حرب أعصاب... قصة الساعات الأخيرة قبل موافقة إسرائيل على الصفقة

نتنياهو تعهّد لسموتريتش بالعودة إلى الحرب بعد انتهاء المرحلة الأولى وشنّ حملة كبيرة في الضفة

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
TT

حرب أعصاب... قصة الساعات الأخيرة قبل موافقة إسرائيل على الصفقة

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)

بعد حرب أعصاب عاشها ملايين الإسرائيليين الفلسطينيين في اليومين الماضيين لمعرفة هل ستوافق تل أبيب فعلاً على صفقة التهدئة في غزة، أقر المجلس الوزاري المصغر (الكابنيت)، بقيادة بنيامين نتنياهو، اتفاق وقف النار «المستدام» وتبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة «حماس». ولم يبق سوى تصويت الحكومة على الصفقة حتى تنطلق يوم الأحد.

لكن هذا التطور الإيجابي لا يُريح أصحاب الشأن، كما يبدو. فقد بات واضحاً أن كل بند سيُنفّذ في هذه الصفقة سيترافق مع شد أعصاب آخر، لأن أحداً لا يثق بأن الفرقاء مخلصون في التوجه إلى الصفقة، بل كثيرون منهم يشعرون بأنهم مرغمون عليها. وفي اليمين المتطرف في تل أبيب، قال محرر «القناة 14»، أريه سيجال، المقرب جداً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «الرئيس الأميركي (المنتخب) دونالد ترمب صدمنا. عملياً فرض علينا الصفقة بالقوة».

بدأت حرب الأعصاب بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس دونالد ترمب، مساء يوم الأربعاء، في منشور على حسابه في منصة «تروث سوشيال»: «لقد توصلنا إلى اتفاق بشأن الرهائن في الشرق الأوسط»، وهو إعلان أتبعه الرئيس المنتهية ولايته، جو بايدن، بإعلان مماثل. فقد كان المفترض أن يعلن رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رسمياً عن التوصل إلى اتفاق. لكن إعلانه تأخر. وفي الوفد الأميركي المشارك في مفاوضات التهدئة في الدوحة، صُعق المفاوضون من هذا التطور ولم يصدقوا أن الصفقة أصبحت في خطر بسبب «أمور تافهة»، حسب رأيهم. وراحوا يديرون اتصالات مكثفة مطعّمة بتهديدات شديدة للطرف الفلسطيني وتذمر شديد للطرف الإسرائيلي. وطلبوا إنهاء الخلافات فوراً. وبالفعل، خرج المسؤول القطري بإعلانه الرسمي عن اتفاق وقف النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، لكنه قال إن المفاوضين سيبقون في الدوحة لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، وهو الأمر الذي بعث الهدوء بعض الشيء.

وفي تل أبيب، أُعلن أن «الكابنيت» سيجتمع في الحادية عشرة من ظهر الخميس ويتلوه اجتماع للحكومة، لإقرار صفقة غزة. ولكن، في الساعة الثالثة من فجر يوم الخميس، اتصل رئيس الفريق الإسرائيلي إلى المفاوضات في الدوحة، رئيس جهاز الموساد دافيد برنياع، برئيس الحكومة، نتنياهو، وأيقظه ليبلغه بأن «مشكلة ظهرت في اللحظة الأخيرة». وحسب رواية مكتب نتنياهو، فإن «حماس» التي تعهّدت بإعطاء حق فيتو إسرائيلي على هوية جزء من كبار الأسرى الذين سيتم إطلاق سراحهم في الصفقة، تراجعت عن ذلك. وتصر على أن يكون بينهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات وإبراهيم حامد وعبد الله البرغوثي وعباس السيد وغيرهم من الذين يُعدون من أبرز قادة الحركة الأسيرة الفلسطينية.

رد نتنياهو بأن أعطى أمراً للبعثة في الدوحة بالتصميم على رفض مطالب «حماس». ومع بزوغ الصباح، ظهرت عوائق أخرى، إذ أبلغت «حماس» أن الخرائط التي قُدمت إليها حول الانسحاب الإسرائيلي من مناطق في قطاع غزة ناقصة وغير واضحة. فأعلنت إسرائيل إلغاء الاجتماعَيْن («الكابنيت» والحكومة).

وحتى ساعات مساء الخميس، كان الوسطاء الأميركيون والقطريون والمصريون يبذلون جهوداً كبيرة للتغلب على الخلافات، في حين كان العالم يضج ويوزّع الاتهامات. وتمّ إرسال خرائط جديدة إلى «حماس» التي تنازلت، في المقابل، عن شروط كانت قد وضعتها في موضوع الأسرى.

ولكن، عندما بدا أن الإشكاليات قد انتهت، خرج قادة اليمين المتطرف في إسرائيل بمواقف تعرقل الصفقة. فقد أعلن وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، أنه لن يوافق على الصفقة، وإذا تمت المصادقة عليها في إسرائيل فسينسحب من الحكومة. وتوجه إلى شريكه في الانتخابات الأخيرة، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لينضم إليه. في المقابل، راح نتنياهو يؤخّر اجتماع «الكابنيت» ودخل في مفاوضات مضنية مع سموتريتش، علماً بأنه اجتمع به ثماني مرات خلال ثلاثة أيام، وهذا بعد عشرات الاجتماعات معه ومع بن غفير في الأيام التي سبقت.

صور رهائن إسرائيليين في غزة على جدار أمام مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية في تل أبيب الجمعة (إ.ب.أ)

وكان سموتريتش يصر على معارضة الصفقة حتى اللحظة الأخيرة، لكنه ابتزّ نتنياهو بطريقة وصفها أحد المعلقين بأنها «نوع من مص الدم»، لافتاً إلى أن سموتريتش تصرّف كـ«مارد شبّ على صاحبه»، إذ إن نتنياهو هو الذي عمل على توحيد اليمين في كتلة واحدة تضم سموتريتش وبن غفير حصلت على 14 مقعداً في الانتخابات الأخيرة.

في نهاية المفاوضات، اتفق نتنياهو مع سموتريتش على استئناف الحرب ضد «حماس» بعد انتهاء المرحلة الأولى من الصفقة، أي بعد 42 يوماً، وعلى القيام بحملة عسكرية كبيرة في الضفة الغربية لتصفية ما سماه الإرهاب الفلسطيني. وقدّم له رزمة «هدايا» أخرى، عُرف منها حتى الآن: أن يكون شريكاً في القرار حول هوية رئيس أركان الجيش القادم الذي سيحل محل هرتسي هليفي بعد دفعه إلى الاستقالة، وأن يمرر قرارات لتوسيع الاستيطان بـ10 آلاف بيت جديد، وأن يضع خطة لفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات في الضفة الغربية.

وفقط عندئذٍ، وقّع الوفد الإسرائيلي في الدوحة على الاتفاق. واجتمع «الكابنيت» قبيل ظهر الجمعة، ثم الحكومة بعد الظهر لإقرار الصفقة وإطلاقها. وأعلن نتنياهو أن الدفعة الأولى من المحتجزين لدى «حماس» سيُطلق سراحهم يوم الأحد؛ بحيث يصل عدد المحتجزين المحررين في نهاية الأسابيع الستة المقبلة 33 شخصاً. ويبقى هناك 65 محتجزاً، هم الجنود والضباط والمدنيون الذكور تحت سن الخمسين. ويفترض أن تبدأ مفاوضات بعد 16 يوماً حول المرحلة الثانية من الاتفاق.

لكن الأمور لا تبدو سالكة بهذه السهولة، خصوصاً بعد تعهدات نتنياهو لسموتريتش وخطر استئناف الحرب وتوسيعها إلى الضفة الغربية لإرضاء اليمين المتطرف. وتطرح أسئلة عديدة حول رد فعل ترمب على هذا السلوك وهل سيتحمله كما تحمله بايدن.

بيد أن حرب الأعصاب الأشد، في هذه المعمعة، ستكون لدى أفراد عائلات المحتجزين الإسرائيليين لدى «حماس». فهؤلاء يعيشون حرب أعصاب خاصة بهم، ولا يصدّقون ما تراه عيونهم المتعبة من تصرفات قياداتهم السياسية والعسكرية من تلاعب بمشاعرهم واستخفاف بمعاناتهم، حسب رأيهم، خصوصاً أنهم يشعرون بأن هذه القيادة تعيش في اغتراب عنهم ولا تحس بهم. يتهم هؤلاء قيادة بلادهم بأنه لا يزعجها تأجيل الصفقة يوماً أو شهراً أو سنة، لكي تحقق مكاسب سياسية وحزبية وشخصية. ولم يعد لديهم حرج في اتهام الحكومة بجريمة التسبب في قتل أبنائهم المحتجزين والأسرى وإطلاق تعابير مثل «حكومة مجرمة». ويطرحون السؤال الذي يقض مضاجع الجيش والمجتمع الإسرائيلي بأسره: «كيف سيحارب أولادنا الآن، وهم يعرفون جيداً أنهم في حال الوقوع بالأسر، فإن هذه القيادات ستهملهم كما أهملت أولادنا وتسبّبت بمقتل 33 شخصاً منهم داخل الأسر؟».


مقالات ذات صلة

طلاب وموظفون فلسطينيون يقاضون جامعة كولومبيا بتهمة التمييز ضدهم

الولايات المتحدة​ متظاهرون يتجمعون عند بوابات جامعة كولومبيا دعماً للطلاب المحتجين الذين تحصنوا في قاعة «هاميلتون» رغم أوامر مسؤولي الجامعة بتفريقهم أو مواجهة الإيقاف في نيويورك في 30 أبريل 2024 (رويترز)

طلاب وموظفون فلسطينيون يقاضون جامعة كولومبيا بتهمة التمييز ضدهم

كشفت وثائق قضائية في نيويورك عن دعوى رفعها طلاب وموظفون فلسطينيون ضد جامعة كولومبيا، قائلين إن الجالية الفلسطينية في الجامعة تتعرض لمعاملة تمييزية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

رغم اختلاف دوافع انتقاد إسرائيل فإن غالبية الأصوات المشككة تدعو إلى الحدّ من نفوذ تل أبيب في أروقة القرار الأميركي.

رنا أبتر (واشنطن)
خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» (أرشيفية - رويترز)

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: تطمينات للفصائل بحق العمل السياسي بعد حصر السلاح في غزة

يبدو أن إسرائيل لن تتمكن من تحقق هدفها المعلن بالقضاء على «حماس» وسط كلام عن تطمينات أميركية للفصائل بحرية العمل السياسي في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية الرئيس دونالد ترمب مع بنيامين نتنياهو في مارالاغو بفلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ترمب يشدّد على أن علاقته بنتنياهو «جيدة جداً» رغم الخلاف بشأن غزة

شدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاثنين على أن علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «جيدة جداً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 (الرئاسة المصرية)

«اتفاق السلام مع مصر» يحضر في حسابات الانتخابات الإسرائيلية

دخلت اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، الموقعة عام 1979، على خط الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

محمد محمود (القاهرة)

وزارة الدفاع التركية: تحطم مقاتلة «إف-16» خلال رحلة تدريبية

طيار يؤدي عرضاً جوياً بطائرة «إف-16» خلال معرض في تركيا (أ.ف.ب)
طيار يؤدي عرضاً جوياً بطائرة «إف-16» خلال معرض في تركيا (أ.ف.ب)
TT

وزارة الدفاع التركية: تحطم مقاتلة «إف-16» خلال رحلة تدريبية

طيار يؤدي عرضاً جوياً بطائرة «إف-16» خلال معرض في تركيا (أ.ف.ب)
طيار يؤدي عرضاً جوياً بطائرة «إف-16» خلال معرض في تركيا (أ.ف.ب)

أعلنت ​وزارة الدفاع التركية أن مقاتلة عسكرية من ‌طراز ‌«إف-16» ​تحطمت ‌اليوم ⁠(الأربعاء)، ​في أثناء ⁠رحلة تدريبية في إقليم يلوا شمال ⁠غرب ‌تركيا، مضيفة ‌أن ​الطيار ‌قفز بالمظلة ‌ونجا من الحادث.

وأظهرت مقاطع ‌فيديو نشرتها وسائل إعلام ⁠محلية عموداً ⁠من الدخان الأسود يتصاعد من أحد الحقول.


«الحرس الثوري» يلوّح بإطالة الحرب حتى رحيل ترمب

مروحية تابعة للبحرية الأميركية من طراز «أم أتش-60» خلال عمليات فرض الحصار البحري على إيران(سنتكوم)
مروحية تابعة للبحرية الأميركية من طراز «أم أتش-60» خلال عمليات فرض الحصار البحري على إيران(سنتكوم)
TT

«الحرس الثوري» يلوّح بإطالة الحرب حتى رحيل ترمب

مروحية تابعة للبحرية الأميركية من طراز «أم أتش-60» خلال عمليات فرض الحصار البحري على إيران(سنتكوم)
مروحية تابعة للبحرية الأميركية من طراز «أم أتش-60» خلال عمليات فرض الحصار البحري على إيران(سنتكوم)

قال مستشار كبير لقائد «الحرس الثوري» إن إيران قد تطيل الحرب حتى مغادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب منصبه، فيما أفاد مصدر إيراني كبير لوكالة «رويترز» بأن واشنطن وطهران لا تبحثان تمديد الهدنة، التي ترى بلاده أنها لم تبدأ أصلاً.

وجاءت تصريحات المصدر بعدما نسبت وسائل إعلام إلى مصادر في الحكومة الباكستانية، الأربعاء، بأن طهران وواشنطن اتفقتا على تمديد وقف لإطلاق النار لمدة 60 يوماً بموجب الاتفاق المؤقت الذي وقعتاه في يونيو (حزيران).

وقال المصدر لـ«رويترز»: «لا يوجد حديث عن تمديد، لأنه من وجهة نظر إيران لم تبدأ أي فترة زمنية، وبالتالي لا يوجد ما يمكن تمديده. انتهكت الولايات المتحدة الاتفاق المؤقت بعد 48 ساعة من التوصل إليه، وانسحبت منه بعد بضعة أيام».

ونص الاتفاق على «إنهاء فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات»، لكنه سرعان ما انهار. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 7 يوليو (تموز) إنه «انتهى»، قبل أن تعلن وزارة الخارجية الإيرانية بعد أسبوع أنه «معلّق».

وتشير فترة الستين يوماً الواردة في الاتفاق إلى إطار زمني قابل للتمديد، كان من المتوقع أن تتوصل خلاله إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق نهائي يفرض قيوداً على البرنامج النووي الإيراني ويرفع العقوبات الأميركية.

وكان يُنظر إلى مجموعة من المتطلبات، من بينها وقف إطلاق النار في لبنان، وحرية الملاحة في الخليج، ومنح إيران إعفاءات تسمح لها ببيع نفطها، على أنها ضرورية قبل الانتقال إلى المرحلة التالية من المفاوضات.

وأضاف المصدر: «إحدى القضايا التي تجري مناقشتها عبر الوسطاء هي عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق المؤقت وتحديد إطار زمني لتنفيذ الالتزامات. ولم يُحرز أي تقدم على الإطلاق في هذه المسألة».

تصعيد متبادل

وصعّدت إيران والولايات المتحدة لهجتيهما خلال اليومين الماضيين، مع تبادل شروط وتهديدات جديدة بشأن الحرب ومستقبل مضيق هرمز.وقال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الثلاثاء، إن المضيق سيظل مغلقاً ما لم تقبل الولايات المتحدة شروط طهران لإنهاء الحرب.وتشمل الشروط الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحروب في أنحاء المنطقة، بما في ذلك لبنان وقطاع غزة.وجاء موقف رضائي بعد مطلب جديد طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، بأن تدفع إيران تعويضات عن قتلى سقطوا خلال حروب وهجمات واحتجاجات على مدى 50 عاماً.وتراوحت تصريحات ترمب طوال الصراع بين التهديد بمزيد من التصعيد والقول إن التوصل إلى اتفاق أصبح وشيكاً.وفي مقابلة أُذيعت في وقت متأخر الاثنين، أشار إلى أن حالة الغموض الحالية قد تستمر فترة من الوقت، قائلاً إنه قد يكتفي «بالتريث» وترك طهران تنهار اقتصادياً، أو ضربها «بقوة شديدة جداً».وأضاف في مقابلة مع «ريل أميركا فويس»: «أنا أتفاوض نوعاً ما... إنهم مفاوضون ماكرون للغاية».

وفي تصريحات للصحافيين بعد زيارة إلى ولاية أوهايو، الثلاثاء، قال ترمب إن ملف إيران «يسير على ما يرام تماماً». وأضاف: «إننا نسيطر سيطرة تامة على مضيق هرمز... لا أحد غيرنا، نحن فقط».وقال عن إيران: «في مرحلة ما، ربما يفعلون شيئاً ما ثم يتم القضاء عليهم». وتابع: «لكن في الوقت الحالي، نحن في وضع جيد جداً. لدينا دولة كانت المستأسد في الشرق الأوسط لمدة 50 عاماً، بل 51 عاماً في الواقع إذا فكرتم في الأمر... ولم تعد كذلك».وتطرق ترمب أيضاً إلى عملية تغيير طائرته في تركيا الشهر الماضي، التي جرت وسط مخاوف مرتبطة بتقارير عن تهديد إيراني محتمل باغتياله. وأشار إلى أن الطائرة البديلة ربما كانت أكثر عرضة للخطر.وجاءت تصريحاته بعدما نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريراً عن مغادرته سراً على متن طائرة عسكرية بدلاً من الطائرة الرئاسية «إير فورس وان».ووفق التقرير، تضمنت العملية نقله بين الطائرتين داخل شاحنة لنقل الطعام. وقال ترمب للصحافيين: «تلك هي الطائرة التي أعتقد أنهم كانوا سيستهدفونها على الأرجح». وأضاف: «أي رئيس ذي شأن يواجه الكثير من التهديدات. أنا لا أقلق بخصوص أي شيء».

لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة «انقلاب» وسط طهران 9 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

إطالة الحرب

وتعد تصريحات رضائي، الذي عُين في منصبه الأحد ليصبح الرجل الثاني في المجلس المسؤول عن تنسيق السياسات الأمنية والخارجية لإيران، أقوى مؤشر حتى الآن على أن مضيق هرمز لن يُفتح قريباً أمام حركة الملاحة.وكان خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر هذا الممر المائي قبل الحرب.ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن رضائي قوله: «ما دامت أميركا لم تغير سلوكها ولم تقبل شروط إيران، فلن يُفتح مضيق هرمز». ولم تعلق واشنطن بعد على أحدث التصريحات الإيرانية.وأودت الحرب بحياة الآلاف، ولا سيما في إيران ولبنان، منذ الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط). وفي مؤشر إلى احتمال مزيد من التصعيد، قال محمد رضا نقدي، مستشار قائد «الحرس الثوري»، في تصريحات بثها التلفزيون الحكومي الثلاثاء، إن «الحرس الثوري» يطور قدرته على تنفيذ عمليات «على أراضي العدو».

وقال نقدي في مقابلة شبكة «بي بي أس»، إن إيران قد تسعى إلى إطالة أمد الحرب حتى مغادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب منصبه، بهدف استنزاف الولايات المتحدة وتعزيز الردع.

وأضاف: «علينا أن نصل إلى مستوى من الردع يجعل العدو لا يجرؤ على مهاجمتنا، حتى نتمكن من العيش بأمان».

وتابع: «إحدى الطرق هي إطالة هذه الحرب حتى نصل إلى الولاية الرئاسية التالية وإحداث استنزاف، بحيث يعرف أي طرف يفكر لاحقاً في مهاجمة إيران أن لذلك كلفة».ورداً على سؤال عما إذا كانت إيران تسيطر حالياً على مسار الحرب، قال: «بالتأكيد، النصر إلى جانبنا»، متهماً واشنطن بخوض «حرب بلا استراتيجية»، وقال إنها كانت تعلن «هدفاً جديداً كل يومين أو ثلاثة»، ومن بينها غزو جزيرة خرج وإعادة فتح مضيق هرمز.

وقال إن استمرار الحرب يمنح القوات الإيرانية مزيداً من الخبرة في مواجهة الولايات المتحدة. وأضاف: «لم نكن قد خضنا حرباً حقيقية تتيح لنا اكتساب خبرة فعلية في كيفية القتال مع أميركا. خلال هذه الأشهر الخمسة تعلمنا كيف نفعل ذلك».

وتابع: «رأينا أيضاً أن الجيش الأميركي أضعف مما كنا نتصور».

جرافة تعمل على جسر تضرر جراء غارة أميركية، على الطريق بين بندر عباس وبندر خمير، جنوب إيران الثلاثاء (أ.ف.ب)

وأضاف: «علينا أن نكون قادرين على نقل العمليات إلى أراضي العدو، متى دعت الحاجة إلى ذلك وصدر الأمر بتنفيذه». وتابع: «هذه هي السمة المميزة للعقيدة الهجومية التي يجب تحقيقها».

وقالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، الثلاثاء، إن الحصار الأميركي على المياه والموانئ الإيرانية «لا يزال سارياً بالكامل».

وأعلنت «سنتكوم» قواتها عطلت نظام التوجيه في سفينة الشحن «فيلا نوفا»، التي ترفع علم بنما، أثناء توجهها نحو ميناء إيراني.

وقالت إن السفينة حاولت عبور خليج عُمان وخرق الحصار الأميركي المفروض على إيران، بعدما تجاهل طاقمها المدني تحذيرات متكررة من القوات الأميركية.

وأضافت أن مروحية تابعة للبحرية الأميركية من طراز «أم أتش-60» أطلقت صاروخين من طراز «هيلفاير» على غرفة محركات السفينة، مشيرة إلى أنها لم تعد تواصل الإبحار باتجاه إيران.

وأعادت القوات الأميركية، حتى 11 أغسطس، توجيه 55 سفينة تجارية حاولت اختراق الحصار، وعطلت ثلاث سفن لم تمتثل للتعليمات، وصعدت على متن سفينتين، وفق «سنتكوم». وأضافت أن القوات الأميركية العاملة في الشرق الأوسط في حالة تأهب قصوى و«جاهزة» لتنفيذ مهامها.


باكستان تتمسك بمذكرة السلام بين واشنطن وطهران

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي الثلاثاء (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي الثلاثاء (الرئاسة الإيرانية)
TT

باكستان تتمسك بمذكرة السلام بين واشنطن وطهران

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي الثلاثاء (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي الثلاثاء (الرئاسة الإيرانية)

وصفت وزارة الخارجية الباكستانية مذكرة التفاهم التي توسطت فيها إسلام آباد والدوحة بين إيران والولايات المتحدة بأنها «نموذج للسلام»، بالتزامن مع زيارة وزير الداخلية محسن نقوي إلى طهران لتشجيع إيران على استئناف المفاوضات مع واشنطن.

وقال المتحدث باسم الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، إن مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بنداً، التي توسطت فيها إسلام آباد والدوحة ووُقعت في يونيو (حزيران) لتمهيد الطريق أمام محادثات سلام، يمكن أن تظل أساساً للعودة إلى المفاوضات رغم انهيارها بعد أيام من توقيعها.

ويأتي التحرك الباكستاني مع استمرار التصعيد وتمسك واشنطن وطهران بموقفيهما بشأن مضيق هرمز، من دون مؤشرات على استئناف وشيك للمفاوضات.

وأضاف أندرابي: «ربما لم تُنفذ، لكن عندما يستنفد الطرفان منطق التصعيد، فإن نموذج السلام موجود في مذكرة التفاهم».

وقال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز»، الأربعاء، إنه لا تجري محادثات بين إيران والولايات المتحدة بشأن تمديد وقف إطلاق النار.

وأوضح المسؤول أن طهران لا ترى أن اتفاق وقف إطلاق النار تضمن تاريخاً محدداً لبدئه، ولذلك تعتبر أنه «لا يوجد ما يمكن تمديده».

وأضاف أن الولايات المتحدة انتهكت الاتفاق المؤقت بعد 48 ساعة من التوصل إليه، ثم انسحبت منه بعد بضعة أيام، بحسب الرواية الإيرانية.

وأشار إلى أن إحدى القضايا المطروحة حالياً هي عودة الولايات المتحدة إلى مذكرة التفاهم وتحديد إطار زمني لتنفيذ التزاماتها بموجبها. وأضاف أن هذه المسألة لم تشهد «أي تقدم على الإطلاق».

وجاءت هذه المواقف بالتزامن مع زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران، ضمن جهود إسلام آباد للتوسط من أجل التوصل إلى تسوية للحرب في الشرق الأوسط وخفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الباكستانية، الأربعاء، إن نقوي يبحث خلال الزيارة العلاقات الثنائية والقضايا الأمنية والاستقرار الإقليمي والتطورات في المنطقة، إلى جانب سبل تعزيز «التفاعل البناء» بين الأطراف الإقليمية.

ويُعرف نقوي بقربه من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، وسبق أن شارك في جهود الوساطة بين طهران وواشنطن.

الوفد الباكستاني برئاسة وزير الداخلية محسن نقوي خلال لقائه مع الرئيس مسعود بزشكيان الثلاثاء (الرئاسة الإيرانية)

وقال مسؤولان مطلعان لوكالة «أسوشيتد برس» إن الزيارة الحالية تستهدف تشجيع إيران على استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة استناداً إلى «الاتفاق المؤقت»، الذي توسطت فيه باكستان في يونيو.

وتحدث المسؤولان شريطة عدم الكشف عن هويتيهما لعدم تخويلهما الحديث إلى وسائل الإعلام.

وهذه الزيارة السادسة التي يقوم بها نقوي إلى إيران ضمن التحرك الدبلوماسي الباكستاني لخفض التوتر بين طهران وواشنطن.

وأفادت وكالة «إرنا» الرسمية الإيرانية بأن نقوي التقى، الثلاثاء، الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ووزير الداخلية إسكندر مؤمني.

كما نشر عراقجي صوراً من لقائه بالوزير الباكستاني على قناته في تطبيق «تلغرام».

وقال الموقع الإلكتروني للحكومة الإيرانية إن نقوي نقل إلى بزشكيان «رسالة من رئيس الوزراء الباكستاني وقائد الجيش»، من دون الكشف عن مضمونها.

خلاف مستمر حول مضيق هرمز

وتبقى أزمة مضيق هرمز العقبة الرئيسية أمام المساعي الباكستانية، مع تمسك إيران والولايات المتحدة بموقفيهما.

وكانت طهران قد أعلنت إغلاق المضيق مجدداً بعدما اتهمت واشنطن بانتهاك مذكرة التفاهم من خلال فتح مسار ملاحي جديد عبر الممر المائي.

وردت الولايات المتحدة بإعادة فرض حصارها على الموانئ الإيرانية سعياً إلى زيادة الضغط الاقتصادي على طهران.

وتصر إيران على الاحتفاظ بدور مسيطر في إدارة المضيق بعد الحرب وفرض رسوم على السفن العابرة. كما هاجمت مراراً سفناً اتهمتها بمحاولة تجاوز المسارات التي حددتها للعبور.

وأدت الهجمات في المضيق، الذي كان مفتوحاً أمام حركة الملاحة قبل الحرب، إلى انهيار وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في أبريل (نيسان).

ظتمثال يطل على مضيق هرمز على الواجهة البحرية لمدينة بندر عباس الساحلية الاثنين (أ.ف.ب)

ومنذ ذلك الحين، حث الوسطاء طهران وواشنطن على العودة إلى بنود مذكرة التفاهم اللاحقة، التي وُقعت في يونيو وحددت مساراً نحو مفاوضات سلام.

وقال محسن رضائي، الذي عُين حديثاً أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الثلاثاء، إن مضيق هرمز لن يُعاد فتحه بالكامل ما لم تقبل واشنطن شروط إيران.

وتشمل الشروط الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وإنهاء الحروب الإسرائيلية في لبنان وقطاع غزة، وفق وسائل إعلام رسمية إيرانية.

وفي الأسبوع الماضي، أعلنت إيران أنها توصلت إلى اتفاق مع سلطنة عُمان بشأن مسار لعبور السفن في المضيق.

وقالت إن الجانبين يعملان على استكمال ترتيبات تتعلق بالإدارة المشتركة لهذا الممر المائي الاستراتيجي.

وفي أحدث تطور ميداني، أعلن الجيش الأميركي، الثلاثاء، أنه أطلق النار على سفينة شحن ترفع علم بنما بعد محاولتها اختراق الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.

وترى باكستان أن مذكرة يونيو لا تزال توفر أساساً يمكن العودة إليه إذا تراجع التصعيد بين الطرفين.

وبذلك تعيد إسلام آباد طرح مذكرة يونيو باعتبارها الإطار القائم الذي يمكن العودة إليه إذا قرر الطرفان خفض التصعيد.