«السور الحديدي» تضع الضفة ضمن أهداف الحرب الإسرائيلية

عملية «على نطاق مختلف» في جنين قررها المستوى السياسي

قوات الاحتلال الإسرائيلي بمركبات مدرعة خلال العملية العسكرية التي انطلقت الثلاثاء في جنين بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
قوات الاحتلال الإسرائيلي بمركبات مدرعة خلال العملية العسكرية التي انطلقت الثلاثاء في جنين بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

«السور الحديدي» تضع الضفة ضمن أهداف الحرب الإسرائيلية

قوات الاحتلال الإسرائيلي بمركبات مدرعة خلال العملية العسكرية التي انطلقت الثلاثاء في جنين بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
قوات الاحتلال الإسرائيلي بمركبات مدرعة خلال العملية العسكرية التي انطلقت الثلاثاء في جنين بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

أطلقت إسرائيل عملية عسكرية واسعة في جنين، شمال الضفة الغربية، في بداية تحرك قد يكون أوسع نطاقاً، بعد إدراج الضفة على «قائمة أهداف الحرب».

وأعلن الجيش الإسرائيلي (الثلاثاء) أنه بدأ مع «جهاز الأمن العام (الشاباك)» و«شرطة حرس الحدود»، عملية عسكرية واسعة في مدينة جنين لـ«إحباط الأنشطة الإرهابية». وأطلق عليها اسم «السور الحديدي»، في تذكير واضح بالعملية الواسعة التي شنتها إسرائيل في الضفة عام 2002 خلال الانتفاضة الثانية، وأطلقت عليها اسم «السور الواقي» واجتاحت معها كل الضفة الغربية.

وبدأت العملية، التي تعدّ تغييراً في الاتجاه الإسرائيلي، بهجوم جوي نفذته طائرات مسيّرة على بنى تحتية عدة هناك، قبل أن تقتحم الوحدات الخاصة و«الشاباك» والشرطة العسكرية مناطق واسعة في جنين، ثم ينفذ الطيران غارات أخرى.

وشوهدت أرتال من السيارات العسكرية والآليات الثقيلة في طريقها إلى جنين وداخل المدينة، فيما كانت القوات الراجلة تقتحم الشوارع ويعتلي القناصة أسطح البنايات مدعومين بالطائرات المقاتلة، قبل أن تنفجر اشتباكات واسعة داخل جنين وفي مخيم جنين الذي تحول ساحة حرب.

وقتلت إسرائيل في الساعات القليلة الأولى 8 فلسطينيين، وجرحت آخرين، بعدما عزلت المدينة بشكل كامل عن بقية الضفة الغربية، وهو إجراء اتخذه الجيش في معظم مناطق الضفة كذلك.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية «ارتفاع عدد الشهداء إلى 8». وقالت إن «من بين الشهداء معتز أبو طبيخ، ورائد أبو سباع، وأحمد شايب، وأمين زوايدة صلاحات، وخليل السعدي، وعبد الوهاب السعدي» الذين قضوا بقصفٍ ورصاصٍ إسرائيلي، فيما أصيب أكثر من 40.

وشوهدت جثامين وجرحى في الشوارع خلال الهجوم الإسرائيلي. وقال مصدر أمني لـ«القناة12» الإسرائيلية إن العملية الجارية في جنين «ستكون على نطاق مختلف تماماً».

ووفق المصدر؛ الذي نقلت عنه أيضاً قناة «كان» و«يديعوت أحرونوت» ومعظم وسائل الإعلام الإسرائيلية، فـ«ستستمر العملية، التي تهدف إلى مواصلة الحفاظ على حرية عمل الجيش الإسرائيلي في جميع أنحاء الضفة الغربية، وتدمير وتحييد البنية التحتية المسلحة والقنابل الموقوتة، ما دام ذلك ضرورياً».

وأكدت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن العملية في جنين انطلقت بقرار من المستوى السياسي بعد اجتماع «مجلس الوزراء المصغر (الكابينيت)» الجمعة الماضي.

وقال رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو: «بتوجيه (الكابينيت)، أطلقت قوات الجيش الإسرائيلي و(جهاز الأمن العام - الشاباك)، وشرطة إسرائيل، عملية عسكرية واسعة ومهمة، في جنين». وأضاف: «هذه خطوة أخرى نحو تحقيق الهدف الذي حددناه، وهو تعزيز الأمن في الضفة الغربية». وتابع: «نحن نتحرك بشكل منهجيّ وحازم ضد المحور الإيرانيّ أينما يرسل أذرعه؛ في غزة ولبنان وسورية واليمن والضفة الغربية».

وكان اجتماع الجمعة خُصص لمسألة المصادقة على وقف النار في قطاع غزة. ووفق «يديعوت»، فإن القرار بشأن العملية جرى اتخاذه بالفعل في مجلس الوزراء الجمعة الماضي؛ مما يدل على أن نتنياهو استجاب لمطالب وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي هدد بالاستقالة رداً على الصفقة.

وكتب سموتريتش بعد إطلاق العملية: «بعد غزة ولبنان، بدأنا اليوم بمشيئة الله في تغيير المفهوم الأمني في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) من أجل اجتثاث الإرهاب في المنطقة، وذلك بوصفها جزءاً من أهداف الحرب التي أضافها (الكابينيت) بناء على طلب حزب (الصهيونية الدينية) يوم الجمعة الماضي». وأضاف: «(السور الحديدي) هي تحرك حثيث ومتواصل ضد عناصر الإرهاب ومنفذيه، من أجل حماية الاستيطان والمستوطنين، ومن أجل أمن دولة إسرائيل برمتها، التي يشكل الاستيطان حزامها الأمني».

وكان لافتاً أن قرار بدء الهجوم على جنين اتُّخذ في اليوم الثالث من سريان الهدنة بقطاع غزة. وفور بدء الهدنة اتخذت إسرائيل إجراءات مباشرة في الضفة، شملت عزل المدن وتركيب بوابات حديدية جديدة وفرض إغلاق شبه محكم على كل مدينة.

وقالت «القناة12» إن «العملية في جنين ليست مفاجئة، وجرى التجهيز لها منذ فترة، وتقررت بعد توصية رئيس (الشاباك)، رونين بار، قبل أسبوعين في اجتماع (الكابينيت)، بأنه يجب اتخاذ إجراءات أوسع لتغيير الواقع والقضاء على المجموعات المسلحة في الضفة»، مطالباً بـ«التعلم من الذي حدث في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023»، ومحذراً بأن الانخفاض الكبير في العمليات في الضفة الغربية «مخادع ومضلل... ولا يعكس حجم تطور الإرهاب على الأرض».

لكن «معاريف» و«يسرائيل هيوم» قالتا إن «عوامل أخرى سرّعت العملية؛ منها الاتفاق مع (حماس) على تحرير المختطفين وإطلاق سراح مئات الفلسطينيين في الأسابيع المقبلة إلى مناطق الضفة».

وقالت معاريف: «يدرك الجيش أن مثل هذا الإفراج الجماعي سيثير حماسة الإرهابيين في المنطقة ويزيد من دوافعهم لتنفيذ الهجمات. وقد يعود بعض المفرج عنهم فوراً إلى دائرة الإرهاب؛ سواء في التنفيذ وفي التخطيط وإرسال التهديدات».

وقبل بدء العملية في جنين، صرّح وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، أمام لجنة الخارجية والأمن، بأن «التهديد الذي يواجهه المستوطنون والمستوطنات في يهودا والسامرة وعلى خط التماس يزداد سوءاً». واتهم كاتس المحور الإيراني بالعمل على مواصلة «إنتاج الإرهاب عبر التمويل والتوجيه والتسليح». وأضاف: «أصدرتُ تعليمات للجيش الإسرائيلي بالعمل بقوة شديدة من أجل الدفاع عن جميع المستوطنات والمستوطنين، وهذا أمر نُفّذ وسينفذ بقوة بالغة».

مروحية إسرائيلية تحلق خلال العملية في جنين بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (رويترز)

ولا يوجد موعد محدد لإنهاء العملية التي جاءت يوم إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي المستقيل، هيرتسي هاليفي، أن قواته مستعدة لشن «حملات عسكرية ملموسة» في الضفة الغربية. ويُعتقد أن إسرائيل ستوسع عمليتها في الضفة التي حوّلت تصنيفها من «ساحة تهديد رئيسية» إلى «أحد أهداف الحرب».

وفي حين أدانت السلطة الفلسطينية «العملية الإسرائيلية في جنين وباقي الإجراءات العدوانية في الضفة الغربية»، فقد طالبت «حماسُ» و«الجهادُ الإسلامي» الفلسطينيين في الضفة بتصعيد الاشتباك، ودعت «حماس» الفلسطينيين إلى «النفير العام والتصدي لعدوان الاحتلال الواسع في جنين، وإسناد المقاومين لمواجهة البطش الصهيوني». وقالت إن «هذه العملية العسكرية التي يشنها الاحتلال في جنين ستفشل كما فشلت كل عملياته العسكرية السابقة».

كما دعت «حركةُ الجهاد الإسلامي» أبناء الضفة الغربية «إلى التصدي بكل الوسائل والسبل لهذه الحملة المجرمة، وإفشال أهدافها، وترسيخ هزيمة العدو في قهر إرادة شعبنا في الضفة كما في غزة».


مقالات ذات صلة

رئيسة البرلمان الألماني تؤكد الطبيعة الفريدة لعلاقات بلادها مع إسرائيل

أوروبا علم ألمانيا (رويترز)

رئيسة البرلمان الألماني تؤكد الطبيعة الفريدة لعلاقات بلادها مع إسرائيل

قبيل بدء زيارتها الرسمية الأولى لإسرائيل، أكّدت رئيسة البرلمان الألماني يوليا كلوكنر على الطبيعة الفريدة للعلاقات الألمانية الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
تحليل إخباري آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة... 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

تحليل إخباري موقف أميركي «خجول» من قرارات إسرائيل الجديدة في الضفة الغربية

أعاد مسؤول في البيت الأبيض التأكيد على معارضة الرئيس، دونالد ترمب، لضم الضفة الغربية، لكن ردّ واشنطن جاء خجولاً بلا «أسنان» سياسية.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ يلتقي سفراء أجانب وعرباً ومسؤولين لبحث خطورة قرارات «الكابينت» (مكتب الشيخ)

الرئاسة الفلسطينية تأمر بعدم التعامل مع «الإجراءات الإسرائيلية»

السلطة الفلسطينية توصي أجهزتها الأمنية بعدم التعامل مع القرارات الإسرائيلية الأخيرة، وتطلب من الفلسطينيين ذلك، في محاولة لعرقلة تهميش السلطة وضم الضفة الغربية.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين (رويترز)

وزير إسرائيلي يصف إجراءات الضفة الغربية بأنها «سيادة واقعية»

قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن الإجراءات التي تبنتها الحكومة والتي تعزز السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة ترقى لمستوى تنفيذ «سيادة واقعية».

«الشرق الأوسط» (رام الله)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».