أزمة الوقود تتفاقم في ليبيا... والمتهم شبكات التهريب

فاتورة استيراده تتجاوز مليار دولار شهرياً

اصطفاف السيارات انتظاراً للحصول على وقود في مصراتة (صفحات ليبية موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
اصطفاف السيارات انتظاراً للحصول على وقود في مصراتة (صفحات ليبية موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

أزمة الوقود تتفاقم في ليبيا... والمتهم شبكات التهريب

اصطفاف السيارات انتظاراً للحصول على وقود في مصراتة (صفحات ليبية موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
اصطفاف السيارات انتظاراً للحصول على وقود في مصراتة (صفحات ليبية موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

في مشهد لافت يعكس وطأة المعاناة، اختار مواطن بمدينة أوباري جنوبي ليبيا الغني بالنفط، الاحتجاج بسخرية على أزمة الوقود الخانقة؛ إذ ظهر في مقطع مصور وهو يتنقل على ظهر جمل بين شوارع المدينة، بديلاً عن سيارته المتوقفة كغيرها من السيارات المصطفة لأيام أمام محطات التزويد الخاوية.

وبالمثل، لم يكن الوضع أفضل حالاً في العاصمة طرابلس، حيث تكرر اصطفاف السيارات لساعات طويلة أمام محطات الوقود، ما يعكس معاناة الليبيين، في وقت تؤكد فيه شركة «البريقة»، التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، ضخ ملايين اللترات يومياً، معلنة تجاوز فاتورة استيراد المحروقات مليار دولار خلال شهر يوليو (تموز) الماضي.

وفقاً لسياسيين وخبراء، تعود أزمة الوقود في ليبيا بشكل رئيسي إلى تهريبه إلى السوق الموازية داخلياً أو خارج الحدود، بسبب الفارق الكبير بين سعره المدعوم من الدولة الذي لا يتجاوز 0.150 دينار للتر.

ويرى محمد عون، وزير النفط الليبي السابق في حكومة «الوحدة» المؤقتة، أن «تضخم فاتورة استيراد المحروقات مقارنة بعدد السكان لا يعني سوى توسع عمل شبكات التهريب».

وقال عون في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «التهريب يتم عبر البحر أو الحدود البرية للبلاد التي يمزقها الانقسام، وهو أمر مثبت في تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة الصادر قبل أشهر وفي تقارير رقابية محلية»، مبرزاً أن «تعداد السكان قرابة سبعة ملايين ونصف مليون نسمة، بينهم أطفال وشيوخ، ولا توجد نهضة صناعية أو مشاريع عملاقة، فكيف يتم استهلاك هذه الكميات الضخمة؟».

حقل أبو الطفل النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

وحذر عون من أن «استمرار تصاعد فاتورة الاستيراد لأكثر من مليار دولار شهرياً سيؤثر على توزيع الميزانية العامة للبلاد، التي تعتمد بشكل رئيسي على عوائد النفط»، لافتاً إلى أن «عوائد الأعوام الماضية من النفط تراوحت بين 18 و32 مليار دولار سنوياً، يتم استنزاف نسب كبيرة منها لصالح بابي (الرواتب) و(التنمية) بالميزانية، ومع تصاعد فاتورة المحروقات قد يضطر المصرف المركزي لاستنزاف احتياطيه الأجنبي».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين: الأولى «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير الشرق وأجزاء من الجنوب بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وكان تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة، الصادر في مارس (آذار) الماضي، قد كشف عن تحول تهريب الوقود إلى «منظومة تمويل ضخمة تسيطر عليها نخبة مسلحة، مع تهريب نحو 40 في المائة من الوقود المدعوم».

بدوره، لفت الباحث بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، إلى معادلة عكسية، مفادها أن أزمة نقص الوقود تتفاقم كلما زاد حجم استيراده، وهو ما يعكس - بحسب رأيه - إحكام شبكات التهريب سيطرتها على سوق المحروقات برمته.

وحمل حرشاوي المسؤولين عن ليبيا شرقا وغرباً «مسؤولية الأزمة»، وقال إن «السياسيين والقيادات الأمنية في أعلى مستويات السلطة هم المسؤولون عن هذه الأزمة أولاً».

وعقد الباحث المختص بالشأن الليبي «مقارنة بين إنفاق البلاد أكثر من مليار دولار شهرياً على المحروقات المستوردة، إضافة إلى وقود مكرر محلياً بقيمة 440 مليون دولار، وبين واقع سكان الزاوية (50 كيلومتراً غرب العاصمة)، الذين اضطروا قبل أيام لشراء اللتر بـ15 ديناراً، أي مائة ضعف السعر الرسمي».

ورغم توقع حرشاوي «وصول عائدات النفط إلى 40 مليار دولار نهاية العام الحالي»، لكنه حذر «من أن استمرار النهج الحالي سيكلف الخزينة العامة أكثر من 12 مليار دولار كواردات للمحروقات، تستحوذ شبكات التهريب على نصفها تقريباً».

أما في داخل مدن الجنوب نفسه، مثل أوباري «حيث يتواصل نقص البنزين لأكثر من 12 يوماً، فقد وصل سعر اللتر في السوق الموازية إلى 10 دنانير»، وفق حديث الناشط السياسي جعفر الأنصاري. (الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، ويصل إلى 9.33 دينار في السوق الموازية).

وأشار أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد الحميد فضيل، في إدراج له «لتصاعد فاتورة استيراد المحروقات من 880 مليون دولار في شهر مارس الماضي إلى أكثر من مليار في الشهرين الماضيين؛ أي بارتفاع نسبته 60 في المائة.

وذكَّر فضيل بما ورد بتقرير ديوان المحاسبة لعام 2024 من «استحواذ الشركة العامة للكهرباء ومصانع الأسمنت والجهات الأمنية على 50 في المائة من إجمالي المحروقات، وتحديداً 78 في المائة من استهلاك الديزل».

وحول رؤى المعالجة، اعتبر حرشاوي «التحول للدعم النقدي للأسر خطوة ضرورية لكنها غير كافية».

ودعا المحلل السياسي الليبي، فيصل بو الرايقة، إلى إيجاد «منظومة رقمية دقيقة تتبع رحلة الوقود من ميناء المصدر حتى بيعه للمواطن، لتحديد مكان الخلل، ووقف النزيف الجاري لأموال الدولة ومحاسبة المهربين». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «رفع الدعم خطوة شديدة الحساسية، ونجاحها مرتبط بإغلاق منافذ التسرب أولاً».

وأوضح بو الرايقة أن «البداية تكون بالرقابة ومعالجة الفجوة، التي تحدث بمسار رحلة الوقود، ثم إصلاح الدعم تدريجياً مع تعويض المواطنين بتحويلات نقدية مباشرة تحمي قدرتهم على مواجهة ارتفاع تكاليف النقل والسلع».

ودعت أصوات سياسية لمراعاة أن سعر الوقود الراهن آخر ملامح الدعم الذي يتكئ عليه الليبيون، وأن الحل يتمثل بتشديد الرقابة، وتغليظ عقوبات التهريب ومتابعة التطور في أساليبه، خاصة مع «رصد وجود تعديلات هيكلية بالشاحنات لإخفاء كميات ضخمة».


مقالات ذات صلة

«هيتاشي إنرجي»: تطوير شبكات النقل والربط الكهربائي يعزز فرص الاستثمار في السعودية

خاص معرض مُعدات «هيتاشي» الإنشائية التابع لشركة ATEC بالدمام (الشركة)

«هيتاشي إنرجي»: تطوير شبكات النقل والربط الكهربائي يعزز فرص الاستثمار في السعودية

في وقت تتسارع الاستثمارات السعودية لتطوير البنية التحتية للكهرباء ومواكبة نمو الطلب ودمج مصادر الطاقة المتجددة، تعزز «هيتاشي إنرجي» حضورها بالمملكة.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد رايت خلال مشاركته عبر الاتصال المرئي في مؤتمر البترول العالمي (الشرق الأوسط)

وزير الطاقة الأميركي: تدفقات النفط عبر «هرمز» تبلغ 80 إلى 90 % من مستويات ما قبل الصراع

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز عادت إلى ما يتراوح بين 80 و90 في المائة من مستويات ما قبل الصراع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد هاينكن لوك بيري يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية المنعقدة بالرياض (الشرق الأوسط)

نيجيريا تؤكد تضامنها مع السعودية وتدعو إلى تعاون دولي لمواجهة أزمة الطاقة

أكد وزير الدولة للموارد البترولية في نيجيريا، هاينكن لوك بيري، تضامن بلاده مع السعودية إثر الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)

عبد العزيز بن سلمان: توسعة «شرق–غرب» إلى 10 ملايين برميل يومياً خلال عامين أو ثلاثة

قال وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية، إن السعودية وضعت جميع أنواع السيناريوهات، والتعامل معها، ما جعلها في موقع أفضل لفهم قدراتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)

صندوق النقد يحذِّر من الضغوط التضخمية ويدعو إلى خفض العجز المالي والتحرك سريعاً

دعا صندوق النقد الدولي الدول الأعضاء إلى التحرك سريعاً عند رصد ارتفاع التضخم، والعمل على خفض العجز المالي الكبير، في ظل استمرار الضغوط التضخمية.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)
الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)
TT

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)
الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)

تواجه الرئاسة الجديدة لمجلس النواب الليبي اختباراً صعباً في بلد تتشابك فيه أزمات السياسة والاقتصاد، وتتراجع فيه آمال الخروج من حالة الانقسام المستمرة منذ سنوات، بالتزامن مع تصاعد الضغوط المعيشية على المواطنين.

وتباينت القراءات حول أولويات الرئاسة الجديدة؛ إذ يتوقع فريق أن يتصدر ملف التسوية السياسية - وتحديداً تطبيق اتفاق «4+4» الذي أُبرم بين طرفي الصراع في البلاد برعاية أممية نهاية أغسطس (آب) - قائمة اهتماماتها، باعتباره مخرجاً لإنهاء الانقسام السياسي والحكومي المستمر منذ سنوات، عبر تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تمهد للانتخابات خلال عامين.

ويشير أصحاب هذا الرأي إلى التناغم بين الرئاسة الجديدة للبرلمان والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، التي تدعم بقوة تطبيق الاتفاق الذي وقّعه ممثلون عن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة والقيادة.

وفي المقابل، يرى آخرون أن وطأة الأزمات الاقتصادية اليومية على المواطن لن تغيب عن اهتمام رئاسة البرلمان، بل ستفرض نفسها بقوة، ما يدفعها إلى تفعيل دورها الرقابي والتشريعي للتخفيف من تداعياتها.

جلسة انتخاب الصالحين رئيساً لمجلس النواب الأسبوع الماضي (المجلس)

وتشهد ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في العاصمة طرابلس، وحكومة أسامة حماد المكلفة من البرلمان والمدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

ويستبعد الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد امطيريد، أن تتصدر «التشريعات والإجراءات اللازمة لتطبيق اتفاق (4+4) أولويات الرئاسة الجديدة للبرلمان دون سواها».

وقال امطيريد لـ«الشرق الأوسط» إن السعي لتضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري «هو ما عزز انطباعات البعض حيال انصراف الرئاسة الجديدة للبرلمان إلى الملفات السياسية، سواء اتفاق (4+4) أو ربما بدء مناقشة الاتفاقية البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019 بمعزل عن القوانين المتعلقة بحياة المواطن».

وفي ضوء تصريح مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس بأن مبادرة بلاده لتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية الليبية تتكامل مع خطوات البعثة الأممية، يرجّح كثيرون أن يكون «4+4» واجهة سياسية لتطبيقها، وهي مبادرة تردد أنها تفضي إلى صفقة لتقاسم السلطة، يتولى بموجبها صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل احتفاظ الدبيبة برئاسة الحكومة.

في المقابل، يرى رئيس حزب «المستقلين الديمقراطي» الليبي، سامي الصيد الرخصي، أن الرئاسة الجديدة للبرلمان، «في ظل الترحيب والدعم اللذين حظيت بهما من قيادة (الجيش الوطني)، ستجعل تطبيق اتفاق (4+4) أولوية مطلقة؛ لأنه سيفضي إلى تشكيل سلطة تنفيذية يُتوقع أن تتقاسمها تلك القيادة وحكومة (الوحدة)».

ورغم إقراره بأهمية الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان، استبعد الرخصي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن يجري «تفعيل أي منهما بما يخفف معاناة الليبيين المعيشية، على الأقل في الوقت الراهن».

وحذَّر من أن «رفض بعض النواب الاعتراف بصحة الجلسة التي أُزيح فيها عقيلة صالح، قد يؤدي إلى تفكك صفوف البرلمان، وهو المؤسسة الوحيدة التي نجت من الانقسام الذي ضرب مؤسسات الدولة».

وتوسّط عضو مجلس النواب الليبي، عمار الأبلق، بين الرأيين السابقين، متوقعاً «موازنة الرئاسة الجديدة للمجلس بمهنية بين الاهتمام بالملفات السياسية، سواء اتفاق (4+4) أو التقارب مع المجلس الأعلى للدولة ومعالجة الانقسام في مؤسسات عدة، وبين الأزمات المعيشية التي تعصف بالليبيين».

واستشهد الأبلق بتصريحات رئيس المجلس الجديد، الصالحين عبد النبي، حول الاهتمام بملف الرواتب، بالنظر إلى وجود قرابة مليونين و200 ألف مواطن يعملون في مؤسسات الدولة، وارتفاع أسعار أغلب السلع والخدمات الرئيسية.

وأشار في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن عمل البرلمان «لن يكون منفصلاً عن كثير من التأثيرات الموجودة في الساحة، سواء قوى اجتماعية أو عسكرية»، لافتاً إلى أنه «سيكون هناك قانون ميزانية موحد وواضح للجميع، ولا يمكن تجاوزه، بدلاً من الوضع الراهن، حيث يجري الإنفاق بتوسع من الحكومتين المتنازعتين على السلطة».

ورجح معالجة وتحسين بعض الخدمات، كالكهرباء والسيولة، بما يخفف بعض المعاناة، «وإن ظل الأمل بعيداً في إجراء الانتخابات».

وعقدت هيئة رئاسة مجلس النواب الجديدة اجتماعها الأول منتصف الأسبوع الماضي، وضم عبد النبي بالإضافة إلى نائبيه الأول والثاني طارق الأشتر ومصباح دومة. وتناول الاجتماع عمل هيئة رئاسة مجلس النواب والمجلس خلال الفترة المقبلة.


«حراك المعلمين» في ليبيا يهدد بمواصلة تعطيل الدراسة

جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)
جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)
TT

«حراك المعلمين» في ليبيا يهدد بمواصلة تعطيل الدراسة

جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)
جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)

استمر إضراب المعلمين في ليبيا بتعطيل الدراسة في بعض المناطق، خصوصاً في غرب البلاد، الأحد، بعدما تمسك رئيس «حراك المعلمين» بمواصلة الاحتجاج لحين الاستجابة لجميع مطالبهم، رغم دعوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وقرار النقابة العامة رفع الاعتصام.

وقال رئيس «حراك المعلمين» أشرف الهادي، في تصريحات صحافية الأحد، إن الحراك «لن يتراجع عن الاعتصام والإضراب قبل الاستجابة رسمياً لمطالب المعلمين، وفي مقدمتها زيادة المرتبات وصرف الفروقات المالية المستحقة»، مشدداً على أن العودة إلى المدارس «لا يمكن أن تقوم على وعود جديدة من دون قرارات رسمية ملزمة وقابلة للتنفيذ».

وترك الخلاف موعد انتظام الدراسة غير واضح، بعد أكثر من 4 أسابيع على الموعد المقرر لانطلاق العام الدراسي في 13 سبتمبر (أيلول) الماضي، حين بدأ الإضراب وتوسع ليشمل مدارس حكومية في مناطق مختلفة، إلى جانب وقفات احتجاجية أمام مقار حكومية.

لكن وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة» محمد القريو، أكد، الأحد، خلال تفقده بعض المدارس التابعة لمراقبة التربية والتعليم ببلدية تاجوراء في شمال غربي البلاد، حرص الوزارة والسلطات التنفيذية على «صون حقوق المعلمين والاهتمام بمتطلباتهم، تقديراً لمجهوداتهم في أداء رسالتهم التربوية».

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» يتفقد مدارس في تاجوراء يوم الأحد (الوزارة)

واعتبر أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة يمثلان الضمان الأساسي لحق الطلاب في تلقي تعليم شامل ومستدام يحمي مستقبلهم ويصون تحصيلهم العلمي.

وتسعى حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إلى انتظام الدراسة بعد تفاهمات مع النقابة العامة لمعلمي ليبيا، التي أعلنت رفع الاعتصام، لكن «حراك المعلمين» رفض اعتبار تلك التفاهمات تسوية نهائية، معتبراً أنها تفتقر إلى ضمانات كافية.

وكان اجتماع موسع، عُقد في طرابلس مساء السبت، بحضور وزراء المالية والحكم المحلي والتربية والتعليم والصحة والشباب والثقافة والصناعة والمعادن، وأمين عام مجلس الوزراء وعمداء بلديات ومراقبي تعليم، قد دعا إلى استئناف الدراسة بدءاً من الأحد.

ووصف المشاركون حق الطلاب في التعليم بأنه «أولوية وطنية»، وأشادوا بقرار النقابة رفع الاعتصام، ودعوا المعلمين إلى العودة إلى المدارس، محذرين من أن «استمرار التعطيل يفاقم الأضرار على الطلاب وأولياء أمورهم».

وفي تطور لافت يعكس دخول جهاز أمني على خط الأزمة التعليمية، أصدر جهاز الأمن الداخلي، مساء السبت، بياناً حذر فيه من إغلاق المؤسسات التعليمية ومقار مراقبات التربية والتعليم بالسلاسل الحديدية، وتعطيل الدراسة في عدة مناطق.

وأكد الجهاز أنه «لن يقف مكتوف الأيدي» إزاء ما وصفه بالاضطرابات، مشدداً على أن الأمن التعليمي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وأن اتخاذ المؤسسات التعليمية وسيلة للضغط يُعدّ تجاوزاً صريحاً للقانون.

وحمّل الجهاز «المتورطين في التحريض أو التنفيذ أو استغلال الحراك لأغراض سياسية، المسؤولية القانونية والأخلاقية»، معلناً التنسيق مع الجهات القضائية لاتخاذ إجراءات قانونية وأمنية حازمة بحق «من يثبت تورطه».

واعتبر مراقبون محليون أن البيان بمثابة رد فعل مباشر على استمرار الإغلاقات، ما يشير إلى انتقال التعامل مع الأزمة من الإطار النقابي والحكومي إلى البعد الأمني.

وفي تصريح لـ«وكالة الأنباء الليبية»، قال وكيل شؤون المعاهد الفنية والمتوسطة بوزارة التعليم التقني والفني، عبد القادر الزروق غنية، إن مطالب المعلمين أُحيلت رسمياً إلى الوزير المختص، وإنها قيد الدراسة.

وأضاف أن المطالب «مشروعة ويكفلها القانون»، داعياً إلى مواصلة الحوار لضمان حقوق المعلمين واستئناف الدراسة في أقرب وقت، ومؤكداً أن الوزارة لن تعلن مواعيد قبل استكمال الإجراءات والتوصل إلى قرار رسمي.

وفي بنغازي بشرق البلاد، أعرب مراقب التربية والتعليم بالمدينة، جمعة خليفة، عن دعمه لحقوق المعلمين خلال اجتماع السبت، مع نقيب معلمي المدينة ومديري مدارس ومندوبي النقابة، مشدداً على أهمية إنصافهم وتعزيز استقرارهم الوظيفي والمعيشي.

وتشمل مطالب الحراك توحيد جدول المرتبات، وصرف الفروقات المستحقة، وتفعيل التأمين الصحي وقانون حماية المعلم.

وكانت الحكومة قد تعهدت بالبدء في تطبيق جدول موحد مع مرتب أكتوبر (تشرين الأول)، وانتظام صرف علاوة الحصة، وحصر الفروقات، والعمل على إدراج العاملين في منظومة التأمين الصحي.

ورغم مواقف الحكومة والنقابة، ظل مدى انتظام الدراسة على الأرض غير واضح، في ظل تمسك حراك المعلمين باستمرار الاحتجاج.


الجزائر تجدد تحركها الدبلوماسي للمطالبة بمقعدين دائمين لأفريقيا بمجلس الأمن

جانب من اجتماع لجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي بطرابلس الأحد (الخارجية الجزائرية)
جانب من اجتماع لجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي بطرابلس الأحد (الخارجية الجزائرية)
TT

الجزائر تجدد تحركها الدبلوماسي للمطالبة بمقعدين دائمين لأفريقيا بمجلس الأمن

جانب من اجتماع لجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي بطرابلس الأحد (الخارجية الجزائرية)
جانب من اجتماع لجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي بطرابلس الأحد (الخارجية الجزائرية)

قالت الجزائر إن وزير خارجيتها أحمد عطاف، سيعرض رؤيتها حول إصلاح منظومة الأمم المتحدة وتعزيز تمثيل أفريقيا في هيئات صنع القرار الدولي، خلال مشاركته في «الاجتماع الوزاري الرابع عشر للجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي»، الذي تجري أشغاله بالعاصمة الليبية طرابلس.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، أن موقفها بشأن إدخال إصلاحات على آليات صناعة القرار بالأمم المتحدة «يندرج ضمن ثوابت دبلوماسيتها التقليدية التي تؤكد احترام سيادة الدول، والتسوية السياسية للنزاعات، وتعزيز العمل متعدد الأطراف».

وعقد الوزير عطاف بعد وصوله إلى العاصمة الليبية، السبت، محادثات مع الطاهر الباعور، المكلف بتسيير ديوان وزارة الخارجية والتعاون الدولي في حكومة «الوحدة الوطنية»، حسب الصور التي نشرتها وزارة الخارجية الجزائرية بحساباتها بالإعلام الاجتماعي، مشيرة إلى أن الاجتماع يشارك فيه ممثلو الدول الأعضاء في لجنة العشرة، المكلفة بالدفاع عن الموقف الأفريقي خلال المناقشات المتعلقة بإصلاح مجلس الأمن.

وزير خارجية الجزائر مع المكلَّف بتسيير ديوان وزارة الخارجية الليبية (الخارجية الجزائرية)

وكان الاتحاد الأفريقي قد أطلق عام 2005، ما سُمِّيت «لجنة العشرة الأفريقية» وعهد إليها صياغة تصور لإصلاح مجلس الأمن، وتتألف من 10 دول أفريقية، هي: الجزائر، وجمهورية الكونغو، وغينيا الاستوائية، وكينيا، وليبيا، وناميبيا، وأوغندا، وسيراليون، والسنغال، وزامبيا. وتتمثل مهمتها تحديداً في تعزيز ودعم الموقف الأفريقي الموحَّد المطالِب بتمثيل عادل للقارة الأفريقية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، من خلال المطالبة بمقعدين دائمين و5 مقاعد غير دائمة.

ووفق بيان الخارجية الجزائرية: «تتمحور القضية بالنسبة إلى الدول الأفريقية، على وجه الخصوص، حول ضمان تمثيلها في أحد الأجهزة المحورية للنظام الدولي الذي يتمتع أعضاؤه الدائمون بحق النقض»؛ مبرزة أن القارة الأفريقية «ترى أن مكانتها في المؤسسات متعددة الأطراف لا تعكس بالشكل الكافي ثقلها الديموغرافي وعدد الدول التي تمثلها».

وتدافع الجزائر منذ فترة طويلة عن إصلاح منظومة الأمم المتحدة، وتعزيز تمثيل أفريقيا في هيئات صنع القرار الدولي. ومن المنتظر أن يتيح اجتماع طرابلس للمشاركين مواصلة التنسيق بشأن مواقفهم، وتحديد الخطوات الكفيلة بدفع المطالب الأفريقية قُدماً في المفاوضات الدولية.

غير أن هذا الملف لا يزال معقداً؛ إذ يتطلب أي إصلاح لمجلس الأمن التوصل إلى توافق واسع بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، في ظل استمرار الخلافات بشأن عدد المقاعد الجديدة، وطبيعتها، وإمكانية منح أصحابها حق النقض (الفيتو).

وتعكس مشاركة عطاف حرص الجزائر على إبقاء هذا الملف ضمن أولويات سياستها الخارجية، كما تأتي في سياق تسعى فيه الدول الأفريقية إلى تعزيز قدرتها على التأثير جماعياً في القرارات الدولية الكبرى.

ورغم أهمية الاجتماع كمنصة لتنسيق المواقف، يبرز التحدي الحقيقي -حسب مراقبين- في مدى القدرة على تحويل هذا المطلب المشترك إلى مكاسب ملموسة؛ لا سيما في ظل خضوع المنظمة الدولية إلى حد بعيد لنفوذ أعضاء مجلس الأمن.

وكانت الجزائر قد كثَّفت، خلال سنة 2024، تحركاتها الدبلوماسية للدفاع عن إصلاح مجلس الأمن الدولي، والمطالبة بإنصاف القارة الأفريقية من خلال تعزيز تمثيلها في هذا الجهاز الأممي؛ لا سيما عبر منحها مقعدين على الأقل ضمن فئة المقاعد الدائمة.

وشارك وزير الخارجية الجزائري في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2024؛ حيث دعا إلى تصحيح ما وصفه بـ«الظلم التاريخي المسلَّط على أفريقيا» التي لا تزال محرومة من التمثيل ضمن فئة المقاعد الدائمة في مجلس الأمن، رغم ثقلها الديموغرافي وعدد الدول التي تمثلها.

كما شدَّد عطاف على ضرورة توسيع عضوية مجلس الأمن، وإضفاء مزيد من الديمقراطية على أساليب عمله، إلى جانب تعزيز دور الأعضاء غير الدائمين وتجاوز منطق الاستقطاب، بما يسمح بتحسين آليات اتخاذ القرار، وتعزيز قدرة المنظمة الأممية على الاستجابة للتحديات الدولية.

جانب من محادثات وزير خارجية الجزائر بوزارة الخارجية الليبية (الخارجية الجزائرية)

وتندرج هذه التحركات ضمن مساعي الجزائر، التي شغلت عضوية غير دائمة في مجلس الأمن خلال الفترة 2024-2025، للدفاع عن الموقف الأفريقي الموحد بشأن إصلاح المجلس، بالتنسيق مع لجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي، المكلفة بتنسيق الجهود الأفريقية، ودعم مطالب القارة في المفاوضات الحكومية الدولية.

ويأتي الاجتماع الوزاري الرابع عشر للجنة العشرة، المنعقد في طرابلس، امتداداً لهذه المساعي الرامية إلى توحيد المواقف الأفريقية، وتعزيز حضور القارة في عملية إصلاح مجلس الأمن، في ظل استمرار الخلافات الدولية بشأن توسيع عضوية المجلس، وطبيعة المقاعد الجديدة، والصلاحيات المرتبطة بها.