القاهرة الخديوية «المرهَقة» تسعى إلى استعادة رونق الزمن الجميل

خُططٌ رسمية تضعها على رادار الجذب السياحي

ميدان طلعت حرب في قلب القاهرة الخديوية (الشرق الأوسط)
ميدان طلعت حرب في قلب القاهرة الخديوية (الشرق الأوسط)
TT

القاهرة الخديوية «المرهَقة» تسعى إلى استعادة رونق الزمن الجميل

ميدان طلعت حرب في قلب القاهرة الخديوية (الشرق الأوسط)
ميدان طلعت حرب في قلب القاهرة الخديوية (الشرق الأوسط)

جولة قصيرة في شوارع القاهرة الخديوية، المعروفة بوسط البلد، كافية لإدراك الثروة المعمارية التي تمثّلها المنطقة، ما بين طُرز معمارية متنوّعة، وأنماط في البناء وتخطيط للشوارع، وزخارف ورسوم على الواجهات التراثية، تعكس حسّاً فنياً يستدعي نوستالجيا من عصور مضت.

وتعرَّضت القاهرة الخديوية في الأعوام الـ50 الماضية إلى طفرات من النزوح والتغيير، ليقبع هذا الحيّ الذي أمر الخديوي إسماعيل ببنائه عام 1872، بهدف محاكاة باريس، تحت وطأة التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية. ويبدو أنّ طبيعة المكان بوصفه مركزاً تجارياً جعلته عرضة لتغييرات جذرية نالت من هيئة مبانيه وعادات سكانه وروحه.

تسعى مصر إلى استعادة القاهرة الخديوية برونقها القديم، وهو ما أكده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، لتصبح هذه المنطقة جاذبة سياحياً وتجارياً وثقافياً؛ معلناً أنّ مشروع التطوير سيتطلّب تخصيص عدد من شوارع القاهرة الخديوية للمشاة فقط.

يأتي هذا التوجه ضمن خطة يُشرف عليها الجهاز القومي للتنسيق الحضاري تتضمّن 4 مراحل، وفق ما يورده الجهاز في كتابه السنوي. وتستهدف الخطة تطوير منطقة وسط المدينة وإعادة إحيائها، وتحويل مشروع القاهرة الخديوية وجهةً سياحيةً وثقافيةً عالميةً، مع تعزيز رونق العاصمة التاريخي والحضاري، بالتعاون بين الجهاز ومحافظة القاهرة والجهات المعنية.

ممر «بهلر» من الطُرز المعمارية المميّزة في القاهرة الخديوية (الشرق الأوسط)

وزار عدد من المسؤولين، قبل أيام، مُثلث البورصة وشارع الشريفين لرفع كفاءتهما، وكذلك رفع كفاءة شارع الألفي وسرايا الأزبكية، والشوارع المتفرّعة منها. وأعلن الجهاز التدخّل على مستويين، هما التصميم العمراني وتطوير الواجهات، وفق تصوّر لإعادة إحياء الميادين الرئيسية في القاهرة الخديوية والمباني التراثية المطلّة عليها.

وقد رُمِّمت واجهات المباني وعُدِّلت واجهات المحلات، وأُزيلت جميع التعدّيات والمخالفات على واجهات المباني التراثية، في نطاق شارع قصر النيل، بدايةً من ميدان طلعت حرب، حتى ميدان مصطفى كامل، وفق إفادة رسمية.

وخلال مداخلة تلفزيونية، أكد عضو اللجنة العليا في جهاز التنسيق الحضاري، الدكتور أسامة النحاس، مواصلة العمل بشكل مكثّف على مشروع «تطوير القاهرة الخديوية»، لإعادة القاهرة التاريخية إلى سابق عصرها بكونها واحدةً من أهم المدن التراثية في العالم وأكبرها؛ موضحاً أن «جميع التعدّيات أُزيلت مِن على الواجهات والمباني التاريخية، سواء من المحلات أو الإعلانات وجميع الإشغالات التي تشوّه الصورة البصرية للقاهرة الخديوية»، ومؤكداً الحرص على تعزيز رونق العاصمة التاريخي والحضاري الناجم عن تفاعل العمارة المصرية الفرعونية بالغربية.

في المقابل، أشار متخصّصون في العمارة التاريخية، من بينهم مديرة «بيت المعمار المصري» سابقاً، الدكتورة هبة صفي الدين، إلى أكثر من مسار لتطوير القاهرة الخديوية، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أنّ «التطوير لا يقتصر على الأنماط المعمارية فقط، وإنما يمتدّ لاستعادة روح المكان، وما يمثّله من تاريخ عريق، إلى جانب ترميم وإعادة تأهيل المباني ذات الطراز المعماري المميّز».

أحد العقارات قيد التطوير (الجهاز القومي للتنسيق الحضاري)

وكلّف الخديوي إسماعيل، المعماري الفرنسي هاوسمان، بتصميم القاهرة الخديوية وتنفيذها في وسط مدينة القاهرة عام 1867، وتصل المساحة التي خُصصت لذلك إلى 20 ألف فدان، وتضمَّنت طُرزاً معمارية فريدة أسهم فيها معماريون فرنسيون وإيطاليون وألمان ومصريون، وفق خبراء ومؤرخين.

وتشهد منطقة وسط البلد أعمال تطوير وترميم؛ الأمر الذي يظهر في واجهات عدد من المباني، لتستعيد طابعها المعماري التراثي. وبعضها، إنْ لم يكن تراثياً، فله طراز معماري مميّز، وفق تصريح تلفزيوني لرئيس جهاز التنسيق الحضاري، المهندس محمد أبو سعدة، الذي أشار في السياق عينه إلى وجود خطة موسَّعة لتطوير منطقة وسط البلد، واستخدام المباني التاريخية بالطريقة المناسبة.

وبالتوازي والتنسيق مع الجهود الحكومية، تعمل شركة «الإسماعيلية» التي تمتلكها مجموعة من رجال الأعمال على ترميم وإعادة تأهيل 25 عقاراً ضمن أصول الشركة بوسط البلد، «القاهرة الخديوية»، باستثمارات وصلت إلى نحو 500 مليون جنيه (الدولار يساوي 50.56 جنيه مصري)، وفق تصريحات إعلامية سابقة لرئيسها.

«الحفاظ على القاهرة الخديوية نمطاً حضارياً في المعمار يجب أن توازيه استعادة ثقافة المكان عبر سلوك البشر، فلا يصحّ ترك الأمر لتغيّرات الزمن التي سمحت للعشوائية بالزحف إلى أماكن عدّة في وسط البلد»، وفق صاحب مشروع «القاهرة عنواني»، محمود التميمي، لاستعادة الطابع التراثي وروح المدينة، الذي يشيد بجهود جهات عدّة تسعى إلى استعادة رونق القاهرة الخديوية، لكنه يُشدّد على ضرورة ربط تطوير المعمار وترميمه بالحفاظ على سلوكيات المكان وثقافته.

مبنى تراثي مفترض ترميمه في المرحلة الثالثة (الجهاز القومي للتنسيق الحضاري)

وتضمّ القاهرة التاريخية أحياء عدّة، مثل: عابدين، وقصر النيل، والزمالك، وبولاق أبو العلا، وميادين التحرير وطلعت حرب ومصطفى كامل والأوبرا بالعتبة؛ وشوارع شهيرة؛ مثل: قصر النيل، وطلعت حرب، وباب اللوق، وشريف، وعدلي، ونوبار، وعماد الدين، ومحمد فريد، و26 يوليو (شارع فؤاد سابقاً).

وبينما يستعيد صاحب مشروع «القاهرة عنواني» نمطاً مميّزاً للنوادل في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، حين كانوا يرتدون أزياء أنيقة تتمثّل في القميص الأبيض وربطة العنق على شكل فراشة، والجاكيت الأبيض، والبنطلون الأسود، كما في أفلام الأبيض والأسود؛ يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا يصحُّ أن تُرمَّم وتُطوَّر العقارات المميّزة، ثم أجد تحتها مقهى يضمّ كراسي بلاستيكية، ونادلاً يرتدي الجينز و(تي شيرت) غريب و(شبشب) في قدمه». ويوضح: «على كراسي المقاهي في هذه المنطقة التحلّي بـ(كود) يُوضع بطريقة تليق بطبيعة المكان ولا يتحرّك من مكانه».

وفي كتابه «مقتنيات وسط البلد»، يرصد الكاتب المصري الراحل مكاوي سعيد عدداً من الأماكن التي لا تزال تحتفظ ببريقها، وكان لها دور فاعل في الحياة الثقافية والترفيهية في القاهرة التاريخية والحكايات التي تدور حولها، مثل: مقاهي «ريش»، و«غروبي»، و«النادي اليوناني»، و«ستوريل»، و«أسترا»، و«علي بابا»، وقهوة «الحرية»، وكثير من الأماكن التي لا يزال بعضها باقياً، والآخر أزاحته محلات الأحذية والوجبات السريعة.

ويلفت إلى أنّ بعض الأماكن الثقافية والترفيهية، مثل: «كلوب محمد علي»، وهو حالياً «النادي الدبلوماسي»، و«كافيه ريش»، لعبت دوراً في تطوّر الحياة الثقافية والفنّية في مصر، مضيفاً: «كذلك فندق (سافوي) الذي بُنيت مكانه عمارات (بهلر)، ودور العرض السينمائي التي اشتهرت بها المنطقة، ومنحتها طابعاً ثقافياً مميّزاً نتمنّى استعادته ضمن خطط التطوير الجديدة».


مقالات ذات صلة

قرار «إزالة» مقبرة علي مبارك يعيد جدل هدم المدافن التاريخية في مصر

يوميات الشرق مدفن علي باشا مبارك من الداخل (تصوير الباحث إبراهيم طايع)

قرار «إزالة» مقبرة علي مبارك يعيد جدل هدم المدافن التاريخية في مصر

جدَّد قرار إزالة مدفن «أبو التعليم المصري» وصاحب موسوعة «الخطط التوفيقية»، علي باشا مبارك، الجدلَ حول عمليات هدم المدافن التاريخية في مصر.

حمدي عابدين (القاهرة)
ثقافة وفنون مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

جلساء العرش الأموي

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة

محمود الزيباوي
يوميات الشرق الكتاب الفائز رصد نقوشاً قديمة للكتابة الثمودية (غلاف الكتاب)

«الآثاريين العرب» يُكرِّم عالمَين سعوديين لتوثيق تراث «القلم الثمودي»

كرّم اتحاد الآثاريين العرب باحثَين سعوديين عن كتابهما حول تاريخ القلم الثمودي والنقوش الصخرية في الجزيرة العربية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق منطقة سقارة تضم العديد من المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشافات أثرية بسقارة تفسّر ألغازاً بالدولة القديمة

تمكنت الاكتشافات الأثرية المتتالية في منطقة سقارة (غرب القاهرة) من تفسير ألغاز بالحضارة المصرية القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة)

السينما السودانية تحضر في جدة بحكايات الأرض والحرب

من فيلم «ملكة القطن» الذي يُعرض هذا الشهر (سينما حي)
من فيلم «ملكة القطن» الذي يُعرض هذا الشهر (سينما حي)
TT

السينما السودانية تحضر في جدة بحكايات الأرض والحرب

من فيلم «ملكة القطن» الذي يُعرض هذا الشهر (سينما حي)
من فيلم «ملكة القطن» الذي يُعرض هذا الشهر (سينما حي)

من حقول القطن في الريف السوداني، إلى شوارع الخرطوم التي أنهكتها الحرب، تأخذ «سينما حي» في جدة جمهورها، خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، في رحلتين سينمائيتين إلى السودان، عبر الفيلمين؛ الروائي «ملكة القطن»، والوثائقي «الخرطوم»، اللذين يقدمان صورتين مختلفتين عن المجتمع السوداني، تتقاطع فيهما أسئلة الذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية مع مصائر الأفراد، في برنامج يسلط الضوء على السينما السودانية.

ويأتي عرض الفيلمين بعد مشاركتهما في مهرجانات سينمائية دولية بارزة، ضمن برنامج يضم أيضاً الفيلم الفلسطيني «كان ياما كان في غزة»، وعملاً فرنسياً يستعيد بدايات موسيقى الراب في ضواحي باريس، وفقاً لبرنامج عروض هذا الشهر الذي أعلنته «سينما حي» عبر موقعها الإلكتروني.

حكاية من الريف

في فيلم «ملكة القطن»، تمزج المخرجة سوزانا ميرغني بين حكاية النضوج واكتشاف الذات والأثر الممتد للتاريخ الاستعماري. وسجلت ميرغني إنجازاً تاريخياً بوصفها أول امرأة سودانية تُخرج فيلماً يُعرض ضمن الدورة الـ82 من «مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي».

تقع أحداث «ملكة القطن» في قرية سودانية تعتمد على زراعة القطن، حيث تعيش الفتاة «نفيسة» حياة بسيطة بين جني المحصول والتعلّم على يد جدتها، قبل أن يصل رجل أعمال سوداني شاب يهدد بتغيير نمط حياة الأسرة رأساً على عقب. ويأتي الفيلم في 93 دقيقة، وهو إنتاج مشترك بين السودان وألمانيا وفرنسا وفلسطين ومصر وقطر والسعودية، ويُعرض لأول مرة في المملكة، مع استمرار عروضه حتى 5 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

قصص سودانية أصيلة تُعرض في جدة (سينما حي)

الخرطوم وقصص الناجين

وفي مقابل الحياة الريفية التي يصورها «ملكة القطن»، ينقل الفيلم الوثائقي «الخرطوم» المشاهد إلى واقع مختلف، حيث تتشابك حكايات 5 أشخاص يحاولون مواصلة حياتهم في بلد مزقته الحرب. ويرصد العمل أحلام شخصياته وتحدياتها اليومية، في ظل الاضطرابات السياسية والصراع من أجل الحرية والبقاء، مقترباً من أثر الحرب في حياة الأفراد وانعكاساتها على طموحاتهم ومستقبلهم.

ويحمل الوثائقي توقيع مجموعة من المخرجين، هم: أنس سعيد، وراوية الحاج، وإبراهيم سنوبي، وتيماء أحمد، ويوسف جوبة، وفيليب كوكس، في تجربة إخراجية جماعية تجمع رؤى متعددة بشأن المدينة وسكانها. وسبق أن عُرض الفيلم في «مهرجان صندانس السينمائي»، وكذلك في الدورة الـ75 من «مهرجان برلين السينمائي الدولي» عام 2025، قبل وصوله إلى الجمهور السعودي ضمن عروض حصرية تستمر حتى مطلع الشهر المقبل.

ويقدم الفيلمان صورتين متباينتين للسودان؛ إحداهما تستعيد الحياة الريفية وعلاقة السكان بالأرض والتقاليد، والأخرى تنشغل بتداعيات الحرب على حياة الأفراد. ورغم اختلاف الأسلوبين بين الدراما الروائية والسينما الوثائقية، فإنه يجمعهما الاهتمام بالتحولات التي يشهدها المجتمع السوداني، وانعكاساتها على مصائر شخصياته.

غزة والكوميديا السوداء

ومن السودان إلى فلسطين، يعرض البرنامج فيلم «كان ياما كان في غزة»، للمخرجَين الشقيقَين طرزان وعرب ناصر، الذي حصد جائزة «أفضل إخراج» في قسم «نظرة ما» خلال الدورة الـ78 من «مهرجان كان السينمائي» عام 2025.

تدور أحداث الفيلم عن «يحيى»، الذي تنشأ بينه وبين «أسامة»، صاحبِ أحد المطاعم، صداقة تقودهما إلى العمل معاً في بيع المخدرات خلال توصيل الطلبات، قبل أن تتعقد الأمور إثر مواجهة مع شرطي فاسد. ويمزج الفيلم بين الدراما والكوميديا السوداء، وهو يُعرض لأول مرة في المملكة ضمن برنامج «سينما حي»، مع استمرار عروضه حتى 5 ديسمبر المقبل.

موسيقى التمرد الفرنسية

أما السينما الفرنسية، فتحضر من خلال فيلم «سوبريم» للمخرجة أودري إستروغو، ضمن «عروض النادي السينمائي الشهري» لـ«المعهد الثقافي الفرنسي» في «سينما حي». ويعود الفيلم إلى فرنسا مطلع التسعينات، عندما تصاعدت التوترات بين الشرطة والشباب في ضواحي باريس، وبرزت موسيقى الـ«هيب هوب» وسيلة للتعبير عن الغضب والاحتجاج الاجتماعي. ومن خلال سيرة الشابين «جوي ستار» و«كول شين»، يستعيد العمل نشأة فرقة «سوبريم إن تي إم»، التي أصبحت من أبرز فرق الراب الفرنسية، وصوتاً لجيل وجد في الموسيقى مساحة للتعبير عن واقعه. وسبق أن عُرض الفيلم في الدورة الـ74 من «مهرجان كان السينمائي» عام 2021، ويجمع بين الدراما والسيرة الموسيقية، مستعيداً مرحلة شهدت تحولات اجتماعية وثقافية في فرنسا.


بطاريات جديدة أكثر أماناً وأطول عمراً

غشاء هلامي شبه صلب غير قابل للاشتعال يتيح نقل أيونات الفلوريد داخل البطاريات عند درجة حرارة الغرفة (جامعة البوليتكنيك في ميلانو)
غشاء هلامي شبه صلب غير قابل للاشتعال يتيح نقل أيونات الفلوريد داخل البطاريات عند درجة حرارة الغرفة (جامعة البوليتكنيك في ميلانو)
TT

بطاريات جديدة أكثر أماناً وأطول عمراً

غشاء هلامي شبه صلب غير قابل للاشتعال يتيح نقل أيونات الفلوريد داخل البطاريات عند درجة حرارة الغرفة (جامعة البوليتكنيك في ميلانو)
غشاء هلامي شبه صلب غير قابل للاشتعال يتيح نقل أيونات الفلوريد داخل البطاريات عند درجة حرارة الغرفة (جامعة البوليتكنيك في ميلانو)

طوّر باحثون في إيطاليا غشاءً بوليمرياً مبتكراً قد يمهد لتصنيع بطاريات لا تعتمد على الليثيوم، وغير قابلة للاشتعال، وتتمتع بقدرة نظرية على تخزين طاقة تعادل نحو ضعفي ما تخزنه بطاريات الليثيوم أيون التقليدية، ما يفتح الباب أمام جيل جديد من البطاريات الأكثر أماناً واستدامة.

وجاء الابتكار على يد فريق بحثي من قسم الكيمياء وعلوم وهندسة المواد بجامعة البوليتكنيك في ميلانو؛ إذ نجح الباحثون في تصميم غشاء هلامي شبه صلب، غير قابل للاشتعال، يسمح بانتقال أيونات الفلوريد داخل البطارية عند درجة حرارة الغرفة. ونُشرت نتائج الدراسة، الجمعة، بدورية «Energy Storage Materials».

ويتمثل أبرز ما توصل إليه الباحثون في تطوير غشاء يتيح استخدام أيونات الفلوريد بدلاً من أيونات الليثيوم في نقل الشحنات الكهربائية داخل البطاريات، وهو ما قد يقلل الاعتماد على الليثيوم، الذي يتطلب استخراجه ومعالجته موارد طبيعية وعمليات صناعية ذات تأثير بيئي. وتتميز بطاريات الفلوريد، التي لا تزال قيد التطوير، بإمكانية الاعتماد على مواد أكثر وفرة في الطبيعة مقارنة بالليثيوم، فضلاً عن انخفاض مخاطر اشتعالها، ما قد يجعلها خياراً واعداً لأنظمة تخزين الطاقة المتجددة.

وقال الباحث الرئيسي للدراسة، ماوريتسيو سانسوتيرا، من جامعة البوليتكنيك في ميلانو، إن إنتاج مصادر الطاقة المتجددة يبلغ ذروته في أوقات لا تتزامن بالضرورة مع فترات ارتفاع الاستهلاك، ما يجعل تخزين الطاقة أمراً ضرورياً لضمان الاستفادة منها عند الحاجة. وأضاف عبر موقع الجامعة أن دولاً أوروبية تعمل على تطوير أنظمة لتخزين الكهرباء المولدة من المصادر المتجددة، لكن انتشار هذه الأنظمة لا يزال يواجه تحديات، من بينها مخاطر الحرائق المرتبطة بالبطاريات التقليدية. وأوضح أن الغشاء البوليمري الجديد غير قابل للاشتعال، ما يقلل مخاطر نشوب الحرائق، فضلاً عن اعتماده على عنصر متوافر في الطبيعة على نطاق واسع.

مزايا متعددة

ولا تقتصر مزايا التقنية الجديدة على تعزيز الأمان، بل قد تتيح أيضاً إنتاج بطاريات أخف وزناً وأكثر قدرة على تخزين الطاقة. ووفقاً للباحثين، يمكن أن تصل كثافة الطاقة النظرية لهذه البطاريات إلى نحو 600 واط/ساعة لكل كيلوغرام، مقارنة بنحو 150 إلى 250 واط/ساعة لكل كيلوغرام في بطاريات الليثيوم أيون التقليدية.

وأشار الباحثون إلى أن تحقيق هذه الكثافة قد يسمح للسيارات الكهربائية بقطع مسافات تصل إلى ضعف ما تقطعه حالياً بالشحنة الواحدة، وإن كان ذلك يظل احتمالاً مرتبطاً بإمكانية الوصول إلى هذه المستويات في البطاريات العملية. وقد لا تقتصر التطبيقات المحتملة لهذه التقنية على السيارات الكهربائية، بل تشمل أيضاً أنظمة تخزين الطاقة، والطائرات المسيّرة، والأقمار الصناعية، والطائرات.

ومن المزايا المهمة للغشاء الجديد أنه يسمح بانتقال أيونات الفلوريد عند درجة حرارة الغرفة، دون الحاجة إلى تسخين البطارية مسبقاً لتحسين حركة الأيونات داخلها. وأوضح الباحثون أن الأجيال السابقة من بطاريات أيونات الفلوريد كانت تتطلب درجات حرارة تتراوح بين 100 و150 درجة مئوية لتعزيز التوصيل الأيوني، وهو ما كان يؤدي إلى استهلاك جزء من الطاقة المخزنة في صورة حرارة.

وخلصوا إلى أن هذا التطور يمثل خطوة مهمة نحو تطوير جيل جديد من البطاريات يجمع بين كثافة الطاقة المرتفعة، والأمان الأكبر، وتقليل الاعتماد على الليثيوم، مع آفاق لاستخدامه مستقبلاً في قطاعات النقل والطيران وتخزين الطاقة المتجددة.


كيف غزت «فتيات يوشيتومو نارا» ذوات الرؤوس الكبيرة العالم؟

شخصيات يبدعها يوشيتومو نارا تثير الرهبة وتبعث البهجة (غاليري ديفيد زويرنر)
شخصيات يبدعها يوشيتومو نارا تثير الرهبة وتبعث البهجة (غاليري ديفيد زويرنر)
TT

كيف غزت «فتيات يوشيتومو نارا» ذوات الرؤوس الكبيرة العالم؟

شخصيات يبدعها يوشيتومو نارا تثير الرهبة وتبعث البهجة (غاليري ديفيد زويرنر)
شخصيات يبدعها يوشيتومو نارا تثير الرهبة وتبعث البهجة (غاليري ديفيد زويرنر)

باتت الفتيات ذوات الرؤوس الكبيرة والعيون الواسعة، اللواتي جعلْن الفنان الياباني يوشيتومو نارا واحداً من أكثر فناني القرن الحادي والعشرين شعبية، حاضرات في كل مكان تقريباً، إذا عرف المرء أين يبحث عنهن، حسب «سي إن إن» الأميركية.

يمكن العثور على هذه الشخصيات على القمصان وألواح التزلج، وعلى شكل ملصقات تزيّن زجاجات المياه، أو في أعمال نحتية ضخمة للفنان تحتل مساحات لافتة. بل يمكن العثور عليهن أيضاً مرسومات بخطوط واثقة وحادة نفذها الفنان بنفسه على جدران حانة متواضعة في مانهاتن زارها عام 2009.

غاضبة، وحقودة، ومشاكسة، وملولة، وحائرة... تبدو شخصيات نارا غامضة، لكنها في الوقت نفسه واضحة التعبير وسهلة القراءة. فهي تجمع بين أسلوب الفنان البصري المميز وقدرتها اللافتة على نقل المشاعر والتأثير في المتلقي.

واليوم، تواصل شخصيات نارا اجتياح آفاق جديدة، مع تنظيم معرض استعادي لأعماله في غاليري ديفيد زويرنر، في أول معرض فردي رئيسي له بمدينة نيويورك منذ نحو عقد.

ويتزامن المعرض مع معرض آخر لأعماله في متحف هيرشهورن وحديقة النحت في واشنطن العاصمة، ويضم مجموعة من الأعمال الجديدة التي لم يسبق عرضها، إلى جانب أعمال أقدم.

وتتراوح المعروضات بين رسومات صغيرة للغاية على قصاصات ورقية ممزقة، وصور شخصية ضخمة غنية بالألوان، تبدو عيون شخصياتها المتوهجة كأنها تلاحق الزائر أينما تحرك داخل القاعة.

وفي ليلة افتتاح معرض زويرنر، الخميس، اصطف محبو الفنان لأكثر من ساعة، في طابور امتد على مسافة شارعين، فيما حمل بعضهم المظلات اتقاءً للأمطار.

وكان الحضور في معظمه من الشباب، الذين بدوا شديدي الاهتمام بالموضة والأناقة؛ إذ لم تخلُ الحقائب من دمى «لابوبو» المتدلية منها، وهي شخصيات تتميز بدورها بعيون كبيرة تستحضر، إلى حد ما، أسلوب نارا الفني، فضلاً عن أحذية الباليه ذات تصميم «تابي» المميز.

وعلى بُعد محطات قليلة بمترو الأنفاق، في حانة «نياجارا» الواقعة في حي إيست فيليدج، والتي ترك نارا رسوماته على جدرانها قبل أكثر من عقد، توافد المعجبون تباعاً في زيارات أشبه برحلات الحج الفنية، سواء قبل افتتاح المعرض أو بعده، حسب أحد العاملين في الحانة.

وهناك، اكتشف الزوار مجموعة من الرسومات التعبيرية التي تصور شخصيات نارا وهي تعزف الموسيقى بحماس، وقد أصبحت هذه الرسومات اليوم محمية خلف ألواح بلاستيكية.