زيادة الرسوم الجمركية تثير مخاوف السوريين من مسلسل ارتفاع الأسعار

توفر البضائع التركية من الفواكه إلى الملابس عبر حلب وإدلب

بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)
بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)
TT

زيادة الرسوم الجمركية تثير مخاوف السوريين من مسلسل ارتفاع الأسعار

بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)
بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)

بعد انفراجات تدريجية في الأوضاع المعيشية، أثار فرض الحكومة السورية المؤقتة رسوماً جمركية جديدة، مخاوف المواطنين المنهكين من الفقر، من عودة مسلسل ارتفاع الأسعار، الذي كان سائداً في زمن حكم النظام السابق.

في منطقة باب مصلى وسط دمشق، حيث تنتشر عشرات المحلات والأفران، ذكر صاحب محل بقالة أن تأثير قرار الحكومة بفرض رسوم جمركية جديدة على أسعار البضائع «لا يزال محدوداً حتى الآن، لكنه دون أدنى شك سيؤدي إلى رفع الأسعار».

وقال صاحب المحل لـ«الشرق الأوسط»: «التجار لم يستوردوا بعد مواد غذائية وفقاً للرسوم الجديدة، ويعتمدون على المخزون، ومع ذلك الأسعار بدأت بالارتفاع». يضيف: «كيس السكر كان سعره قبل فرض الرسوم الجديدة 400 ألف ليرة، والآن أصبح 415 ألفاً، ويمكن أن يرتفع أكثر في الأيام المقبلة، وبنسبة أكبر عندما نستورد بضائع جديدة».

بيع مواد غذائية على مدخل حيي التضامن ودف الشوك جنوب دمشق (الشرق الأوسط)

على بُعد عشرات الأمتار من مدخل حيي «التضامن»، و«دف الشوك» جنوب دمشق، تبدأ سوق شعبية محاذية لحديقة منطقة الزاهرة، تضم محلات لبيع المواد الغذائية والخضراوات والفاكهة، إضافة إلى بسطات وعربات خشبية جوالة.

وبمجرد الدخول إلى السوق، يصادف المرء سيلاً بشرياً تتزاحم أقدامه بخطوات بطيئة، لكن الإقبال على الشراء بدا ضعيفاً، إذ يلاحظ أن أغلبية المارة يشترون ما هو ضروري وبكميات قليلة.

يبدي أبو رامي، وهو متقاعد، تخوفه من أن يكون القرار الجديد شبيهاً بقرارات النظام المخلوع، التي كانت السبب الرئيس في جعل أكثر من 90 في المائة من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر.

ويقول أبو رامي، الذي لديه عائلة مؤلفة من أربعة أفراد: «حالة الناس انفرجت بسقوط النظام، وانخفضت الأسعار نوعاً ما، وكنا نأمل بالمزيد في ظل الحكومة الجديدة، لكن تصريحات مسؤوليها لا تبشر بخير، فهم يقولون إنهم سيرفعون (سعر) ربطة الخبز (12 رغيفاً) إلى 8 آلاف (تباع حالياً في المخابز بـ4 آلاف)». ويضيف: «الناس متعبون جداً من الفقر والقلة، وتضخم المصاريف. لم يلتقطوا أنفاسهم بعدُ كي تصدر الحكومة قراراً سيزيد من صعوبة الحياة».

الازدحام على بسطات بيع مواد غذائية معظمها يأتي من تركيا عبر إدلب وحلب على مدخل حيي التضامن ودف الشوك جنوب دمشق (الشرق الأوسط)

وأعلنت الحكومة المؤقتة في 11 يناير (كانون الثاني) الحالي توحيد الرسوم على جميع الأمانات الجمركية. وقال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، مازن علوش، وفقاً للوكالة السورية الرسمية للأنباء (سانا) إن «الرسوم الجديدة خفضت الرسوم المعمول بها سابقاً من 50 إلى 60 في المائة».

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مسؤولين في الحكومة للتعليق على مخاوف المواطنين، لكن لم يتسن لها ذلك، علماً بأن مظاهرات منددة بذلك خرجت في شمال البلاد بسبب ما خلفه القرار من ارتفاع كبير في الأسعار. لكن مدير «معبر نصيب» الحدودي مع الأردن (جنوب سوريا)، خالد البراد، حاول طمأنة المواطنين.

ونقلت «سانا» عن البراد قوله، إنه تم تحديد رسوم استيراد المواد الأساسية بـ50 دولاراً للطن الواحد، وسيكون تأثير ذلك على الأسعار النهائية للمستهلكين «محدوداً جداً». مضيفاً أنه من المتوقع مع بدء الاستيراد عبر الشحن البحري أن تنخفض التكاليف بشكل ملحوظ نتيجة انخفاض تكاليف النقل.

تصريحات البراد لم تقنع «هيفاء محمد»، الموظفة بمؤسسة حكومية، ورأت فيها مقدمة لقرارات ستصدر تباعاً دون الأخذ بعين الاعتبار الوضع المعيشي المتردي جداً للعائلات. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «ما ذنب المواطن إذا الحكومة الجديدة تسلمت الخزينة فارغة، هل ستجلب الدولارات من جيوبنا الخاوية؟». أضافت: «نعم الأسعار انخفضت، وتعشمنا خيراً بتصريحاتهم أنهم سيرفعون الرواتب 400 في المائة، ولكن لم نر الزيادة، وكثير من الموظفين وأنا منهم لم تصرف رواتبهم حتى الآن. لدي مبلغ بسيط أتدبر أموري العائلية به، وأناشد الحكومة بالتراجع عن قرارات ستفقر الناس أكثر، والإسراع بصرف الرواتب؛ لأن الناس قدرتهم معدومة على التحمل».

حافلات نقل في كراج منطقة الفحامة وقد غابت عنه أزمة النقل (الشرق الأوسط)

وعلى الرغم من انحسار أزمة المواصلات مع توفر المحروقات، فإن ارتفاع أجرة الراكب زاد من معاناة الأهالي المعيشية.

ويؤكد «قصي يوسف» الطالب الجامعي أن ارتفاع أجور المواصلات 3 أضعاف زاد من هموم الأسر التي تفاءلت بقدوم السلطات الجديدة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «مشوار الجامعة كان يكلف 4 آلاف ليرة، واليوم مع رفع الأجرة إلى 3500 أصبح يكلف 14 ألفاً، لأني أحتاج أن أركب أكثر من وسيلة نقل للذهاب والعودة، هذا الأمر يرهق الأسر مادياً».

على طول الطرق المؤدية إلى وسط دمشق تنتشر بكثافة بسطات عبوات البنزين اللبناني والمازوت على الأرصفة، بسعر 130 ألف ليرة لعبوة البنزين التي يقول البائعون إنها تتسع لعشرة لترات.

بسطة بيع البنزين اللبناني وسط ساحة الأمويين وسط دمشق (الشرق الأوسط)

في المقابل، يقول مسؤول في محطة المجتهد لتوزيع المحروقات التي تبيع لتر البنزين بـ14 ألف ليرة لـ«الشرق الأوسط»: «عبوات البنزين التي تباع على الأرصفة سعتها أقل بلتر ونصف عما يقوله أصحاب البسطات، ونوعية المادة لدينا أفضل بكثير من الموجود في العبوات».

ومع الاقتراب من مشارف منطقة الفحامة وسط دمشق، يفضل ركاب حافلات النقل النزول منها ومتابعة طريقهم سيراً على الأقدام، لأن سير الحافلة يكون أبطأ من سير السلحفاة بسبب الازدحام الشديد للسيارات، ليواجهوا مشقة أخرى لتجاوز المنطقة نتيجة كثرة المارة، وبسطات البالة (الملابس المستعملة).

مارة يعاينون ألبسة في بسطة بالة أتت من تركيا وسط دمشق (الشرق الأوسط)

يوضح رجل أربعيني، حوّل سيارته البيك أب لبسطة لبيع البالة، أن أغلبية البضائع المعروضة تأتي من تركيا. وبعد أن يؤكد الرجل أن ربحه في «القطعة الجيدة لا يتعدى الـ5 آلاف ليرة»، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «هناك إقبال على الشراء بسبب رخص الأسعار»، بينما يصف صاحب بسطة مجاورة الإقبال بأنه «وسط»، وأن معظم من يشترون يجادلون في الأسعار. ويباع سعر الجاكيت الرجالي بجلد طبيعي وصنف جيد، ما بين 25 و30 ألف ليرة سورية، في حين كان قبل سقوط الأسد يباع بنحو 150 ألف ليرة.

في السوق نفسها تنتشر بكثافة بسطات بيع المواد الغذائية ذات المصدر التركي، التي تعرض زيت دوار الشمس وعلب السردين والتونا وقوالب الزبدة. كما باتت تنتشر في أسواق وشوارع دمشق بكثافة بسطات بيع علب البسكويت والكاتو الذي يفضله الأطفال، ويعلو صوت أصحابها بالإعلان عن سعرها (خمس قطع بـ10 آلاف) لجذب المتسوقين، بعد أن كان سعر القطعة الواحدة 10 آلاف.

بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)

وشهد سعر صرف الليرة السورية تحسناً ملحوظاً منذ سقوط نظام الأسد؛ إذ سجّل 13000 مقابل الدولار للشراء، و13130 للبيع في «مصرف سوريا المركزي»، في حين وصلت الليرة في السوق الموازية إلى 11600 لكل دولار للشراء، و11800 للبيع، وفق عدد من التطبيقات.


مقالات ذات صلة

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

المشرق العربي مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

بدأت قوات الجيش السوري الانسحاب من محيط مدينة الحسكة في شمال شرق البلاد، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة و«قسد».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على المعتقلات وتتمسك بالتطبيق الكامل لمضمون الاتفاق بين دمشق و«قسد».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي انسحاب مركبات قوات سوريا الديمقراطية من خطوط المواجهة في الحسكة بسوريا اليوم الثلاثاء (رويترز)

انسحاب «قسد» من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة

بدأت قوات سوريا الديمقراطية بسحب قواتها من الخطـوط الأمامية في مدينة الحسكة بينها حاجز دوار البانوراما جنوب المدينة.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».