ألمانيا - فرنسا... ومعضلة إصلاح «المحرك» الأوروبي المعطوب

الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في فردان عام 1984 (أرشيفية)
الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في فردان عام 1984 (أرشيفية)
TT

ألمانيا - فرنسا... ومعضلة إصلاح «المحرك» الأوروبي المعطوب

الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في فردان عام 1984 (أرشيفية)
الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في فردان عام 1984 (أرشيفية)

كانت الصورة الأيقونية للرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في 22 سبتمبر (أيلول) 1984 عندما شبكا يديهما في فردان (شمال شرقي فرنسا)، حيث أقيم لقاء تكريمي في ذكرى ضحايا الحربين العالميتين الأولى والثانية، تجسيداً للمرحلة الجديدة التي سلك الجاران دروبها بهدف طيّ صفحة النزاعات والحروب، وتثبيت دعائم الاتحاد الأوروبي الذي لا يمكن أن يستقرّ وينمو إلا بوجود ألمانيا وفرنسا قويتين ومتفاهمتين.

لكن العقود التي أعقبت ذلك حملت تطورات كثيرة، منها الإيجابي ومنها السلبي، وصولاً إلى الوضع الحالي الذي تتلبّد سماؤه بغيوم رمادية كثيفة.

والحال أن العلاقة بين الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشار أولاف شولتس هي النقيض التام لـ«صورة فردان»، فالرجلان متباعدان في مقاربة أهم شأن يشغل أوروبا على نحو مباشر: الحرب الروسية - الأوكرانية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

منذ بداية الحرب التي تقترب من إتمام عامها الثالث، اتّهم شولتس فرنسا بعدم تقديم الدعم الكافي لأوكرانيا، بينما اتّهم ماكرون بعض الحلفاء بـ«الجبن»، من غير أن يسمي ألمانيا. وكان كلام الأخير عن احتمال إرسال جنود لمساندة كييف موجهاً إلى برلين أكثر منه إلى موسكو، فردّ المستشار الألماني جازماً بأن «لا قوات برية، ولا جنود على الأرض الأوكرانية سترسلهم إلى هناك الدول الأوروبية أو دول حلف شمال الأطلسي».

في أي حال، تبدو المشكلة أكثر خطورة مع دخول الولايات المتحدة، زعيمة العالم الغربي، «مرحلة ترمب» بفصلها الثاني، مع ما ستحمله حتماً من تحديات لأوروبا بناء على ما شهده الفصل الأول خلال رئاسة دونالد ترمب بين 2016 و2020. وفي ظل الخلاف الفرنسي - الألماني لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتسلح بموقف موحّد وصلب في التعامل مع الحليف المتطلّب والشروط الذي سيفرضها ترمب في شتى المجالات، خصوصاً في مقاربة النزاع الروسي - الأوكراني والعلاقات التجارية عبر ضفّتي المحيط الأطلسي.

واقع سياسي مضطرب

يحصل هذا على خلفية واقع سياسي مضطرب وهشّ في ألمانيا وفرنسا على حد سواء.

في فرنسا، أقدم إيمانويل ماكرون في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) على مغامرة إجراء انتخابات برلمانية مبكرة انسجاماً مع ما أسفرت عنه انتخابات البرلمان الأوروبي من تقدّم لليمين المتطرف الفرنسي، فكانت النتيجة جمعية وطنية مجزّأة، تقبع فيها كتلته الوسطية بين فكَّي كمّاشة اليمين المتطرف واليسار... برلمان لا غلبة فيه لأحد، تحكمه حتمية التوافق على كل تفصيل في حكم البلاد المنوطة به الآن حكومة فرنسوا بايرو الذي خلف ميشال بارنييه، بعد عهد حكومي قصير للأخير الذي لم يفلح في وضع موازنة ترضي اليمين واليسار معاً، فأسقطاه بضربة حجب الثقة القاضية.

هل ينجح بايرو حيث فشل بارنييه؟ وهل يتمكن من تحقيق الاستقرار في السنتين الأخيرتين من عهد ماكرون قبل الانتخابات الرئاسية في 2027؟

الواقع أن هناك الكثير من النقاط المشتركة بين بارنييه وبايرو. فهما من الجيل نفسه، ويخوضان غمار العمل السياسي منذ عقود، ويتمتع كل منهما بشخصية قوية يفترض أن تكون قادرة على التعامل مع حقل الألغام الذي تشكله السياسة الفرنسية... بارنييه سقط في امتحان الموازنة، وسلم مفتاح الحكومة لبايرو الذي يشكل مع حزبه (الحركة الديمقراطية)، جزءاً من المعسكر الماكروني، فيما ينتمي بارنييه إلى المدرسة الديغولية (حزب الجمهوريين) المستمرة في التراجع.

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو (د.ب.أ)

أقر بايرو لدى تسلمه السلطة بأن «أمامنا جبال الهمالايا»، ولعلّ أعلى قمتين فيها هما وضع موازنة تخفض العجز وتبدأ التصدّي لمشكلة الدين العام، وترضي في الوقت نفسه المعسكرات السياسية الثلاثة، ومعالجة معضلة القطاع الزراعي التي تتجدد كل سنة، علماً بأن الرجل واجه فور وصوله كارثة الإعصار المدمّر الذي ضرب أرخبيل مايوت، الإقليم الفرنسي الواقع في المحيط الهندي، والذي سيحمّل المالية العامة الفرنسية المزيد من الأعباء.

أما في ألمانيا فلا يبدو المشهد السياسي أفضل بعد انفراط عقد الائتلاف الحكومي المكوّن من الديمقراطيين الاجتماعيين والخضر والليبراليين؛ بسبب خلاف على المقاربة الاقتصادية بين المستشار شولتس ووزير المال كريستيان ليندنر المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الحر وإقالة الأخير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وهذا ما جعل شولتس يدعو إلى انتخابات مبكرة في 23 فبراير (شباط) المقبل، على أمل أن تنشأ حكومة منسجمة تستطيع معالجة الوضع الاقتصادي الصعب.

نهاية عهد شولتس؟

إذا ثبتت صحة استطلاعات الرأي، فإن فريدريش ميرتس، زعيم حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» المعارض، سيخلف أولاف شولتس، على رأس ائتلاف ما بالطبع لأنه لن يستطيع الحصول على غالبية مطلقة في البوندستاغ (البرلمان). ويعوّل ميرتس على جذب الناخبين عبر اعتماد سياسة اقتصادية مرنة تقبل بتخفيف القيود على الاستدانة وزيادة الإنفاق الحكومي، بما يشمل الشق الدفاعي.

يضاف إلى ذلك أن علاقة ميرتس مع إيمانويل ماكرون أفضل من علاقة الأخير مع شولتس، الأمر الذي ينعش الآمال بإعادة تحريك عجلة الاتحاد الأوروبي، وترميم «المحرّك» الذي تشكّله باريس وبرلين.

لكن مهمة أي مستشار ستكون صعبة؛ لأن عليه أن يدفع قدماً بإصلاحات كبرى، ويحقق تحولاً جذرياً في العقلية الاستراتيجية، علماً بأن مهمته الأولى ستكون إقناع شركائه في الائتلاف الحاكم بذلك. وبدا أن شولتس زرع لغماً في طريق ميرتس عندما قال في خطابه الوداعي أمام البوندستاغ، إن على الحكومة المقبلة تخصيص مزيد من الأموال للمتقاعدين والمتلقين للرعاية الاجتماعية بدلاً من الإنفاق العسكري الذي يحتاج إلى رفعه بواقع 30 مليار يورو سنوياً ليساوي 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق ما تمليه قواعد حلف شمال الأطلسي.

لربما كان التحدي الأكبر في ألمانيا هو تحقيق نهضة اقتصادية؛ فالشركات والمستثمرون والأفراد يواجهون روتيناً معرقِلاً، ويتعاملون مع إطار تنظيمي بطيء قاتل، سواء على المستوى المحلي أو على مستوى الاتحاد الأوروبي. وقد أضعف هذا قدرة البلاد على الابتكار وتوليد الثروة بالسرعة اللازمة للتمكن من خوض السباق الاقتصادي الذي تتصدّره الولايات المتحدة والصين.

كذلك على العقل السياسي الألماني أن يدرك أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية انتهت، ومعها الانكفاء عن الساحة العالمية وما يجري فيها. والواقع أن ما تقوم به ألمانيا على هذا الصعيد لا يزال خجولاً، ولا يعكس روح المبادرة والطموح القيادي المطلوبَين لكي يستعيد الاتحاد الأوروبي جزءاً من الدور الوازن الذي كان يؤمَل له.

المستشار الألماني أولاف شولتس (رويترز)

إصلاح المحرّك؟

فبراير 2025 وأبريل (نيسان) 2027 محطتان بالغتا الأهمية في مستقبل ألمانيا وفرنسا والقارة العجوز بأكملها، بل إن للانتخابات البرلمانية الألمانية المبكرة والانتخابات الرئاسية الفرنسية، وما سيسفر عنه الاستحقاقان، انعكاساً جيوسياسياً على مستوى العالم كله.

الناظر إلى وضع أوروبا الآن لا يرى ما يسرّ؛ فالاقتصادات مرهَقة، والحرب في أوكرانيا مستمرة، ومواسم الهجرة من الجنوب إلى الشمال لا تتوقف.

القيادات الكبيرة غائبة، والرؤية السياسية مفقودة، والريادة العالمية في مكان آخر.

فهل تتمكن القوى السياسية في ألمانيا وفرنسا من إصلاح «محرك» الاتحاد الأوروبي؟

يقول أنتونيو فيلافرانكا، نائب رئيس معهد الدراسات السياسية الدولية في ميلانو الإيطالية، إن التباعد بين برلين وباريس هو أمر سيئ للاتحاد ككل، لا سيما إذا كانت الرياح التي ستهبّ من الجهة الأخرى للأطلسي تتجه نحو سياسة «فرّق تسد».


مقالات ذات صلة

التضخم وعوائد السندات يضعان «المركزي الأوروبي» أمام اختبار صعب

الاقتصاد مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

التضخم وعوائد السندات يضعان «المركزي الأوروبي» أمام اختبار صعب

يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه الخميس المقبل، وسط تصاعد المخاطر المحيطة بالتضخم.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الهولندي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

«الخارجية» المصرية لـ«الشرق الأوسط»: لم نلاحظ ما يعيق عمل السفارة الهولندية

أكد المتحدث الرسمي باسم «الخارجية» المصرية، السفير نادر زكي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن بلاده لم تلاحظ ما يعيق عمل السفارة الهولندية في القاهرة.

محمد الريس (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري ونظيره اليوناني اتفقا على العمل لتوسيع المساحة الاقتصادية الخالصة بين البلدين في البحر المتوسط (الخارجية المصرية)

هل تسبّب التحركات المصرية - اليونانية لتوسيع الحدود الاقتصادية صداماً مع تركيا؟

لا تزال أزمة مصادقة البرلمان الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، والرفض المصري والأوروبي لها، تتفاعل.

هشام المياني (القاهرة)
الاقتصاد سيارات مُعدَّة للتصدير في ميناء «يانتاي» بمقاطعة شاندونغ الصينية (رويترز)

أوروبا تضع «اتفاق السيارات» نموذجاً في محادثاتها التجارية مع الصين

يعتزم الاتحاد الأوروبي بحث العلاقات التجارية في قطاعات أخرى غير السيارات خلال الجولة الثانية من المحادثات التجارية مع الصين، بهدف تقليص العجز التجاري الكبير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا يوم 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

جيل كامل من الشباب الأوروبيين يتظاهر لإسماع صوته ومطالبه

«الناس غاضبون للغاية، لم يعد بوسعهم التحمل. يعملون طوال النهار من غير أن يتمكنوا في نهاية المطاف من شراء حاجاتهم».

«الشرق الأوسط» (روما)

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.