تركيا تنسّق مع أميركا في سوريا وتطالب فرنسا باستعادة «دواعشها»

فيدان يلوّح بتحرك عسكري ضد القوات الكردية

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول الجمعة (رويترز)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول الجمعة (رويترز)
TT

تركيا تنسّق مع أميركا في سوريا وتطالب فرنسا باستعادة «دواعشها»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول الجمعة (رويترز)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول الجمعة (رويترز)

أعطت تركيا إشارة إلى تنسيقها مع الولايات المتحدة بشأن التحرك ضد القوات الكردية في شمال سوريا، ووجَّهت انتقادات شديدة إلى فرنسا، وطالبتها بأن تستعيد مواطنيها من عناصر «داعش» وتضعهم في سجونها.

وبينما عُقدت مباحثات تركية أميركية على مستوى كبار المسؤولين في وزارتي الخارجية حول المسألة السورية، وشكل المرحلة المقبلة بعد سقوط نظام بشار الأسد، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده تملك «القدرة والعزم» على القضاء على جميع التهديدات الإرهابية، من جذورها، سواء أكان مصدرها «داعش» أو «وحدات حماية الشعب» الكردية.

وقال فيدان، خلال لقاء مع ممثلي وسائل الإعلام المحلية والأجنبية في إسطنبول، الجمعة، إن نهاية الطريق باتت في الأفق بالنسبة لحزب العمال الكردستاني وامتداده في سوريا؛ في إشارة إلى «الوحدات» الكردية التي تقود «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، لافتاً إلى أن بلاده أكدت مراراً أنها لا يمكنها العيش في ظل هذا التهديد.

فيدان حذّر من تحرك تركيا عسكرياً ما لم تتخذ إدارة دمشق خطوات ضد المسلحين الأكراد (رويترز)

وتابع أن عام 2025 سيكون عام «تخليص سوريا من الإرهابيين»، لافتاً إلى أنه ينبغي منح الإدارة السورية الجديدة الفرصة لحل مسألة وجود المسلحين الأكراد في البلاد. لكنه أكد، في الوقت نفسه، أن تركيا ستتخذ إجراءات «ضدهم» (في إشارة إلى عملية عسكرية تركية محتملة)، إذا لم تقم إدارة دمشق بذلك.

تنسيق مع أميركا وغضب من فرنسا

وأشار فيدان إلى أنه لا يتوقع أي مشاكل مع أميركا في مكافحة الإرهاب في سوريا، على الرغم من دعمها هي وفرنسا «الوحدات» الكردية التي تَعدُّها أنقرة تنظيماً إرهابياً. وعن التصريحات الفرنسية بشأن الموقف من التنظيمات الإرهابية في سوريا، خلال زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بليكن لباريس، الأربعاء، قال فيدان إن تركيا «لا تعطي اعتباراً للدول التي تحاول تعزيز مصالحها في سوريا (في تلميح إلى فرنسا) باستخدام القوة الأميركية».

حديث بين فيدان وبلينكن خلال اجتماع العقبة حول سوريا في الأردن ديسمبر الماضي («الخارجية» التركية)

وأضاف أن أميركا تشكل «المُحاور الوحيد» لبلاده بشأن التطورات في شمال شرقي سوريا.

ولفت إلى أن فرنسا لا تأخذ في الحسبان أمن تركيا بشأن قضية الإرهابيين الأجانب في سوريا، قائلاً: «لديهم سياسة لا تقوم على إعادة السجناء من أعضاء تنظيم (داعش) إلى بلدهم، لا يأبهون لأمننا، يجعلون الأولوية دائماً لمطالبهم الخاصة».

وعما يتردد بشأن احتمال نشر قوات فرنسية وأميركية بشمال شرقي سوريا، قال فيدان إن «ما يجب على فرنسا القيام به هو استعادة مقاتليها في (داعش) من سوريا ووضعهم في سجونها».

ولفت إلى أن روسيا اتخذت قراراً عقلانياً جداً عندما أوقفت دعم بشار الأسد، بينما كان بوسعها أن تدعمه عسكرياً في وقف تقدم مقاتلي المعارضة باتجاه دمشق.

الوجود العسكري التركي

وعن الوجود العسكري التركي في شمال سوريا، شدد فيدان على أن تركيا لا مطامع لها في أي جزء من الأراضي السورية بعد إطاحة حكم بشار الأسد، مضيفاً أن تركيا تُراجع سياستها أيضاً اعتماداً على الخطوات التي تتخذها الإدارة الجديدة.

قوات تركية في شمال سوريا (صورة أرشيفية - «الدفاع» التركية)

وفسّر قائلاً: «نحن في عملية جديدة للغاية، لقد مر شهر، يتعين أن يتطور وجودنا هناك إلى بُعد مختلف، إذا كان كل شيء يسير على ما يرام».

وقال فيدان: «إخواننا السوريون الذين خاضوا معركة صعبة ضد نظام متعطش للدماء، أنهوا 61 عاماً من الظلم ووضعوا أسس عصر جديد، في سياستنا تجاه سوريا، والتي انتهجناها بصبر استراتيجي منذ عام 2011، دافعنا عن الحق والعدالة والإنسانية، رغم كل الهجمات والاستفزازات والعقبات، واليوم ندافع عن الحق وندافع عن الإنسانية».

وأضاف: «بصفتي شخصاً عمل بشكل مكثف على القضية السورية لمدة 13 عاماً، أقول إننا جميعاً سعداء برؤية هذه النتيجة، أستطيع أن أقول إن قصتنا في سوريا بدأت الآن».

وتابع: «في هذه المرحلة، يواجه الشعب السوري تحديات مختلفة؛ في المقام الأول إعادة إعمار البلاد، وفي غضون أسبوع من الإطاحة بنظام الأسد، بدأنا دعم إعادة إعمار جارتنا سوريا ومساعدتها على إعادة بناء اقتصادها».

مباحثات تركية أميركية

في الإطار نفسه، أجرى وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية، جون باس، على مدى يومين، مباحثات في أنقرة مع مسؤولين بـ«الخارجية» ورئاسة الجمهورية التركية ووزارة الدفاع، تناولت التطورات في سوريا والمرحلة الانتقالية وتلبية احتياجات هذا البلد في المرحلة الراهنة، مع التركيز على مكافحة التنظيمات الإرهابية، ولا سيما قضية الدعم الأميركي لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية، والذي تؤكد أنقرة ضرورة وقفه.

نائب وزير الخارجية التركي نوح يلماظ خلال مباحثاته مع جون باس بمقر «الخارجية» التركية في أنقرة («الخارجية» التركية)

والتقى باس والوفد المرافق له كلاً من نائبيْ وزير الخارجية التركي، نوح يلماظ وبرهان الدين بوران، وكبير مستشاري الرئيس التركي للشؤون السياسية والأمن القومي، عاكف تشاغطاي كيلتش.

وكتب كيلتش، على حسابه في« إكس»: «ناقشنا، خلال اللقاء، آخِر التطورات في سوريا وعملية الانتقال والحرب المشتركة ضد المنظمات الإرهابية، وفي الوقت نفسه أجرينا تقييمات حول ما يمكن القيام به لإعادة إعمار سوريا، خاصة فيما يتعلق باحتياجات الكهرباء والإسكان».

معارك شرق حلب

في عضون ذلك، واصلت القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني السوري»، الموالية لها، تصعيد هجماتها الجوية والبرية في ريف حلب.

وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن الطائرات المسيّرة التركية استهدفت أطراف سد تشرين بريف منبج، بالتزامن مع قصف مدفعي كثيف على المنطقة، التي تشهد احتجاجات شعبية غاضبة، حيث يطالب السكان بتدخل دولي فوري وفرض حظر جوي عاجل لوقف الهجمات التي تهدد حياة الآلاف، وتحذر من انهيار البنية التحتية الحيوية.

وقالت وزارة الدفاع التركية، في بيان عبر حسابها في «إكس»، إن القوات التركية المتمركزة في منطقة «درع الفرات» في حلب، قتلت 20 من عناصر «الوحدات» الكردية، مؤكدة استمرار العمليات في المنطقة.

وذكر «المرصد السوري» أن القوات الجوية التركية نفّذت ضربات على صوامع صرين ومحيطها في ريف عين العرب (كوباني) الجنوبي، وسُمع دويُّ انفجارات عنيفة مع تصاعد أعمدة الدخان من الموقع المستهدَف.

وأشار إلى ارتفاع حصيلة القتلى، خلال اليومين الماضيين، إلى 52 شخصاً، وهم: 38 من فصائل «الجيش الوطني»، و8 من «قوات سوريا الديمقراطية»، بالإضافة إلى 6 مدنيين؛ بينهم نساء، وارتفع عدد الإصابات إلى 17 مدنياً؛ بينهم أطفال ونساء.

ولفت إلى أنه منذ بدء المعارك في محور سد تشرين وجسر قره قوزاق في شرق حلب، وعلى مدى شهر، قُتل 31 مدنياً، بينهم 5 نساء وطفلان، و241 عنصراً من الفصائل الموالية لتركيا، و65 عنصراً من قوات «قسد» والتشكيلات العسكرية التابعة لها.

تعزيزات لـ«قسد» في الحسكة (المرصد السوري)

ومع تصاعد التهديدات التركية بشنّ عملية عسكرية في شمال شرقي سوريا، دفعت «قسد» بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى ريف الحسكة بمحاذاة منطقة «نبع السلام»، التي تسيطر عليها القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني».

وأفاد المرصد بأن «قسد» رفعت الجاهزية القتالية في المنطقة، وعززت الجبهات بمنطقة رأس العين بالقوات الخاصة وأسلحة متطورة؛ ومنها مناظير ليلية حرارية وأسلحة مضادة للمُسيّرات، ومُسيّرات انقضاضية ومُسيّرات مراقبة وأسلحة متطورة أخرى، على ضوء معلومات بفتح الفصائل الموالية لتركيا جبهات عسكرية جديدة لشَغل «قسد» عن جبهة سد تشرين وقره قوزاق في ريف حلب الشرقي، وزيادة الضغط عليها.

إعادة الإعمار والمساعدات

على صعيد آخر، أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، في اتصال هاتفي، ليل الخميس - الجمعة، أهمية اتخاذ إجراءات سريعة لإعادة إعمار سوريا.

ووفق بيان للرئاسة التركية، أكد إردوغان، لميلوني أن قيادة إيطاليا لرفع العقوبات عن سوريا ستفيد عملية إعادة الإعمار.

جانب من مباحثات الشرع مع وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاجاني في دمشق الجمعة (أ.ب)

وجاء اتصال إردوغان وميلوني عشية زيارة وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاجاني، الجمعة، دمشق ولقائه قائد الإدارة السورية أحمد الشرع.

بالتوازي، دخل 55 طناً من المساعدات الطبية المموّلة من الاتحاد الأوروبي، بتنسيق مع منظمة الصحة العالمية إلى شمال غربي سوريا عبر تركيا.

ودخلت الشحنة عبر معبر «جيلوا غوزو» (باب الهوى) من هطاي بجنوب تركيا، إلى مستودع في إدلب، الخميس. وقالت المتحدثة باسم مكتب منظمة الصحة العالمية في ولاية غازي عنتاب التركية مريناليني سانثانام: «هناك جسر جوي إضافي واحد مخطّط له في فبراير، ما زال في مرحلة التخطيط».

مساعدات طبية أوروبية لسوريا عبر تركيا (أ.ف.ب)

وأعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، أن تركيا تُزود سوريا بـ210 ميغاواط من الكهرباء يومياً من 7 نقاط مختلفة، يجري التخطيط لزيادتها إلى 300 ميغاوات في فبراير (شباط) المقبل.

وأضاف بيرقدار، في مقابلة تلفزيونية: «يمكننا العمل على بدء تصدير ما يقرب من 500 ميغاوات من الكهرباء إلى حلب، خلال الأشهر الـ6 المقبلة»، لافتاً إلى أنه جرى إرسال وفدين مختلفين إلى سوريا لتحديد احتياجاتها من الطاقة، و«يمكننا شحن الغاز الطبيعي الذي تحتاج إليه محطات توليد الكهرباء في حلب عبر خط أنابيب من تركيا».

وذكر أنهم يعملون من أجل عودة الحياة إلى طبيعتها في سوريا؛ لكي يتمكن اللاجئون السوريون في تركيا من العودة إلى بلدهم بشكل آمن ومشرِّف ومنظم.


مقالات ذات صلة

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

شؤون إقليمية قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني خلال لقائه مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس برّاك في الرياض (سانا)

الشيباني يلتقي برّاك في الرياض

التقى وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، الاثنين، في العاصمة السعودية الرياض المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي أرشيفية لنقطة تفتيش تابعة لقوى الأمن الداخلي السوري في السويداء (رويترز)

مقتل أربعة أشخاص برصاص عنصر أمن في جنوب سوريا

قتل أربعة أشخاص وأصيب الخامس بجروح خطيرة في محافظة السويداء جراء إطلاق أحد عناصر الأمن العام النار عليهم يوم السبت.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».