انقسام مجتمعي وسياسي عراقي حول زيارة الوفد الأمني إلى دمشق

أمن الحدود على رأس أجندة الشطري

جانب من اجتماع الشرع مع مدير الاستخبارات العراقية (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع الشرع مع مدير الاستخبارات العراقية (أ.ف.ب)
TT

انقسام مجتمعي وسياسي عراقي حول زيارة الوفد الأمني إلى دمشق

جانب من اجتماع الشرع مع مدير الاستخبارات العراقية (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع الشرع مع مدير الاستخبارات العراقية (أ.ف.ب)

أحدثت الزيارة التي بدت مفاجئة، وإن كانت متوقعة، والتي قام بها وفد عراقي رفيع المستوى إلى دمشق انقساماً حاداً في العراق. فالوفد الذي ترأسه مدير جهاز المخابرات حميد الشطري كان قد تردّد في الأوساط العراقية أن وفدَيْن غير رسميين سبقاه إلى زيارة سوريا ولقاء القيادة الجديدة.

الانقسام العراقي الحاد مجتمعي وسياسي حول أحمد الشرع، المعروف سابقاً بـ«أبو محمد الجولاني»، ونشاطه في العراق حينما كان منخرطاً في تنظيمات أصولية، نفّذت أعمالاً إرهابية على مدار سنوات.

وحيث يتداخل في العراق الانقسام السياسي بالمجتمعي بسبب الانحيازات الآيديولوجية المسبقة، فإن المشهد العام انقسم بين رؤيتين، سنية متساهلة مع الحكم الجديد في سوريا، وشيعية ترى فيه خطراً قادماً؛ نظراً إلى ماضي الشرع «الجهادي».

الجولاني حتى قبل أن يكشف عن اسمه الحقيقي «أحمد الشرع» كان قد خاطب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عبر رسالة هاتفية دعاه فيها إلى فتح صفحة جديدة مع الثوار الجدد، مبيناً أن جبهته «هيئة تحرير الشام» ليست لديها مطامع في العراق.

السوداني الذي تحدث في البرلمان العراقي عن رؤيته لتطورات الأحداث في سوريا قبل سقوط العاصمة الأموية دمشق بيد الجولاني بيومين تقريباً تجاهل رسالة قائد «هيئة تحرير الشام» إليه.

المتحدثون باسم السوداني انقسموا بين رأي عسكري حاد عبَّر عنه الناطق العسكري باسم القائد العام اللواء يحيى رسول الذي قال إن العراق لا يتواصل مع «إرهابي»، وبين رأي سياسي أقل حدة، وهو رأي أحد المستشارين السياسيين للسوداني الذي قال إن العراق «ينتظر دولة لكي يتفاهم معها».

لكن تطورات الأحداث المتسارعة لم تدع مجالاً للترقب والانتظار. فعلى الفور تحرّك العراق بسرعة سياسياً وأمنياً. أمنياً، عمل على تحصين حدوده لكي لا يتكرر سيناريو 2014 عندما دخل تنظيم «داعش» من الأراضي السورية ليحتل ثلث الأراضي العراقية، وسياسياً عبر زيارات سريعة قام بها السوداني إلى كل من السعودية والأردن، فضلاً عن مشاركته في مؤتمر الدوحة لمجموعة الاتصال العربية.

نذهب أم ننتظر؟

وفي وقت بدأت فيه الوفود العربية والأجنبية تتدفق على سوريا الشرع، فإن العراق المجاور والأكثر اهتماماً بالوضع السوري لم يرسل وفداً إلى دمشق مع أن دمشق وطبقاً لكل المؤشرات كانت تنتظر الوفد العراقي ربما أكثر من بقية الوفود. المعلومات شبه المؤكدة تشير إلى حصول لقاءات سرية مع الشرع من قِبل شخصيات عراقية، لكن لم يعرف فيما إذا كانت هذه الشخصيات قد أُرسلت من قِبل السوداني شخصياً أم هي من تبرّعت لجس النبض نتيجة علاقات لبعض هذه الشخصيات مع الطرف القوي الحالي في المعادلة السورية وهم الأتراك. السوداني وفريقه السياسي يراقبون التطورات والتحديات والانقسامات في الرأي العام العراقي السياسي والمجتمعي. ولذلك؛ فإن إرسال وفد في وقت مبكر بدا نوعاً من الاستعجال الذي لم يرد من خلاله السوداني زيادة شرخ الانقسام المجتمعي داخل العراق. وبين الترقب والانتظار من جهة وحسم الموقف من الوضع الجديد في سوريا جاءت زيارة الوفد العراقي رفيع المستوى.

أمني أم سياسي؟

الطريقة التي استقبل بها الشرع رئيس الوفد العراقي مدير جهاز المخابرات حميد الشطري بدت لافتة. فالاستقبال بدا تجاوزاً للبروتوكول سواء لجهة خروج الشرع خارج المكتب واستقباله الشطري عند بوابة القصر، فضلاً عن وضع العَلم العراقي إلى جانب العَلم السوري، بينما الشطري ليس نظيراً للشرع بروتوكولياً، لكن ذلك كله يعكس طريقة اهتمام سوري بالزائر العراقي الغامض؛ كونه مديراً لجهاز المخابرات، وكان سيتحدث بما يتجاوز دوره طبقاً للرسالة التي حملها من رئيسه السوداني إلى الشرع.

الشرع مستقبلاً مدير الاستخبارات العراقية في دمشق الخميس (أ.ف.ب)

ومع أن العراقيين عبّروا عن ارتياحهم لطريقة وأسلوب الاستقبال، لكنهم في النهاية وجدوا ما ينقسمون بشأنه مرة أخرى. ففي حين بدا الشطري رابط الجأش وهو يمدّ يده لمصافحة الشرع في وقت لم يكتفِ فيه الشرع بالمصافحة، بل هو من بادر بتقبيل الشطري، فإن اللقطة التي ظهر فيها الشرع وهو ينحني مقبلاً الشطري وهو يحمل مسدساً بكاتم للصوت على ظهره تحت السترة فتحت باب الجدل من جديد. فهناك من عدّ أن «أبو طبع ما يغير طبعه»؛ نظراً إلى خلفية الشرع في التنظيمات المسلحة، وهنا من رأى أنها في كل الأحوال رسالة سلبية ليست في وقتها ولا محلها. وبين هذا وذاك، فإن الانقسام الآخر بين العراقيين هو قول البعض إن الوفد أمني فقط، في حين هناك من رأى أن الوفد سياسي. وبين ما هو أمني وسياسي سوف يستمر الجدل العراقي لفترة مقبلة حتى يحسم الأمر خطوة أخرى بين دمشق وبغداد.

ضغوط أميركية

وفي وقت التزمت فيه القيادات السنية والكردية الصمت حيال زيارة الوفد العراقي إلى دمشق؛ مما يفسّر أنه رضا فإن الشيعة انقسموا بين مؤيد صامت للزيارة ورافض معلن لها حتى ضمن قوى «الإطار التنسيقي الشيعي». فطبقاً لتصريحات أدلى بها، الجمعة، قياديون من منظمة «بدر» بزعامة هادي العامري و«ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، تمت الزيارة بناءً على ضغوط أميركية.

جندي عراقي على الحدود الغربية مع سوريا (أ.ف.ب)

مسؤول القاطع الشمالي في منظمة «بدر» محمد مهدي البياتي، قال في تصريح، أمس، إن «لقاء وفد العراقي مع الشرع يأتي في سياق الضغوط الأميركية الرامية إلى تبييض صفحته وتبرئته من الجرائم التي ارتكبها في العراق والمنطقة؛ بهدف فرض أمر واقع جديد»، واصفاً الشرع بأنه «إرهابي».

وأضاف البياتي، أن «سياسة فرض المجرمين وأصحاب السوابق على الشعوب ليست بالأمر الجديد في الاستراتيجية الأميركية، بل تمثل نهجاً قديماً ومستمراً يعكس سعيها الدائم إلى دعم شخصيات تتماشى مع تاريخها الحافل بالجرائم». وانتقد البياتي، اللقاء الذي وصفه بأنه «يشكّل وصمة عار جديدة تُضاف إلى سجل الولايات المتحدة المظلم ومن يسايرها من الحكومات».

أما القيادي في ائتلاف دولة القانون عصام الكريطي، فقد أكد من جانبه أن إرسال الحكومة العراقية وفداً رسمياً يمثّلها إلى دمشق واجتماعه مع الإدارة السورية الجديدة، جاء بضغوطات أميركية.


مقالات ذات صلة

«سنهرب ونقتلكم»... حراس عراقيون يتلقون تهديدات من سجناء «داعش»

خاص حافلة ضمن قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

«سنهرب ونقتلكم»... حراس عراقيون يتلقون تهديدات من سجناء «داعش»

يواصل العراق عمليات نقل السجناء الذين يُعتقد أن غالبيتهم ينتمون إلى تنظيم «داعش» إلى السجون العراقية، في إطار صفقة سابقة بين بغداد وواشنطن.

فاضل النشمي
خاص عناصر من قوات الأمن العراقية (أ.ف.ب- أرشيفية)

خاص واشنطن توافق على مبيعات عسكرية للعراق بـ90 مليون دولار

أبلغ مسؤول عراقي «الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة الأميركية وافقت على صفقة عسكرية بقيمة 90 مليون دولار من برنامج المبيعات الخارجية.

المشرق العربي إحدى جلسات البرلمان العراقي (إ.ب.أ)

حزب المالكي يؤكد التمسك بترشيحه لرئاسة الحكومة العراقية

يتمسك زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بالترشح لمنصب رئيس الوزراء، وسط استمرار الخلاف الكردي حول منصب رئاسة الجمهورية.

حمزة مصطفى (بغداد)
العالم العربي لوغو خلية الإعلام الأمني العراقي (حسابها على «إكس»)

خلية الإعلام الأمني العراقية تتسلم 2250 «إرهابياً» من سوريا

نقلت وكالة الأنباء العراقية، السبت، عن رئيس خلية الإعلام الأمني سعد معن قوله إن العراق تسلَّم 2250 «إرهابياً» من سوريا براً وجواً، بالتنسيق مع التحالف الدولي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني خلال استقباله وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في أربيل (الخارجية الفرنسية)

باريس تحث بغداد على تجنب التصعيد الإقليمي

قالت مصادر دبلوماسية فرنسية إن باريس حذّرت من مخاطر انخراط فصائل مسلحة عراقية في أي تصعيد إقليمي محتمل، مؤكدة أن العراق يجب ألا يزج في صراعات لا تخدم مصالحه.

«الشرق الأوسط» (باريس)

قاسم يُحكم السيطرة على مفاصل «حزب الله»

رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثا في عيتا الشعب خلال زيارة تاريخية له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)
رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثا في عيتا الشعب خلال زيارة تاريخية له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)
TT

قاسم يُحكم السيطرة على مفاصل «حزب الله»

رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثا في عيتا الشعب خلال زيارة تاريخية له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)
رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثا في عيتا الشعب خلال زيارة تاريخية له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)

يُحاول أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، إحكام السيطرة على مفاصل المؤسسات الإدارية للحزب، التي أدخل إليها مقربين منه كانوا مهمشين في فترة قيادة الأمين العام السابق، حسن نصر الله، كما أدخل إليها سياسيين من غير رجال الدين.

وتُعدّ أبرز التغييرات التي كشفت عنها مصادر واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط»، هي تسلّم الوزير والنائب السابق محمد فنيش مسؤولية إدارة الهيئة التنفيذية التي تُعدّ بمثابة «حكومة» الحزب، مع الاتجاه إلى تعيين رئيس الكتلة النيابية النائب محمد رعد، في منصب نائب الأمين العام.

وكشفت المصادر أن قاسم يُحاول أن يمسك بمفاصل الحزب عبر ربط كل المؤسسات الحزبية بالأمانة العامة، بعدما كان هذا الموقع سابقاً يتولى القيادة من دون الخوض في التفاصيل التي كانت من مسؤولية الهيئة التنفيذية للحزب.

من جهة أخرى، بدأ رئيس الحكومة نواف سلّام زيارة تاريخية إلى الجنوب؛ حيث لا يزال العديد من السكان ينتظرون إعادة الإعمار على وقع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، فيما كان لافتاً الترحيب الذي استُقبل به سلام في كل القرى رغم حملة التخوين التي شنّها عليه «حزب الله».


سجناء «داعش» يهددون الأمن العراقي

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

سجناء «داعش» يهددون الأمن العراقي

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

كشفت مصادر أمنية عن أن سجناء من تنظيم «داعش» وجّهوا تهديدات إلى حراس عراقيين خلال نقلهم من سوريا، متوعدين بالقتل بعد هروبهم من السجون.

يأتي ذلك بالتزامن مع تسلّم العراق دفعة جديدة من المعتقلين في خطوة وصفتها الحكومة بالاستباقية لحماية الأمن القومي.

وقالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» إن «معظم السجناء يودعون في سجون ومراكز احتجاز في بغداد والحلة»، وهما منطقتان تضمّان منشآت احتجاز عالية التحصين.

وأضافت أن «جهاز مكافحة الإرهاب يتولى الإشراف على النقل والتوزيع»، موضحةً أن «أرجل وأيدي السجناء تُقيّد مع وضع أغطية لحجب وجوههم»، وأن «بعضهم يوجه تهديدات مباشرة إلى الحراس بالقتل في حال تمكنهم من الهروب».

وأشارت المصادر إلى أن «الأوامر مشدَّدة بعدم الحديث مع السجناء أو الاحتكاك بهم»، وأن «غالبية الحراس لا يعرفون الجنسيات المختلفة التي ينحدر منها السجناء».


«حماس» سلّمت المختطفين فنالت إشادات من ترمب

مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
TT

«حماس» سلّمت المختطفين فنالت إشادات من ترمب

مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)

لم يتوقف الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال تصريحاته المتكررة عن قطاع غزة في الآونة الأخيرة، عن الإشادة بحركة «حماس»، ودورها في إعادة المختطفين الأحياء والأموات الإسرائيليين.

وتظهر تصريحات ترمب المتكررة أن أشد المتفائلين الأميركيين والإسرائيليين لم يتوقعوا أن تتم استعادة جميع المختطفين الأحياء والأموات في هذه الفترة القصيرة، في ظل حرب إسرائيلية استمرت عامين، وطالت الأخضر واليابس في القطاع.

إلى ذلك، يتباهى الجيش الإسرائيلي بتشكيل 5 فرق ميليشيات فلسطينية تعمل ضد «حماس» في قطاع غزة، في حين حذّرت أوساط في اليمين الحاكم من دورها، ومن صرف الأموال الطائلة عليها، من منطلق أن هذا النوع من التنظيمات يعمل بدافع الجشع إلى المال في أحسن الأحوال، وليس مستبعداً أن ينقلب على مشغليه، ويصبح معادياً لإسرائيل في حال وجد مَن يدفع له أكثر.