هل يهدد الدين الأميركي الدولار كعملة احتياطية عالمية؟

وصلت قيمته إلى 36 تريليون دولار

تعرض ساعة الدين الوطني إجمالي الدين الأميركي وحصة كل أسرة منه في مانهاتن بمدينة نيويورك (أ.ب)
تعرض ساعة الدين الوطني إجمالي الدين الأميركي وحصة كل أسرة منه في مانهاتن بمدينة نيويورك (أ.ب)
TT

هل يهدد الدين الأميركي الدولار كعملة احتياطية عالمية؟

تعرض ساعة الدين الوطني إجمالي الدين الأميركي وحصة كل أسرة منه في مانهاتن بمدينة نيويورك (أ.ب)
تعرض ساعة الدين الوطني إجمالي الدين الأميركي وحصة كل أسرة منه في مانهاتن بمدينة نيويورك (أ.ب)

في عالم الاقتصاد، قلّما تُذكر الولايات المتحدة واليونان في جملة واحدة، فالأولى تُعتبر أكبر اقتصاد في العالم ورمز القوة المالية، بينما ارتبطت الثانية بأزمة ديون خانقة هزّت أسواق العالم وأشعلت شوارع أثينا احتجاجاً. ولكن المفارقة المذهلة أن الخبراء يحذرون من احتمال أن تُعيد الولايات المتحدة، في غضون عقد من الزمن، تجربة الديون التي عانت منها اليونان في أوج أزمتها.

ومع تضخم الدين الأميركي إلى مستويات غير مسبوقة وتجاوزه حجم الاقتصاد الوطني، تقف واشنطن عند مفترق طرق. فهل يمكن أن يؤدي هذا التراكم الهائل في الديون إلى أزمة مالية كبرى؟ أم أن «الامتياز الباهظ» الذي تمنحه مكانة الدولار سيمنحها مرونة لا تضاهى؟

بحلول فترة جائحة كوفيد-19، كان الدين العام لليونان قد تجاوز ضعف حجم اقتصادها، وهو وضع يقترب من بعض أفقر وأزمات الدول في العالم، مثل إريتريا والسودان وفنزويلا. لذلك، فهو ليس النادي الذي قد يرغب أحد في الانضمام إليه، بحسب صحيفة «التلغراف».

لكن المثير للدهشة هو أن خبراء الاقتصاد يتوقعون أنه في غضون عقد من الزمن، قد تنضم دولة أخرى إلى هذه القائمة مثل الولايات المتحدة الأميركية. فالجمع بين التعافي الملحوظ في الاقتصاد اليوناني، وأزمة الديون غير المسبوقة التي شهدتها الولايات المتحدة في ظل رئاستي دونالد ترمب وجو بايدن، يشير إلى أنه بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين، قد يتجاوز الدين الأميركي، إذا تم قياسه بالنسبة لحجم اقتصادها، الدين الوطني للجمهورية اليونانية.

والأرقام المتعلقة بالدين العام الأميركي مثيرة للدهشة. فقد قفز الدين الوطني ليصل إلى 36 تريليون دولار، بعدما كان أقل من 20 تريليون دولار قبل ثماني سنوات فقط. وبذلك، أصبح هذا الدين أكبر من حجم الاقتصاد الأميركي ذاته.

وفي مطلع ثلاثينيات القرن الحالي، من المتوقع أن يبلغ إجمالي ديون أميركا 134 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل مستوى ديون إيطاليا ويتجاوز ديون اليونان، التي يُتوقع أن تعود إلى أقل من 130 في المائة بحلول تلك الفترة، وفقاً لتوقعات خبراء الاقتصاد في بنك «يو بي إس».

ويخلق تراكم هذا الدين حلقة مفرغة خطيرة، حيث تجاوزت فاتورة الفائدة السنوية على الدين الحكومي بالفعل 1.1 تريليون دولار، مما يزيد من تعقيد الوضع المالي ويضع ضغوطاً هائلة على الاقتصاد الوطني.

وبالإضافة إلى كون الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم، فإنها تمثل الملاذ الآمن للنظام المالي العالمي. فهي تعمل كحافظ للقيمة في أوقات الركود، وتُعتبر مرجعاً رئيسياً لتحديد أسعار الفائدة والقروض في العديد من أنحاء العالم.

مبنى الكابيتول في واشنطن ليلاً (رويترز)

ويشير ريتشارد فرانسيس من وكالة «فيتش»، التي خفضت تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة العام الماضي، إلى أن ديون البلاد «مرتفعة للغاية» بالفعل، حيث تضاعف حجمها مقارنةً بالمستوى المعتاد لدولة ذات تصنيف ائتماني «إيه إيه».

ويضيف قائلاً: «إن عبء الفائدة مرتفع للغاية، وهو أعلى بكثير من معظم نظيراتها، ومن المتوقع أن يظل مرتفعاً للغاية. نحن ننفق بالفعل على الفائدة أكثر مما ننفقه على الدفاع أو الرعاية الصحية، بينما يبقى الضمان الاجتماعي هو البند الوحيد الذي يفوقه».

هل ديون الولايات المتحدة مستدامة؟

تثير هذه الأسئلة تساؤلات حقيقية حول ما إذا كانت ديون الولايات المتحدة قابلة للاستدامة، أو ما إذا كانت البلاد تسير على نفس المسار الذي سلكته إيطاليا واليونان قبل 15 عاماً، نحو أزمة ديون قد تكون لها تداعيات اقتصادية خطيرة.

وتتمتع الولايات المتحدة حالياً بوضع آمن، بفضل مكانتها المميزة كملاذ آمن في النظام المالي العالمي، حيث يتوجه إليها المستثمرون من جميع أنحاء العالم عند أول إشارة إلى وجود مشاكل اقتصادية.

ويقول الخبراء: «الولايات المتحدة تتمتع باقتصاد قوي ومتعدد المصادر، وأيضاً الدولار الأميركي هو العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم، وهو ما يتيح للولايات المتحدة مرونة تمويلية لا مثيل لها في أي مكان آخر في العالم».

وعلى الرغم من ارتفاع تكاليف الاقتراض، فلا تزال هناك إشارات قليلة على أن المستثمرين غير راغبين في تمويل العجز الأميركي. إذ يمكن لوزارة الخزانة الاقتراض لمدة 10 سنوات بمعدل حوالي 4.2 في المائة، وهو ما يعد أعلى بكثير من أدنى مستوياتها خلال فترة الجائحة التي كانت دون 1 في المائة، أو المعدل المعتاد الذي يتراوح بين 2 و3 في المائة بعد الأزمة المالية العالمية.

لكن هذا المعدل يُعتبر مألوفاً لأولئك الذين يتذكرون السنوات التي سبقت أزمة الائتمان، ويعكس النمو القوي للاقتصاد الأميركي، بالإضافة إلى الجهود المستمرة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم. وبالتالي، لا يُشير هذا المعدل بالضرورة إلى توتر بين المستثمرين، بل يعكس بشكل أكبر الظروف الاقتصادية الحالية والسياسات النقدية المتبعة.

«الامتياز الباهظ» لأميركا

تقول ماريون أميوت، الخبيرة الاقتصادية في «ستاندرد آند بورز»، إن هذا هو «الامتياز الباهظ» الذي تحظى به أميركا.

ويجذب كل من ارتفاع أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي الأموال العالمية إلى الولايات المتحدة، وفي أوقات الأزمات، ينظر إليها المستثمرون باعتبارها الملاذ الأكثر أماناً، ما يسمح للسلطات الأميركية بتمويل عجزها سواء في الأوقات الجيدة أو السيئة.

وتقول أميوت: «إن السؤال حول استدامة الديون يطرح نفسه دائماً، ولكن لا يوجد بديل حقيقي للدولار».

«حلقة مفرغة»

ومع ذلك، يخشى المحللون أن ينفد الحيز الذي يسمح للبيت الأبيض بالاقتراض إذا استمر في تراكم الديون بهذه الوتيرة. ويقول أوليفييه بلانشارد، كبير الخبراء الاقتصاديين السابقين في صندوق النقد الدولي، إن أميركا ستصل في مرحلة ما إلى هذه الحدود.

ويضيف: «في مرحلة ما، ولا نعرف متى تحديداً، سيبدأ المستثمرون في التساؤل: هل سنحصل على السداد؟». وستكون النتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض، مما يخلق «حلقة مفرغة قد تؤدي أحياناً إلى التخلف عن السداد».

ويقول بلانشارد: «لقد حدث هذا في العديد من البلدان الأخرى، وهو أمر يصعب تصوره بالنسبة للولايات المتحدة، ولكن هل هو أمر مستحيل حقاً؟».

ويشدد بول دونوفان، من «يو بي إس»، على أن الديون الأميركية ليست على مسار مستدام، ولكن من غير المرجح أن تصبح قضية ملحة خلال فترة ولاية ترمب.

ويضيف قائلاً: «على الصعيد المحلي، تظل الولايات المتحدة دولة غنية، وستكون قادرة على تعبئة الموارد اللازمة لتمويل العجز. ورغم أن المخاوف بشأن استدامة العجز ستزداد، فإنني أعتقد أن الأمر سيصبح حاسماً في العقد المقبل».

ترمب ضد «الاحتياطي الفيدرالي»

من الممكن دائماً أن تكون التوقعات خاطئة، فقد شهدت الاتجاهات تغييرات في الماضي. ويلاحظ جيم ريد من «دويتشه بنك» أنه في بداية الألفية، كان مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي يعتقد أنه إذا اختارت الحكومة الأميركية ذلك، فيمكنها استخدام فوائضها لسداد الدين الوطني بالكامل ثم بناء صندوق ثروة عملاق.

«في عام 2000، كان مكتب الموازنة يتوقع أنه إذا ادخرت الولايات المتحدة فوائضها الإجمالية، فسيتم سداد الدين الوطني - الذي كان يشكل نحو 34 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك - في غضون عقد من الزمن، وستتراكم أصول الولايات المتحدة لتصل إلى حوالي 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030»، كما يوضح.

اليوم، يعكف ترمب بشكل رئيسي على الاقتراض بكثافة، لكن ثمة تلميحات إلى أن شيئاً مختلفاً قد يحدث. فقد منح الملياردير التكنولوجي إيلون ماسك دوراً في وزارة كفاءة الحكومة الجديدة المقترحة، بهدف خفض تريليوني دولار من الإنفاق الحكومي.

وإذا تمكن ماسك من تحقيق وفورات بهذه القيمة أو حتى جزء منها، فقد يشكل ذلك نقطة تحول خطيرة في توقعات الديون الحكومية.

وفي نفس الوقت الذي يتزايد فيه الاقتراض، يخشى ثانوس فامفاكيديس، من «بنك أوف أميركا»، أن مواقف الرئيس المنتخب تجاه بنك الاحتياطي الفيدرالي قد تؤدي إلى اهتزاز أسواق السندات ودفع المستثمرين بعيداً عن الولايات المتحدة، مما يقوض مكانتها كـ«ملاذ آمن».

ويقول فامفاكيديس: «إذا بدأت الإدارة الجديدة في مواجهة التوجه المتشدد لبنك الاحتياطي الفيدرالي استجابةً للسياسات المالية للإدارة الأميركية الجديدة، فقد يكون ذلك مزيجاً ساماً».

دونالد ترمب يتحدث خلال فعالية «أميركا فيرست 2024» السنوية في فينيكس بولاية أريزونا... 22 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

التهديدات الخارجية

وهناك خطر آخر يتمثل في أن تتخذ دول أخرى إجراءات ضد الولايات المتحدة. ويوضح بول دونوفان من «يو بي إس» أن هناك خطراً خارجياً يتمثل في أن الصين قد ترد على الحرب التجارية بشكل شديد.

وأضاف: «إذا توقفت الصين عن شراء سندات الخزانة الأميركية رداً على الضرائب التجارية - وخاصة إذا تسببت الضرائب في تباطؤ كبير في النمو الأميركي - فقد يؤدي ذلك إلى اضطراب في سوق السندات الحكومية وظهور قلق متزايد بشأن استدامة الدين».

ومن الواضح أن ترمب نفسه يدرك تماماً أن الولايات المتحدة قد تخسر في يوم ما مكانتها كعملة احتياطية عالمية موثوقة.

وقد غرد الرئيس المنتخب قائلاً إنه سيفرض تعريفات جمركية هائلة على الواردات من دول البريكس - البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا - إذا سعت هذه الدول إلى إيجاد بدائل للدولار.

وقال ترمب: «لقد انتهت فكرة أن دول البريكس تحاول الابتعاد عن الدولار بينما نقف مكتوفي الأيدي ونراقب. نطالب هذه الدول بعدم إنشاء عملة جديدة لدول البريكس أو دعم أي عملة أخرى لتحل محل الدولار الأميركي القوي، وإلا فستواجه تعريفات جمركية بنسبة 100 في المائة، وينبغي لها أن تتوقع وداعاً لمبيعاتها في الاقتصاد الأميركي الرائع».

وتظهر مثل هذه التهديدات الإدراك المتزايد بأن الولايات المتحدة تخاطر في النهاية بفقدان قدرتها على الاقتراض بلا نهاية.

لكن في الوقت الحالي، لا توجد إلا دلائل محدودة على وجود تهديد خطير. ففي قمة مجموعة البريكس التي عقدت في أكتوبر (تشرين الأول) في سوتشي، كان الضيوف يُنصحون بإحضار الدولارات أو اليوروات للإنفاق بدلاً من الروبل أو الرنمينبي أو الروبية.

ومع مزيج من الاقتراض الثقيل الذي تعاني منه الولايات المتحدة، إلى جانب التهديدات الموجهة ضد «الفيدرالي» وشركائه التجاريين، قد يجد ترمب نفسه قادراً على تقويض قوة الدولار بنفسه، مما يزيد من تعقيد الوضع المالي العالمي ويؤثر على مكانة العملة الأميركية.


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تواصل الصعود نحو مستويات قياسية بدعم أرباح الشركات

الاقتصاد أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

«وول ستريت» تواصل الصعود نحو مستويات قياسية بدعم أرباح الشركات

تواصل الأسهم الأميركية صعودها نحو تسجيل مزيد من الأرقام القياسية يوم الجمعة، مدعومة بنتائج قوية لشركات كبرى مثل «أبل» و«إستي لودر».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد بيث هاماك تتحدث في النادي الاقتصادي بنيويورك (رويترز)

رئيسة «فيدرالي» كليفلاند: لم يعد مناسباً الإشارة إلى ميل لخفض الفائدة

قالت بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، يوم الجمعة، إنها تعارض إبقاء البنك المركزي على إشارته إلى ميل نحو التيسير النقدي خلال هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (كليفلاند )
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

عقود «وول ستريت» ترتفع هامشياً بعد أفضل أداء شهري منذ سنوات

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بشكل طفيف، يوم الجمعة، بعد أن سجَّل المؤشران أفضل أداء شهري لهما منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد كيفن وارش يدلي بشهادته خلال جلسة استماع لتثبيته أمام لجنة المصارف في مجلس الشيوخ - 21 أبريل 2026 (رويترز)

من باول إلى القيادة الجديدة... مسار الفائدة يدخل مرحلة أكثر تعقيداً

يتجه المستثمرون نحو طي صفحة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بقيادة جديدة يُفترض منذ فترة طويلة أنها ستكون أكثر ميلاً للتيسير النقدي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي بالولايات المتحدة، خلال مارس، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حاد في أسعار البنزين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

زيادة تحويلات المغتربين لا تكبح ارتفاع سعر الدولار في مصر

رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)
رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)
TT

زيادة تحويلات المغتربين لا تكبح ارتفاع سعر الدولار في مصر

رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)
رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)

أعاد الحديث عن زيادة تحويلات المصريين بالخارج بصيص أمل لدى قطاعات من المصريين في كبح ارتفاع سعر صرف الدولار، إثر موجة تقلبات في العملة الأميركية أعقبت الحرب الإيرانية وما رافقها من تداعيات اقتصادية إقليمية ودولية، غير أن اقتصاديين وخبراء استبعدوا هذا السيناريو في ظل القلق من احتمال استئناف الحرب التي لا تزال رهناً بالمفاوضات.

وأبدت وسائل إعلام مصرية ومدونون عبر منصات التواصل الاجتماعي قدراً من التفاؤل عقب إعلان البنك المركزي المصري ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 28 في المائة خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى فبراير (شباط) 2026، لتصل إلى نحو 29.4 مليار دولار، مقابل نحو 23 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي 2024 - 2025.

لكن اقتصاديين، من بينهم هاني توفيق، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «مصر لرأس المال المخاطر»، حذروا من أن الارتفاع الأخير في تحويلات المصريين العاملين بالخارج لا يعكس بالضرورة تحسناً مستداماً في أوضاع سوق النقد الأجنبي، عاداً أن هذه الأرقام تعود إلى فترة سابقة للتوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة التي بدأت في مارس (آذار)، مستنتجاً أنها «قد لا تكون كافية لكبح الضغوط المتزايدة على سعر صرف الدولار في مصر».

ارتفاع جديد قبل الحرب

وبحسب بيانات البنك المركزي، ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر فبراير (شباط) وحده بنسبة 25.7 في المائة، لتسجل نحو 3.8 مليار دولار، مقابل نحو 3 مليارات دولار خلال الشهر نفسه من العام الماضي، علماً بأن عدد المصريين العاملين بالخارج يتجاوز 5 ملايين مصري، بحسب وزير العمل المصري حسن رداد.

وتوقع توفيق، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن يظل الدولار في «منحنى صعودي» خلال الفترة المقبلة، في ظل ارتباط الاقتصاد المصري بالتغيرات الجيوسياسية الإقليمية وما تفرضه من ضغوط على مصادر النقد الأجنبي، مشيراً إلى أن توقع مستويات الارتفاع المقبلة يبقى أمراً بالغ الصعوبة في ظل تسارع التطورات الإقليمية والدولية.

ولم يستبعد الخبير الاقتصادي المصري أن تحمل البيانات المقبلة تراجعاً في تدفقات تحويلات العاملين بالخارج، مع تقلص أعداد المصريين العاملين في بعض دول الخليج نتيجة الظروف الاقتصادية والتوترات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب استمرار الضغوط على إيرادات قطاعي السياحة وقناة السويس.

وأوضح توفيق أن استمرار الاضطرابات الإقليمية ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد المصري، سواء عبر تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر وتأثيرها على إيرادات قناة السويس، أو من خلال تباطؤ النشاط السياحي، وهو ما يزيد الحاجة إلى مصادر أكثر استدامة للعملة الأجنبية.

رجل يحصي جنيهات مصرية خارج أحد البنوك في القاهرة (رويترز)

ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية، استمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد عقب اندلاعها في مطلع مارس من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً. وأربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية هذا الأسبوع بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء والخميس.

حدود آمنة

وكان الأكاديمي والباحث الاقتصادي خالد الشافعي أكثر تفاؤلاً؛ إذ قال إن التحركات الأخيرة في سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري لا تزال ضمن «الحدود الآمنة»، مشيراً إلى أن تذبذب العملة الأميركية بين مستويات 50 و55 جنيهاً خلال الفترة الماضية «لا يمثل مؤشراً يدعو إلى القلق حتى الآن».

وأوضح الشافعي أن حالة التذبذب الحالية يصعب تحديد سقفها الزمني بصورة دقيقة، في ظل ارتباط موارد مصر الدولارية بعوامل خارجية تتأثر بحركة الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والتطورات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية.

وأضاف أن الاقتصاد المصري يعتمد بصورة رئيسية على 5 مصادر أساسية للنقد الأجنبي، تشمل: إيرادات السياحة، وعائدات قناة السويس، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والصادرات، إلى جانب تدفقات «الأموال الساخنة»، وهي جميعها مصادر تتأثر بشكل مباشر بالتقلبات الاقتصادية العالمية.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أكد في أكثر من مناسبة أن «مصر تكبدت خسائر بنحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، إلى جانب استضافة نحو 10 ملايين وافد، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وأشار الشافعي إلى أن الحكومة المصرية اتخذت خلال الفترة الأخيرة خطوات وصفها بـ«الإيجابية» لاحتواء الضغوط المرتبطة بسوق الصرف، من بينها تخفيف بعض قرارات إغلاق المحال التجارية، إلى جانب التحرك المبكر لملاحقة أي مؤشرات على عودة السوق السوداء للعملة الأميركية، بهدف الحفاظ على استقرار السوق النقدية ومنع المضاربات.

وكانت وزارة الداخلية قد أكدت، الأربعاء، «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (نحو 490 ألف دولار)»، معتبرة أن ذلك يأتي في إطار «تواصل الضربات الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

ولا يرى هاني توفيق بديلاً لمواجهة تحديات سعر الصرف المتقلب سوى «المضي في تنشيط عمليات الاستكشافات النفطية والغازية، إلى جانب تبني سياسات أكثر فاعلية لترشيد الاستهلاك وتقليل ضغوط الطلب على الدولار، بما يسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية».


تيسيرات مصرية للتوسّع في مشروعات قطاع التعدين

جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

تيسيرات مصرية للتوسّع في مشروعات قطاع التعدين

جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

عبر «خفض إيجارات مناطق البحث والاستكشاف، وتسريع استخراج الموافقات»، تُقدم الحكومة المصرية تيسيرات جديدة للتوسع في مشروعات قطاع التعدين.

ووفق وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، فإن «بلاده تعمل على تطوير بيئة استثمارية أكثر استقراراً وجاذبية في قطاع التعدين، من خلال تحديث الأطر التشريعية والتعاقدية والتحول إلى نماذج متوافقة مع أفضل الممارسات العالمية وتوفير حوافز مناسبة للمستثمرين».

وأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية، في بيان، الجمعة، أنه في إطار توجه الدولة نحو تطوير قطاع التعدين وتعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية، وافق مجلس الوزراء على تعديلات اللائحة التنفيذية لـ«قانون الثروة المعدنية». وأوضحت أن التعديلات تهدف إلى «تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، وزيادة مساهمة قطاع التعدين في الاقتصاد القومي».

وحسب الوزارة، تضمنت التعديلات تيسيرات منها «خفض القيمة الإيجارية لمناطق البحث والاستكشاف بنسب تصل إلى 60 في المائة لتخفيف الأعباء المالية على المستثمرين خلال المراحل الأولى للمشروعات وتشجيع التوسع في أعمال البحث وزيادة فرص الاستكشاف، وتحديد مدة زمنية لا تتجاوز 30 يوماً لإصدار الموافقات والتنسيقات بما يدعم تبسيط الإجراءات وتسريع وتيرة العمل، فضلاً عن السماح باستغلال أكثر من خام داخل منطقة الامتياز الواحدة بما يحقق الاستفادة المثلى من الموارد التعدينية ويعزز الجدوى الاقتصادية للمشروعات».

وأكدت الوزارة أنه تم تعديل نسبة مساهمة هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية في المشروعات المشتركة لتصبح 10 بدلاً من 25 في المائة، بما يسهم في زيادة جاذبية الاستثمار وتشجيع ضخ استثمارات جديدة، كما شملت «وضع إطار واضح لتحديد الإتاوات الخاصة بالخامات غير المدرجة مسبقاً، بما يحقق الشفافية ووضوح الالتزامات المالية للمستثمرين».

«انفوغراف» نشره مجلس الوزراء عبر صفحته بـ«فيسبوك» الجمعة عن تعديلات قانون الثروة المعدنية في مصر

وأشار أستاذ هندسة البترول والطاقة، جمال القليوبي، إلى أن «التيسيرات الحكومية الجديدة تستهدف زيادة الإيرادات بطريقة أكثر استدامة عبر دخل ثابت من الإيجارات، والإتاوات المرتبطة بالإنتاج، والضرائب على الأرباح وهذا أفضل من عملية التقاسم التعاقدية».

أضاف القليوبي لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف من التعديلات «تحسين مناخ الاستثمار في التعدين، وتبسيط إجراءات التراخيص، وتقليل زمن الموافقات، وتوحيد جهة التعامل، وإدخال نظام طرح عبر المزايدات العالمية».

وتابع: «فضلاً عن التحول من نظام مشاركة إلى نظام إتاوة وضرائب». ويفسر: «قبل التعديلات كان النظام المعمول به هو الاعتماد على اتفاقيات شبيهة بالبترول (تقاسم الإنتاج) بالدخول في الإنتاج بنسبة 50 إلى 50، لكن بعد التعديل أصبح يعتمد على نظام إتاوة يصل من 5 إلى 20 في المائة، ويعتمد على ضرائب أرباح، وعلى رسوم إيجارات ومساحات، وهو نظام مألوف عالمياً، ويقلل المخاطر القانونية والتعاقدية، ويجعل مصر دولة ذات تنافسية».

وأطلقت مصر في وقت سابق المنطقة الاقتصادية الخاصة للمثلث الذهبي بهدف تطويرها، إذ تتضمن مشروعات تعدين وصناعات ذات قيمة مضافة. وتعد هذه المنطقة بين (قنا وسفاجا والقصير) من أغنى المناطق في مصر من حيث المعادن مثل الحديد، والنحاس، والذهب، والفضة، والجرانيت، والفوسفات، وتمثل نحو 75 في المائة من الموارد المعدنية للدولة.

وتضمنت التعديلات الحكومية، حسب بيان «البترول والثروة المعدنية»، الجمعة، تنظيم إصدار تراخيص المعامل المتخصصة وتحديد اشتراطات تشغيلها بما يضمن إحكام الرقابة على الأنشطة التعدينية ورفع كفاءة عمليات التحليل، وإنشاء فروع ومكاتب لهيئة الثروة المعدنية داخل وخارج مصر بما يسهم في دعم الترويج لفرص الاستثمار وتيسير الإجراءات للمستثمرين، فضلاً عن تعزيز التحول الرقمي من خلال إتاحة التقديم على المناطق التعدينية وسداد الرسوم إلكترونياً عبر بوابة مصر للتعدين.

ويشير القليوبي إلى أن «التيسيرات تتيح مرونة أثناء فترات البحث والاستكشاف، والمرونة تتمثل في أن المستثمر يستطيع أن يستكشف من خلال قطعة الامتياز الواحدة أكثر من معدن، وبالتالي يجعل هناك نوعاً من المرونة خلال فترات البحث والتنقيب ويقلل التقييد بالشراكة عبر تحويل بسيط للرخصة من استكشاف لاستغلال».

وزير البترول والثروة المعدنية خلال «منتدى المعادن الحرجة» في إسطنبول يوم الثلاثاء (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

وبينما تؤكد «البترول والثروة المعدنية» أن «التعديلات الحكومية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير قطاع التعدين، وتهيئة مناخ أكثر تنافسية للاستثمار». يشير مراقبون إلى أن «التعديلات تأخرت بعض الوقت؛ لكنها تعتمد على مُحفزات وتيسيرات لتسريع عمليات الاستثمار».

وكان رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي قد اطلع خلال اجتماع، الاثنين، مع كريم بدوي على جهود وزارة البترول والثروة المعدنية لتحفيز الاستثمار في قطاع التعدين.

ويرى أستاذ البترول والطاقة أن «التعديلات تزيد الإيرادات». ويوضح أن «مصر تستهدف رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من 1 في المائة حالياً إلى نحو 6 في المائة».

كما أعلن الوزير بدوي أثناء مشاركته في «منتدى المعادن الحرجة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» بإسطنبول، الثلاثاء الماضي، أن «مصر تستعد لبدء تنفيذ مشروع المسح الجوي الجيوفيزيائي الشامل للمعادن خلال يونيو (حزيران) المقبل، وهو أول مشروع من نوعه منذ عام 1984». وأوضح أن «إتاحة البيانات الجيولوجية الدقيقة تمثل ركيزة أساسية لتقييم الموارد التعدينية، وطرح فرص استثمارية أكثر جاذبية، وجذب المستثمرين، وتسريع قراراتهم الاستثمارية».


«وول ستريت» تواصل الصعود نحو مستويات قياسية بدعم أرباح الشركات

أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

«وول ستريت» تواصل الصعود نحو مستويات قياسية بدعم أرباح الشركات

أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تواصل الأسهم الأميركية صعودها نحو تسجيل مزيد من الأرقام القياسية يوم الجمعة، مدعومة بنتائج قوية لشركات كبرى مثل «أبل» و«إستي لودر»، في وقت ساهم فيه التراجع المحدود لأسعار النفط في تهدئة التقلبات ودعم استقرار الأسواق العالمية خلال عطلة عيد العمال.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.6 في المائة، معززاً المستوى القياسي الذي سجله في الجلسة السابقة. كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 226 نقطة، أو 0.5 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، فيما زاد مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 0.7 في المائة ليواصل تسجيل قمم تاريخية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وتصدرت شركة «أبل» قائمة الرابحين بارتفاع سهمها 3.3 في المائة، بعد إعلانها عن نتائج فصلية فاقت توقعات المحللين من حيث الأرباح والإيرادات.

كما ارتفع سهم «إستي لودر» بنسبة 4.2 في المائة عقب إعلانها عن أرباح قوية، مدعومة بشكل جزئي بأداء قوي في السوق الصينية، إلى جانب رفع بعض توقعاتها المستقبلية. وصعد سهم «كولغيت - بالموليف» بنسبة 3.1 في المائة بعد نتائج أفضل من المتوقع، رغم تحذير رئيسها التنفيذي نويل والاس من استمرار التقلبات الاقتصادية الكلية وتباطؤ نمو القطاع خلال عام 2026.

ويظل مسار أسعار النفط العامل الأبرز المؤثر في آفاق الاقتصاد العالمي، في ظل تداعيات الحرب الإيرانية. وقد تراجعت الأسعار يوم الجمعة بعد ارتفاعات حادة شهدتها في وقت سابق من الأسبوع.

وانخفض سعر خام برنت، المعيار العالمي، بنسبة 0.5 في المائة ليصل إلى 109.88 دولارات للبرميل، رغم بقائه مرتفعاً بنحو 11 في المائة على أساس أسبوعي. وجاءت هذه التحركات في ظل استمرار المخاوف من إطالة أمد إغلاق مضيق هرمز، ما قد يعيق تدفقات النفط من الخليج إلى الأسواق العالمية.

وفي سوق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية بالتزامن مع تراجع أسعار النفط، حيث انخفض عائد السندات لأجل 10 سنوات بشكل طفيف إلى 4.39 في المائة مقارنة بـ4.40 في المائة في نهاية جلسة الخميس.

وعلى صعيد الأسواق العالمية، أغلقت العديد من البورصات أبوابها بسبب عطلة رسمية، فيما ارتفع مؤشر «نيكي 225» في طوكيو بنسبة 0.4 في المائة، في حين تراجع مؤشر «فوتسي 100» في لندن بنسبة 0.6 في المائة.