أربيل تفجر قنبلة استفتاء كركوك في وجه بغداد

وسط استمرار الخلافات بشأن الرواتب والموارد

السوداني وبارزاني خلال اجتماعهما في بغداد (رئاسة إقليم كردستان)
السوداني وبارزاني خلال اجتماعهما في بغداد (رئاسة إقليم كردستان)
TT

أربيل تفجر قنبلة استفتاء كركوك في وجه بغداد

السوداني وبارزاني خلال اجتماعهما في بغداد (رئاسة إقليم كردستان)
السوداني وبارزاني خلال اجتماعهما في بغداد (رئاسة إقليم كردستان)

في حين يواصل رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، اجتماعاته في بغداد مع القادة السياسيين، وفي مقدمهم رؤساء؛ الجمهورية عبد اللطيف رشيد، والوزراء محمد شياع السوداني، والبرلمان محمود المشهداني، فإن حكومة الإقليم، برئاسة مسرور بارزاني، فجّرت قنبلة موقوتة تتعلق بكركوك؛ المتنازع عليها بين الأكراد والحكومة المركزية، وذلك انطلاقاً من البوابة الأخطر، وهي الاستفتاء.

وطبقاً لـ«المادة 140» من الدستور العراقي لعام 2005، فإن محافظة كركوك، التي تضم تنوعاً عرقياً (عرب وأكراد وتركمان) ودينياً (فيها مسلمون ومسيحيون) ومذهبياً (سنة وشيعة)، وُضعت مع مناطق أخرى - مثل مناطق في ديالى ونينوى - ضمن ما أُطلق عليها المناطق «المتنازع عليها». وطبقاً لتلك المادة، فقد وُضع سقف زمني لتطبيق حل النزاع على هذه المناطق، وهو عام 2007. وبسبب عدم حدوث توافق على تطبيق تلك المادة وفق السقف الزمني المحدد، فقد حسمت المحكمة الاتحادية الجدل وعدّت «المادة 140» دستورية، بصرف النظر عن أي سقف زمني. وتنص المادة على 3 مراحل للحل تتضمن إجراء إحصاء سكاني واستفتاء لحسم بقاء كركوك ضمن الحكومة الفيدرالية في بغداد أو الانضمام إلى إقليم كردستان.

وقالت حكومة إقليم كردستان في بيان: «وفق (المادة 140) من الدستور الاتحادي العراقي لعام 2005، يتطلب من الحكومة الاتحادية في العراق تنظيم استفتاء في كركوك وفي المناطق الأخرى المتنازع عليها بين بغداد وإقليم كردستان. ولقد ألزمت الحكومة الاتحادية بتنظيم هذا الاستفتاء بحلول 31 ديسمبر (كانون الأول) 2007. إلا إن جميع الحكومات المتعاقبة في بغداد قد فشلت بشكل تام في تنظيم هذا الاستفتاء، سواء قبل عام 2007 وخلال العقدين الأخيرين. ويبدو الآن أن حكومة بغداد تستعد، من جانب واحد، للاستحواذ على النفط والغاز في الأراضي التي يطالب بها شعب كردستان وبشكل مشروع، والتي تخضع لـ(المادة 140)».

وتابع بيان حكومة الإقليم الصادر الأحد: «حكومة إقليم كردستان كانت مستعدة دوماً، ولا تزال، للدخول في الترتيبات (المفاوضات)، ولكن الحكومة الاتحادية تنصلت من هذه المسؤوليات الدستورية باستمرار، وتحاول، ومن طرف واحد، القيام بتوقيع عقود النفط والغاز مع الشركات دون الرجوع الى حكومة الإقليم بهذا الخصوص، وهذا مخالف للبنود الواردة في الدستور، كما هو مذكور في المادتين (140) و(112). إن لحكومة إقليم كردستان الحق في الدفاع عن حقوقها الدستورية في جميع المحافل الدولية المتاحة لتطبيق القوانين النافذة في الإقليم والمحافظة على حقوقها المشروعة؛ بما في ذلك حقوق أهالينا في كركوك».

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الزيارة التي يجريها رئيس الإقليم، نيجيرفان بارزاني، إلى بغداد ومشاركته في اجتماع إدارة الدولة، الذي عقد مساء الأحد، علماً بأن زيارته تأتي رغم الجدل العنيف طوال الفترة الماضية بشأن أزمة الرواتب والموارد بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان. وصدر عن اجتماع إدارة الدولة في بغداد بيان تضمن عناصر إيجابية بخصوص ما جرى تداوله؛ بما في ذلك «ورقة الاتفاق السياسي» التي تشكلت الحكومة الحالية، برئاسة محمد شياع السوداني، بموجبها. وورقة الاتفاق السياسي تهم بالدرجة الأولى الأكراد والعرب السنّة الذين يتهمون قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي الحاكم بعدم الالتزام بالوعود والمواثيق.

وبينما صعّدت كل من أربيل وبغداد بشأن أزمة الرواتب والموارد المالية، فإن الهدف من زيارة نيجيرفان بارزاني للعاصمة الاتحادية كان، طبقاً لتصريحات وتوقعات، لا يتعدى بحث هذه الأزمة التي تبدو مستعصية منذ سنوات. ففيما شكت حكومة الإقليم من عدم التزام بغداد بالتعهدات وبأنها تتعامل مع الإقليم دون عدالة، وفق ما قال رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، فإن الحكومة الاتحادية، وعلى لسان وزيرة المالية، طيف سامي، أكدت أنها سلّمت طوال العام الماضي كل رواتب موظفي الإقليم، مبيّنة أن بغداد ليست مسؤولة عن عدم وصولها إلى مستحقيها. وبينما قالت الوزيرة طيف سامي إن العجز في الموازنة لعام 2024 يعود إلى تسليم الحكومة المركزية مستحقات الإقليم من الرواتب دون أن تتسلم الحكومة الاتحادية في مقابل ذلك ما يتوجب على الإقليم دفعه من الموارد المالية من الجمارك والمنافذ ومبيعات النفط.


مقالات ذات صلة

العراق يمهد لمحاكمة سجناء «داعش» المنقولين من سوريا

خاص لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)

العراق يمهد لمحاكمة سجناء «داعش» المنقولين من سوريا

أعلن القضاء العراقي أنه سيباشر التحقيق مع مئات المشتبه في انتمائهم إلى «داعش»، بعد يوم من وصول دفعة منهم من مراكز احتجاز شمال شرقي سوريا إلى الأراضي العراقية.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي أفراد من قوات الأمن التابعة للحكومة السورية يحرسون على طول منطقة قريبة من سجن الأقطان على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا يوم 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الحكومة العراقية: نقل عناصر «داعش» من سوريا خطوة استباقية للدفاع عن الأمن القومي

قال المتحدث باسم الحكومة العراقية، باسم العوادي، اليوم (الخميس)، إن نقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق «خطوة استباقية للدفاع عن الأمن القومي».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي أحد أفراد قوات حرس الحدود العراقية يقوم بدورية على طول جدار خرساني على الحدود العراقية السورية 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

العراق: سنقاضي معتقلي تنظيم «داعش» المنقولين من سوريا

قال ​مجلس القضاء الأعلى في العراق، اليوم (الخميس)، إنه سيبدأ إجراءات ‌قانونية ‌بحق ‌معتقلي تنظيم «داعش» ‌المنقولين من سوريا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي جنود من الجيش الأميركي في قاعدة عسكرية شمال بغداد (رويترز - أرشيفية)

الجيش الأميركي يبدأ نقل سجناء «داعش» من سوريا إلى العراق

أطلقت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأربعاء، مهمة جديدة لنقل معتقلي تنظيم «داعش» من شمال شرق سوريا إلى العراق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق (إكس)

مبعوث ترمب يصوب نحو «شبكة الفساد المعقدة» في العراق

مع مرور نحو 4 أشهر على تعيينه مبعوثاً خاصاً للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى العراق، يواصل مارك سافايا ضغوطه على صناع القرار بهدف «تحقيق الاستقرار» في البلاد.

فاضل النشمي (بغداد)

تصعيد إسرائيلي يعزز مخاوف اللبنانيين من شبح الحرب

مواطنون يجمعون ما تبقّى من أغراضهم على أثر استهداف المبنى الذي يسكنون فيها ببلدة قناريت بجنوب لبنان مساء الأربعاء (أ.ب)
مواطنون يجمعون ما تبقّى من أغراضهم على أثر استهداف المبنى الذي يسكنون فيها ببلدة قناريت بجنوب لبنان مساء الأربعاء (أ.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي يعزز مخاوف اللبنانيين من شبح الحرب

مواطنون يجمعون ما تبقّى من أغراضهم على أثر استهداف المبنى الذي يسكنون فيها ببلدة قناريت بجنوب لبنان مساء الأربعاء (أ.ب)
مواطنون يجمعون ما تبقّى من أغراضهم على أثر استهداف المبنى الذي يسكنون فيها ببلدة قناريت بجنوب لبنان مساء الأربعاء (أ.ب)

يعود شبح التصعيد العسكري الإسرائيلي ليخيّم على لبنان، في ظل تراكم عوامل داخلية وإقليمية تجعل هذه المرحلة الأكثر حساسية منذ اتفاق وقف إطلاق النار في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. وأتت الغارات الإسرائيلية التي زنّرت جنوب لبنان والبقاع (شرقاً)، مساء الأربعاء، لتطرح علامة استفهام وتزيد المخاوف من توسّع دائرة الحرب في أي لحظة.

وفي حين قال رئيس الحكومة نواف سلام إن «ما نشهده، اليوم، في الجنوب، إن لم يكن حرباً شاملة، فهو حرب استنزاف من طرف واحد»، يأتي هذا التصعيد في ظل تعليق اجتماعات لجنة الـ«ميكانيزم» المعنية بآلية تثبيت وقف النار، ومراقبة تنفيذ التفاهمات الأمنية، والتي كانت تُمثل، إلى حد ما، صمام أمان سياسي-أمني يحدّ من الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، في حين يزداد الضغط على طهران وأذرعها في المنطقة مع التهديد بضربة أميركية مرتقبة ضدّها.

مواطنون يتفقدون أحد المباني المدمرة بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في بلدة قناريت جنوب لبنان (إ.ب.أ)

في موازاة ذلك، ينتظر الداخل اللبناني الخطة التنفيذية للجيش المتعلقة بسحب السلاح شمال نهر الليطاني، وهو ما يحظى بمتابعة حثيثة من المجتمع الدولي، كما من الجانب الإسرائيلي، الذي يربط أي تهدئة مستدامة بترجمة عملية لهذا المسار. في غضون ذلك تزداد الضغوط على لبنان، وتستغل تل أبيب هذا الوقت لتبرير عملياتها العسكرية التي باتت ترتكز، في الفترة الأخيرة، على شمال الليطاني.

كانت إسرائيل قد شنّت، مساء الأربعاء، غارات عنيفة على مبان في بلدات عدة بجنوب لبنان، على أثر إنذارات للسكان بالإخلاء، بعد ساعات من شنّه ضربات أوقعت قتيلين.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بغارات إسرائيلية على مبان في بلدات جرجوع وقناريت والكفور وأنصار والخرايب، بعد الإنذارات الإسرائيلية. وقال الجيش الإسرائيلي إنه هاجم أهدافاً لـ«حزب الله»؛ «رداً على خروقات متكررة لتفاهمات وقف إطلاق النار».

سياسة الضغط

وبينما تبدو إسرائيل في موقع مَن يرفع السقف العسكري، بالتوازي مع الضغط السياسي، المتمثل بفرض شروط للذهاب نحو مفاوضات سياسية اقتصادية، حملت الغارات الأخيرة على الجنوب، والتي وُصفت بالأعنف منذ فترة، دلالات رأى فيها البعض «إنذاراً» لمرحلة مقبلة أكثر سخونة، في حين يستبعد البعض الآخر أن تأخذ منحى أكثر تصعيداً.

في هذا الإطار، تستبعد مصادر وزارية انزلاق الوضع الأمني نحو الأسوأ في المدى القريب، وتقول، لـ«الشرق الأوس» إن «هذا التصعيد ليس جديداً، وهي سياسة ضغط إسرائيلية عدوانية تعتمدها منذ اتفاق وقف إطلاق النار، بحيث تقوم بين فترة وأخرى بحملة غارات واسعة في منطقة معينة، لكن ما يمكن قوله حتى الآن إن المؤشرات والمعطيات لا توحي بإمكانية توسع دائرة التصعيد في المرحلة المقبلة».

وتجدد المصادر تأكيد الجهود والاتصالات التي يقوم بها المسؤولون في الدولة اللبنانية، من رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة لمنع انزلاق الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه. وتقول: «لكن للأسف، من الواضح أن إسرائيل تستكمل سياسة الضغط العسكرية».

وبينما يربط البعض بين عدم انعقاد جلسات الـ«ميكانيزم» والمعلومات عن إمكانية توقيف عملها للضغط نحو مفاوضات سياسية عسكرية، واحتمال التصعيد الإسرائيلي، تقول المصادر: «لا قرار حتى الآن بتوقّف الميكانيزم، ووفق ما هو مقرر، ستعود لتعقد اجتماعاتها في شهر فبراير (شباط) المقبل، إلا إذا حصل ما لم يكن بالحسبان».

إسرائيل تستفيد من «الانتظار»

في المقابل، يشير العميد الركن المتقاعد خالد حمادة إلى أن وتيرة الهجمات العسكرية الإسرائيلية على جنوب لبنان تشهد تصاعداً ملحوظاً، ولا سيما في المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، إضافة إلى قضاء جزين، وأحياناً بعض مناطق البقاع، في أعقاب إعلان الجيش اللبناني نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني.

مبنى مدمَّر في بلدة قناريت بعد استهدافه بغارة إسرائيلية مساء الأربعاء (إ.ب.أ)

ويُعدّ حمادة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن المرحلة الحالية تشكّل «فترة نموذجية» بالنسبة إلى إسرائيل لرفع منسوب التصعيد، في ظل جملة عوامل متداخلة؛ أبرزها أن الجيش اللبناني يعمل حالياً على إعداد خطة من المفترض عرضها على مجلس الوزراء، في مطلع الشهر المقبل، وتتعلق بالإجراءات العسكرية والأمنية شمال الليطاني»، مشيراً، في الوقت عينه، إلى أن لجنة «الميكانيزم» لا تعقد اجتماعاتها حالياً، ما يعني غياب أي نشاط عسكري أو أمني معلَن للجيش بتلك المنطقة.

من هنا، يَعدّ «أن هذا الواقع يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً لتبرير زيادة اعتداءاتها، انطلاقاً من اعتبارها أن الدولة اللبنانية لا تضطلع بأي دور فعلي في شمال الليطاني. ويزداد هذا الهامش اتساعاً في ظل عدم تحديد موعد حتى الآن لجلسة حكومية تُعرض فيها خطة الجيش، فضلاً عن التصريحات التصعيدية الصادرة عن «حزب الله»، والتي يؤكد فيها أنه لن يُقدم على تسليم سلاحه شمال الليطاني.

اختبار للحكومة والجيش

وبرأي حمادة، فإن هذه المعطيات مجتمعة تضع الحكومة اللبنانية أمام مأزق حقيقي. فإذا لم تتمكن من تجاوز هذه العقبات، وإقرار خطة واضحة تُصادق عليها وتُباشر المؤسسة العسكرية تنفيذها، فإن ذلك سيُبقي المهلة مفتوحة إلى ما بعد شهر فبراير المقبل؛ أي بعد إنجاز خطة الجيش دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)

ولا يستبعد حمادة أن تُشكّل الخطة التي سيَعرضها الجيش اختباراً مزدوجاً للحكومة وللمؤسسة العسكرية، خصوصاً في ضوء مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر عقده في 5 مارس (آذار) بفرنسا. ويحذر من أن استمرار التصعيد ينذر بالانتقال إلى مراحل أكثر خطورة، لافتاً إلى أن فشل الحكومة في إقرار الخطة بعد الأسبوع الأول من فبراير سيمنح إسرائيل مزيداً من الوقت وحرية الحركة.

ويختم بتأكيد أن هذا الفراغ قد ينعكس ضربات عسكرية إسرائيلية في عمق الأراضي اللبنانية، قد لا تبقى محصورة بالحدود الجغرافية الحالية، بل قد تمتد إلى الضاحية الجنوبية، مع ارتفاع مستوى التدمير، مستفيدة من غياب أي مسار رسمي لبناني واضح. ويخلص إلى أن الحكومة، اليوم، أمام اختبار حاسم، في حين تُواصل إسرائيل الاستثمار في هذا الفراغ السياسي والعسكري.


ترمب يُدشّن «مجلس السلام» متمسكاً بإعمار غزة ونزع سلاح «حماس»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال التوقيع على ميثاق مبادرة «مجلس السلام» في دافوس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال التوقيع على ميثاق مبادرة «مجلس السلام» في دافوس (رويترز)
TT

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» متمسكاً بإعمار غزة ونزع سلاح «حماس»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال التوقيع على ميثاق مبادرة «مجلس السلام» في دافوس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال التوقيع على ميثاق مبادرة «مجلس السلام» في دافوس (رويترز)

دشّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، في دافوس، «مجلس السلام» الذي سيركّز في المرحلة الأولى على ترسيخ وقف إطلاق النار في غزة، وجهود إعادة الإعمار في القطاع، ونزع سلاح حركة «حماس»، على أن يضطلع بدور أوسع في المستقبل.

وأعلنت المتحدّثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي أمام قادة دول وحكومات، دخول ميثاق المجلس حيّز التنفيذ، ليصبح «منظمة دولية» رسمية.

وفي مسعى لطمأنة حلفائه حول العالم، أكّد ترمب أن المجلس سيعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة، نافياً ما تردّد في الأيام الماضية بأنه قد يصبح بديلاً عنها.

وقال ترمب إنه «بمجرد اكتمال تشكيل هذا المجلس، سنكون قادرين على القيام تقريباً بأي شيء نريده، وسنفعل ذلك بالتعاون مع الأمم المتحدة»، مضيفاً أن المنظمة الدولية تمتلك إمكانات هائلة «لم تُستَثمر بالكامل». وأضاف: «هناك إمكانات كبيرة جداً لدى الأمم المتحدة، وأعتقد أن الجمع بين (مجلس السلام) ونوعية الأشخاص الموجودين هنا... قد يشكّل شيئاً فريداً جداً للعالم».

وأشاد ترمب بالمجلس ومهمته، واصفاً إياه بأنه «أعظم مجلس تم تشكيله على الإطلاق»، ومؤكداً أن «الجميع يريد أن يكون جزءاً منه». وتابع: «نعم، لديّ بعض الشخصيات المثيرة للجدل في المجلس، لكن هؤلاء أشخاص يُنجزون المهام ويتمتعون بنفوذ هائل».

أولوية غزة

من جانبه، أشاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بـ«مجلس السلام»، معتبراً أنه يشمل «مجموعة من القادة تركّز على الأفعال». وقال: «إن المجلس غير مقيّد ببعض الأمور التي حدثت في الماضي، وهو مستعد للتحدّث أو الانخراط مع أي طرف إذا كان ذلك في مصلحة السلام».

كما أكد كبير الدبلوماسيين الأميركي أن مهمة المجلس «في المقام الأول وقبل كل شيء» هي «ضمان أن يصبح اتفاق السلام في غزة دائماً»، على أن يُنظر لاحقاً في ملفات أخرى. وفي انتظار نشر تفاصيل الميثاق التأسيسي، وصف روبيو المبادرة بأنها «عمل قيد التطوير»، لافتاً إلى أن انضمام بعض القادة قد يتأخر بسبب إجراءات داخلية أو قيود دستورية في بلدانهم.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال كلمة في منتدى دافوس يوم الخميس (أ.ف.ب)

وقال ترمب، متوجهاً إلى أعضاء المجلس المؤسسين - وبينهم 6 دول عربية - إن الموقّعين «أشخاص عظماء وقادة كبار»، مؤكداً أن المنظمة «تعمل بشكل ممتاز بالفعل»، ومشيراً إلى أن أسماء إضافية قد تنضم لاحقاً.

ولم يتردّد ترمب في التذكير بـ«إنجازات» إدارته في الشرق الأوسط، وقال: «حققنا السلام (...) لم يكن أحد يظن ذلك ممكناً». وأردف: «أنهيت 8 حروب في 9 أشهر، و(الحرب) التاسعة في الطريق. إنها الحرب التي ظننت أنها ستكون الأسهل»، في إشارة إلى حرب أوكرانيا. وتابع: «لدينا فرصة لإنهاء المعاناة، والكراهية، وسفك الدماء، وبناء سلام دائم، ومستدام، وهذا مهم للعالم».

الأعضاء المؤسسون

وشارك ممثلون عن 19 دولة في حفل توقيع ميثاق «مجلس السلام»، على أن تتّسع هذه اللائحة لتشمل دولاً أخرى في الأسابيع المقبلة. وشمل الحضور العربي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ووزير ديوان رئيس مجلس الوزراء البحريني الشيخ عيسى بن سلمان، ورئيس جهاز الشؤون التنفيذية لحكومة أبوظبي خلدون المبارك، ووزيرَي الخارجية المغربي ناصر بوريطة، والأردني أيمن الصفدي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصفق بعد توقيع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان على الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» في دافوس يوم الخميس (أ.ف.ب)

كما شارك في حفل التوقيع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، ورئيس الوزراء البلغاري كيريل بيتكوف، والرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، والرئيس المجري فيكتور أوربان، ورئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف، ورئيس باراغواي سانتياغو بينا، والرئيس الأوزبكستاني شوكت ميرزوييف، ورئيس وزراء منغوليا غومبوجاف زاندانشاتار، ورئيسة كوسوفو فيوسا عثماني.

ويُفترض أن يتولى «مجلس السلام» الإشراف على «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، التي يترأسها علي شعث، نائب الوزير السابق في السلطة الفلسطينية، والتي ستتولى إدارة جهود إعادة الإعمار اليومية في القطاع. ويرأس ترمب المجلس بنفسه، ووجّه دعوات إلى عشرات القادة حول العالم للانضمام إليه، في إطار رؤية تتجاوز غزة إلى أزمات إقليمية ودولية أخرى.

وحظي إنشاء المجلس بتأييد قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني)، في إطار خطة ترمب للسلام في غزة. وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة رولاندو غوميز إن انخراط المنظمة مع المجلس سيكون محصوراً بهذا الإطار.

نزع سلاح «حماس»

وفيما يخص غزة، قال ترمب إن الحرب بين إسرائيل و«حماس» «تقترب فعلاً من نهايتها»، مضيفاً: «لم يتبقَّ سوى نيران صغيرة، ويمكننا إطفاؤها بسهولة شديدة». وخلال كلمته في حفل تدشين المجلس، وجّه ترمب تحذيراً مباشراً إلى الحركة، داعياً إياها إلى نزع سلاحها، رغم أن عناصرها «وُلدوا والبنادق في أيديهم»، ومؤكداً أن «عليهم التخلي عن أسلحتهم، وإذا لم يفعلوا ذلك فستكون تلك نهايتهم». كما دعا «حماس» إلى الإفراج عن جثمان آخر رهينة إسرائيلي لا يزال محتجزاً في القطاع.

ورغم مرور أشهر على وقف إطلاق النار، لا يزال أكثر من مليوني فلسطيني في غزة يعانون من أزمة إنسانية حادة خلّفها أكثر من عامين من الحرب.

وقال المفاوض الأميركي وصهر ترمب، جاريد كوشنر، ​إن المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة ستتعامل مع تمويل إعادة إعمار القطاع الذي دُمر معظمه، بالإضافة إلى «نزع سلاح حركة (حماس)»، مضيفاً: «⁠إذا لم تلق (حماس) سلاحها، فسيكون ذلك عائقاً أمام تنفيذ هذه الخطة».

وتابع: «سنواصل خلال المائة يوم المقبلة العمل بجد وتركيز لضمان تنفيذ هذا الاتفاق. وسنواصل التركيز على المساعدات الإنسانية والمأوى ثم تهيئة الظروف اللازمة للمضي قدماً».

إيران «تريد التحدث»

وقبيل التوقيع الرسمي والتصديق على إنشاء «مجلس السلام»، استعرض ترمب ما يعدّه من إنجازاته على الساحة الدولية، مشيداً بـ«مجموعة المهارات التي لا تُضاهى لدى الجيش الأميركي».

واستعاد في هذا السياق الضربات التي نُفّذت العام الماضي ضد ثلاثة مواقع نووية إيرانية، قائلاً إن «إيران تريد التحدث، وسنتحدث»، في تصريح اعتبره البعض مؤشراً على تراجع عن تهديده السابق بالتدخل العسكري. كما شدّد ترمب على أن نهجه المتشدّد تجاه طهران كان عاملاً حاسماً في تبلور اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، مذكّراً بأن إيران كانت الداعم الأبرز للحركة، وقدّمت لها على مدى سنوات مئات ملايين الدولارات من المساعدات العسكرية والأسلحة والتدريب والدعم المالي.

وعن لبنان، قال ترمب إن وجود «حزب الله» هناك لا يتعدّى كونه «بقايا»، مقلّلاً من شأن قدراته الحالية.


العراق يمهد لمحاكمة سجناء «داعش» المنقولين من سوريا

لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
TT

العراق يمهد لمحاكمة سجناء «داعش» المنقولين من سوريا

لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)

أعلن القضاء العراقي أنه سيباشر التحقيق مع مئات المشتبه في انتمائهم إلى تنظيم «داعش»، بعد يوم من وصول دفعة أولى منهم من مراكز احتجاز شمال شرقي سوريا إلى الأراضي العراقية، في عملية جرت بالتنسيق مع «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة.

وقال مجلس القضاء الأعلى، في بيان، إن جميع الموقوفين «سيُودَعون المؤسسات الإصلاحية الحكومية المختصة، وسيخضعون للإجراءات القضائية؛ وفقاً للدستور والقوانين الجزائية العراقية النافذة، وبما يضمن حقوق الضحايا وعدم إفلات أي متهم من المساءلة».

إجراءات قانونية

ووفقاً للبيان، فقد أكد المجلس أن «جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل التنظيم، خاضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً، وستُطبق بحقهم الإجراءات القانونية دون استثناء، وبما يحفظ حقوق الضحايا ويكرس مبدأ سيادة القانون في العراق».

وكان المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي قد وافق، خلال اجتماع طارئ، على تسلم معتقلي التنظيم من السجون التي كانت تحت إدارة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مبرراً الخطوة بتطورات الوضع الأمني في سوريا وعدم قدرة الجانب السوري على الاستمرار في تأمين حمايتهم.

وأوضح بيان صادر عن مكتب القائد العام للقوات المسلحة أن الدفعة الأولى تضم نحو 150 شخصاً من العراقيين والأجانب، وأنهم نُقلوا إلى سجون تابعة لوزارة العدل العراقية، مضيفاً أن تحديد أعداد الدفعات اللاحقة «سيجري وفق التقدير الأمني والميداني».

ووفق تقديرات رسمية عراقية، فإن العدد الإجمالي لمعتقلي تنظيم «داعش» الموجودين في تلك السجون، ومن بينهم محتجزون في «مخيم الهول»، يبلغ نحو 7 آلاف شخص، سيُنقلون تدريجياً إلى العراق ويودَعون منشآت احتجاز حكومية.

سجناء من «داعش» داخل أحد سجون الرقة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)

أماكن الاحتجاز... وإيواء العائلات

وقال مسؤول أمني عراقي، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن «إيواء هؤلاء في سجون وزارة العدل لا يتعارض مع محاكمتهم، فجميعهم مطلوبون للقضاء العراقي، وقد نُقلوا بسبب قلق الجانب السوري من عدم توفير الحماية بعد التطورات الأخيرة».

وأضاف المسؤول، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن غالبية الذين سُلّموا «من الجنسيات الأجنبية، فيما يشكل العراقيون نسبة أقل»، موضحاً أن بعضهم «من قيادات الصف الأول في التنظيم، بمن فيهم أمراء وخلفاء محتملون».

وبشأن عائلات الموقوفين، فقد قال الخبير الأمني، فاضل أبو رغيف، إن «العائلات ستُفصَل عن المقاتلين، وسيجري إيواؤها في مراكز خاصة بعيدة عن المدن»، مشيراً إلى أن «قسماً منهم سيُنقل إلى مناطق قرب الموصل على الحدود، فيما سيُودَع آخرون مخيم الجدعة، وربما محافظات مثل ذي قار أو السليمانية، وفق حسابات أمنية وإنسانية».

وأضاف أبو رغيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه ليست أول مرة يتسلم فيها العراق عناصر من التنظيم، لافتاً إلى أن بغداد تسلمت منذ عام 2018 نحو 3 آلاف موقوف من قبل «قوات سوريا الديمقراطية»، وأن عملية النقل الحالية «جاءت بطلب عراقي مسبق وبموافقة ودعم مباشر من (التحالف الدولي)».

«التحالف الدولي» وانتقادات داخلية

وكانت «القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم)» قد أعلنت أنها بدأت «مهمة جديدة» لنقل معتقلي «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق؛ لضمان بقائهم في مراكز احتجاز آمنة، مؤكدة نجاحها في نقل 150 مقاتلاً من الحسكة إلى موقع آمن داخل العراق.

في المقابل، انتقدت كتلة «حقوق» البرلمانية، المرتبطة بـ«كتائب حزب الله» العراقي، العملية ووصفتها بأنها «خرق للسيادة العراقية». وقال النائب قحطان الخفاجي إن التطورات الأخيرة «تنذر بمخاطر أمنية»، داعياً إلى رفع الجاهزية تحسباً لعمليات تهريب محتملة.

أطفال ونساء من عائلات عناصر في تنظيم «داعش» يظهرون داخل «مخيم الهول» بالمنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

إطار قانوني

من جهته، قال الخبير القانوني، علي التميمي، إن «القانون العراقي يتيح محاكمة المتهمين؛ سواء أكانوا عراقيين أم أجانب، إذا كانت الجرائم قد ارتُكبت داخل العراق، أو كان لها تأثير على أمنه القومي». وأضاف أن رفض دول بعض الموقوفين تسلمهم «يعزز اختصاص القضاء العراقي بمحاكمتهم».

وأوضح التميمي أن مسألة الإنفاق على احتجازهم ومحاكمتهم «تتعلق بالتنفيذ وليس بالقضاء»، مشيراً إلى أن للعراق الحق في المطالبة بتغطية تلك التكاليف من دولهم الأصلية. أما عائلاتهم، فقال إن وضعهم القانوني «سيحدده التحقيق، وفي حال ثبوت المشاركة أو المساعدة في الجرائم، فإنهم يحاسَبون بوصفهم شركاء؛ وفق القانون العراقي».