الرياض تحتفي بمئوية كتاب «ملوك العرب» لأمين الريحاني

عبد الرحمن الشبيلي: كان أحد مصادر التاريخ السعودي وعلى درجة من الدقة في تدوين الأحداث

أمين الريحاني (الشرق الأوسط)
أمين الريحاني (الشرق الأوسط)
TT

الرياض تحتفي بمئوية كتاب «ملوك العرب» لأمين الريحاني

أمين الريحاني (الشرق الأوسط)
أمين الريحاني (الشرق الأوسط)

يعود المفكر والأديب والمؤرخ والرحالة والشاعر والرسام العربي اللبناني أمين الريحاني، إلى الواجهة مجدداً، بعد 85 عاماً على رحيله، من خلال احتفاء دارة الملك عبد العزيز، بمضيّ قرن على صدور كتابه «ملوك العرب»، الذي يعد خلاصة رحلة المؤرخ الراحل إلى الجزيرة العربية بين عامي 1922 و 1924.

ويرعى الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز، رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، ندوة علمية، تنظمها الدارة، بالتعاون مع مؤسسة أمين الريحاني، الأربعاء 15 يناير (كانون الثاني)، للاحتفاء بمئوية صدور كتابه «ملوك العرب»، وذلك في قاعة الملك عبد العزيز للمحاضرات.

الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز (الشرق الأوسط)

ووفقاً للمؤرخ الراحل الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، فإن أمين الريحاني يعد أحد مصادر التاريخ السعودي، وكان على درجة من الدقة فيما يتعلق بالمعلومات والأحداث التاريخية، مشيراً إلى أن ابن أخي الأديب المهجري اللبناني أمين الريحاني أصدر عام 2000 كتابه «الرسائل المتبادلة بين الملك عبد العزيز والريحاني»، تناول ومضات الإعلام الخارجي في تلك الرسائل، إذ أبانت الحسّ الإعلامي الفطري عند الملك، واهتمامه بالرأي العام الخارجي، وأشارت إلى تنفيذ الريحاني مبادرات وصيَغ إعلاميّة متقدّمة، إذا ما قيست بظروف عشرينات القرن الماضي ومعاييره، كالمقالات السياسيّة في الصحف اللبنانيّة والمصرية، وإلقاء المحاضرات في الجمعيّات الأميركيّة والكنديّة والأوروبيّة وإذاعتها في الإذاعات، مما قام به الريحاني ودّيّاً بوصفه صديقاً للملك، خدمةً للإعلام السياسي للدولة السعودية الناشئة.

وأضاف الشبيلي في مقالة كتبها في «الشرق الأوسط» نهاية أبريل (أيار) 2018: «وقد وقعتُ على كتابين قديمين -نادرين بالنسبة لي- يتّصلان بسيرة أمين الريحاني وتراثه: الأول؛ أصدره عام 1951 ألبرت، وهو الشقيق الأصغر للريحاني، ونشرته دار الريحاني ببيروت في 570 صفحة، متضمّناً رسائل خاصة أمكن العثور عليها حتى عام صدور الكتاب، تبادلها مع عدد من الساسة والمفكّرين، يقع تاريخ كتابتها بين عام 1896 والعام الذي توفي فيه 1940، وهي تضمّ خمائل من أدب الريحاني، وألواناً من إبداعاته في الفكر والشعر والفن والسياسة والعلوم، وتكشف عن أهوائه وهواياته، وهمومه وآلامه وتجلّياته، وتعرض جوانب من شخصيّته، وهي أولاً وأخيراً، لون متميّز معروف في التراث العربي (أدب الرسائل) وقد أضاف إليها ابن أخيه عام 2000 مخاطبات عمّه مع الملك عبد العزيز، كما سبق».

غلاف كتاب «ملوك العرب» الذي سيحتفى بمضي 100 عام على صدوره

وزاد بالقول: «أما الكتاب الثاني؛ فهو بالغ الأهميّة كذلك، صدر عام 1979 بمناسبة الذكرى السنويّة لمولد الريحاني (عام 1879) واعتنى بإصداره أخوه ألبرت أيضاً، ويتضمّن فهارس بيبلوغرافيّة في 550 صفحة، لمجمل ما نُشر عن الريحاني ومنه حتى ذلك العام، في المطبوعات العربيّة والأجنبيّة في الشرق وفي المهجر، نشرته المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت».

وشدد على أنه «رغم قِدَم الكتابين، وأنه مضى على صدورهما حين من الزمن، فإِنهما يُشكّلان ذخيرة نفيسة لمن يسعى للاطّلاع على تراث هذا الأديب العربي الكبير، الذي توفي في حادث سقوطه من دراجة في بلدته (الفريكة) بلبنان عام 1940 عن 63 عاماً، ولا غنى لمن يعمل على سيرته والتنقيب في أعماله عن كتابيه المشار إليهما، ولا يملك من يطّلع عليهما إِلا أن يتمنّى تحديثهما، وإضافة ما جدّ عليهما خلال العقود الماضية».

ومع أن الريحاني لم يُعمّر طويلاً، وأنه أمضى زهرة شبابه في المهجر (أميركا)؛ فإنه مع بداية العشرينات زار الحجاز ونجداً وعدداً من الدول العربيّة والأوروبيّة، واتّصل بكثير من القادة والساسة، وراسلهم وكوّن صداقات معهم، ومن بينهم الملك عبد العزيز، والشريف حسين بن علي، ملك الحجاز، ويحيى حميد الدين، إمام اليمن، وأحمد الجابر الصباح، أمير الكويت، وسلمان آل خليفة، أمير البحرين، وفيصل الأول، ملك العراق، ومن المفكّرين العرب جرجي زيدان، وأحمد شوقي، ومحمد كرد علي، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) وغيرهم.

وذكر الشبيلي أن من مؤلّفاته النثريّة والأدبيّة الثلاثين، والخمسة والعشرين بالإنجليزيّة، كتابين اثنين، هما؛ ملوك العرب (1924 - جزآن) وتاريخ نجد الحديث (1927)، والثاني يُعدّ قطعة من تاريخ السعودية، وعلى درجة من الدقّة فيما يتعلّق بالمعلومات التاريخيّة، بحكم أنه استقى كثيراً منها برواية الملك عبد العزيز نفسه، وكان الملك يطّلع على تطوّر إصداره، ومرتاحاً لما تضمّنه من مواد، وإن كانت تردّدت شبهات حول زيادات فيه من تصرّف الريحاني، قد تكون ناتجة عن غيرة، كما يحدث أحياناً بين المتنافسين.

وحسب الزركلي، فإن للريحاني كتاباً ثالثاً نشره بالإنجليزيّة بعنوان «ابن سعود ونجد»، صدر بعد عام 1927، ومما ذكرته الجريدة الرسميّة السعودية «أم القرى» عن الريحاني، حضوره عام 1926 استقبال أعيان الحجاز للملك عبد العزيز، في منزل الشيخ محمد حسين نصيف، عند مَقدمه لأول مرّة، وإلقاء كلمة فيه.

استمر التواصل واللقاءات بين الملك عبد العزيز والريحاني نحو عشرين عاماً، تدور مراسلاتهما حول النزاع بين السعوديين والأشراف في مطلع العشرينات، والأحداث الحدوديّة الجارية مع اليمن في أوائل الثلاثينات، وحرص القيادة السعودية على إطلاع الرأي العام الداخلي والخارجي بصراحة وموضوعيّة على مجريات تلك الأحداث أوّلاً بأول، كما كان يتلقّى التأكيد على إيلاء القضيّة الفلسطينيّة الاهتمام الواجب، وذلك قبل نشوء دولة الاحتلال بأعوام.

هدف كتاب «ملوك العرب» إلى التعريف بسِيَر ثَمَانيَة من قادة العرب، من خلال معرفة المؤلّف بهم، فيما تطرّق كتابه الثاني «تاريخ نجد الحديث» إلى سيرة الملك عبد العزيز، وتاريخ الدولة الجديدة التي جمع شتاتها، وأنه بصدد إعلان توحيدها سياسياً في دولة واحدة (1932) وقد استقى المؤلّف كثيراً من التفاصيل من الملك مباشرةً كما سلف، فضلاً عن نشر الوثائق والرسائل التي كانت بحوزة المؤلّف، وتَحَرّى الدقّة في ضبط أسماء الأعلام والبلدان، كما ضمّ الكتاب ثلاث نُبَذ عن نواحي نجد، والوهابيّة، والأسرة السعودية الحاكمة.

وبعد؛ لعل مما يُسجّل دليلاً على حنكة الملك عبد العزيز، ضمن جهوده في تأسيس الدولة طيلة مدّة حكمه (54 عاماً) أنه أحاط ديوانه بمستشارين رسميين من جميع الأقطار العربيّة (منهم يوسف ياسين من سوريا، ورشدي مَلحَس من فلسطين، وفؤاد حمزة من لبنان، وحافظ وهبة من مصر، وعبد الله الدملوجي ورشيد عالي الكيلاني من العراق)، وبأصدقاء مفكّرين (منهم عبد الله فيلبي من بريطانيا، ومحمد أسد من النمسا، وأمين الريحاني من لبنان)، فضلاً عن نخبة من المستشارين المثقفين السعوديين (منهم أحمد بن ثنيّان آل سعود، وعبد الله بن عبد الرحمن آل سعود، وخالد السديري، وإبراهيم المعمّر، وحمزة غوث) يلتقيهم كل يوم، ويناقش آراءهم، ويتخاطبون معه مباشرةً، ومع ذلك يكون الرأي الأخير له، والقرار إرادته، ومن هنا صارت له الغَلَبة والتوفيق، بفضل الحكمة والدهاء والمشورة والثقة بالنفس.


مقالات ذات صلة

تأكيد سعودي - جزائري على عمق العلاقات وأهمية التعاون الثقافي

الخليج الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في القصر الرئاسي الثلاثاء (واس)

تأكيد سعودي - جزائري على عمق العلاقات وأهمية التعاون الثقافي

أكدت السعودية والجزائر على عمق العلاقة التي تجمعهما، وأهمية التعاون الثقافي المشترك، وتوحيد مواقفهما لخدمة مصالحهما في الموضوعات الثقافية لدى المنظمات الدولية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
خاص الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)

خاص زينة دكّاش... فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

زينة دكّاش تفتح قلبها عن مسيرة استثنائية من العلاج بالدراما وتفتح دفاتر الماضي في أحدث أعمالها المسرحيّة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تقام الدورة الـ13 من مهرجان طرابلس للأفلام ما بين 17 و23 سبتمبر (إدارة المهرجان)

مهرجان للأفلام في أفقر مدينة على حوض المتوسط... لأنّ طرابلس تحب السينما

«مهرجان سينمائي؟ وبطرابلس؟»، سؤال يمزج بين الاستغراب والسخرية يجد المنتج والمخرج إلياس خلاط نفسه مضطراً للإجابة عنه أكثر من مرة في اليوم الواحد...

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كلّما عاد إلى لبنان... عاد الفلوت معه مُحمَّلاً بما حدث في الغياب (الشرق الأوسط)

دانيال الهيبي يبحث عن «لغة ثالثة» للفلوت

قد تكون مغامرة الهيبي الحقيقية أن يجعل الفلوت يتذكّر من أين جاء دانيال، من دون أن يعرف إلى أين سيأخذه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
خاص الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

خاص محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، يعود الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي إلى مسيرةٍ فنية اتّسمت بالتحوّلات؛ من الكوميديا، إلى الدراما، مروراً بالأكشن والجريمة.

كريستين حبيب (عمّان)

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.