«جدة للكتاب» يسدل الستار عن 10 أيام حافلة بالإبداع والمعرفة

قدَّم رحلة استثنائية لعشاق الأدب وسط أجواء ثقافية ماتعة... وعدد الكتب المبيعة يتجاوز 450 ألف كتاب

شاب يوثّق على هاتفه الجوال زيارته لمعرض جدة للكتاب (هيئة الأدب والنشر والترجمة)
شاب يوثّق على هاتفه الجوال زيارته لمعرض جدة للكتاب (هيئة الأدب والنشر والترجمة)
TT

«جدة للكتاب» يسدل الستار عن 10 أيام حافلة بالإبداع والمعرفة

شاب يوثّق على هاتفه الجوال زيارته لمعرض جدة للكتاب (هيئة الأدب والنشر والترجمة)
شاب يوثّق على هاتفه الجوال زيارته لمعرض جدة للكتاب (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

أسدل «معرض جدة للكتاب 2024» الستار عن فعالياته التي امتدت لـ10 أيام، قدَّم خلالها رحلة استثنائية لعشاق الأدب والمعرفة، وسط أجواء ثقافية ماتعة تخلّلها عدد من النقاشات في جلسات حوارية وندوات وورش عمل غطّت مختلف المجالات الفكرية والثقافية، إضافة إلى الأمسيات الشعرية التي كانت حافلة بالجمال والإبداع والحضور الكبير لعشاق القصيدة النبطية ومحبي الكلمة العذبة.

ووفَّر المعرض، الذي نظمته «هيئة الأدب والنشر والترجمة» في السعودية تحت شعار «جدة تقرأ»، قرابة 400 ألف عنوان معروض، في حين تجاوز عدد الكتب المبيعة 450 ألف كتاب، تناولت مختلف المجالات من كتب دُور النشر المعروضة والمانجا والكتب المخفضة، وسط رغبة كثيرين من الزوار في أن يمتد المعرض لعدة أيام أخرى.

إقبال كبير شهده المعرض من مختلف الأعمار (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

ورفع الدكتور محمد علوان، الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الأدب والنشر والترجمة»، شكره للقيادة السعودية على دعمها غير المحدود للحراك الثقافي المتصاعد في المملكة، منوهاً بالحضور اللافت الذي شهده معرض جدة للكتاب، والذي يُعدّ ثالث معارض الكتاب، بعد معرض الرياض الدولي للكتاب، ومعرض المدينة المنورة لعام 2024.

جهود متواصلة

وأكد الدكتور علوان أن الهيئة تعمل بجهد لتطوير كل نسخة من معارض الكتاب، لتصبح أكثر تميزاً وجاذبية عبر أفكار إبداعية مبتكرة، مشيراً إلى أن هذه الجهود تأتي بتوجيه ومتابعة من وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان؛ بهدف تحقيق مستهدفات «رؤية المملكة 2030» التي تُولي أهمية كبرى لتعزيز الثقافة، ودورها المحوري في تحسين جودة الحياة، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

سيدة برفقة ابنها يتصفحان إصدارات إحدى دُور النشر بالمعرض (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

وأشار الدكتور علوان إلى أن السعودية باتت منارة الإبداع على المستويين العربي والدولي، بفضل تنوعها الثقافي والموروث الحضاري الثري الذي جعلها وجهة جاذبة للفعاليات الثقافية والفنية، لافتاً النظر إلى أن وزارة الثقافة تسعى بشكل حثيث لتحويل المملكة إلى منصة رئيسية لصناعة النشر والتوزيع، من خلال توفير بيئة مثالية ومتطورة تلبي احتياجات القرّاء ودُور النشر على حدٍّ سواء.

وأعرب عن فخره بما وصلت إليه السعودية في مجال صناعة النشر، مشيداً بالدراسات المتقنة والخطط المحكمة التي تقف وراء نجاح هذه الفعاليات، مؤكداً أن «هيئة الأدب والنشر والترجمة» تحرص على جعل الكتاب في متناول الجميع، وتوسيع منافذ النشر، بما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للثقافة المنبثقة من «رؤية السعودية 2030».

سيدة تتصفح مع ابنتها أحد الإصدارات الخاصة بالأطفال (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

ندوات وورش عمل وأمسيات شعرية

وأتاح المعرض عدداً من الورش العمل والندوات والأمسيات الشعرية، ومنها تلك التي تناولت جهود العلماء السعوديين في خدمة اللغة العربية، وأشادت بالمبادرات الرائدة لـ«المجمع» في نشر اللغة العربية وآدابها عالمياً.

واستعرض الدكتور محمود إسماعيل تجربته في إدارة معهد اللغة العربية للناطقين بغيرها، وإعداده سلاسل تعليمية مميزة مثل «العربية للحياة»، و«القراءة الميسرة». وتناول أيضاً مشروع البنك الآلي السعودي للمصطلحات «باسم»، مؤكداً دوره في تعزيز المصطلحات العلمية والتقنية باللغة العربية.

جانب من ندوة جهود العلماء السعوديين في خدمة اللغة العربية (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

بدوره، قدَّم الدكتور عبد الله القرني نبذة عن تاريخ معاهد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، مشيراً إلى دورها في تأهيل الطلاب من مختلف دول العالم للالتحاق بالجامعات، وأشاد ببرامجها المُحكَمة التي أسهمت في تخريج أجيال من الأكاديميين المتخصصين.

بينما تناولت ورشة عمل بعنوان «النظريات الأساسية في الموسيقى» مجموعة من القواعد والمبادئ التي تُشكل الأساس لفهم الموسيقى وبنائها، كما تناولت الأشكال الموسيقية، والحروف الموسيقية في المدرج، والمفاتيح التي تساعد على فهم بنية المقطوعات.

جانب من إحدى ورش العمل المُقامة ضمن فعاليات المعرض (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

فكرة إصدار كتاب

وفي أمسية ملهمة، ضمن فعاليات المعرض، أُقيمت ورشة عمل بعنوان «من أين تأتي الفكرة؟». قاد الورشة المهندس بدر السماري، الذي حثّ الحضور على أهمية القبض على التفاصيل البسيطة في حياتهم اليومية وتدوينها باستمرار، مشيراً إلى أنها تُعد منطلقاً لفكرة كتابات مميزة ومليئة بالتفاصيل الباهرة.

وأوضح السماري أن كل كاتب محترف يحتفظ بملف يحتوي على شذرات من أفكار متنوعة «جملة قالها سائق أجرة، أو موقف في السوق، أو حتى وصف غريب سمعه في مكان عام». وأكد أن هذا الملف، وإن بدا بلا قيمة لشخص آخر، يُمثل أداة ثمينة لتحفيز مخيلة الكاتب واسترجاع أفكار قابلة للتطوير.

شاب يبحث عن أحد الإصدارات الأدبية بإحدى دُور النشر (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

وشدَّد السماري على أهمية تدوين التفاصيل التي نمر بها في حياتنا اليومية، مثل وقوفنا في طابور طويل، أو شجار عابر في متجر، أو رائحة المطر في الصحراء، أو حتى شعور الإنسان أثناء الإقلاع بالطائرة. وقال: «دعونا نكتب عن الشخصيات الغريبة التي نقابلها، عن المشاعر التي نختبرها للمرة الأولى، فهذه التفاصيل هي روح الكتابة».

جانب من الفعاليات التعليمية والتثقيفية المقامة بمنطقة الأطفال (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

برنامج حافل للأطفال

قدّمت منطقة الأطفال برنامجاً حافلاً ولافتاً، للفئة العمرية الممتدة من 3 إلى 12 سنة، عبر 9 أركان؛ منها ما خُصص لرعاية الأطفال، وآخر لتقديم تجارب تفاعلية بمشاركة الأطفال؛ منها «الطاهي الصغير وتصميم الأزياء وبحر اللغة والرسوم المتحركة وحرفة وقصة والخط العربي»، وغيرها مما كان له الأثر الكبير في تنمية ثقافة الأطفال بمزج الأنشطة التعليمية بالترفيهية لخلق أجواء من المرح لدى الأطفال، وتعزيز حب القراءة والاطلاع لديهم منذ الصغر.

جانب من الفعاليات التعليمية في منطقة الأطفال ضمن الفعاليات المصاحبة للمعرض (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

وجمع ركن «حرفة وقصة» في ركن الطفل بين الإبداع والأصالة بلمسة مبتكرة، حيث مثّل تجربة فريدة للأطفال تجمع بين الحِرف اليدوية وروح الابتكار، وتتيح للصغار فرصة التعبير عن أنفسهم من خلال أنشطة ممتعة مستوحاة من عالم الكتب.

يتميز الجناح بتقديم أنشطة تفاعلية ملهمة، تشمل: صنع فواصل الكتب، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وصنع بطاقات ثلاثية الأبعاد، بالإضافة إلى تزيين حامل الزهور الخشبي. هذه التجارب تسهم في تنمية مهارات الأطفال وصقل مواهبهم، مع الحفاظ على ارتباطهم بالتراث وروح الأصالة.

مسرح الطفل في المعرض قدَّم فقرات متعددة تفاعل معها الأطفال بشكل كبير (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

تفاعل مع الأنشطة

وفي مشهد يعكس حيوية الجيل الجديد وشغفه بالمعرفة، أظهر طلاب وطالبات المدارس حضوراً لافتاً في المعرض، حيث توافدوا، خلال الفترات الصباحية، من مختلف المراحل الدراسية، مستكشفين زوايا المعرض الغنية بكنوز المعرفة والأدب والعلوم، ومتفاعلين مع الأنشطة الثقافية والفنية المصاحبة.

طفل تبدو عليه السعادة داخل جناح «مانجا» بالمعرض (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

«المانجا» تخطف الأنظار

جذب ركن «المانجا» والأنمي اهتماماً كبيراً من الطلاب، حيث قدَّمت دُور النشر المتخصصة في القصص المصورة اليابانية أنشطة تفاعلية مميزة. وجد الطلاب في هذا الركن تجربة تجمع بين الإبداع والثراء الثقافي، مما عزَّز اهتمامهم بهذا الفن المتنامي الذي يُلهم الخيال وينمي المهارات الإبداعية.

أحد الأطفال مع شخصية «جحا» ضمن الفعاليات المصاحبة لمنطقة الأطفال بالمعرض (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

ولم يقتصر الإقبال على المراحل المتقدمة، بل أبدى طلاب المراحل الأولية اهتماماً خاصاً بركن الطفل وأجنحته المتنوعة، التي احتضنت أنشطة تعليمية وترفيهية تهدف إلى تعزيز حب القراءة لديهم منذ الصغر.

20 فكرة ملهمة

وفي إطار المعرض، احتفل الكاتب عبد الله هزازي، في آخِر أيام المعرض، بتوقيع كتابه الجديد «عشرون فكرة ملهمة لمعلمي ومعلمات الصفوف الأولية»، شهد حفل التوقيع حضوراً مميزاً من الأقارب والأصدقاء، بالإضافة إلى عدد من زوار المعرض الذين أثنوا على مضمون الكتاب ورسالته التعليمية.

عبد الله هزازي مؤلف كتاب «عشرون فكرة ملهمة» على منصة التوقيع بمعرض الكتاب (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

ويُعدّ الكتاب دليلاً إبداعياً للمعلمين والمعلمات، حيث يقدم أفكاراً مبتكرة تسهم في تطوير أساليب التدريس للصفوف الأولية، وتعزيز التميز والإبداع في العملية التعليمية.

ومع إسدال الستار على معرض جدة للكتاب 2024، تحتفل المملكة بإنجاز ثقافي جديد يعزز مكانتها على خريطة الثقافة العالمية، ويؤكد التزامها المستمر بدعم الأدب والفنون في رحلة مستمرة من الإبداع والتطوير، وكان المعرض قد استضاف أكثر من 1000 دار نشر ووكالة محلية وعربية ودولية، موزعة على 450 جناحاً مقدِّماً تجربة لا تُنسى لعشاق الأدب والفنون.

فتيات يتصفحن الإصدارات الأدبية عند أحد أركان دُور النشر بالمعرض (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

إقبال كبير شهده المعرض من مختلف الأعمار (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

سيدة تتصفح مع ابنها أحد إصدارات دُور النشر بالمعرض (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

جانب من الفعاليات التعليمية والتثقيفية المقامة في منطقة الأطفال بمعرض جدة للكتاب (هيئة الأدب والنشر والترجمة)


مقالات ذات صلة

«حقيبة تشخيص ذكية» و«جهاز ذاتي لصرف الدواء» لدعم الرعاية الصحية في الحج

الخليج فهد البطحي الرئيس التنفيذي لقطاع سلاسل الإمداد والتشغيل بشركة «نوبكو» (الشرق الأوسط)

«حقيبة تشخيص ذكية» و«جهاز ذاتي لصرف الدواء» لدعم الرعاية الصحية في الحج

عبر منظومة صحية متكاملة ومجانية لا تقتصر فقط على تقديم الرعاية الطبية للحجاج، بل تعزيز الابتكار لكل ما من شأنه تقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن.

إبراهيم القرشي (المشاعر المقدسة)
الخليج المهندس عماد الزهراني مدير المنطقة الغربية بالشركة الوطنية للشراء الموحد للأدوية والأجهزة والمستلزمات الطبية «نوبكو» (الشرق الأوسط)

51 مليون وحدة دواء وبند طبي لدعم الرعاية الصحية للحجاج

فريق العمل في غرفة القيادة والتحكم يتولى متابعة مؤشرات الأداء والمخزون بشكل مباشر عبر شاشات رقمية متقدمة، تتيح مراقبة جميع المواقع الصحية داخل المشاعر المقدسة.

إبراهيم القرشي (المشاعر المقدسة)
الخليج أوضح الأمين العام أن دول الخليج وأوروبا يتطلعان إلى الارتقاء بعلاقاتهما إلى آفاق أوسع (مجلس التعاون)

البديوي: استقرار الخليج لم يعد شأناً إقليمياً... بل مصلحة دولية مشتركة

أكد جاسم البديوي أن التطورات الأخيرة أظهرت ترابط أمن أوروبا والشرق الأوسط بصورة غير مسبوقة، مشدداً على أن استقرار منطقة الخليج لم يعد شأناً إقليمياً.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (رويترز)

السعودية ودول عربية وإسلامية تدين افتتاح سفارة مزعومة لـ«أرض الصومال» في القدس

أدانت وزارة الخارجية السعودية، وعدد من الدول العربية والإسلامية، بأشد العبارات، إقدام ما يُسمى إقليم «أرض الصومال» على افتتاح «سفارة» في القدس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس) والشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر (قنا)

ولي العهد السعودي وأمير قطر يبحثان جهود تحقيق أمن المنطقة

بحث الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر، تطورات أوضاع المنطقة والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (جدة)

محمد صلاح أبو سيف: تجنبت إخراج فيلم عن والدي

المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)
المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)
TT

محمد صلاح أبو سيف: تجنبت إخراج فيلم عن والدي

المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)
المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)

أكد المخرج المصري محمد أبو سيف، نجل المخرج الراحل صلاح أبو سيف، أن أسرته قامت قبل سنوات بإهداء مكتبة ومقتنيات والده لوزارة الثقافة لكي تستفيد منها أجيال جديدة، وأضاف في حوار مع «الشرق الأوسط» أنه سيقوم بزيارة المعرض الذي تقيمه دار الكتب والوثائق القومية لمقتنيات والده، ولفت محمد أبو سيف إلى أنه اتجه للإخراج تأثراً بوالده ووالدته التي عملت «مونتيرة».

وكشف أبو سيف أن مكتبة والده تضم نحو 10 آلاف كتاب وأنه كان قارئاً نهماً، كما أهدوا لوزارة الثقافة بعض مقتنياته خلال تولي د. إيناس عبد الدايم الوزارة، وقال: «لقد رأينا أن وجودها بالصناديق لن يفيد أحداً، والأفضل أن تكون بحوزة الدولة لإتاحتها للجمهور ولتستفيد منها أجيال أخرى، وأيضاً للحفاظ عليها باعتبارها تاريخاً سينمائياً مهماً لمخرج كبير».

كما كشف عن قيام المخرج ومدير التصوير كمال عبد العزيز بتصوير معرض مقتنيات صلاح أبو سيف ضمن فيلم تسجيلي يصوره عنه، مؤكداً أنه تم تصوير أفلام عدة عن مشوار والده، أهمها فيلم «صلاح أبو سيف يتذكر» للمخرج هاشم النحاس، وذلك خلال حياة أبيه.

لكن الابن لم يصور فيلماً عن والده، مؤكداً أنه «كما الطبيب لا يستطيع إجراء عملية جراحية لابنه»، فهو أيضاً لا يستطيع أن يصنع فيلماً عن أبيه: مضيفاً «خشيت أن أعمل عنه فيلماً قد لا أكون محايداً ولا موضوعياً فيه».

أبو سيف لم ينفذ إحدى وصايا والده في مجال الفن (حسابه على فيسبوك)

لكنه في الوقت نفسه، عمل على تنفيذ آخر أفلامه «تزوج وعش سعيداً»، وكانت الرقابة قد رفضته. يتابع الابن قائلاً: مع تولي د. مدكور ثابت رئاسة الرقابة وافق على الفيلم بشرط تغيير العنوان وألا يتضمن مشاهد إباحية، فقمت بتغيير عنوانه إلى «النعامة والطاووس»، ونفذت السيناريو كما كتبه أبي والمؤلف لينين الرملي، وتحمست لإنتاجه أيضاً، لكن نظراً لحساسية موضوعه عن العلاقات الزوجية لم ينجح على المستوى التجاري، ولم يقبل عليه الجمهور، وخسرت وقتها أكثر من مليون جنيه.

وتعلق محمد أبو سيف بالسينما من خلال أسرته؛ وعن ذلك يقول: «تعلقت بها من خلال أبي ومن والدتي المونتيرة وفيقة أبو جبل، رحمهما الله، ومن المكتبة السينمائية الضخمة في بيتنا... لكن المفارقة أنه حينما قررت الالتحاق بمعهد السينما قاطعني والدي لمدة عام، فقد كنت قد أنهيت دراستي لعلم النفس بالجامعة الأميركية وقال لي أبي (ما صدقنا انتهيت من دراستك وحصلت على شهادة مهمة)، والحقيقة أن سنوات الدراسة امتدت لـ8 سنوات، بين الجامعتين، وصالحني أبي بعد أن لاحظ تمسكي باختياري».

الملصق الدعائي لفيلم «خالي من الكولسترول» (الشركة المنتجة)

وعمل الابن مساعداً لوالده في أفلام «حمام الملاطيلي»، و«الكذاب»، و«سقطت في بحر العسل»، ويؤكد محمد أنه لا يوجد فارق بين صلاح أبو سيف الأب والمخرج حسبما يقول: «كان في كل الحالات هادئاً سواء كونه أباً أو مخرجاً، وكان يتمتع بخفة ظِل».

ويرى أن العامل المشترك بينه وبين والده هو الهدوء، ويتذكر ذلك قائلاً: «كان أبي طوال الوقت يقدم نصائح، ليس لي فقط بل لكل تلاميذه، منها مثلاً لا تعمل فيلماً سيئاً واسأل نفسك أولاً لماذا تعمل هذا الفيلم، لو كان من أجل المال لا تعمله، لأنه سيظل في رصيدك».

لكن محمد يعترف بأنه لم يعمل بنصيحة أبيه، ويبرر ذلك قائلاً: كنت قد تعرضت في وقت ما لضائقة مادية جعلتني أقبل أفلاماً لست راضياً عنها، ومنها فيلمان أندم عليهما حتى الآن «جحيم 2... حورجادا»، و«المشخصاتي 2».

الملصق الدعائي لفيلم «المشخصاتي 2» (الشركة المنتجة)

وأخرج محمد أول أفلامه «التفاحة والجمجمة» عام 1985، لكن والده لم يعجبه الفيلم، ويقول: «كان أبي ناقداً قاسياً ولم يعجبه الفيلم، ولم يكن متحمساً للرواية التي كتبها محمد عفيفي، لكنني كنت مقتنعاً بما قمت به، وحينما شاهد فيلمي (نهر الخوف) صفق لي وأشاد به، ثم رحل قبل أن يرى بقية أفلامي».

ويؤكد: «أعتز بأنني ابن صلاح أبو سيف، وأن أفلامه لا تزال تجتذب الجمهور لأنه كان صادقاً مع نفسه، وكان يرى أن الواقعية هي الصدق».

ومنذ قدم فيلمه «هز وسط البلد» 2015 توقف محمد أبو سيف عن أعماله الفنية، ويقول: «كان الفيلم صادماً إلى حد ما وكنت قد كتبته عام 2007 وتوقعت فيه قيام ثورة، ليس على النظام السياسي بل على أنفسنا، وكنت أقدم رؤيتي كوني مخرجاً، بعيداً عن حسابات السوق».

وقبل ذلك كان قد أخرج فيلم «خالي من الكولسترول» الذي أنتجه وقامت ببطولته الفنانة إلهام شاهين، ثم توقف كما يقول مع جيل كامل من المخرجين الجادين لصالح من يطلق عليهم «الصنايعية الجدد» الذين يقومون بـ«تقفيل الفيلم» خلال أسبوعين، والمنتجين الذين يفضلون المخرج الذي يُنهي التصوير خلال أيام، في ظل موجة أفلام أثرّت على جيلي كله.

يشار إلى أن الابن أبو سيف أخرج عدداً من المسلسلات التلفزيونية، من بينها «الهاربة»، و«جنة ونار»، و«امرأة فوق العادة»، و«بنت أفندينا».


«المستورد والبلدي» في مصر... ازدواجية صارخة بين الطعام والسلع الاستهلاكية

مصريون يقبلون بكثافة على اللحوم البلدية رغم ارتفاع أسعارها (فيسبوك)
مصريون يقبلون بكثافة على اللحوم البلدية رغم ارتفاع أسعارها (فيسبوك)
TT

«المستورد والبلدي» في مصر... ازدواجية صارخة بين الطعام والسلع الاستهلاكية

مصريون يقبلون بكثافة على اللحوم البلدية رغم ارتفاع أسعارها (فيسبوك)
مصريون يقبلون بكثافة على اللحوم البلدية رغم ارتفاع أسعارها (فيسبوك)

عادةً ما ترتبط السلع «المستوردة» لدى كثير من المستهلكين في مصر بمعايير جودة أعلى، سواء تعلق الأمر بالأجهزة الكهربائية والهواتف المحمولة، أو الملابس وبعض المأكولات والمشروبات، إلا أن هذه المعادلة تبدو مختلفةً عندما يتعلق الأمر باللحوم، إذ لا يزال قطاع واسع من المستهلكين يمنح الأفضلية للحوم «البلدي»، باعتبارها أكثر جودةً، رغم اتساع الفجوة السِعرية بينها وبين اللحوم المستوردة المجمدة.

ورغم لجوء الكثير من الأسر إلى اللحوم المستورة الأقل سعراً بفعل موجات الغلاء والتضخم، فإن اللحوم المحلية في مصر ما زالت تحتفظ بمكانتها بوصفها الأفضل من حيث الطعم والطهي والقيمة الغذائية، لتتحوّل المقارنة بين «البلدي» و«المستورد» من مجرد فارق سعر إلى مسألة ذوق وثقة مُتجذرة لدى المستهلك.

ويستخدم المصريون تعبيرات متعددة عند وصف جودة اللحوم، تعكس الفارق في التفضيلات بين البلدي والمستورد، إذ تُوصف اللحوم البلدي بأنها أكثر «طراوة» وأنها «تذوب» أثناء الطهي أو الأكل، وأن طعمها أفضل بكثير من المجمدة التي ترتبط لدى البعض بكونها أكثر «قسوة» أثناء المضغ.

لحوم بلدية داخل أحد محال الجزارة بالدلتا (فيسبوك)

تصف آية نبيل (51 عاماً)، وهي معلمة وربة أسرة، اللحوم «البرازيلية » بأنها «أقل جودة»، موضحةً أنها «تلجأ إليها فقط في أوقات محدودة»، وترى أن اللحم البلدي «أجود في الطعم ودرجة النضج بعد الطهي»، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «اللحوم والكبدة البقري التي تُباع في السلاسل التجارية والمنافذ الاستهلاكية تكون غالباً مجمدة لفترات طويلة، وهو ما يجعلها أقل من حيث الطعم مقارنة باللحوم البلدية الطازجة».

أما أحمد المتولي، موظف في أحد المصانع بالجيزة، فيرى أن تجربة اللحوم المستوردة «ليست سيئة»، لأنها تتيح تناول اللحوم أكثر من مرة في الشهر، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «اللحوم الهندية والبرازيلية تحديداً أصبحت معروفة لدى المشتري المصري، رغم أنه طالها أيضاً ارتفاع في الأسعار»، ويضيف أن «سعر كيلو واحد من اللحم الكندوز المستورد يُعادل حوالي ثلثي سعر كيلو اللحم البلدي، لكن من المؤكد أن اللحم البلدي أفضل من حيث الجودة والضمان».

وتشهد الأسواق المصرية حالياً فجوة واضحة بين أسعار اللحوم البلدية والمستوردة، في وقت تتحرك فيه الأسعار تدريجياً مع الاقتراب من عيد الأضحى، إذ يتراوح سعر كيلو اللحوم البلدية في محال الجزارة بين 450 و500 جنيه تقريباً (الدولار يساوي 52.9 جنيه مصري)، بينما تتراوح أسعار اللحوم المستوردة والمجمدة بين 280 و350 جنيهاً للكيلو، حسب نوع قطعية اللحم ومنفذ البيع.

أفضلية كاسحة للحوم البلدية في مصر (من إعلان لمحل جزارة على فيسبوك)

وحسب محمد وهبي، عضو شعبة القصابين بغرفة القاهرة التجارية، فإن «أسعار اللحوم المستوردة شهدت ارتفاعات خلال الفترة الأخيرة بسبب ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، لكنها لا تزال أقل من أسعار اللحوم البلدي»، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الضغوط الأكبر ترتبط بزيادة الطلب الموسمي وارتفاع تكاليف الإنتاج، خصوصاً ارتفاع أسعار الأعلاف بنحو 3 آلاف جنيه للطن الواحد خلال الأشهر الماضية، وهو ما انعكس على أسعار اللحوم، خصوصاً مع تتابع المواسم المرتبطة بزيادة الاستهلاك، مثل شهر رمضان، وعيد القيامة، وعيد الأضحى».

ويشير ربيع حامد، بائع في إحدى محال الجزارة بمنطقة «الأردنية» بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، إلى أن «زبون اللحم البلدي يظل غير واثق من اللحم المستورد، الذي يُباع بشكل رئيسي في المنافذ الاستهلاكية، مرجعاً ذلك إلى القلق المتعلق بدرجة الحفظ والتجميد، وصولاً إلى الطعم نفسه».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «مع تصاعد موجات الغلاء الأخيرة، أصبح من الملاحظ أن كثيراً من الزبائن يقللون عدد الكيلوغرامات التي يشترونها شهرياً في مقابل عدم اللجوء للمستورد».

قطعيات لحم مجمد برازيلي (الشرق الأوسط)

ويقول محمد وهبي إن «السوق المصرية تعتمد على استيراد اللحوم من دول عدة، بينها البرازيل وكولومبيا والهند والسودان وإسبانيا، وتُطرح عبر المنافذ الحكومية والمجمعات الاستهلاكية»، ويرى أن «اللحوم المستوردة تساعد على استمرار توافر وتدفق اللحوم للمستهلكين رغم تفاوت الأسعار بين البلدي والمستورد»، معتبراً أن «كثيرين يستغلون فرق السعر بين النوعين لشراء كميات أكبر بغرض التخزين، وهو ما يؤثر على استقرار المعروض، خصوصاً في ظل التقلبات الحالية التي تشهدها الأسواق العالمية والمحلية».

اللحوم البلدية في مصر تتميز بجودة عالية وفق المستهلكين (فيسبوك)

ويضيف أن «اللحوم المستوردة تضم درجات وأنواعاً مختلفة بحسب بلد المنشأ وجودة المنتج»، وخلص إلى أن «اختلاف الطعم بين المستورد والمحلي لا يرتبط بالضرورة بالجودة، بقدر ما يعود إلى اختلاف نوعية الأعلاف وطبيعة التربية، فكثير من الدول المُصدرة تعتمد على المراعي المفتوحة التي تمنح الحيوانات حرية الحركة، في حين تعتمد التربية المحلية بدرجة أكبر على التربية داخل أماكن مغلقة، وهو ما ينعكس على طبيعة النسيج العضلي وطراوة اللحم».


«الشرق الأوسط» في «كان» - 9: هل انتهى المهرجان بأقل الخسائر الممكنة؟

المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)
المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)
TT

«الشرق الأوسط» في «كان» - 9: هل انتهى المهرجان بأقل الخسائر الممكنة؟

المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)
المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)

‫عكست جوائز مهرجان كان السينمائي التي تمّ منحها يوم السبت (الثالث والعشرين من الشهر) نتائج لم تكن متوقعة، حتى لدى العديد من النقاد الفرنسيين الذين كانوا عبّروا عن آرائهم في جداول بعض المنشورات والمجلات التي صدرت يومياً خلال الدورة المنتهية.

على سبيل المثال، لم يجد الفيلم الفائز بالسعفة الذهبية، وعنوانه «فيورد» (Fjord) الإعجاب الكبير الذي حازه لدى لجنة التحكيم. كان الصدى النقدي متراوحاً بين الوسط والقبول و(بنسبة محدودة) الجودة.

«مينوتور» حاز جائزة لجنة التحكيم الكبرى (سي جي فيلمز)

هذا على عكس فيلم «مينوتور» (Minotaur) الذي حصد جائزة لجنة التحكيم الكبرى للمخرج الروسي أندريه زفياغونتسف. أمّا «وطن» الذي اعتبره غالبية النقاد الأكثر جدارة بالفوز، فقد انتهى بجائزة أفضل مخرج نالها البولندي بافل بافليكوفسكي مناصفة مع فيلم أقل درجة بكثير عنوانه «الكرة السوداء» (The Black Ball أو La Bola Negra)، حسب عنوانه الأصلي الذي أخرجه شريكان إسبانيان، هما خافيير أمبروسي وبيلين مارتي لوش.

إنها دورة الجوائز التي مُنِحت مناصفة؛ ليس أن لجان التحكيم السابقة لم تعمد إلى هذا الاختيار سابقاً، لكنها لم توزّع جوائزها مناصفة على هذا النحو المتكاثر من قبل، فإلى جانب تقسيم جائزة أفضل إخراج إلى اثنين تم كذلك اعتماد ثنائية الفوز بالنسبة لجائزة التمثيل التي مُنحت لفرجيني إيفيرا (كما توقعنا هنا) وتاو أوكاموتو عن «على حين غرة» (All of a Sudden). وهذا ما تكرر أيضاً عند إعلان جائزة أفضل تمثيل التي فاز بها كل من إيمانويل ماكينا وفلنتين كامباين عن فيلم مشترك هو «جبان» للوكاس فونت.

جفرجيني إيفيرا وتاو أوكاموتو فازتا بجائزة أفضل ممثلة مناصفة عن فيلم «على حين غرة» (رويترز)

لكن اعتماد مبدأ المناصفة ليس سوى واحد من 4 ملاحظات أخرى سادت هذه الدورة، وبات بالإمكان الآن، وبعد انتهاء الدورة ومشاهدة العدد الأكبر من أفلام المسابقة الرسمية، تحديدها.

توقعات الناقد كانت نصف ناجحة، لا من حيث الأفلام التي فازت (مثل «وطن») أو فازت عبر ممثليها (كما حال الممثلة فرجيني إيفيرا التي نالت جائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة») بل على صعيد تلك التي لم يُقدر لها الفوز أيضاً (مثل «كريسماس مر» للأساني بدرو ألمودوفار).

إيمانويل ماكينا وفلنتين كامباين فازا مناصفة بجائزة أفضل تمثيل عن فيلم «جبان» للوكاس فونت. (رويترز)

مهرجان فرنسي... أولاً؟

• الملاحظة الأولى:

عدد الأفلام التي انتُخبت للمسابقة 22، من بينها 18 فيلماً من إنتاج فرنسي خالص أو من إنتاج فرنسي بالمشاركة مع دول أخرى. هذه من بينها «فيورد» الفائز بالسعفة الذهبية و«مينوتور» (الجائزة الكبرى) و«الكرة السوداء» و«وطن» (جائزة أفضل إخراج) كما باقي الأفلام التي فازت بالجوائز الأخرى بلا استثناء.

الأفلام الأربعة التي لم تشارك فرنسا بإنتاجها وتمويلها هي الفيلم الياباني «غَنم في الصندوق» (Sheep in the Box) والأميركي «نمر من ورق» (Paper Tiger) والكوري الجنوبي«أمل» (Hope) والإسباني «كريسماس مر» (A Bitter Christmas).

هذه ليست المرّة الأولى التي يتبدّى فيها أن غالبية الأفلام المتنافسة هنا (نسبة 90 في المائة أو نحوها) فرنسية بشكل أو بآخر لكنها مناسبة مكررة ما زالت تحث على التفكير من حيث مدى «دولية» المهرجان فعلاً.

الإجابة إنه دولي بما لا شك فيه نظراً لتعدد أصول هذه الأفلام ومصادرها الوطنية، لكنها تكشف عن الرابط بين الأفلام المنتجة جزئياً أو كلياً وتسويقها. كل فيلم من هذه الأفلام الثمانية عشرة تم الاتفاق عليه مسبقاً بين أصحاب الحقوق وشركات التوزيع الفرنسية.

حضور غير فعّال

• الملاحظة الثانية:

التجاهل الأميركي لمهرجان «كان» جاء واضحاً. فيلمان أميركيان في المسابقة الرسمية هما «نمر من ورق» و«أحب هذا الرجل»، وهذا عدد مناسب لمسابقة دولية لكن علينا ملاحظة أنهما فيلمان مستقلان وليسا من إنتاج استوديوهات هوليوود المعهودة. هذا التجاهل يشبه شرياناً مسدوداً.

قد يبدو ذلك جيّداً عند بعض النقاد الذين يناكفون هوليوود سياسياً وفكرياً، لكن على صعيد عملي هذا الغياب له تبعاته لأن «كان» (ربما على الأخص) هو المهرجان الذي عليه أن يدمج السينما الأميركية الرسمية في دوراته، كما كان الحال عندما قدّم فرنسيس فورد كوبولا وروبرت التمن ومارتن سكورسيزي وكلينت إيستوود بعض أفضل أفلامهم فيه.

احتفى المهرجان بنجمين أميركيين، هما جون ترافولتا الذي أهداه ميدالية خاصّة وتم تقديم فيلمه الأول كمخرج «حافلة مروحية ليلية باتجاه واحد» (Propeller One‪ - Way Night Coach).

الثاني هو فان ديزل الذي حضر العرض الخاص لفيلمه «السريع والهائج» (The Fast and the Furious) وسط احتفاء جماهيري كبير. المشكلة هي أن لا ترافولتا ولا ديزل فنانان فعليّان. لدى الأول بضعة أفلام ناجحة قام بتوفير أداء مقبول في بعضها، أما الثاني فليس لديه ما يوفّره سوى نجاح هذه السلسلة التي ليس من بينها فيلم يستحق الاستعادة في مهرجان أول كـ«كان».

أكثر من ذلك، هل لم يجد المهرجان اسماً آميركياً آخر للاحتفاء به؟ وماذا عن حقيقة أن الفيلم المختار لهذه المناسبة: «سريع وهائج» قديم (هذا ممكن غفرانه) لكنه ليس كلاسيكياً ولا هو بالفيلم الذي يستحق التقدير في هذه البيئة.

هذا لجانب حقيقة موازية: لا «نمر من ورق» ولا «الرجل الذي أحب» كانا عملين جديرين بالمشاركة. حال الفيلم الأول، للمخرج جيمس غراي، أفضل من الثاني بعض الشيء لكن الفيلم متعثّر في كيفية سرد أفضل لحكايته.

الفيلم المُستحق

• الملاحظة الثالثة:

هل كان فيلم السعفة أفضل فيلم بين تلك المتسابقة؟ سنجد هذا التساؤل مطروحاً في العديد من الدورات. ما يعجب النقاد لا يعجب الجمهور وما يعجب الجمهور لا يعجب لجنة التحكيم، ونتائجها كثيراً ما لا تلاقي التقدير ذاته لدى النقاد أو المشاهدين.

من «فيورد» الفائز بالسعفة (موبرا فيلمز)

لكن «فيورد»، الفيلم المعني هنا ليس الفيلم الأفضل بالمطلق. مخرجه الروماني كرستيان مونجيو سبق وحقق أفلاماً أفضل من هذه الدراما حول عائلة تترك رومانيا إلى النرويج لتحط في البلدة التي وُلدت فيها الزوجة لسبت (رينات رانيسف) قبل زواجها من الروماني ميهاي (سيباستيان ستان). ما يبتدّى سريعاً هو أن الزوجين متطرّفان دينياً. يدرك أهالي البلدة أن هذا التطرّف يعكس بيئة حياة غير صالحة لأولاد الزوجين. يدركون أن بعضهم يحمل علامات رضوض وتعنيف. والرسالة التي يريد المخرج إيصالها هي - بطبيعة الحال - مضادّة للتعاليم الدينية المتطرّفة التي ستؤدي إلى منوال نفسي سلبي على الأولاد (في المحور ابنة العائلة ذات الثماني عشرة سنة).

ليس أن الفيلم ركيك ولا يستحق قدراً من التقدير، لكنه لا يجيب عن كل طروحاته. يوجه ملاحظاته بنفَس بارد وبكاميرا تلاحظ أكثر مما تنفعل إيجاباً مع ما يدور. بذلك تتركنا النهاية أمام حالة تتوقف عند حدود قساوتها فقط.

في الوقت نفسه، كل فيلم حظى بالفوز هنا (مثل «وطن» و«مينوتور» و«رجل زمنه» (A Man of His Time) وسواها، يشكو من عدم اكتمال ما يدعو للتساؤل حول كيف حكمت لجنة التحكيم وتوصّلت إلى نتيجتها.

موجة غير طبيعية

• الملاحظة الرابعة:

هناك عدد أكبر من المعتاد من الأفلام التي تتناول مسائل المثلية الجنسية، بينها فيلم المسابقة الأميركي «أحب هذا الرجل» لإيرا ماكس. هذا يسرد حكاية رجل (رامي مالك) مصاب بالإيدز في أحداث تقع في الثمانينات. لم يفز الفيلم بجائزة كونه لا يستحق تبعاً لسذاجة موضوعه من بين عناصر درامية وفنية أخرى.

لكن المد في هذا الاتجاه لم يتوقف، وفيلمان من تلك الفائزة من هذا النوع، وهما الإسباني - الفرنسي «الكرة السوداء»، والفرنسي - البلجيكي - الهولندي «جبان».

عادة ما تعرض المهرجانات الدولية هذا النمط من الأفلام، لكن المعدّل العام، في المسابقة أو سواها، يبقى محصوراً في عدد محدود (ثلاثة في المتوسط) بينما حفل «كان» بستة أفلام (على الأقل) تؤكد توجّهاً واضحاً.

في نهاية المطاف، الدورة التاسعة والسبعين كانت، بالمقارنة، عادية كما حال الكثير من الدورات القريبة الماضية. لكن «كان» لا يزال في الريادة. عيد سينمائي شامل وكبير (ربما أكثر من الضروري) ومُكلف. كارنفال شاسع يريد أن يحتوي كل جانب وحقل من حقول السينما. هذا يرضي عديدين ليس من بينهم من يأتي بحثاً عن أفلام ذات قيمة فنية بالدرجة الأولى.