهم دخول الأراضي اللبنانية على متن رحلة قادمة من إسطنبول، قبل أن تكشف التحقيقات، بإشارة القضاء المختص، عن تأسيسهم شبكة منظمة بالتنسيق مع جهات خارجية، وتنفيذهم عمليات سابقة باستخدام أساليب احترافية.


تقسيط «حزب الله» بدلات الإيواء يكشف عن عمق أزمته المالية

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

تقسيط «حزب الله» بدلات الإيواء يكشف عن عمق أزمته المالية

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)

يكشف إعلان الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، أنّ «(الحزب) اتخذ قراراً بتأمين الإيواء عن 3 أشهر»، عن أزمة «الحزب» المالية التي اضطرته إلى صرف بدلات الإيواء بالتقسيط، بمعدل دفعة واحدة كل 3 أشهر، خلافاً لتجربته في العام الماضي حين كان يصرف بدلات الإيواء عن عام كامل.

وأعلن قاسم أن «الحزب» قرر صرف بدلات الإيواء عن أشهر فبراير (شباط) ومارس (آذار) وأبريل (نيسان) 2026، «لكل من دُمّر بيته أو أصبح غير صالح للسكن»، علماً بأن هذه الدفعة كان يُفترض أن تُصرف في مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن 3 أشهر، لكن «الحزب» دفع بدلات إيواء للشهرين الماضيين، والآن 3 أشهر، رغم تأخر 10 أيام على الإعلان عن صرفها.

دفعات متفاوتة وأسئلة معلّقة

على الأرض، لا تُقرأ بدلات الإيواء عنواناً سياسياً فقط، بل كذلك على أنها اختبار عملي، وقدرة على دفع بدلات الإيجار، وتنقل الأطفال بين المدارس، وتكلفة النقل، وتحوّل النزوح الداخلي إلى نمط حياة قسري.

تقول رنا؛ وهي سيدة نزحت من بلدة جنوبية إلى بيروت، إن «أولوية العائلات اليوم ليست السياسة، بل تأمين مكان للعيش»، مضيفة: «الناس تسأل عن بدل الإيجار، وعن المدة، وعن الاستمرارية. 3 أشهر تمر بسرعة، وبعدها لا أحد يعرف ما الذي سيحصل».

ويشير حسن، وهو متضرر آخر يقطن في الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى أن الإعلان «خفف جزءاً من القلق، لكن المشكلة ليست في الإعلان فقط، بل في انتظام الدفع وفي شمول الجميع».

تفاوت في المقبوضات

وبرزت خلف هذا القلق استنسابية في صرف التعويضات؛ إذ لم تشهد المرحلة السابقة صرفاً لكل بدلات الإيواء لجميع المستفيدين، وفق ما يقول سكان الضاحية، حيث كانت الفوارق بين الحالات واضحة.

نعيم قاسم متحدثاً إلى تجمع دعا له «حزبُ الله» في الضاحية الجنوبية الشهر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويقول أحد سكان الضاحية: «لم أقبض في السابق سوى ألفي دولار عن 4 أشهر»، كاشفاً عن أنّ «بدلات أخرى عن العام السابق لم تصل إليّ بالكامل، ولا أعرف مصيرها». ويشير آخر إلى أنه قبض 3 آلاف دولار عن 6 أشهر، لكنه يقول إن «الحديث عن بدلات إضافية بقي قائماً، من دون أن تتضح كيف ستُستكمل، أو ما إذا كانت ستُصرف فعلاً». وتضيف أخرى من سكان منطقة حارة حريك في الضاحية: «نحن لا نعرف هل ما يُدفع هو بدل إيواء كامل، أم دفعات متقطعة، أم تسوية. الناس تتكلم، لكن لا يوجد جواب رسمي واضح».

«الحزب»: ملتزمون دفع بدل إيواء

ويؤكد «الحزب» أنه «اتخذ قراراً بتأمين الإيواء»، ويقول مطلعون على تفاصيله إن هذه الخطوة تأتي في إطار تخفيف الأعباء عن المتضررين في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع تكلفة الإيجارات.

لكن هذا التعهد يصطدم بضغوط خارجية وعقوبات تتوالى، لمنع تدفق الأموال إلى «الحزب»، كان آخرها إعلان وزارة الخزانة الأميركية أنها اتخذت «إجراءات لتعطيل آليتين أساسيتين يستخدمهما (حزب الله) للحفاظ على استقراره الاقتصادي»، تتمثلان في «توليد الإيرادات بالتنسيق مع النظام الإيراني، واستغلال القطاع المالي غير الرسمي في لبنان».

لبنانيون يقفون قبالة مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويقول معارضون لـ«الحزب» إن «الملف اليوم لم يعد سياسياً فقط، بل بات مرتبطاً مباشرة بالقدرة على تأمين السيولة اللازمة لتغطية التزامات اجتماعية، وفي مقدّمها بدلات الإيواء»، ويرى هؤلاء أنّ «الاختبار الحقيقي سيكون في انتظام الدفع وفي وضوح الآلية، لا في الإعلان بحد ذاته».

مهدئات لبيئته

ويقول رئيس «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» المعارض لـ«حزب الله»، جاد الأخوي، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري على مستوى الحديث عن ضخّ الأموال «يشبه إبرة مورفين»، وأضاف: «في فترات سابقة قيل إن أموالاً طائلة دخلت إلى البلد، لكنها لم تُصرف، واليوم قد يكون هناك إنفاق محدود، لكنّه يبقى في إطار التهدئة المؤقتة؛ لا أكثر».

ورأى أنّ الدولة «وعدت بمبالغ بنحو 300 مليون دولار»، مشيراً إلى أنّ ما يفعله «الحزب» هو «محاولة لإعطاء الناس جرعة تهدئة، أو ما يشبه الـ(مورفين)، إلى حين توافر التمويل الفعلي». واستبعد إمكانية العودة إلى نمط التمويل السابق، خصوصاً عبر مؤسسات مثل «القرض الحسن»، عادّاً أنّ استمرار هذا النهج «يحمل مخاطر جدية على الاقتصاد».