حرب أعصاب... قصة الساعات الأخيرة قبل موافقة إسرائيل على الصفقة

نتنياهو تعهّد لسموتريتش بالعودة إلى الحرب بعد انتهاء المرحلة الأولى وشنّ حملة كبيرة في الضفة

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
TT

حرب أعصاب... قصة الساعات الأخيرة قبل موافقة إسرائيل على الصفقة

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)

بعد حرب أعصاب عاشها ملايين الإسرائيليين الفلسطينيين في اليومين الماضيين لمعرفة هل ستوافق تل أبيب فعلاً على صفقة التهدئة في غزة، أقر المجلس الوزاري المصغر (الكابنيت)، بقيادة بنيامين نتنياهو، اتفاق وقف النار «المستدام» وتبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة «حماس». ولم يبق سوى تصويت الحكومة على الصفقة حتى تنطلق يوم الأحد.

لكن هذا التطور الإيجابي لا يُريح أصحاب الشأن، كما يبدو. فقد بات واضحاً أن كل بند سيُنفّذ في هذه الصفقة سيترافق مع شد أعصاب آخر، لأن أحداً لا يثق بأن الفرقاء مخلصون في التوجه إلى الصفقة، بل كثيرون منهم يشعرون بأنهم مرغمون عليها. وفي اليمين المتطرف في تل أبيب، قال محرر «القناة 14»، أريه سيجال، المقرب جداً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «الرئيس الأميركي (المنتخب) دونالد ترمب صدمنا. عملياً فرض علينا الصفقة بالقوة».

بدأت حرب الأعصاب بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس دونالد ترمب، مساء يوم الأربعاء، في منشور على حسابه في منصة «تروث سوشيال»: «لقد توصلنا إلى اتفاق بشأن الرهائن في الشرق الأوسط»، وهو إعلان أتبعه الرئيس المنتهية ولايته، جو بايدن، بإعلان مماثل. فقد كان المفترض أن يعلن رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رسمياً عن التوصل إلى اتفاق. لكن إعلانه تأخر. وفي الوفد الأميركي المشارك في مفاوضات التهدئة في الدوحة، صُعق المفاوضون من هذا التطور ولم يصدقوا أن الصفقة أصبحت في خطر بسبب «أمور تافهة»، حسب رأيهم. وراحوا يديرون اتصالات مكثفة مطعّمة بتهديدات شديدة للطرف الفلسطيني وتذمر شديد للطرف الإسرائيلي. وطلبوا إنهاء الخلافات فوراً. وبالفعل، خرج المسؤول القطري بإعلانه الرسمي عن اتفاق وقف النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، لكنه قال إن المفاوضين سيبقون في الدوحة لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، وهو الأمر الذي بعث الهدوء بعض الشيء.

وفي تل أبيب، أُعلن أن «الكابنيت» سيجتمع في الحادية عشرة من ظهر الخميس ويتلوه اجتماع للحكومة، لإقرار صفقة غزة. ولكن، في الساعة الثالثة من فجر يوم الخميس، اتصل رئيس الفريق الإسرائيلي إلى المفاوضات في الدوحة، رئيس جهاز الموساد دافيد برنياع، برئيس الحكومة، نتنياهو، وأيقظه ليبلغه بأن «مشكلة ظهرت في اللحظة الأخيرة». وحسب رواية مكتب نتنياهو، فإن «حماس» التي تعهّدت بإعطاء حق فيتو إسرائيلي على هوية جزء من كبار الأسرى الذين سيتم إطلاق سراحهم في الصفقة، تراجعت عن ذلك. وتصر على أن يكون بينهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات وإبراهيم حامد وعبد الله البرغوثي وعباس السيد وغيرهم من الذين يُعدون من أبرز قادة الحركة الأسيرة الفلسطينية.

رد نتنياهو بأن أعطى أمراً للبعثة في الدوحة بالتصميم على رفض مطالب «حماس». ومع بزوغ الصباح، ظهرت عوائق أخرى، إذ أبلغت «حماس» أن الخرائط التي قُدمت إليها حول الانسحاب الإسرائيلي من مناطق في قطاع غزة ناقصة وغير واضحة. فأعلنت إسرائيل إلغاء الاجتماعَيْن («الكابنيت» والحكومة).

وحتى ساعات مساء الخميس، كان الوسطاء الأميركيون والقطريون والمصريون يبذلون جهوداً كبيرة للتغلب على الخلافات، في حين كان العالم يضج ويوزّع الاتهامات. وتمّ إرسال خرائط جديدة إلى «حماس» التي تنازلت، في المقابل، عن شروط كانت قد وضعتها في موضوع الأسرى.

ولكن، عندما بدا أن الإشكاليات قد انتهت، خرج قادة اليمين المتطرف في إسرائيل بمواقف تعرقل الصفقة. فقد أعلن وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، أنه لن يوافق على الصفقة، وإذا تمت المصادقة عليها في إسرائيل فسينسحب من الحكومة. وتوجه إلى شريكه في الانتخابات الأخيرة، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لينضم إليه. في المقابل، راح نتنياهو يؤخّر اجتماع «الكابنيت» ودخل في مفاوضات مضنية مع سموتريتش، علماً بأنه اجتمع به ثماني مرات خلال ثلاثة أيام، وهذا بعد عشرات الاجتماعات معه ومع بن غفير في الأيام التي سبقت.

صور رهائن إسرائيليين في غزة على جدار أمام مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية في تل أبيب الجمعة (إ.ب.أ)

وكان سموتريتش يصر على معارضة الصفقة حتى اللحظة الأخيرة، لكنه ابتزّ نتنياهو بطريقة وصفها أحد المعلقين بأنها «نوع من مص الدم»، لافتاً إلى أن سموتريتش تصرّف كـ«مارد شبّ على صاحبه»، إذ إن نتنياهو هو الذي عمل على توحيد اليمين في كتلة واحدة تضم سموتريتش وبن غفير حصلت على 14 مقعداً في الانتخابات الأخيرة.

في نهاية المفاوضات، اتفق نتنياهو مع سموتريتش على استئناف الحرب ضد «حماس» بعد انتهاء المرحلة الأولى من الصفقة، أي بعد 42 يوماً، وعلى القيام بحملة عسكرية كبيرة في الضفة الغربية لتصفية ما سماه الإرهاب الفلسطيني. وقدّم له رزمة «هدايا» أخرى، عُرف منها حتى الآن: أن يكون شريكاً في القرار حول هوية رئيس أركان الجيش القادم الذي سيحل محل هرتسي هليفي بعد دفعه إلى الاستقالة، وأن يمرر قرارات لتوسيع الاستيطان بـ10 آلاف بيت جديد، وأن يضع خطة لفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات في الضفة الغربية.

وفقط عندئذٍ، وقّع الوفد الإسرائيلي في الدوحة على الاتفاق. واجتمع «الكابنيت» قبيل ظهر الجمعة، ثم الحكومة بعد الظهر لإقرار الصفقة وإطلاقها. وأعلن نتنياهو أن الدفعة الأولى من المحتجزين لدى «حماس» سيُطلق سراحهم يوم الأحد؛ بحيث يصل عدد المحتجزين المحررين في نهاية الأسابيع الستة المقبلة 33 شخصاً. ويبقى هناك 65 محتجزاً، هم الجنود والضباط والمدنيون الذكور تحت سن الخمسين. ويفترض أن تبدأ مفاوضات بعد 16 يوماً حول المرحلة الثانية من الاتفاق.

لكن الأمور لا تبدو سالكة بهذه السهولة، خصوصاً بعد تعهدات نتنياهو لسموتريتش وخطر استئناف الحرب وتوسيعها إلى الضفة الغربية لإرضاء اليمين المتطرف. وتطرح أسئلة عديدة حول رد فعل ترمب على هذا السلوك وهل سيتحمله كما تحمله بايدن.

بيد أن حرب الأعصاب الأشد، في هذه المعمعة، ستكون لدى أفراد عائلات المحتجزين الإسرائيليين لدى «حماس». فهؤلاء يعيشون حرب أعصاب خاصة بهم، ولا يصدّقون ما تراه عيونهم المتعبة من تصرفات قياداتهم السياسية والعسكرية من تلاعب بمشاعرهم واستخفاف بمعاناتهم، حسب رأيهم، خصوصاً أنهم يشعرون بأن هذه القيادة تعيش في اغتراب عنهم ولا تحس بهم. يتهم هؤلاء قيادة بلادهم بأنه لا يزعجها تأجيل الصفقة يوماً أو شهراً أو سنة، لكي تحقق مكاسب سياسية وحزبية وشخصية. ولم يعد لديهم حرج في اتهام الحكومة بجريمة التسبب في قتل أبنائهم المحتجزين والأسرى وإطلاق تعابير مثل «حكومة مجرمة». ويطرحون السؤال الذي يقض مضاجع الجيش والمجتمع الإسرائيلي بأسره: «كيف سيحارب أولادنا الآن، وهم يعرفون جيداً أنهم في حال الوقوع بالأسر، فإن هذه القيادات ستهملهم كما أهملت أولادنا وتسبّبت بمقتل 33 شخصاً منهم داخل الأسر؟».


مقالات ذات صلة

«لجنة إدارة غزة» لوضع خطة مناسبة لإدخال مواد الإغاثة إلى القطاع

شمال افريقيا جانب من إسعاف المصابين الفلسطينيين بواسطة «الهلال الأحمر المصري» الاثنين (هيئة الاستعلامات المصرية)

«لجنة إدارة غزة» لوضع خطة مناسبة لإدخال مواد الإغاثة إلى القطاع

أشاد شعث بالكفاءة العالية التي شاهدها في «مستشفى العريش العام»، واصفاً الخدمات الطبية وتجهيزات استقبال الجرحى والمصابين الفلسطينيين بأنها «ممتازة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)

أزمة نزع سلاح «حماس» تُعمق مخاوف تعثر «اتفاق غزة»

أعاد تحفظ لرئيس حركة «حماس» في الخارج، خالد مشعل، بشأن نزع سلاح الحركة في قطاع غزة، تساؤلات عن تداعياته.

محمد محمود (القاهرة )
العالم متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

استخدمت الشرطة بمدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم، مع متظاهرين مشاركين بمَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

قال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه قتل أربعة مسلحين فلسطينيين عند خروجهم من نفق في رفح بجنوب قطاع غزة، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلقون النار على جنود إسرائيليين

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)

غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

انطلقت عاصفة حادة من ردود الفعل الغاضبة عقب تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتوالت الاتهامات عليه بالكذب

نظير مجلي (تل أبيب)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.