قفزة في صادرات الصين تفوق التوقعات قبيل تولي ترمب الرئاسة

الفائض التجاري ينمو إلى 104.84 مليار دولار خلال ديسمبر

صفوف من الشاحنات في محطة الحاويات بميناء نينغبو تشوشان بمقاطعة تشجيانغ (رويترز)
صفوف من الشاحنات في محطة الحاويات بميناء نينغبو تشوشان بمقاطعة تشجيانغ (رويترز)
TT

قفزة في صادرات الصين تفوق التوقعات قبيل تولي ترمب الرئاسة

صفوف من الشاحنات في محطة الحاويات بميناء نينغبو تشوشان بمقاطعة تشجيانغ (رويترز)
صفوف من الشاحنات في محطة الحاويات بميناء نينغبو تشوشان بمقاطعة تشجيانغ (رويترز)

ارتفعت صادرات الصين في ديسمبر (كانون الأول) بوتيرة أسرع من المتوقع، حيث عجّلت المصانع من جهودها لتلبية الطلبات في مواجهة الرسوم الجمركية المرتفعة التي هدد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب بفرضها فور توليه منصبه.

ووفقاً لبيانات الجمارك الرسمية التي تم نشرها الاثنين، ارتفعت الصادرات بنسبة 10.7 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، في حين كانت توقعات الخبراء تشير إلى نمو بنحو 7 في المائة. كما شهدت الواردات زيادة بنسبة 1 في المائة على أساس سنوي، في حين كان من المتوقع أن تنكمش بنسبة 1.5 في المائة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ومع تفوق الصادرات على الواردات، نما الفائض التجاري للصين ليصل إلى 104.84 مليار دولار.

رسوم جمركية أعلى في الأفق

وقد عد ترمب بزيادة الرسوم الجمركية على السلع الصينية، وإغلاق بعض الثغرات التي يستخدمها المصدرون حالياً لبيع منتجاتهم في الولايات المتحدة بأسعار منخفضة. وإذا تم تنفيذ خطط ترمب، فمن المرجح أن تُرفع الأسعار في السوق الأميركي، مما يضغط على المبيعات وهامش الربح للمصدرين الصينيين. وقال زيتشون هوانغ من «كابيتال إيكونوميكس» إن صادرات الصين من المرجح أن تظل قوية في الأجل القريب، حيث تسعى الشركات إلى الاستباق في مواجهة الرسوم الجمركية المحتملة. وأضاف: «من المرجح أن تظل الشحنات الصادرة مرنة على المدى القريب، مدعومة بزيادة حصة السوق العالمية بفضل ضعف العملة الفعلية».

وقفزت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة بنسبة 15.6 في المائة في ديسمبر مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 8.8 في المائة. كما نمت الشحنات إلى جنوب شرقي آسيا بحوالي 19 في المائة، إلا أن هوانغ أشار إلى أن الصادرات قد تتراجع في وقت لاحق من العام إذا نفذ ترمب تهديده بفرض الرسوم الجمركية.

الصادرات القياسية والتجارة الإجمالية

أكد المسؤولون الذين تحدثوا للصحفيين في بكين أن القيمة الإجمالية لواردات وصادرات الصين بلغت 43.85 تريليون يوان (حوالي 6 تريليونات دولار)، بزيادة 5 في المائة عن العام الماضي. وأشار وانغ لينغ جون، نائب المدير العام لإدارة الجمارك، إلى أن الصين تعد أكبر دولة مصدرة في العالم والشريك التجاري الرئيس لأكثر من 150 دولة ومنطقة.

وتراجعت وتيرة نمو اقتصاد الصين بعد جائحة (كوفيد - 19) جزئياً بسبب فقدان الوظائف والتباطؤ في بعض القطاعات. ومع ذلك، ارتفعت صادرات الصين من المنتجات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 9 في المائة مقارنة بالعام السابق، وشهدت صادرات «المعدات المتطورة» نمواً يفوق 40 في المائة. كما ارتفعت صادرات المركبات الكهربائية بنسبة 13 في المائة، وقفزت صادرات الطابعات ثلاثية الأبعاد بنسبة 33 في المائة، وازداد تصدير الروبوتات الصناعية بنسبة 45 في المائة. وسجلت التجارة الإلكترونية، بما في ذلك مبيعات شركات مثل «تيمو»، و«شين»، و«علي بابا»، 2.6 تريليون يوان (350 مليار دولار)، بزيادة أكثر من ضعف المستوى المسجل في عام 2020.

الواردات... تحديات وفرص

أوضح المسؤولون أن الصين لا تسعى إلى تحقيق فائض تجاري، وتطمح إلى زيادة وارداتها. ومع ذلك، رغم الزيادة الطفيفة في الواردات العام الماضي، فإنها لا تزال تتخلف عن الصادرات، ويرجع ذلك جزئياً إلى انخفاض أسعار السلع الأساسية، مثل النفط، وخام الحديد. كما أن الواردات تعكس ضعف الطلب، حيث قلص المستهلكون والشركات الإنفاق. وقال المتحدث باسم إدارة الجمارك الصينية، لِف داليانغ: «نعتقد أن هناك مجالاً كبيراً للنمو في واردات هذا العام. ليس فقط بسبب قدرة السوق في بلادنا الكبيرة، بل أيضاً لوجود إمكانات هائلة في كثير من المجالات».

وأضاف أن الصين تواجه قيوداً على بعض المنتجات بسبب الحواجز التجارية، مشيراً إلى الضوابط التي تفرضها الولايات المتحدة ودول أخرى على السلع الحساسة استراتيجياً، مثل أشباه الموصلات المتقدمة والمنتجات التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية. وقال: «بالإضافة إلى ذلك، تقوم بعض الدول بتسييس القضايا الاقتصادية والتجارية وتقييد تصدير بعض المنتجات إلى الصين بشكل غير معقول. بخلاف ذلك، كنا سنستورد المزيد».

أين تذهب كل هذه الصادرات؟

أكد المسؤولون على جهود الصين لتوسيع تجارتها مع الدول المشاركة في مبادرة «الحزام والطريق»، التي تركز على بناء البنية التحتية، وتعزيز التجارة في معظم أنحاء العالم. وشكلت التجارة مع هذه الدول حوالي نصف إجمالي تجارة الصين العام الماضي.

وأشاروا إلى أن الصين ألغت تماماً الرسوم الجمركية على الواردات من أفقر دول العالم. ومع ذلك، لا تزال الصين تقدر التجارة مع الأسواق التقليدية، مثل أوروبا والولايات المتحدة، حيث نمت التجارة الثنائية مع الولايات المتحدة بنسبة 5 في المائة العام الماضي. وقال وانغ: «استوردنا المنتجات الزراعية، والطاقة، والأدوية، والطائرات من الولايات المتحدة، وصدرنا الملابس، والإلكترونيات الاستهلاكية، والأجهزة المنزلية إليها، مما حقق فوائد متبادلة ونتائج رابحة للطرفين».

الطاقة الزائدة في الصين

أشار بعض المسؤولين الأميركيين وغيرهم من المنتقدين إلى أن الصين توسع صادراتها لتعويض الطلب البطيء داخل البلاد مع تباطؤ الاقتصاد. وأوضحوا أن بعض المصانع في بعض الصناعات تعمل دون طاقتها القصوى، مما يعكس مشكلة «الطاقة الزائدة». لكنّ المسؤولين الصينيين رفضوا هذا الادعاء، مؤكدين أن الصناعات الصينية أصبحت أكثر كفاءة بفضل الترقية، والاستثمار، والابتكار المدعوم بالبحث والتطوير.

وقال وانغ رداً على هذه القضية: «سواء من منظور الميزة النسبية أو الطلب في السوق العالمية، لا توجد مشكلة فيما يُسمى (الطاقة الزائدة) في الصين. هذا الادعاء هو اقتراح زائف تماماً». وأضاف أن الصين ضمنت استقرار سلسلة الإنتاج والتوريد العالمية بفضل سلسلة الصناعة التصنيعية الكاملة التي تمتلكها، ودفعت التقدم التكنولوجي والترقية الصناعية على مستوى العالم.

وتأتي أرقام التجارة الصينية لشهر ديسمبر قبل إعلان بيانات الناتج المحلي الإجمالي للعام بأسره وللربع الأخير، والتي من المتوقع أن تُصدر يوم الجمعة. وكان لدى بكين هدف نمو بنسبة 5 في المائة لعام 2024.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد بائعة تعرض أساور ذهبية لحفلات الزفاف الصينية في متجر مجوهرات بهونغ كونغ (رويترز)

السبائك تزيح المجوهرات عن عرش الذهب في الصين للمرة الأولى

سجل استهلاك الذهب في الصين تراجعاً للعام الثاني على التوالي في عام 2025، إلا أن مبيعات السبائك والعملات الذهبية تجاوزت مبيعات المجوهرات لأول مرة في تاريخها.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ترمب وخلفه عدد من الوزراء والمسؤولين في فريق عمله أثناء إعلانه عن إنشاء احتياطي للمعادن الحيوية (إ.ب.أ)

ترمب يطلق «مشروع القبو» لإنهاء هيمنة الصين على المعادن النادرة

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خطة طموحة لضخ نحو 12 مليار دولار لإنشاء احتياطي استراتيجي من العناصر الأرضية النادرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)

بصمة «شنغهاي»... كواليس انهيار الذهب واهتزاز أركان «الملاذ الآمن»

استيقظت الأسواق العالمية، الاثنين، على مشهد وصفه المحللون بـ«حمام دم» في الذهب والفضة والمعادن الأخرى، حيث تواصل نزيف الأسعار الذي بدأ في عطلة نهاية الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

TT

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً بفضل رؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.

هذا ما أكده الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية»، الدكتور مهند الشيخ، موضحاً أن الفرص التجارية في المملكة تتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي يتوقع أن تحقق نمواً سنوياً يصل إلى 29 في المائة على مدى ما بين 7 و8 سنوات مقبلة، بالتوازي مع المشروعات العملاقة والسياحة الدينية والانفتاح المتنامي على تملك الأجانب العقار.

جاءت تصريحات الشيخ لـ«الشرق الأوسط» على هامش «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، في الرياض، حيث أوضح أن «المشهد الاقتصادي في المملكة اليوم يقوم على رؤية استثمارية وتجارية واضحة، مدعومة بتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيسياً في النهضة الاقتصادية الجارية».

وقال إن التحول العالمي الناتج عن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية جعل الدول أعمق وعياً بأهمية بناء قواعد إنتاج محلية قوية؛ «مما استفادت منه السعودية عبر تسريع برامج التوطين وتعزيز بيئة الأعمال».

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ويرى الشيخ أن الحصة الكبرى من فرص النمو خلال السنوات المقبلة ستكون في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، مشيراً إلى وجود نقص عالمي في الكفاءات المختصة بتصميم وهندسة هذه المراكز، وكذلك بتصنيع المعدات المرتبطة بها.

وأضاف أن نجاح مراكز البيانات يعتمد بشكل أساسي على سرعة التنفيذ وطرح المشروعات في السوق للمستثمرين أو المستفيد النهائي؛ «مما يجعل توفر الموارد البشرية المؤهلة عاملاً حاسماً».

ولفت إلى أن المملكة «بحكم أنها مصدر رئيسي للطاقة، فإن تمتلك ميزة تنافسية مهمة في هذا المجال، خصوصاً أن مراكز البيانات تعتمد بشكل كبير على الطاقة والتبريد». كما أشار إلى «الاستثمارات المعلنة من قبل شركات محلية من بينها (هيوماين) و(إس تي سي)، إلى جانب التركيز المتصاعد من الجامعات السعودية على إطلاق برامج علمية تدعم احتياجات القطاع الخاص في هذا المجال الذي يشهد نقصاً عالمياً في المهارات».

وأضاف أن موقع المملكة الجغرافي الذي يربط الشرق بالغرب، إلى جانب بنيتها التحتية الرقمية، «يعززان من جاذبيتها بوصفها مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات المتصلة بالذكاء الاصطناعي».

إلى جانب التكنولوجيا، أشار الشيخ إلى أن «المشروعات العملاقة المقبلة، واستضافة المملكة فعاليات دولية كبرى، من بينها (كأس العالم لكرة القدم) و(إكسبو)، سيفتحان آفاقاً واسعة أمام قطاعات متعددة». كما توقع نمواً كبيراً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بمجال السياحة الدينية، مدعوماً بانفتاح السوق السعودية على الاستثمار الأجنبي والسماح بتملك الأجانب العقار.

محفزات التوطين

وبشأن العوامل الأساسية لنجاح مشروعات التوطين، أوضح الشيخ أن السوق السعودية تمثل ما بين 60 و70 في المائة من سوق الشرق الأوسط؛ «مما يجعل وجود الصناعات داخل المملكة ضرورة تفرضها سرعة الوصول إلى المنتج النهائي، قبل أن يكون مطلباً تنظيمياً». وأضاف أن المحفزات الحكومية لعبت دوراً داعماً من خلال تشجيع توطين بعض الصناعات وتعزيز سلاسل الإمداد.

وبين أن «جونسون كنترولز العربية» تعمل مع نحو 280 مورداً، وأن بعض منتجاتها تضم ما يصل إلى 40 ألف جزء؛ «مما يجعل استدامة سلاسل الإمداد عنصراً حيوياً للمصنعين». كما شدد على أهمية التعاون مع الجامعات السعودية في البحث والتطوير، مشيراً إلى أن هذا التعاون أسهم في رفع المحتوى المحلي؛ «بل ومكّن الشركة من تصنيع منتجات في السعودية وتصديرها إلى أسواق أميركية؛ نظراً إلى تطابق معايير الاستهلاك والجودة».

وأضاف أن وجود مراكز بحث وتطوير ومختبرات محلية يسرّع تطوير المنتجات ويساعد الشركات على تلبية متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.

سلاسل الإمداد وفرص المستقبل

وبشأن توطين سلاسل الإمداد، قال الشيخ إن جائحة «كوفيد19» كانت نقطة تحول عالمية؛ إذ أدركت الدول خلالها أهمية تأمين احتياجاتها داخلياً. وأوضح أن المملكة تشهد اليوم «ثورة اقتصادية» على مستوى المشروعات والبيئة الاستثمارية، «مع توفر قاعدة صناعية محلية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات النهائية».

وأشار إلى أن «الفرص لا تزال واسعة أمام المستثمرين العالميين للدخول في مجال توطين سلاسل الإمداد»، لافتاً إلى أن «هذا القطاع تحديداً ما زال يحمل إمكانات نمو أكبر مقارنة بالمنتجات النهائية التي حققت السعودية فيها مستويات متقدمة من الاكتفاء».

منصة تربط العرض بالطلب

وقال الرئيس التنفيذي إن «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص» يمثل منصة عملية تجمع جميع الأطراف لتمكين الفرص وتحويلها إلى شراكات ومشروعات ملموسة.

يذكر أن «المنتدى» يجمع بين العرض والطلب، عبر ربط شركات محفظة الصندوق بالجهات الحكومية والمستثمرين وشركات القطاع الخاص، بما يفتح آفاقاً واسعة لعقد شراكات جديدة وتشكيل موجة تالية من المشروعات التي تعزز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

ويختصر الشيخ المشهد بالقول إن «المملكة اليوم تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والابتكار، وسلاسل الإمداد، والكوادر البشرية؛ مما يضعها في موقع متقدم للاستفادة من موجة التحول العالمي المقبلة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والصناعات المتقدمة».


«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة
TT

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

لم يكن البيان المشترك الصادر عن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في ختام «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، مجرد توثيق روتيني لانتهاء الفعاليات؛ بل جاء ليعلن عمَّا يمكن وصفه بـ«مانيفستو العُلا» الاقتصادي الجديد الخاص بالاقتصادات الناشئة.

ولمن يتساءل عن ماهية «المانيفستو»؛ فهو في العُرف السياسي والاقتصادي «وثيقة مبادئ علنية» تُحدد أهدافاً استراتيجية ونيّات حاسمة لإحداث تغيير جذري في واقع قائم. وفي قلب العُلا، لم يكن هذا البيان مجرد كلمات، بل كان «ميثاقاً» يضع خريطة طريق لإنهاء حقبة «التبعية الاقتصادية» وتأسيس عهد تكون فيه الاقتصادات الناشئة هي القائد لا التابع.

التحليل العميق لمخرجات هذا «المانيفستو» يكشف عن تحول جذري: فالاقتصادات الناشئة لم تعد «الخاصرة الضعيفة» التي تئنّ تحت وطأة أزمات الدول المتقدمة، بل تحوّلت إلى «صمّام أمان» يقود اليوم 70 في المائة من النمو العالمي.

لقد أبرز مؤتمر العُلا الصمود الاستثنائي للاقتصادات الناشئة في وجه العواصف الجيوسياسية، بالتقاطع مع إطلاق تنبيه صارم مفاده أن «هذا ليس وقت التراخي». وفي البيان الختامي الصادر عن الجدعان وغورغييفا، تم التأكيد أن المؤتمر في نسخته الثانية رسَّخ مكانته منتدىً عالمياً مخصصاً يركز على التحديات والفرص المشتركة.

كما شدد الجدعان وغورغييفا على أن المرحلة المقبلة تفرض «ضرورة ملحة لتعزيز أطر السياسات والمؤسسات لدعم قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود واستغلال الفرص الكامنة، خصوصاً في ظل بيئة عالمية يكتنفها عدم يقين مستمر، وتحولات جيوسياسية عميقة، وتغير متسارع في أنماط التجارة العالمية والتكنولوجيا».

وقال البيان: «على مدى اليومين الماضيين، ركّزت المناقشات على كيفية تمكّن اقتصادات الأسواق الناشئة من التعامل مع بيئة عالمية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين، والتحولات الجيوسياسية، وتغيّر أنماط التجارة، والتطور التقني المتسارع. وتُبرز هذه التحولات العميقة الحاجة الملحّة إلى تعزيز أطر السياسات والمؤسسات بما يدعم القدرة على الصمود ويُمكّن من اغتنام الفرص المتاحة في المرحلة المقبلة».

كسر قاعدة «الزكام» التاريخية

أبرزت مخرجات المؤتمر رسالة جوهرية وهي كسر القاعدة التاريخية التي تقضي بإصابة الأسواق الناشئة بـ«الزكام» كلما عطست الدول المتقدمة. فقد أشار البيان إلى أن الأطر السياساتية الموثوقة التي تبنتها هذه الدول جعلتها أكثر صموداً في وجه التضخم وتقلبات العملات، مما حافظ على قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية حتى في ظل ذروة عدم اليقين.

الإصلاحات

كما حدد البيان المشترك أن التحدي الحقيقي الآن ليس مجرد «البقاء» بل «الازدهار» والانطلاق إلى المرحلة التالية من الإصلاحات، وهي الإصلاحات التي تحقق نمواً أعلى وأكثر استدامة وزيادة بفرص العمل. وهنا تبرز ركائز المرحلة المقبلة التي تتجاوز استقرار المؤشرات الكلية إلى تحسين مستوى معيشة الشعوب عبر:

  • إطلاق عنان القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي، مع ضرورة تقليل البيروقراطية وتعميق الأسواق المالية.
  • الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
  • الاستثمار في «الإنسان»: تأهيل الشباب في الدول الناشئة ليكونوا وقوداً لسوق العمل العالمية المتغيرة، وليس مجرد عبء ديمغرافي.

كما بعث المؤتمر برسالة مفادها أنه في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التجارة والاستثمار، فإن تعميق التكامل داخل الإقليم وبين الأقاليم المتعددة يوفر فرصاً واعدة ومهمة. ويبقى تمكين التجارة وتعزيز التعاون الإقليمي أمرين أساسيين لاقتصادات الأسواق الناشئة في إطار تكيفها مع المشهد الاقتصادي العالمي المتغير.

تحذير من فخ الظروف المواتية

توازياً مع البيان الختامي، قدم الجدعان وغورغييفا في مقال تحليلي مشترك نشرته «بروجيكت سينديكيت» (Project Syndicate) العالمية، قراءة نقدية لمستقبل الأسواق الناشئة. وقد انطلق المقال من حقيقة تاريخية تغيرت؛ فبينما كان يُقال قديماً: «إذا عطست الاقتصادات المتقدمة، أصيبت الأسواق الناشئة بالزكام»، أثبتت الأزمات الأخيرة -من تضخم ما بعد جائحة «كورونا»، إلى موجات التعريفات الجمركية- أن الأسواق الناشئة باتت تمتلك حصانة ذاتية، حيث استقرت عملاتها، وتباطأ التضخم فيها، وبقيت تكاليف ديونها تحت السيطرة.

ورغم هذا الصمود، حدد الجدعان وغورغييفا «نقاط اليقظة» في أربعة محاور استراتيجية:

أولاً- حذر من «فخ التراخي» والمكاسب الهشة: أكد الجدعان وغورغييفا أن هذا ليس وقت الركون للهدوء.

ثانياً- التحول من «الدفاع» إلى «الهجوم» عبر الإصلاحات: أشاد الجدعان وغورغييفا بنماذج إصلاحية ناجحة؛ مثل البرازيل التي كانت سباقة في رفع الفائدة لمواجهة التضخم، ونيجيريا التي أصلحت نظام تسعير الطاقة، ومصر التي توسع قاعدتها الضريبية وتعتمد الرقمنة. وشددا على أن الصمود لا يترجَم تلقائياً إلى نمو، بل تجب الموازنة بين سياسات تعزيز النمو والحفاظ على «الهوامش المالية» (الاحتياطيات) للحماية من التقلبات.

ثالثاً- الذكاء الاصطناعي والاستثمار في «العنصر البشري»: دعا الجدعان وغورغييفا الدول الناشئة إلى الاقتداء بـالسعودية والهند ودول الخليج في استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الرقمية، ووصفاها بالأساس الضروري لتبني الذكاء الاصطناعي. كما ركزا على «العائد الديمغرافي»، مؤكداً أن السكان الشباب هم «أصول اقتصادية» هائلة، لكن بشرط الاستثمار المكثف في تعليمهم وتدريبهم لمواجهة تحديات سوق العمل العالمية.

رابعاً- «التكامل» في مواجهة «التشرذم الجيوسياسي»: أقر الجدعان وغورغييفا بأن التوترات في التحالفات القديمة خلقت حالة من عدم اليقين، لكنها في المقابل خلقت فرصاً لأنماط جديدة من التعاون. وأشارا إلى أن دولاً في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بدأت بالفعل في صياغة روابط تجارية ومالية أعمق، مما يجعل «التعاون الإقليمي» أداة بقاء وازدهار في ظل تراجع العولمة التقليدية.

واختتم الجدعان وغورغييفا بيانهما المشترك بالإعراب عن التقدير للالتزام الذي أبدته اقتصادات الأسواق الناشئة بالتكاتف وتبادل الخبرات واتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة التحديات العالمية، متطلعَين إلى مواصلة هذه المناقشات والبناء على هذا الزخم في النسخ المقبلة من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة.

إن «مانيفستو العُلا» لم يعد مجرد كلمات في ختام مؤتمر، بل هو تعهد دولي بصياغة مستقبل يقوده «المحرك السيادي» للاقتصادات الناشئة، متطلعين إلى بناء زخم أكبر في النسخ المقبلة من هذا المنتدى العالمي الفريد.


رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
TT

رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)

قال نيكولاس كاتشاروف الرئيس التنفيذي لشركة «إنرجيان ‌إنترناشونال»، ​الثلاثاء، إن ‌مصر وجَّهت شركات النفط الدولية بمضاعفة ⁠الإنتاج ‌بحلول عام ‍2030.

وأضاف، وفقاً لـ«رويترز»، أن العقود الحالية تحتاج إلى إعادة ​التفاوض لزيادة إنتاج مشاريع إعادة ⁠تطوير المناطق.

وأوضح أن أسعار الغاز المنخفضة التي دعمت مراحل التطوير السابقة قد «انتهت»، مما يستدعي تحديث الشروط لتشجيع الشركات على استثمار رؤوس أموالها وزيادة الإنتاج في المواقع القائمة.وقال: «لا أستطيع تحديد السعر بدقة، لكن هناك فرقا شاسعا بين أسعار الغاز المحلي وأسعار الغاز المستورد». وأشار إلى أن شركته مدينة لمصر بأكثر من 200 مليون دولار، وقد استلمت مؤخراً 80 مليون دولار، مؤكداً أن الشركة لا تزال واثقة من تعهدات وزير البترول بتسديد المتأخرات المتبقية. كما ذكر أن تدفقات الغاز من إسرائيل إلى مصر قد ارتفعت، وأن خط الأنابيب يعمل الآن بكامل طاقته.