لماذا قررت «إدارة ترمب» استثناء مصر من «تجميد المساعدات»؟

دونالد ترمب خلال لقاء نظيره المصري عبد الفتاح السيسي على هامش «الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
دونالد ترمب خلال لقاء نظيره المصري عبد الفتاح السيسي على هامش «الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
TT

لماذا قررت «إدارة ترمب» استثناء مصر من «تجميد المساعدات»؟

دونالد ترمب خلال لقاء نظيره المصري عبد الفتاح السيسي على هامش «الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
دونالد ترمب خلال لقاء نظيره المصري عبد الفتاح السيسي على هامش «الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)

اتفق خبراء من أميركا ومصر على أن قرار استثناء القاهرة من حجب المساعدات الأميركية الخارجية «يرتبط بالدور المصري المحوري في حفظ الأمن بمنطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن ارتباط القرار بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل».

وأكد الخبراء الذين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الاستثناء «بالقطع سيكون محل تقدير كبير من جانب السلطات المصرية، وسيزيد من التعاون بين الجانبين فيما يتعلق بقضايا المنطقة».

وقررت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، تجميد التمويل الجديد لجميع برامج المساعدات الأميركية تقريباً في مختلف أنحاء العالم، باستثناء السماح باستمرار برامج الغذاء الإنسانية والمساعدات العسكرية لإسرائيل ومصر.

وبحسب وسائل إعلام أميركية، يحظر القرار - الذي أُرسل في برقية إلى السفارات الأميركية في جميع أنحاء العالم - الإنفاق الحكومي الجديد، وهو ما يبدو أنه يحد من تشغيل البرامج فقط، ما دامت لديها أموال نقدية في متناول اليد.

ووفقاً للقرار، ستجري وزارة الخارجية الأميركية مراجعة لتحديد أي من آلاف برامج المساعدات والتنمية الأميركية يمكن أن تستمر. وينص القرار الذي أصدرته الوزارة على تنفيذ أمر بتجميد المساعدات وقّعه الرئيس الجمهوري دونالد ترمب، الاثنين.

عضو الحزب الجمهوري الأميركي توم حرب، قال إن القرار من دون شك له علاقة باتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل برعاية أميركية، «لكنه في الوقت الحالي له أهمية كبيرة خصوصاً في ظل الأوضاع الأمنية بمنطقة الشرق الأوسط فيما يتعلق بحرب غزة، وكذلك تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر، كل هذا له دور في استثناء مصر وإسرائيل من وقف المساعدات، لأن واشنطن تدرك أهمية بعضهما لبعض، ولحفظ الأمن بالمنطقة»، وفق تعبيره.

حرب، وهو مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية بواشنطن، قال أيضاً إن «الإدارة الأميركية أخذت بعين الاعتبار كذلك الأزمة الاقتصادية في مصر وحاجتها لتلك المساعدات، خصوصاً أنها خسرت أموالاً كبيرة بسبب الأوضاع المضطربة في المنطقة وتضرر الملاحة في قناة السويس».

والمعونة الأميركية لمصر هي مبلغ ثابت سنوياً تتلقاه مصر من الولايات المتحدة الأميركية في أعقاب توقيع اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية عام 1979، حيث أعلن الرئيس الأميركي في ذلك الوقت جيمي كارتر، تقديم معونة اقتصادية وأخرى عسكرية سنوية لكل من مصر وإسرائيل، تحولت منذ عام 1982 إلى منح لا ترد بواقع 3 مليارات دولار لإسرائيل، و2.1 مليار دولار لمصر، منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية (تقلصت كثيراً السنوات الماضية)، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية. (الدولار الأميركي يساوي في البنوك المصرية 50.24). ويبلغ إجمالي ما حصلت عليه مصر خلال هذه العقود الماضية، منذ توقيع اتفاق السلام، نحو 80 مليار دولار.

وتمثل المعونات الأميركية لمصر 57 في المائة من إجمالي ما تحصل عليه من معونات ومنح دولية، من الاتحاد الأوروبي واليابان وغيرهما من الدول، كما أن مبلغ المعونة لا يتجاوز 2 في المائة من إجمالي الدخل القومي المصري.

فعاليات التدريب البحري المشترك المصري - الأميركي «النسر المدافع» (المتحدث العسكري المصري)

خبير الشؤون الأميركية المقيم في واشنطن، محمد السطوحي، اتفق على أن «القرار بالنسبة لمصر تحديداً مرتبط بمعاهدة السلام مع إسرائيل وحساسية الموقف إذا تم إعطاء المساعدات لإسرائيل دون مصر، فهذا القرار تم اتخاذه وفقاً لرؤية ودراسة أميركيتين وليس اعتباطاً، أو من جانب الرئيس الأميركي وحده»، وفقاً لاعتقاده.

السطوحي أضاف أن «جزءاً آخر من القرار مرتبط بتقدير واشنطن للموقف المصري الحالي، خصوصاً بالنسبة لأحداث غزة والتخوف من حدوث أي ارتباك في اتفاق وقف إطلاق النار والترتيبات المرتبطة به».

والعامل الثالث، في نظر السطوحي، يتمثل في أن «الجمهوريين بشكل عام، مواقفهم إيجابية طوال الوقت من النظام في مصر، ودائماً لا تحدث توترات في العلاقة بين واشنطن والقاهرة؛ إلا في فترات حكم الديمقراطيين الذين يربطون الأمر في الغالب بملف حقوق الإنسان».

تجدر الإشارة إلى أنه في سبتمبر (أيلول) 2024، وللمرة الأولى في عهد الرئيس الأميركي الديمقراطي السابق جو بايدن، قررت واشنطن إقرار المساعدة العسكرية كاملة لمصر دون اشتراط تحقيق تقدم في ملفات حقوق الإنسان، وقالت «الخارجية» الأميركية وقتها، إن ذلك من «أجل مصلحة الأمن القومي الأميركي».

وفي عام 2021، حجبت إدارة بايدن ما قيمته 130 مليون دولار بسبب ملف حقوق الإنسان في مصر، ومنحتها 200 مليون دولار من المساعدات العسكرية. كذلك في عام 2022، حجبت واشنطن ما قيمته 130 مليون دولار، وسمحت بالإفراج عن 75 مليون دولار من المساعدات العسكرية، كما تلقت القاهرة 95 مليون دولار أخرى بموجب استثناء قانوني يتعلق بتمويل مكافحة الإرهاب وأمن الحدود.

إدارة بايدن ذاتها أعلنت في سبتمبر 2023، أنها قررت التنازل عن قيود حقوق الإنسان في مصر مقابل 235 مليون دولار من المساعدات، معللة ذلك بالمزايا الأمنية التي ستحصل عليها الولايات المتحدة في المقابل.

لكن في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي، نقلت «رويترز»، عما وصفته بوثيقة، أن إدارة بايدن قررت تحويل 95 مليون دولار من المساعدات العسكرية المخصصة لمصر إلى لبنان، دون توضيح رسمي عن الأسباب التي دفعت إدارة بايدن لذلك، وأيضاً لم يتضح بعد ما إذا كان قرار إدارة ترمب الأخير يشمل هذا المبلغ الذي اقتطعته إدارة بايدن من مصر، أم لا.

فلسطينيون يتجمعون في موقع غارة إسرائيلية على منزل (رويترز)

الخبير في الشؤون الدولية والأميركية المقيم في القاهرة، أحمد سيد أحمد، يفسر قرار إدارة ترمب بقوله إن «الحرب في غزة تسببت في ازدياد منسوب التوترات أحياناً بين القاهرة وتل أبيب، نتيجة وجود قوات الاحتلال الإسرائيلي في (محور فيلادلفيا) وفي معبر رفح الفلسطيني، ومن ثم فواشنطن تريد تهدئة الأوضاع بينهما».

وأضاف أن «الأهمية الجيوسياسية لمصر في محاربة الإرهاب والتعاون العسكري بين الجيشين المصري والأميركي، ومرور السفن الحربية من قناة السويس، كل ذلك محل اعتبار في هذا القرار».

والعامل الثالث في رأيه، هو حرص واشنطن على تنشيط صفقات السلاح بينها وبين مصر، حيث يقول إن «تلك المساعدات تمول صفقات مصر لشراء السلاح من الولايات المتحدة، ومن ثم وقفها يهدد الأمن القومي الأميركي فيما يخص صناعة السلاح، خصوصاً أن مصر أعلنت أخيراً أنها تنوي شراء أسلحة من أميركا بقيمة تصل إلى 5 مليارات دولار». وشدد على أن هذا الاستثناء «بالقطع سيكون محل تقدير كبير من جانب السلطات المصرية، وسيزيد من التعاون بين الجانبين فيما يتعلق بقضايا المنطقة».

من جانبه، قال الخبير الاستراتيجي المصري، سمير راغب، إنه رغم كون القرار «مرتبطاً بوضع مصر وارتباطها بإسرائيل في معاهدة السلام، وكذلك أهميتها بالنسبة لأمن إسرائيل، لكن عموماً فإن منع المعونة الأميركية لن يؤثر بأي شكل من الأشكال على اتفاقية السلام بين القاهرة وتل أبيب».

وشدد على أنه تاريخياً، فـ«المعونة الأميركية تصرف لمصر سنوياً مهما تغير النظام الحاكم هناك، ومهما حدثت توترات بين البلدين، نظراً لأن مصر دولة مهمة للإدارة الأميركية ومصالحها بالمنطقة».


مقالات ذات صلة

واشنطن كثّفت عملية «المنبوذ الاقتصادي»... وطهران تلوّح بالدبلوماسية مجدداً

شؤون إقليمية إيرانيون يمرون قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران يوم 15 يوليو 2026 (رويترز)

واشنطن كثّفت عملية «المنبوذ الاقتصادي»... وطهران تلوّح بالدبلوماسية مجدداً

بعد ستة أشهر من الحرب أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن واشنطن لا تُجري محادثات مع طهران، بل تركز على معاقبتها اقتصادياً في إطار عملية «المنبوذ الاقتصادي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ مشاركون يحضرون المسيرة الاحتجاجية في واشنطن (رويترز)

مسيرة في واشنطن احتجاجاً على تعديلات ترمب المتعلقة بالتصويت

تجمع نشطاء وحقوقيون في واشنطن، الجمعة، للمشاركة في مسيرة كبيرة اعتراضاً على تعديلات وقيود تتعلق بعمليات التصويت التي يدفع باتجاهها الرئيس ترمب والجمهوريون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)

«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، لمصر، تبرز تساؤلات حول كيفية قدرة القاهرة على المواءمة بين علاقاتها مع بكين وواشنطن في ظل تباين وتجاذبات الطرفين.

محمد محمود (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

«شارع التاكو» بدل «شارع ترمب»؟ مناورة جديدة في خلاف كندا وأميركا

في خضم التوتر المتزايد بين كندا والولايات المتحدة، لم تعد الخلافات بين البلدين تقتصر على التجارة والتعريفات الجمركية، بل امتدت إلى أسماء الأماكن أيضاً.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لموظفة تنظر إلى بطاقة اقتراع عبر البريد خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية في مكتب انتخابات مقاطعة كلارك في فانكوفر بواشنطن (أ.ب)

محكمة أميركية تعرقل مجدداً أمر ترمب التنفيذي بشأن الاقتراع عبر البريد

أصدرت محكمة أميركية، اليوم، حكماً يعرقل مجددا الأمر التنفيذي للرئيس الأميركي دونالد ترمب، بشأن الاقتراع عبر البريد في حكم من المرجح استئنافه على وجه السرعة. 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الحرب السودانية تقترب أكثر من الحدود الإثيوبية

لاجئون سودانيون في مخيم «أورا» بأسوسا في منطقة بني شنقول - جوموز في إثيوبيا (أ.ف.ب)
لاجئون سودانيون في مخيم «أورا» بأسوسا في منطقة بني شنقول - جوموز في إثيوبيا (أ.ف.ب)
TT

الحرب السودانية تقترب أكثر من الحدود الإثيوبية

لاجئون سودانيون في مخيم «أورا» بأسوسا في منطقة بني شنقول - جوموز في إثيوبيا (أ.ف.ب)
لاجئون سودانيون في مخيم «أورا» بأسوسا في منطقة بني شنقول - جوموز في إثيوبيا (أ.ف.ب)

بعد أيام من تصاعد التوتر على حدود السودان الغربية مع تشاد، اقتربت تداعيات الحرب أكثر من حدوده الشرقية مع إثيوبيا، إثر احتدام المعارك في ولاية النيل الأزرق، وإعلان الجيش إسقاط مسيّرات قال إنها قدمت من اتجاه الأراضي الإثيوبية. ويأتي هذا التطور مع إعلان «قوات الدعم السريع» وحلفائها السيطرة على مناطق استراتيجية في الولاية الحدودية.

ويضع هذا التطور دولتَين مجاورتَين للسودان، تشاد غرباً وإثيوبيا شرقاً، على تماس متزايد مع حرب دخلت عامها الرابع، وسط مخاوف من أن يؤدي اتساع العمليات العسكرية قرب الحدود إلى زيادة مخاطر امتداد تداعيات الصراع إقليمياً. وكانت نجامينا قد رفعت مستوى التأهب على حدودها مع السودان، بعد اتهامها الجيش السوداني بتنفيذ ضربة داخل الأراضي التشادية استهدفت رتلاً من المركبات، وهي اتهامات رفضت الخرطوم تحميل الجيش مسؤوليتها من دون تحقيق مستقل.

تقدم في النيل الأزرق

وفي أحدث تطور على الجبهة الشرقية، أعلنت «قوات الدعم السريع»، بالاشتراك مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال» بقيادة عبد العزيز الحلو، السيطرة على قاعدتَي «سركم وبكوري» في النيل الأزرق، قرب الحدود الإثيوبية، بعد معارك عنيفة مع الجيش.

وقال المتحدث باسم «الدعم السريع»، الفاتح قرشي، إن قوات تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) سيطرت على القاعدتَين وألحقت خسائر بالجيش والقوات المساندة له، واستولت على مركبات قتالية ودبابات وأسلحة وذخائر. وبثت «الدعم السريع» مقاطع مصورة قالت إنها تُظهر انتشار عناصرها داخل قاعدة «سركم» العسكرية التابعة للجيش. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل روايتها أو حجم الخسائر المعلنة.

وفي المقابل، أفادت مصادر محلية بأن الجيش «صد هجوماً على بكوري»، ما أبقى السيطرة على المنطقة موضع تضارب، في غياب بيان تفصيلي من الجيش يحسم الوضع الميداني.

وتكتسب سركم وبكوري أهمية عسكرية لموقعهما على محاور يمكن أن تتيح للقوات المهاجمة توسيع عملياتها شمالاً باتجاه الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق ومركزه السياسي والعسكري والإداري.

وجاء التصعيد بعد يوم من إعلان الجيش إسقاط مسيّرة وصفها بـ«الاستراتيجية المعادية»، قال إنها دخلت من اتجاه الأراضي الإثيوبية، وإنها الثالثة التي يُسقطها خلال أقل من أسبوع. ولا يوجد تحقيق مستقل من مكان إطلاق المسيّرات أو الجهة التي تديرها.

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» التي أعلنت مؤخراً السيطرة على مدينة قيسان قرب حدود إثيوبيا (أ.ب)

وكانت «الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية» قد سيطرتا مطلع أغسطس (آب) على «الكرمك وقيسان» الاستراتيجيتين على الحدود الإثيوبية، في تقدم أدى إلى موجات نزوح واسعة، وجعل النيل الأزرق واحدة من أكثر جبهات الحرب نشاطاً.

المسيّرات تحصد المدنيين

وبالتزامن مع معارك النيل الأزرق، قُتل 8 أشخاص على الأقل وأُصيب عشرات المدنيين في هجومَين بطائرة مسيّرة في منطقة سرو، شمال محلية سودري بولاية شمال كردفان. وقالت هيئة «محامو الطوارئ»، التي توثق انتهاكات الحرب، إن مسيّرة استهدفت مدنيين في المنطقة، قبل أن تعاود الهجوم في أثناء محاولة إسعاف المصابين، ما أدى أيضاً إلى تدمير أربع سيارات مدنية.

ولم تحدد الهيئة الجهة المسؤولة عن الهجوم، كما لم يصدر تعليق من الجيش أو «الدعم السريع». وطالبت المجموعة بتحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين، مؤكدة أن المنطقة المستهدفة مدنية ولا توجد فيها مظاهر عسكرية. وتصاعد استخدام المسيّرات بصورة لافتة في الحرب خلال الأشهر الأخيرة، وطالت ضرباتها مواقع عسكرية ومناطق مدنية ومنشآت للطاقة والمياه، خصوصاً في إقليم كردفان.

ويعكس انتقال ثقل العمليات بين الحدود الغربية مع تشاد والجنوبية الشرقية مع إثيوبيا اتساع النطاق الجغرافي للحرب، ويزيد المخاوف من تحول المناطق الحدودية من مجرد طرق للإمداد والنزوح إلى ساحات مواجهة يمكن أن ترفع مستوى الاحتكاك مع دول الجوار.

Your Premium trial has ended


مُلاّك «الإيجار القديم» في مصر يجنون أول عوائد الزيادة السنوية

بنايات بوسط القاهرة وتضم كثيراً من الوحدات بنظام «الإيجار القديم» (شركة المقاولون العرب)
بنايات بوسط القاهرة وتضم كثيراً من الوحدات بنظام «الإيجار القديم» (شركة المقاولون العرب)
TT

مُلاّك «الإيجار القديم» في مصر يجنون أول عوائد الزيادة السنوية

بنايات بوسط القاهرة وتضم كثيراً من الوحدات بنظام «الإيجار القديم» (شركة المقاولون العرب)
بنايات بوسط القاهرة وتضم كثيراً من الوحدات بنظام «الإيجار القديم» (شركة المقاولون العرب)

يجني مُلاّك «الإيجار القديم» في مصر أول عوائد تطبيق «القانون الجديد» بزيادة سنوية على القيمة الإيجارية اعتباراً من بداية سبتمبر (أيلول) المقبل.

وحسب نصوص قانون «الإيجار القديم» الذي بدأ تطبيقه العام الماضي «تُطبَّق أول زيادة سنوية بنسبة 15 في المائة على القيمة الإيجارية الجديدة للوحدات الخاضعة للقانون، وذلك بعد مرور عام على سريانه».

ورغم مرور أشهر على سريان القانون الذي أعاد تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، فإنَّ الجدل لا يزال قائماً بين الطرفين، حيث تباينت مواقف ممثلين قانونيين للملاك والمستأجرين بشأن الزيادة الجديدة.

تنظيم العلاقة

وقانون «الإيجار القديم» أقرَّه مجلس النواب في يوليو (تموز) من العام الماضي؛ بهدف تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وصدَّق عليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليبدأ سريانه مطلع أغسطس (آب) 2025.

ويقضي القانون بانتهاء العلاقة الإيجارية بين المُلاك أصحاب الشقق والمحال التجارية، والمستأجرين أو ورثتهم من الجيل الأول خلال 7 سنوات من وقت صدور القانون، مع إلزام الدولة بتوفير وحدات سكنية بديلة للفئات الأكثر احتياجاً، كما نصَّ على تحديد قيم إيجارية جديدة تتراوح بين 400 و1000 جنيه للشقق السكنية (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً) على أن تزيد 15 في المائة سنوياً خلال المدة الانتقالية، وهو ما يجعل سبتمبر المقبل أول موعد لتطبيق الزيادة السنوية.

و«الإيجار القديم» من التشريعات الخلافية التي ترتبط بمصير نحو 6 ملايين مواطن يشغلون وحدات سكنية مؤجرة منذ عشرات السنين بمبالغ زهيدة، حسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

زيادة غير مؤثرة

ويرى المستشار القانوني لـ«ائتلاف مُلاك العقارات القديمة»، أحمد جاد، أن «نسبة الزيادة غير مؤثرة بالنسبة للمستأجرين بالنظر إلى قيمتها التي ستصل إلى (150 جنيهاً) في المتوسط»، ويشير إلى أن «حال عدم التجاوب وتفعيل نسب الزيادة، سيحق للمُلاك تحريك دعاوى قضائية ضد المستأجرين إنفاذاً لنصوص القانون».

منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في القاهرة (رويترز)

ونصَّت المادة السادسة من القانون على «تطبيق زيادة قدرها 15 في المائة، إما على القيمة الإيجارية الفعلية المعمول بها، أو على الحد الأدنى الذي حدده القانون بناء على تقسيم المناطق الجغرافية (أيهما أعلى)».

ويوضح جاد لـ«الشرق الأوسط» أن «تطبيق قانون الإيجار القديم لا يزال يُواجَه باعتراضات رغم مرور عام على تنفيذه، من مستأجرين وممثليهم القانونيين، أملاً في إجراء تعديل تشريعي عليه أو إلغائه».

غير أنه يشير إلى أن «الاعتراضات لم تؤثر على سريان القانون بمختلف الوحدات السكنية، وذلك أن النسبة الغالبة من المستأجرين تُطبِّق نصوصه، خصوصاً ما يتعلق بنصوص الحد الأدنى للقيمة الإيجارية».

ونصَّ القانون على تشكيل لجان حصر في كل محافظة لتقسيم المناطق إلى «متميزة»، و«متوسطة»، و«اقتصادية»، وفق معايير تشمل الموقع الجغرافي، ونوعية البناء والمرافق والخدمات، وتحديد الزيادة في الإيجار، ليرتفع إلى 20 ضعفاً في المناطق المتميزة، وبحد أدنى ألف جنيه، و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية بحد أدنى 400 و250 جنيهاً على التوالي.

اعتراضات ورفض

في المقابل، يعتقد الممثل القانوني لـ«رابطة مستأجري العقارات القديمة»، شريف الجعار، أن «قانون (الإيجار القديم) يُواجَه باعتراضات ورفض من المستأجرين من اليوم الأول لتنفيذه».

ويشير إلى أن «هناك طعوناً كثيرة أمام القضاء تطالب بوقف سريانه وإعادة النظر فيه»، ويعدُّ أنَّه «شكَّل عبئاً إضافياً على المستأجرين».

ويضيف الجعار أن «النسبة الغالبة من المستأجرين غير قادرة على دفع الزيادة الجديدة في القيمة الإيجارية». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «النسبة الأكبر من قاطني وحدات الإيجار القديم من كبار السن والمعاشات». وينوه إلى أن «الحكومة تعهدت بتوفير سكن بديل لقاطني هذه الوحدات وحتى الآن لم تعلن عنها»، حسب رأيه.

يجني مُلاّك «الإيجار القديم» في مصر أول عوائد تطبيق «القانون الجديد» (شركة المقاولون العرب)

وعلى مدار العام الماضي شهدت المحاكم الابتدائية ومحكمة النقض كثيراً من القضايا المتعلقة بالإيجار القديم، بعضها رفعه ملاك لطرد مستأجرين لديهم وحدات سكنية أخرى وفق ما نص القانون، أو لامتناع مستأجرين عن دفع الإيجار، وأخرى رفعها مستأجرون على الحكومة والمحليات للطعن في قراراتها بتحديد طبيعة الإيجار في بعض المناطق.

ورغم الطعون المقدمة على القانون، فإن هذا لا يعني عدم تنفيذه، وفق وكيل «لجنة الإدارة المحلية» بمجلس النواب، محمد عطية الفيومي، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن قانون الإيجار القديم بات أمراً واقعاً ولا يمكن التراجع عن تطبيق نصوصه، بما في ذلك نسبة الزيادة السنوية».

ويرى الفيومي أن «الهدف الأساسي من القانون، تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر، بعد انتهاء الفترة الانتقالية التي حددها القانون».

ويشير إلى أن «التشريع نظَّم أيضاً إدارة هذه الفترة بين المالك والمستأجر، وراعى في الوقت نفسه أوضاع غير القادرين من قاطني هذه الوحدات، بتعهد الحكومة بتوفير مساكن بديلة لهم».

وتعهدت الحكومة بـ«توفير وحدات سكنية جاهزة سكناً بديلاً لوحدات الإيجار القديم». وقالت: «إن الوحدات البديلة مُوزَّعة جغرافياً لتلبية احتياجات المواطنين في أماكن قريبة من سكنهم الحالي»، كما أعلنت عن «إطلاق منصة إلكترونية لتلقي طلبات المستأجرين الراغبين في الحصول على وحدات بديلة».

وبالعودة للممثل القانوني لـ«ائتلاف ملاك العقارات القديمة» فإن «هناك نصوصاً في القانون لم تُطبَّق حتى الآن، من بينها إثبات الوحدات السكنية المغلقة، أو امتلاك المستأجر وحدات سكنية أخرى»، ويشير إلى أن «القانون أعطى للمالك الحق، في استرداد وحدته السكنية، حال ثبوت هذه الحالات».


أزمة الوقود تتفاقم في ليبيا... والمتهم شبكات التهريب

اصطفاف السيارات انتظاراً للحصول على وقود في مصراتة (صفحات ليبية موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
اصطفاف السيارات انتظاراً للحصول على وقود في مصراتة (صفحات ليبية موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

أزمة الوقود تتفاقم في ليبيا... والمتهم شبكات التهريب

اصطفاف السيارات انتظاراً للحصول على وقود في مصراتة (صفحات ليبية موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
اصطفاف السيارات انتظاراً للحصول على وقود في مصراتة (صفحات ليبية موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

في مشهد لافت يعكس وطأة المعاناة، اختار مواطن بمدينة أوباري جنوبي ليبيا الغني بالنفط، الاحتجاج بسخرية على أزمة الوقود الخانقة؛ إذ ظهر في مقطع مصور وهو يتنقل على ظهر جمل بين شوارع المدينة، بديلاً عن سيارته المتوقفة كغيرها من السيارات المصطفة لأيام أمام محطات التزويد الخاوية.

وبالمثل، لم يكن الوضع أفضل حالاً في العاصمة طرابلس، حيث تكرر اصطفاف السيارات لساعات طويلة أمام محطات الوقود، ما يعكس معاناة الليبيين، في وقت تؤكد فيه شركة «البريقة»، التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، ضخ ملايين اللترات يومياً، معلنة تجاوز فاتورة استيراد المحروقات مليار دولار خلال شهر يوليو (تموز) الماضي.

وفقاً لسياسيين وخبراء، تعود أزمة الوقود في ليبيا بشكل رئيسي إلى تهريبه إلى السوق الموازية داخلياً أو خارج الحدود، بسبب الفارق الكبير بين سعره المدعوم من الدولة الذي لا يتجاوز 0.150 دينار للتر.

ويرى محمد عون، وزير النفط الليبي السابق في حكومة «الوحدة» المؤقتة، أن «تضخم فاتورة استيراد المحروقات مقارنة بعدد السكان لا يعني سوى توسع عمل شبكات التهريب».

وقال عون في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «التهريب يتم عبر البحر أو الحدود البرية للبلاد التي يمزقها الانقسام، وهو أمر مثبت في تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة الصادر قبل أشهر وفي تقارير رقابية محلية»، مبرزاً أن «تعداد السكان قرابة سبعة ملايين ونصف مليون نسمة، بينهم أطفال وشيوخ، ولا توجد نهضة صناعية أو مشاريع عملاقة، فكيف يتم استهلاك هذه الكميات الضخمة؟».

حقل أبو الطفل النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

وحذر عون من أن «استمرار تصاعد فاتورة الاستيراد لأكثر من مليار دولار شهرياً سيؤثر على توزيع الميزانية العامة للبلاد، التي تعتمد بشكل رئيسي على عوائد النفط»، لافتاً إلى أن «عوائد الأعوام الماضية من النفط تراوحت بين 18 و32 مليار دولار سنوياً، يتم استنزاف نسب كبيرة منها لصالح بابي (الرواتب) و(التنمية) بالميزانية، ومع تصاعد فاتورة المحروقات قد يضطر المصرف المركزي لاستنزاف احتياطيه الأجنبي».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين: الأولى «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير الشرق وأجزاء من الجنوب بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وكان تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة، الصادر في مارس (آذار) الماضي، قد كشف عن تحول تهريب الوقود إلى «منظومة تمويل ضخمة تسيطر عليها نخبة مسلحة، مع تهريب نحو 40 في المائة من الوقود المدعوم».

بدوره، لفت الباحث بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، إلى معادلة عكسية، مفادها أن أزمة نقص الوقود تتفاقم كلما زاد حجم استيراده، وهو ما يعكس - بحسب رأيه - إحكام شبكات التهريب سيطرتها على سوق المحروقات برمته.

وحمل حرشاوي المسؤولين عن ليبيا شرقا وغرباً «مسؤولية الأزمة»، وقال إن «السياسيين والقيادات الأمنية في أعلى مستويات السلطة هم المسؤولون عن هذه الأزمة أولاً».

وعقد الباحث المختص بالشأن الليبي «مقارنة بين إنفاق البلاد أكثر من مليار دولار شهرياً على المحروقات المستوردة، إضافة إلى وقود مكرر محلياً بقيمة 440 مليون دولار، وبين واقع سكان الزاوية (50 كيلومتراً غرب العاصمة)، الذين اضطروا قبل أيام لشراء اللتر بـ15 ديناراً، أي مائة ضعف السعر الرسمي».

ورغم توقع حرشاوي «وصول عائدات النفط إلى 40 مليار دولار نهاية العام الحالي»، لكنه حذر «من أن استمرار النهج الحالي سيكلف الخزينة العامة أكثر من 12 مليار دولار كواردات للمحروقات، تستحوذ شبكات التهريب على نصفها تقريباً».

أما في داخل مدن الجنوب نفسه، مثل أوباري «حيث يتواصل نقص البنزين لأكثر من 12 يوماً، فقد وصل سعر اللتر في السوق الموازية إلى 10 دنانير»، وفق حديث الناشط السياسي جعفر الأنصاري. (الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، ويصل إلى 9.33 دينار في السوق الموازية).

وأشار أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد الحميد فضيل، في إدراج له «لتصاعد فاتورة استيراد المحروقات من 880 مليون دولار في شهر مارس الماضي إلى أكثر من مليار في الشهرين الماضيين؛ أي بارتفاع نسبته 60 في المائة.

وذكَّر فضيل بما ورد بتقرير ديوان المحاسبة لعام 2024 من «استحواذ الشركة العامة للكهرباء ومصانع الأسمنت والجهات الأمنية على 50 في المائة من إجمالي المحروقات، وتحديداً 78 في المائة من استهلاك الديزل».

وحول رؤى المعالجة، اعتبر حرشاوي «التحول للدعم النقدي للأسر خطوة ضرورية لكنها غير كافية».

ودعا المحلل السياسي الليبي، فيصل بو الرايقة، إلى إيجاد «منظومة رقمية دقيقة تتبع رحلة الوقود من ميناء المصدر حتى بيعه للمواطن، لتحديد مكان الخلل، ووقف النزيف الجاري لأموال الدولة ومحاسبة المهربين». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «رفع الدعم خطوة شديدة الحساسية، ونجاحها مرتبط بإغلاق منافذ التسرب أولاً».

وأوضح بو الرايقة أن «البداية تكون بالرقابة ومعالجة الفجوة، التي تحدث بمسار رحلة الوقود، ثم إصلاح الدعم تدريجياً مع تعويض المواطنين بتحويلات نقدية مباشرة تحمي قدرتهم على مواجهة ارتفاع تكاليف النقل والسلع».

ودعت أصوات سياسية لمراعاة أن سعر الوقود الراهن آخر ملامح الدعم الذي يتكئ عليه الليبيون، وأن الحل يتمثل بتشديد الرقابة، وتغليظ عقوبات التهريب ومتابعة التطور في أساليبه، خاصة مع «رصد وجود تعديلات هيكلية بالشاحنات لإخفاء كميات ضخمة».