مهاجم نيو أورليانز يقتل 15 شخصاً... ويصيب العشرات في هجوم استلهمه من «داعش»

بايدن: المشتبه به «يتبنى أفكار التنظيم الإرهابي»

تقف سيارات إنفاذ القانون والأشخاص بالقرب من مكان الحادث حيث اصطدمت سيارة بحشد من الناس خلال احتفالات رأس السنة الجديدة في نيو أورليانز بولاية لويزيانا (رويترز)
تقف سيارات إنفاذ القانون والأشخاص بالقرب من مكان الحادث حيث اصطدمت سيارة بحشد من الناس خلال احتفالات رأس السنة الجديدة في نيو أورليانز بولاية لويزيانا (رويترز)
TT

مهاجم نيو أورليانز يقتل 15 شخصاً... ويصيب العشرات في هجوم استلهمه من «داعش»

تقف سيارات إنفاذ القانون والأشخاص بالقرب من مكان الحادث حيث اصطدمت سيارة بحشد من الناس خلال احتفالات رأس السنة الجديدة في نيو أورليانز بولاية لويزيانا (رويترز)
تقف سيارات إنفاذ القانون والأشخاص بالقرب من مكان الحادث حيث اصطدمت سيارة بحشد من الناس خلال احتفالات رأس السنة الجديدة في نيو أورليانز بولاية لويزيانا (رويترز)

قُتل 15 شخصاً على الأقل، وأُصيب نحو 30 آخرين بجروح، فجر الأربعاء، عندما دهس عسكري أميركي سابق، يرجّح أنّه اعتنق أفكار تنظيم «داعش»، بشاحنته، حشداً من المحتفلين برأس السنة في مدينة نيو أورليانز (جنوب).

ضباط الشرطة بالقرب من مكان الحادث حيث قاد رجل شاحنة صغيرة وصدم المارة في الحي الفرنسي في نيو أورليانز يوم الأربعاء (نيويورك تايمز)

حتى بعد مرور ساعات على الهجوم المروع في مدينة نيو أورليانز الأميركية، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان المنفِّذ، الذي قُتل بعد الهجوم الدموي، كان لديه شركاء أم لا، وفقاً لما أوردته وسائل إعلام أميركية، يوم الأربعاء.

وأفادت تقارير إعلامية بأن المحققين يفحصون لقطات من كاميرات المراقبة، تظهر مجموعة مكونة من 4 أشخاص مشبوهين. وفي البداية، كان يعتقد بأنهم ربما وضعوا عبوات ناسفة في الحي المتضرر، لكن بعد ذلك تم استبعادهم بوصفهم متهمين محتملين.

وفي وقت سابق، قالت المحققة في مكتب التحقيقات الاتحادي، أليثيا دنكان، إنهم لا يعتقدون أن السائق «كان المسؤول الوحيد» عن الهجوم.

يحمل أشخاص جثة في كيس للجثث على نقالة بالقرب من الموقع الذي قُتل فيه أشخاص على يد رجل يقود شاحنة في هجوم خلال احتفالات رأس السنة الجديدة في نيو أورليانز في لويزيانا بالولايات المتحدة (رويترز)

وأوضح الرئيس الأميركي جو بايدن، في مؤتمر صحافي، نقلاً عن مكتب التحقيقات الاتحادي، أن المهاجم (42 عاماً) الذي يحمل الجنسية الأميركية، نشر على وسائل التواصل الاجتماعي قبل ساعات من الهجوم أنه استلهم هجومه من

تنظيم «داعش» الإرهابي.

هذه الصورة التي لا تحمل تاريخاً ولا مكاناً والتي أصدرها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي في الأول من يناير 2025 تظهر صورة للمشتبه به في هجوم نيو أورليانز المتوفى شمس الدين جبار (أ.ف.ب)

وبحسب التقارير، فإن المهاجم مقيم في تكساس طوال حياته، وقاد شاحنته الصغيرة نحو حشد من المحتفلين في منطقة الحي الفرنسي الشهيرة، في الساعات الأولى من رأس السنة الجديدة؛ مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 15 شخصاً وإصابة العشرات.

ضباط شرطة على الخيول بالقرب من الموقع الذي قُتل فيه أشخاص على يد رجل يقود شاحنة في هجوم خلال احتفالات رأس السنة الجديدة في نيو أورليانز (رويترز)

وفي خطاب إلى الأمة، مساء الأربعاء، ندّد الرئيس جو بايدن الذي تنتهي ولايته بعد أقل من 3 أسابيع بـ«هجوم دنيء».

وقال بايدن إنّ منفِّذ الهجوم، الذي أردته الشرطة في موقع الهجوم وكان يعلّق على شاحنته راية تنظيم «داعش»، نشر على شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تشير إلى أنّه استلهم (أفكار) تنظيم «داعش»، وأنّ «لديه رغبة في أن يَقتل».

وأضاف أنّ «روح مدينتنا نيو أورليانز لن تُهزم أبداً»، متعهداً بأن تعمل وكالات إنفاذ القانون كلها «دون كلل للتحقيق في هذا الفعل الشنيع».

ضباط الشرطة بالقرب من مكان الحادث حيث قاد رجل شاحنة صغيرة وصدم المارة في الحي الفرنسي في نيو أورليانز يوم الأربعاء (نيويورك تايمز)

من جهتهم، قال المحقّقون إنّهم «يعملون على تحديد الارتباطات والانتماءات المحتملة (للمهاجم) مع منظمات إرهابية»، ويبحثون عن شركاء له في لويزيانا، دون مزيد من التفاصيل.

عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي يسيرون بجانب سيارة شرطة تقف بالقرب من الموقع الذي قُتل فيه أشخاص على يد رجل يقود شاحنة في هجوم خلال احتفالات رأس السنة الجديدة في نيو أورليانز بلويزيانا في الولايات المتحدة (رويترز)

وبحسب وسائل إعلام أميركية فإنّ المحقّقين عثروا على مقطع فيديو يظهر فيه 3 رجال وامرأة وهم يزرعون عبوات ناسفة قبل الهجوم.

كما أعلن بايدن أنّ السلطات تحقّق لمعرفة «ما إذا كانت هناك أيّ صلة محتملة» بين هذا الهجوم وانفجار شاحنة تيسلا أمام فندق لترمب في لاس فيغاس؛ مما أدّى لمقتل رجل.

من ناحيته، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، في بيان، أنّ منفِّذ الهجوم «عنصر سابق في الجيش الأميركي متحدّر من تكساس، ويدعى شمس الدين جبّار، ويبلغ 42 عاماً».

خدم في الجيش الأميركي

وخدم جبّار في الجيش الأميركي من 2007 وحتى 2015، بما في ذلك في أفغانستان بين 2009 و2010، وقد أنهى خدمته برتبة رقيب أول، وفقاً لوزارة الدفاع.

وأضاف البيان أنّه «تمّ العثور على راية لتنظيم (داعش) في الشاحنة، بينما أظهرت صور لموقع المجزرة الشاحنة وقد علّق خلفها علم التنظيم الإرهابي».

جنود ولاية لويزيانا في شارع كانال بالقرب من مركز قيادة متنقل بعد مقتل 15 شخصاً على الأقل خلال هجوم في وقت مبكر من صباح يوم 1 يناير 2025 في نيو أورليانز بلويزيانا (أ.ف.ب)

وقام شمس الدين جبار، الرجل البالغ من العمر 42 عاماً، والذي تشتبه الشرطة في أنه قاد شاحنة صغيرة ودهس حشداً من المحتفلين في شارع بوربون؛ مما أسفر عن مقتل 15 شخصاً على الأقل وإصابة عشرات آخرين، بتسجيلات مروعة في أثناء القيادة من منزله في تكساس إلى لويزيانا.

وأشار جبار، وهو مواطن أميركي ومحارب قديم في الجيش خدم في أفغانستان، في مقاطع الفيديو إلى طلاقه، وكيف خطط في البداية لجمع عائلته من أجل «احتفال» بنية قتلهم، حسبما ذكر مسؤولان تم إطلاعهما على ما قال في التسجيلات، لكن جبار قال في مقاطع الفيديو إنه غيَّر خططه، وانضم إلى «داعش». وأشار إلى أحلام عدة كانت تراوده حول انضمامه إلى الجماعة الإرهابية، بحسب المسؤولين.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن عبد الجبار جبّار، شقيق المهاجم، أنّ شقيقه اعتنق الإسلام حين كان يافعاً، بينما أكّد للصحيفة صديق للمهاجم أنّ الأخير أصبح في 2017 «حازماً كثيراً» فيما يتعلّق بإيمانه.

وقُتل المهاجم في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة.

وقالت إليثيا دنكان من الشرطة الفيدرالية: «لا نعتقد أنّ جبّار مسؤول بمفرده» عن الاعتداء، بينما أكدت أنه تم العثور على قنبلتين يدويتين وإبطال مفعولهما.

وأعلن «إف بي آي»، في وقت سابق، أنه فتح تحقيقاً في «عمل إرهابي».

المحققون يعملون في موقع الهجوم بنيو أورليانز (أ.ب)

ووقع الهجوم قرابة الساعة 3.15 فجراً (09.15 بتوقيت غرينتش)، في منطقة مكتظة بالمحتفلين بالعام الجديد في شارعَي كانال وبوربون في الحي التاريخي والسياحي الشهير المعروف باسم الحي الفرنسي.

وأكدت المسؤولة في شرطة المدينة آن كيركباتريك، خلال مؤتمر صحافي عقب الهجوم، أن سائق شاحنة صغيرة حاول «دهس أكبر عدد ممكن من الأشخاص». وقالت: «كان عازماً بشدة على التسبب في مجزرة».

وأكدت الشرطة إصابة اثنين من عناصرها بإطلاق نار خلال الهجوم، علماً بأنهما في حالة مستقرة.

وقال مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» في الموقع، إن المركبة المُستخدَمة في الهجوم كانت شاحنة صغيرة بيضاء من طراز «فورد إف 150».

ويأتي اعتداء نيو أورليانز بعد 10 أيام على هجوم مماثل استهدف سوقاً لعيد الميلاد في مدينة ماغديبورغ الألمانية أودى بـ5 أشخاص، وأدى إلى إصابة أكثر من 200 بجروح. أوقفت الشرطة الألمانية المشتبه بتنفيذه الاعتداء، ورجّحت أنه يعاني من اضطرابات نفسية.

من جهته، ربط الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترمب، هجوم نيو أورليانز بالهجرة غير النظامية؛ القضية التي كانت محور فوزه في الانتخابات.

وكتب ترمب على مواقع التواصل الاجتماعي: «عندما قلت إنّ المجرمين القادمين (إلى البلاد) أسوأ بكثير من المجرمين الموجودين في البلاد... اتضح أن ذلك صحيح».

وقع الهجوم بعد الساعة الثالثة صباحاً بقليل في أحد أكثر الأحياء ازدحاماً في نيو أورليانز (نيويورك تايمز)

حي سياحي شهير

وتنتشر في الحي الفرنسي مطاعم وحانات ونوادٍ للجاز، ويضم أيضاً ملاهي ليلية.

ونقلت شبكة «سي بي إس نيوز» عن شهود قولهم، إن شاحنة تسير «بسرعة كبيرة» صدمت الحشد قبل أن يقفز سائقها ويبدأ بإطلاق النار؛ ما دفع الشرطة إلى الردّ.

وقال الشاهدان جيم ونيكول مورير لشبكة «سي بي إس» إن شاحنة بيضاء عبرت حاجزاً «بسرعة كبيرة».

وقالت نيكول: «بعدما مرَّت بجانبنا، سمعنا طلقات نارية، ورأينا الشرطة تهرع في هذا الاتجاه».

وأضافت: «اختبأنا حتى توقف إطلاق النار، ثم خرجنا إلى الشارع ورأينا أن كثير من الأشخاص أُصيبوا بجروح، وأردنا أن نساعدهم».

ونيو أورليانز إحدى المدن الأكثر استقطاباً للزوار في الولايات المتحدة، ووقع الهجوم قبيل استضافة المدينة مباراة كبرى لكرة القدم الأميركية بين فريقَي جامعتَي جورجيا ونوتردام. وأعلن مسؤولون تأجيل المباراة 24 ساعة.

وأكدت بلدية المدينة نشر عدد كبير من عناصر إنفاذ القانون خلال فترة رأس السنة، مع استعداد السلطات لتوافد حشود ضخمة إلى الشوارع.

وأعلنت إدارة شرطة المدينة «تعبئة قواها كلها، بمساعدة 300 عنصر إضافي من هيئات شريكة لإنفاذ القانون» بينها فرق خيالة، وتسيير دوريات.

وتعليقاً على الهجوم، عدّت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن «لا عذر لعنف مماثل»، مبدية «حزنها الكبير».

بدوره، أبدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعاطفه «مع الشعب الأميركي الذي نشاطره الألم»، مؤكداً عبر منصة «إكس» أن المدينة التي «ضربها الإرهاب غالية على قلوب الفرنسيين».

وقال رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، على «إكس» إن «الهجوم العنيف الصادم في نيو أورليانز مروع». وأضاف: «أفكاري مع الضحايا وعائلاتهم، وأجهزة الطوارئ، وشعب الولايات المتحدة في هذا الوقت المأساوي». في حين قالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، خلال مؤتمر صحافي: «صدمنا بهذا الهجوم العنيف»، مضيفة أن «الصين تعارض كل أعمال العنف والإرهاب التي تستهدف المدنيين». وتابعت: «نحن حزانى على الضحايا، ونعرب عن تعاطفنا مع أسرهم، ومع المصابين».

وندَّد المستشار الألماني أولاف شولتس بالهجوم «الإرهابي» الذي يشتبه في أنه دهس بسيارة في نيو أورليانز، في الساعات الأولى من صباح الأربعاء، تزامناً مع بدء السنة الميلادية الجديدة. وكتب شولتس على منصة «إكس»: «هذا نبأ فظيع يصلنا من نيو أورليانز: أشخاص كانوا يحتفلون بسعادة يُقتلون أو يصابون بسبب الكراهية التي لا معنى لها». يذكر أن ألمانيا شهدت قبل أقل من أسبوعين حادث دهس بسيارة في مدينة بشرق ألمانيا، أسفر عن سقوط 5 قتلى و235 جريحاً على الأقل.


مقالات ذات صلة

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

شمال افريقيا جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

بعد 12 عاماً على اندلاع «معركة الكرامة»، تستعيد بنغازي ذكرى المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وما شهدته من دمار طال مناطق واسعة، قبل أن تنطلق في مسار الإعمار.

جمال جوهر
أوروبا النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

قضت محكمة بريطانية بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة سويدية مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
أوروبا رجل يُشتبه في توجيهه تهديدات باغتيال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يصل تحت حراسة الشرطة إلى مقر النيابة العامة في العاصمة البولندية وارسو يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بولندا تعثر على متفجرات لدى متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء ووزير الدفاع

أعلنت النيابة البولندية العثور على متفجرات محلية الصنع في شقة رجل متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء دونالد توسك ووزير الدفاع فلاديسلاف كوسينياك-كاميش.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)

الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الفريق أول السعيد شنقريحة يبحث مع وزير دفاع دولة النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، التحديات الأمنية والتهديدات على الحدود المشتركة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض
TT

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

لم يكن منصب المتحدث باسم البيت الأبيض يوماً مجرد وظيفة إدارية عادية، بل هو خط الدفاع الأول عن أدق أسرار وتوجهات الإدارة الأميركية، والموقع الأكثر عرضة لـ«مقاصل» الإقالة السياسية السريعة.

ومع التطورات الأخيرة الصادمة في أروقة واشنطن، أعاد سقوط المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا بعد أسبوع فقط من تعيينها، تسليط الضوء على تاريخ هذا المنصب المليء بالإعفاءات العاصفة والوجوه التي لم تكد تحفظ ممرات المبنى البيضاوي حتى أُجبرت على مغادرته.

الأسرع في التاريخ... زلة لسان وأكاذيب قانونية تطيح بزكريا

سجلت كاتي زكريا الرقم القياسي كأقصر المتحدثين الرسميين بقاءً في تاريخ البيت الأبيض بعد خمسة أيام فقط من توليها المنصب في أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وجاء سقوطها المدوي إثر مواجهتها لإحاطة صحافية أولى استمرت 14 دقيقة فقط، تخللتها زلات لسان غريبة أثارت سخرية منصات التواصل الاجتماعي.

ولم تقف الأمور عند حد الارتباك المهني، بل جاء المنعطف الحاسم الذي عجل برحيلها، والذي كان افتضاح أمر مؤهلاتها القانونية، حيث قدّمها الرئيس دونالد ترمب كمحامية محترفة، ليتبين لاحقاً للصحافة الاستقصائية أنها رسبت في اختبار نقابة المحامين ولم تحصل قط على الترخيص، ما دفع ترمب لحثها علناً على الاستقالة قائلاً لها أمام الكاميرات إن عليها إعادة النظر في موقعها.

وبذلك غادرت المعلقة السياسية المحافظة والمستشارة الإعلامية السابقة منصبها قبل أن تبدأ عملياً في ممارسته.

المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

شون سبايسر... حارس بوابة «الحقائق البديلة» الذي دهسته التجاذبات

وفي سياق متصل، حفر شون سبايسر اسمه في ذاكرة الإقالات الخاطفة خلال عهد ترمب الأول عام 2017، حيث أمضى 182 يوماً فقط في منصبه. سبايسر، الذي كان يشغل سابقاً منصب الخبير الاستراتيجي الإعلامي للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، دخل في مواجهة طاحنة مع الجسم الصحافي منذ اليوم الأول لتكليفه، عندما أُجبر على تضخيم أرقام الحضور في حفل تنصيب ترمب بما يخالف الصور الجوية الواقعية.

وتآكلت الرصانة المهنية لسبايسر يومياً تحت وطأة ضغوط الإدارة ورغبتها في الهجوم الشرس على وسائل الإعلام، لتأتي نهايته السريعة بالاستقالة احتجاجاً على تعيين ترمب للمستثمر النيويوركي أنتوني سكاراموتشي مديراً للاتصالات.

المتحدث باسم البيت الأبيض السابق شون سبايسر (أ.ف.ب)

مفارقة سكاراموتشي... «الخروج الكبير» في أحد عشر يوماً

وعلى الرغم من أن أنتوني سكاراموتشي لم يشغل تقنياً منصب السكرتير الصحافي بل مدير اتصالات البيت الأبيض، فإن تجربته تظل الأيقونة التاريخية للإقالات الخاطفة في الجناح الغربي بعد أن أمضى 11 يوماً فقط في منصبه في يوليو (تموز) 2017.

وفقد الممول القادم من قطاع وول ستريت وظيفته إثر إجرائه مقابلة صحافية هاتفية مليئة بالألفاظ النابية والشتائم الموجهة لزملائه في الإدارة مثل رينس بريبوس وستيف بانون.

وجاء قرار إبعاده السريع بضغط مباشر من رئيس الموظفين آنذاك، جون كيلي، لفرض الانضباط العسكري داخل الفريق، ما جعل اسم سكاراموتشي يتحول في واشنطن إلى وحدة قياس زمنية تهكمية للمقارنة مع أي مسؤول يقال سريعاً.

مدير اتصالات البيت الأبيض السابق أنتوني سكاراموتشي (رويترز)

وعلّق سكاراموتشي عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» متفاعلاً مع كسر رقمه القياسي السابق، حيث كتب معقباً على تغريدة للإعلامي جو سكاربورو: «الأرقام القياسية وُجدت لتُحطم.. لكنني لا أجد أي متعة في آلام الآخرين».

وجاء هذا التعليق ليعكس المفارقة التاريخية الساخرة التي أصبحت تربط بين اسمه واسم زكاريا كأقصر المسؤولين بقاءً في مناصبهم الإعلامية داخل البيت الأبيض.

ستيفاني غريشام... المتحدثة التي غادرت دون منصة

ومن باب مغاير تماماً، دخلت ستيفاني غريشام التاريخ السياسي الأميركي بصفتها المتحدثة الوحيدة باسم البيت الأبيض التي أمضت كامل فترة خدمتها السريعة، البالغة تسعة أشهر بين عامي 2019 و2020، دون أن تعقد إحاطة صحافية رسمية واحدة في قاعة الصحافة «جيمس برادي».

غريشام، التي امتلكت خلفية كمؤلفة ومسؤولة إعلامية ومساعد إداري مقرب من ميلانيا ترمب، اقتصر دورها على التصريحات المكتوبة والمقابلات التلفزيونية الصديقة للحزب.

وتمثلت أسباب إبعادها السريع في رغبة الإدارة في تغيير الاستراتيجية الاتصالية بالكامل مع بدء أزمة جائحة كورونا (كوفيد - 19) والتحضير للانتخابات، حيث استُبدلت بها كيلي ماكناني، لتتحول غريشام لاحقاً إلى واحدة من أشرس منتقدي ترمب.

ستيفاني غريشام المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض (إ.ب.أ)

مقاصل الرؤساء الآخرين... جيرالد فورد وبيل كلينتون نموذجاً

ولم تكن الإقالات والاستقالات السريعة حكراً على عهد ترمب، بل عرفت الإدارات الأميركية السابقة هزات مماثلة، وتبرز في هذا السياق تجربة الصحافي المخضرم جيرالد تيرهورس الذي عينه صديقه القديم الرئيس جيرالد فورد كأول متحدث رسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) فور توليه الرئاسة عام 1974.

جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

تيرهورس، الذي أمضى عقوداً في عالم الصحافة مديراً لمكتب صحيفة «ديترويت نيوز» في واشنطن، وكان يبلغ من العمر آنذاك 52 عاماً عند تكليفه بالمنصب، لم يصمد في موقعه سوى شهر واحد فقط (30 يوماً) وجاء خروجه الخاطف في خطوة وُصفت تاريخياً بـ«موقف ضمير أخلاقي نادر»، بعد أن قدّم استقالته احتجاجاً على قرار فورد المفاجئ بمنح عفو رئاسي كامل وغير مشروط عن الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في فضيحة «ووترغيت»، ليحل محله سريعاً مراسل شبكة «إن بي سي» رون نيسن.

رسالة استقالة جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

وفي عهد الديمقراطيين، واجهت دي دي مييرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض في عهد بيل كلينتون عام 1993، تهميشاً وإقالة ضمنية مبكرة خلال السنة الثانية من حكم كلينتون، حيث سُحبت منها الصلاحيات تدريجياً بسبب ما وصفه البيت الأبيض بسوء تنسيق الرسالة السياسية للإدارة، وحُرمت لفترة من دخول بعض الاجتماعات الاستراتيجية الحساسة قبل استبدال مايك مكوري كلياً بها.

دي دي مييرز المتحدثة باسم البيت الأبيض السابقة (ويكيبيديا)

وتوضح هذه النماذج التاريخية المتعاقبة طبيعة العمل الحساسة المرتبطة بمنصب المتحدث باسم البيت الأبيض، إذ يظل استمرار المسؤول في موقعه رهناً بدقة الأداء الإعلامي ومدى التوافق الاستراتيجي مع رئيس الإدارة.

وبيّنت التجارب السابقة أن أي تراجع في هذا التنسيق، أو غياب الانسجام في الرؤى السياسية، كفيل بإنهاء المسيرة المهنية للمتحدث رسميّاً في غضون فترة وجيزة، بصرف النظر عن خبراته المهنية السابقة أو درجة ولائه السياسي للرئيس.


المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
TT

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

بعدما لمّح الرئيس الأميركى دونالد ترمب إلى قرب رحيل المتحدثة باسمه، كاتي زكريا، بعد أسبوع واحد فقط من تعيينها في المنصب، مشيراً إلى أنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن مستقبلها، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول أميركي كبير، اشترط عدم ذكر اسمه، تأكيداً لمغادرة المتحدثة الجديدة باسم ترمب منصبها.

وكان ترمب قد قال للصحافيين على العشب أمام البيت الأبيض، قبيل توجهه إلى ولاية جورجيا، إنه نصح كاتي زكريا بأن «السعادة قد تكون أفضل لها»، لافتاً إلى أنها تتمتع بحياة عائلية جيدة ولا تحتاج إلى الاستمرار في منصب المتحدثة باسم البيت الأبيض.

ورأى أن كاتي زكريا تعرضت لمعاملة «غير منصفة إطلاقاً» من جانب وسائل الإعلام، مضيفاً أنها واجهت انتقادات وضغوطاً إعلامية شديدة.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيحسم موقفه في وقت لاحق، من دون أن يحدد موعداً لاتخاذ القرار.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب قُبيل مغادرته واشنطن إلى ولاية جورجيا (أ.ب)

ورداً على سؤال بشأن الشخص الذي قد يخلف كاتي زكريا في حال مغادرتها المنصب، قال ترمب إن هناك كثيرين يرغبون في تولي هذه المهمة.

ومعلوم أن كاتي زكريا حاصلة على شهادة في الحقوق من جامعة بيبرداين عام 2011، لكنها لم تنجح في امتحان نقابة المحامين بولاية كاليفورنيا، معترفةً بأنها لم تُعد التقدم إليه. ولم يُعثر على سجل يثبت حصولها على ترخيص لممارسة المحاماة في أي ولاية أميركية أو في واشنطن العاصمة.

وقالت كاتي زكريا إنها عملت في المجال القانوني في بكين بين عامَي 2011 و2013، ووصفت عملها بأنه متعلق بالتعاملات الدولية، لكن هذا الأمر أثار مزيداً من التساؤلات، إذ إن القانون الصيني يشترط الجنسية الصينية لممارسة المحاماة.

وكانت زكريا قد قالت في مقابلة سابقة، الخميس، مع وسيلة الإعلام المحافظة «ريل أميريكاز فويس»، إنها سُجّلت للخضوع لامتحان النقابة، لكن التحضيرات للانتقال للعيش في الصين مع شريكها «ألهتني وغمرتني» في ما بعد.

وصرّحت: «قلنا: لنأخذ وقتنا، سوف أخضع للامتحان، وأرى النتيجة. والنتائج ليست فعلاً مهمة لأنني علمت أنني لم أكن بحاجة إلى النقابة في الصين. وغادرنا بُعيد ذلك».

وانتقلت كيتي زكريا مع شريكها للعيش في الصين حيث عملت خبيرة قانونية في مكتب محاماة صيني معروف.

وأشارت إلى أنها لم تتقدّم لامتحان النقابة من جديد بعد عودتها إلى الولايات المتحدة؛ لأنها رُزقت «بأربعة أطفال في خلال 6 سنوات».


ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)
أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)
TT

ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)
أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

في العقد الأخير، لم يعد الفضاء مجرد ساحة للاستكشاف العلمي أو إطلاق أقمار البث التلفزيوني التقليدية، بل تحول المدار الأرضي المنخفض إلى جبهة القتال الأكثر حيوية في الحروب الحديثة.

خلف هذا التحول المفاجئ تقف منظومتان غيّرتا مفاهيم الاتصالات العسكرية والمدنية على حد سواء: «ستارلينك» (Starlink) و«ستارشيلد» (Starshield). هاتان الشبكتان، اللتان خرجتا من عباءة شركة «سبيس إكس» (SpaceX) المملوكة للملياردير الأميركي إيلون ماسك، تحولتا من مشروع تجاري لتوفير الإنترنت للمناطق النائية إلى عصب الحروب السيبرانية والفضائية التي تشكل ملامح الصراع الدولي الراهن في عام 2026.

وبينما يظن الكثيرون أن المنظومتين وجهان لعملة واحدة، فإن التفاصيل الدقيقة تكشف عن تباين عميق في العقيدة التشغيلية، والسرية، والتحالفات الجيوسياسية التي تحكم كلاً منهما.

شاشة تُظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

النشأة والتطور: من فكرة طموحة إلى أساطيل مدارية

بدأت الحكاية في عام 2015 عندما أعلن ماسك رسمياً عن مشروع «ستارلينك»؛ بهدف خلق شبكة إنترنت فضائي عالمية تغطي كوكب الأرض بالكامل عبر آلاف الأقمار الاصطناعية الصغيرة.

وفي مايو (أيار) من عام 2019، نجحت «سبيس إكس» في إطلاق أولى المجموعات التشغيلية المكونة من ستين قمراً اصطناعياً. ومع تسارع وتيرة الإطلاقات باستخدام صواريخ «فالكون 9» القابلة لإعادة الاستخدام، نمت الشبكة بشكل أسي ليقترب عدد أقمارها في الربع الأخير من عام 2026 من عتبة 11 ألف قمر اصطناعي نشط في الفضاء.

هذا النجاح التجاري الباهر والقدرة العالية على الصمود في ظروف التشويش العسكري جذبا أنظار وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون).

صورة ظِلّية لإيلون ماسك تظهر إلى جانب شعار «ستارلينك» (رويترز)

وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2022، أعلنت شركة «سبيس إكس» رسمياً عن تأسيس وحدة أعمال جديدة ومستقلة تماماً تُدعى «ستارشيلد».

لم تكن هذه الوحدة مجرد تحديث للنظام التجاري، بل كانت استجابة مباشرة لطلب وكالات الاستخبارات والأمن القومي الأميركي لبناء شبكة مخصصة للأغراض العسكرية، ومحاطة بجدار سميك من السرية الحكومية؛ ما جعلها الذراع الفضائية الضاربة للولايات المتحدة وحلفائها.

إعلان لخدمة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك يظهر على شاشة في ساحة تايمز سكوير بنيويورك (أ.ف.ب)

الهندسة الدقيقة: كيف تتدفق البيانات بين الفضاء والأرض؟

تعتمد منظومة «ستارلينك» المدنية على معمارية معقدة من الأقمار الاصطناعية التي تحلّق في المدار الأرضي المنخفض، على ارتفاعات تتراوح بين 540 و550 كيلومتراً فوق سطح الأرض.

هذا الارتفاع المنخفض يمنح المنظومة ميزة حاسمة تتفوق بها على الأقمار الاصطناعية التقليدية المستقرة في المدار الجغرافي الثابت (على ارتفاع 36 ألف كيلومتر)، حيث يتقلص زمن استجابة الإشارة (الكمون) من 600 مللي ثانية إلى أقل من 25 مللي ثانية.

وتتواصل هذه الأقمار فيما بينها عبر روابط ليزرية فضائية متطورة؛ ما يسمح بنقل البيانات بسرعة هائلة دون الحاجة إلى المرور بمحطات أرضية في كل خطوة. ويستقبل المستخدم النهائي الإشارة عبر هوائي صغير يوجّه نفسه آلياً نحو السماء.

على الجانب الآخر، تعمل منظومة «ستارشيلد» بالفلسفة المدارية ذاتها، لكن مع تعديلات هندسية جذرية ترفع من كفاءتها القتالية.

لا تقتصر أقمار «ستارشيلد» على بث البيانات، بل تُدمج في هياكلها حمولات عسكرية مخصصة تشمل أجهزة استشعار بصرية ورإدارية عالية الدقة لمراقبة الأرض والاستطلاع المستمر، وأنظمة إنذار مبكر لرصد الصواريخ الباليستية والمجنحة الفرط صوتية.

الميزة الأهم في تصميم «ستارشيلد» هي قدرتها على «استضافة الحمولات»، بمعنى أن الحكومات الحليفة يمكنها وضع أجهزتها العسكرية وشفراتها الخاصة مباشرة على متن ناقل الأقمار الاصطناعية الذي تصنعه «سبيس إكس»، مع فصل تام لتدفق البيانات العسكرية عن أي شبكات مدنية.

توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)

تشفير السيبرانية وسوق الأسعار: من المجاني إلى مليارات العقود

تخضع منظومة «ستارلينك» لتشفير تجاري قوي يحمي بيانات المستخدمين، وتُباع خدماتها في السوق العالمية بأسعار متاحة للأفراد والشركات.

وتبدأ تكلفة المعدات الأرضية الأساسية للمستخدم المنزلي من نحو 599 دولاراً أميركياً، مع اشتراك شهري يتراوح بين 120 و150 دولاراً، حسب الدولة. وتوفر الشركة باقات مخصصة لقطاعات الطيران، والسفن البحرية، والرحلات البرية بأسعار أعلى تتناسب مع حجم الاستهلاك المرتفع للبيانات.

في المقابل، تدخل «ستارشيلد» في منطقة سعرية وتنظيمية مختلفة كلياً، حيث تحكمها عقود حكومية سرية تُقدر بمليارات الدولارات.

وتتميز هذه الشبكة بمستويات تشفير عسكرية فائقة الأمان ومقاومة للتشويش الإلكتروني النبضي، تلبي الصرامة التي تطلبها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ووكالة الأمن القومي.

وتدير هذه الأقمار قنوات اتصال آمنة ومغلقة تماماً، مخصصة لنقل المعلومات الاستخباراتية المصنفة «سرية للغاية»، ولا يمكن لأي مستخدم مدني الوصول إليها أو كشف تردداتها.

نيران المعارك: خطوط التماس والصدام الأوكراني المفاجئ

لطالما سعت شركة «سبيس إكس» إلى الحفاظ على الطابع المدني لمنظومة «ستارلينك»، مؤكدة في شروط استخدامها أنها مخصصة للأغراض الإنسانية والاتصالات الدفاعية البحتة، ويُحظر توظيفها في توجيه الضربات الهجومية أو إدارة الطائرات المسيرة الانتحارية.

وتسبب هذا الخط الفاصل في أزمات دبلوماسية متكررة بين ماسك والحكومة الأوكرانية، لا سيما عندما قرر الملياردير الأميركي في محطات سابقة تقييد التغطية الفضائية لمنع هجمات أوكرانية خاطفة ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود؛ تفادياً لانزلاق الصراع نحو حرب عالمية ثالثة.

أحد أجهزة «ستارلينك» (رويترز)

لكن المشهد في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2026 شهد تحولاً دراماتيكياً بعد تداخل صلاحيات النظامين. فقد أصدرت الإدارة الأميركية أمراً تنظيمياً لشركة «سبيس إكس» بفرض قيود جغرافية وتقنية مشددة على وحدات «ستارشيلد» الممنوحة للجيش الأوكراني، تقضي بتعطيل الاتصال الفضائي فوراً في حال تحركت الآليات أو الطائرات المسيَّرة بسرعة تتجاوز 160 كيلومتراً في الساعة.

هذا التقييد الصارم أدى إلى إصابة سلاح المسيَّرات الهجومية ومنظومات التوجيه الأوكرانية بشلل شبه كامل على خطوط التماس؛ ما دفع بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للدخول في مواجهة كلامية حادة مع واشنطن، في حين أكد ماسك أن شركته لا تملك خياراً سوى الامتثال للقرارات السيادية الصادرة عن البيت الأبيض؛ كون «ستارشيلد» خاضعة لإشراف البنتاغون الكامل.

أبعاد الملكية والرقابة التنظيمية في قطاع الاتصالات الفضائية

تطرح هذه التطورات المدارية تساؤلات قانونية وتنظيمية في الأوساط الدولية بشأن طبيعة العلاقة بين الشركات التكنولوجية والمؤسسات الحكومية في إدارة العقود الأمنية.

فمن منظور القانون الدولي، تظل شركة «سبيس إكس» المشغل الفعلي للبنية التحتية لشبكة «ستارلينك»؛ ما يضع قطاع الاستثمار الخاص في موقع المؤثر ضمن ترتيبات النقل الفضائي العالمي، وهو ما دفع أطرافاً دولية عدة للمطالبة بوضع أطر تنظيمية تضمن عدم تداخل المصالح التجارية مع السياسات الخارجية للدول.

«ستارلينك» تعتمد على شبكة من الأقمار الاصطناعية في مدار أرضي منخفض ما يتيح اتصالاً سريعاً وكموناً منخفضاً في أصعب البيئات (أدوبي ستوك)

أما فيما يتعلق بمنظومة «ستارشيلد»، فإن طبيعة العقود المبرمة مع وزارة الدفاع الأميركية تخضع لآليات رقابة حكومية صارمة. وبموجب هذه الاتفاقيات، تلتزم الشركة بالقرارات السيادية والتوجيهات الصادرة عن الجهات الرسمية في واشنطن، والتي تملك الصلاحية الحصرية في تحديد نطاقات البث والقيود الجغرافية والسرعات المتاحة للمستخدمين.

ويعكس هذا التمايز التشغيلي السياق التنظيمي المعاصر الذي تسعى فيه الحكومات إلى الاستفادة من القدرات التقنية للقطاع الخاص، مع الحفاظ على التزاماتها القانونية والأمنية تحت الإشراف الحكومي المباشر والمنظم.