قمة «بروكسل»: مناشدة «أوروبية» لترمب بعدم التخلي عن أوكرانيا

قادة التكتل يسعون لرسم «خريطة طريق» تحول دون إخضاع كييف لشروط لا تقبلها

جانب من قمة الأوروبيين الخميس بمقر «الاتحاد الأوروبي» في بروكسل... والرئيس زيلينسكي وسط الصورة (آ.ب)
جانب من قمة الأوروبيين الخميس بمقر «الاتحاد الأوروبي» في بروكسل... والرئيس زيلينسكي وسط الصورة (آ.ب)
TT

قمة «بروكسل»: مناشدة «أوروبية» لترمب بعدم التخلي عن أوكرانيا

جانب من قمة الأوروبيين الخميس بمقر «الاتحاد الأوروبي» في بروكسل... والرئيس زيلينسكي وسط الصورة (آ.ب)
جانب من قمة الأوروبيين الخميس بمقر «الاتحاد الأوروبي» في بروكسل... والرئيس زيلينسكي وسط الصورة (آ.ب)

الهدف الأول والرئيسي للقمة الأوروبية الأخيرة هذا العام، والوحيدة قبل عودة الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترمب، إلى البيت الأبيض، عنوانه «بلورة استراتيجية أوروبية مشتركة» للضغط على ترمب وحثه على عدم التخلي عن أوكرانيا من جهة؛ ومن جهة ثانية التوافق على تحرك من شأنه أن يوفر الدعم لكييف.

وتأتي القمة فيما تلوح في الأفق احتمالية العودة، هذا العام، إلى طاولة المفاوضات. فالرئيس الروسي أكد، في مؤتمره الصحافي التقليدي، الخميس، أن بلاده مستعدة للعودة إلى المحادثات مع أوكرانيا، ولإبرام تسويات، «لكنها تحتاج إلى أن يكون الطرف الآخر (أوكرانيا) مستعداً لها أيضاً». وبرر ذلك بتأكيده أن قواته بصدد التحرك لتحقيق «الأهداف الأساسية» للحرب في أوكرانيا، ولكن من غير تفصيل ما يعنيه ذلك.

الرئيس الجديد لـ«المجلس الأوروبي» البرتغالي أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» أورسولا فون دير لاين قبيل بدء القمة الأوروبية (د.ب.آ)

في المقابل، يتطلع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الذي حضر ليومين في بروكسل من أجل المشاركة في اجتماعين رئيسيين؛ الأول في إطار «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» والثاني في سياق القمة الأوروبية، هو الآخر إلى نهاية الحرب. وفي تسجيل فيديو وجهه الثلاثاء إلى اجتماع للدول المشاركة في ما تسمى «قوة التدخل السريع المشتركة»، التي تضم بريطانيا ودول شمال أوروبا، قال زيلينسكي ما نصه: «إننا نعي جميعاً أن العام المقبل يمكن أن يشهد نهاية الحرب، وعلينا أن نعمل حتى يتحقق هذا الهدف». وأضاف زيلينسكي: «يتوجب علينا أن نتوصل إلى سلام لا يستطيع (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين إطاحته؛ إلى سلام وليس لمجرد هدنة. نريد سلاماً حقيقياً ودائماً».

وإذا كان الرئيس الأوكراني امتنع عن تعيين شروط السلام، فإن دول «قوة التدخل السريع» العشر بقيادة بريطانيا، تبرعت بتحديدها في بيان جاء فيه: «نريد سلاماً شاملاً، وعادلاً، ودائماً، ويتطلب الانسحاب الكامل وغير المشروط لكل القوات والوسائل العسكرية الروسية من كامل الأراضي الأوكرانية، وإلى ما وراء الحدود (الأوكرانية) المعترف بها دولياً».

استغاثة زيلينسكي

لا يعكس مضمون بيان أطراف «قوة التدخل السريع» بالضرورة حقيقة الموقف الأوكراني؛ ولا يأخذ في الحسبان الشروط الروسية المعروفة، ولا الموقف الميداني، ولا حتى التغير المرتقب للسياسة الأميركية مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض. وزيلينسكي نفسه لم يعد يكتم تخوفاته منها. فقد أعلن الخميس من بروكسل أن بلاده «بحاجة ماسة إلى الوحدة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أوروبا من أجل تحقيق السلام». وأضاف: «أعتقد أن الولايات المتحدة وأوروبا فقط يمكنهما معاً إيقاف بوتين وإنقاذ أوكرانيا».

وبكلام آخر، فإن زيلينسكي يعترف علناً بأن «انسحاب واشنطن» أو «تخليها عن دعم أوكرانيا» ستكون لهما انعكاسات كارثية على بلاده. ولذا، فإنه سعى، في بروكسل، إلى دفع الأوروبيين من أجل الضغط على ترمب لمواصلة دعم أوكرانيا، فيما الأخير يصر على ضرورة الإسراع في العودة إلى طاولة المفاوضات.

المستشار الألماني شولتس والأمين العام لـ«حلف الأطلسي» مارك روته خلال حديث جانبي بمقر الحلف في بروكسل يوم 19 ديسمبر (أ.ف.ب)

وقال ترمب، الاثنين، إن على زيلينسكي أن «يستعد للتوصل إلى اتفاق سلام مع الرئيس بوتين»، من غير أن يوضح شروطه وما إذا كان يتضمن تنازل كييف عن بعض أراضيها. وهذا الواقع يعزز المخاوف الأوروبية، حيث ترى غالبية أعضاء التكتل الأوروبي أن الرضوخ لشروط بوتين سيشجعه، في المستقبل، على افتعال حروب أخرى. لذا، قال أنطونيو كوستا، الرئيس الجديد لـ«المجلس الأوروبي»، إن التكتل «سيعمل من أجل سلام عادل ودائم»، مضيفاً: «هذه الحرب لا تتعلق بأوكرانيا وحدها، ولا تتعلق بأوروبا وحدها، بل تتعلق (كذلك) بالقانون الدولي الذي يجب أن يسود، ويجب دحر العدوان».

من جانبها، قالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة «المفوضية الأوروبية»: «أصدقاؤنا وأعداؤنا يتابعون من كثب كيفية مواصلة دعمنا أوكرانيا. لذا؛ يجب أن يكون دعمنا ثابتاً». وهذا العزم ورد بوضح في بيان القمة الذي أشار إلى «الالتزام الثابت» بالدعم ومواصلته «مهما طال الزمن».

السيناريو الذي ترفضه أوروبا

الصعوبة التي تواجهها أوروبا، وفق مصدر دبلوماسي في باريس، أنها تريد رسم «خطوط حُمر» لا يجوز تخطيها، فيما هي عاجزة عن فرض احترامها. وأحد هذه «الخطوط» أنها «ترفض أن يُتخذ قرار بشأن أوكرانيا من غير رضى الأوكرانيين، ومن غير التشاور مع الأوروبيين»، أو أن يُقادوا إلى مفاوضات يرون أنها يمكن أن تجري وفق شروط لا تلائم كييف.

ورغم سعي الأوروبيين إلى رسم سيناريو «مستقل» عن خطط واشنطن وتأكيد ثباتهم في دعم أوكرانيا، فإنهم يعون أنهم «لن يكونوا قادرين على لَيّ ذراع الإدارة الأميركية الجديدة» في حال صممت على تغيير نهج الرئيس الحالي جو بايدن، الذي يجهد في إيصال جميع المساعدات الممكنة؛ العسكرية والمالية، إلى كييف قبل خروجه من البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل.

رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا والرئيس الأوكراني يتحدثان الخميس للصحافة قبل انطلاق القمة التي دُعي إليها زيلينسكي (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أعلن المستشار الألماني، أولاف شولتس، في بروكسل، أن أولوية الأوروبيين هي «العمل من أجل ألا تلزَم (أوكرانيا) بقبول سلام يُفرض عليها» ويتضمن تنازلات لموسكو. كما قال شولتس، الخميس: «علينا ضمان دعم أوكرانيا بشكل دائم. يجب أن يكون واضحاً أننا مستعدون لتقديم الدعم، ما دامت هناك حاجة إليه».

لذا، يعتقد الأوروبيون أن الطريق السليمة تمر عبر الاستمرار في تزويد كييف بالسلاح والمال من أجل إيصالها إلى المفاوضات، عند انطلاقها، في «وضع مريح» إن لم يكن من «موقع قوة» لتستطيع المحافظة على أراضيها. وجاء في البيان المتفق سلفاً على صياغته أنه «يجب ألا تنتصر روسيا في حربها» على أوكرانيا. كما أنه مرتقب أيضاً أن ينص على تعهدات أوروبية جديدة بزيادة المساعدات العسكرية، بما في ذلك تسليم أنظمة دفاع جوي وذخيرة وصواريخ، إضافة إلى مزيد من التدريب والمعدات المتقدمة، إلى الجيش الأوكراني. كذلك، فإن الأوروبيين يركزون على دعمهم قطاع الطاقة الأوكراني، الذي أصبح الهدف الأول للهجمات الروسية لحرمان الأوكرانيين من التيار الكهربائي.

غموض الدور الأميركي المستقبلي

حقيقة الأمر أن رسائل القمة الأوروبية موجهة إلى الرئيس ترمب، بقدر توجُّهها إلى بوتين. ورغم أن قادة التكتل، وفق أنطونيو كوستا، يسعون إلى «التوصل للسلام الشامل والعادل والدائم»، فإنهم لا يستبعدون أن ترسو الأمور على وقف للأعمال الحربية أو على هدنة ستحتاج لمن يحميها.

ودليلهم على ذلك أن زيلينسكي، شخصياً، تخلى عن مبدأ استعادة الأراضي الأوكرانية بالقوة، وقِبل بأن يكون ذلك، لاحقاً، بالوسائل الدبلوماسية؛ أي عبر المفاوضات. والحال أنه ستبرز، إذا توقف القتال، الحاجة لمراقبة خط الهدنة الممتد لألف كيلومتر وتوفير ضمانات للجانب الأوكراني من أجل الهدنة ولما بعدها.

المستشار الألماني أولاف شولتس متحدثاً للصحافة الخميس بمناسبة القمة الأوربية في بروكسل المخصصة للملف الأوكراني (إ.ب.أ)

وقد أصبح واضحاً اليوم أن كييف لن تنضم إلى «الحلف الأطلسي» اليوم ولا حتى غداً. من هنا، فإن زيلينسكي أشار الأربعاء، في بروكسل، إلى أن المحادثات مع الأمين العام لـ«حلف الأطلسي» و10 من أعضائه، يمكن أن تشكل «مناسبة جيدة جداً للحديث عن الضمانات الأمنية لأوكرانيا، حاضراً ومستقبلاً». والأهم قوله إنه إذا حصلت كييف على ضمانات أمنية قوية من «حلف شمال الأطلسي» وأسلحة كافية، فيمكنها الموافقة على وقف إطلاق النار على خطوط المواجهة الحالية، والتطلع إلى استعادة بقية أراضيها بالوسائل الدبلوماسية.

وحتى اليوم، ليست هناك رؤية أوروبية واضحة لما تريده كييف، ولا لكيفية الاستجابة لطلب الضمانات. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من طرح هذا الاحتمال في فبراير (شباط) الماضي، وتباحث بشأنه مؤخراً مع رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك بمناسبة زيارته وارسو.

وفي المحصلة، سيحتاج الأوروبيون إلى مزيد من التباحث لمعرفة ما قد يقدِمون عليه، خصوصاً ما سيكون عليه موقف واشنطن من الضمانات وطبيعتها.


مقالات ذات صلة

أميركا تمدّد إعفاء شركة النفط الروسية «لوك أويل» من العقوبات

الولايات المتحدة​ صورة لمحطة وقود تابعة لشركة «لوك أويل» في نيوآرك بولاية نيو جيرسي الأميركية 3 مارس 2022 (رويترز)

أميركا تمدّد إعفاء شركة النفط الروسية «لوك أويل» من العقوبات

أعلن مسؤولون أميركيون، الثلاثاء، تمديد إعفاء شركة النفط الروسية العملاقة «لوك أويل» من العقوبات بما يشمل محطات الوقود التابعة لها خارج روسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزيرا خارجية الصين وانغ يي وروسيا سيرغي لافروف بعد توقيعهما على اتفاقية بين البلدين في بكين الثلاثاء (رويترز)

موسكو لتعزيز التنسيق الدبلوماسي مع بكين لمواجهة التحديات

عكست مناقشات أجراها وزير الخارجية سيرغي لافروف مع نظيره الصيني وانغ يي، في بكين، الثلاثاء، حرصاً على تعزيز الخطوات المشتركة بين بلديهما.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس (يمين) ونظيره الأوكراني ميخايلو فيدوروف (يسار) يوقِّعان اتفاقيةً ألمانيةً أوكرانيةً للتعاون الدفاعي بحضور المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي... برلين 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

أوكرانيا وألمانيا لإنتاج مشترك للمسيَّرات والأنظمة الدفاعية

أعلنت أوكرانيا وألمانيا، الثلاثاء، بدء العمل على خطط للإنتاج المشترك لطائرات مسيَّرة متقدِّمة وأنظمة دفاعية أخرى مجرَّبة ميدانياً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا المستشار الألماني فريدريتش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمؤتمر صحافي مشترك في برلين الثلاثاء (إ.ب.أ)

ألمانيا وأوكرانيا: اتفاقيات لتعاون دفاعي يتضمن إنتاجاً مشتركاً للأسلحة

أعلنت ألمانيا رفع علاقتها مع أوكرانيا إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية موقّعة معها اتفاقيات لزيادة الإنتاج العسكري المشترك، خلال زيارة للرئيس الأوكراني لبرلين.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا جانب من الدمار جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على منطقة دونيتسك الخاضعة لسيطرة روسيا في أوكرانيا (رويترز)

مقتل امرأة بهجوم طائرة مسيّرة في روسيا

أودى هجوم بطائرة مسيرة بحياة امرأة في غرب روسيا على بعد 350 كيلومتراً من جنوب موسكو، بحسب ما أعلنت السلطات المحلية صباح اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

كشف قصر الإليزيه، الثلاثاء، ​أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجري اتصالاً بالفيديو مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ‌ورئيسة المفوضية ‌الأوروبية أورسولا ​فون ‌دير ⁠لاين ​بهدف التأسيس ⁠لتحرك منسق بشأن حظر استخدام القصر لوسائل التواصل الاجتماعي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف الإليزيه أن ⁠رئيس الوزراء الإسباني ‌بيدرو ‌سانشيز وممثلين ​عن ‌إيطاليا وهولندا وآيرلندا ‌سيشاركون في الاتصال الجماعي، من بين آخرين، يوم الخميس، ‌مضيفاً أن القائمة النهائية للمشاركين ستعلن لاحقاً.

وقال ⁠أحد ⁠مساعدي الرئيس للصحافيين: «الهدف الرئيسي هو تنسيق العمل ودفع المفوضية الأوروبية، بالمعنى الإيجابي للكلمة، للمضي قدماً بنفس وتيرة الدول الأعضاء».


الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو
TT

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

سارت موسكو وبكين خطوة جديدة لتعزيز تنسيق مواقفهما حيال الوضع في الشرق الأوسط، ومع توقعات بإعداد مشروع قرار جديد لعرضه على مجلس الأمن، أعلن الطرفان عزمهما على القيام بتحرك مشترك لتخفيف التوتر القائم حول إيران.

وأجرى وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي يزور بكين حالياً، جولة محادثات مع نظيره الصيني وانغ يي ركزت على الوضع في المنطقة، وآليات التحرك المشترك لدفع جهود تسوية مرضية بين طهران وواشنطن. وأكد لافروف على تقارب موقفي البلدين حيال الوضع في المنطقة والعالم. ووقع الوزيران في ختام المحادثات «خريطة طريق» لتعزيز تنسيق التحركات الدبلوماسية المشتركة خلال عام 2026.

وزيرا خارجية الصين وانغ يي وروسيا سيرغي لافروف بعد توقيعهما على اتفاقية بين البلدين في بكين الثلاثاء (رويترز)

وعارضت موسكو وبكين الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وأعلن الطرفان مواقف متقاربة حيال قرار واشنطن فرض حصار على مضيق هرمز رداً على التحركات الإيرانية فيه.

وكان مسؤول في الخارجية الروسية استبق الزيارة بإعلان اقتراب البلدين من طرح مشروع قرار جديد في مجلس الأمن قال إن موعد طرحه سوف يتحدد «بناء على تطورات الوضع على الأرض». وبدا أن زيارة لافروف هدفت إلى تنسيق المواقف وإطلاق تحرك مشترك في حال فشلت جهود التسوية الحالية ووصلت المفاوضات الإيرانية الأميركية إلى طريق مسدود.

واستبق لافروف زيارته بإجراء سلسلة مكالمات هاتفية مع نظرائه في إيران وتركيا ودولة الإمارات. وبدا أن تنشيط الدبلوماسية الروسية مرتبط بتوقعات المفاوضات وترتيب آليات للتحركات المقبلة.

في هذا الإطار قالت الخارجية الروسية إن الجانب الروسي «رحب بالالتزام بمواصلة الجهود الدبلوماسية، وإيجاد حلول لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع بين الولايات المتحدة وإيران»، وزادت في بيان أنه جرى خلال اتصال هاتفي بين لافروف ونظيره الإيراني عباس عراقجي بحث تطورات الموقف في ضوء نتائج الجولة السابقة مع الولايات المتحدة التي فشلت في تقريب وجهات النظر.

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

وأكد الجانب الروسي ترحيبه بـ«الالتزام المستمر بمواصلة الجهود الدبلوماسية وإيجاد حلول تعالج الأسباب الجذرية للصراع، وتحقق استقراراً طويل الأمد في المنطقة، مع مراعاة المصالح المشروعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية وجيرانها».



كما أفادت «الخارجية» الروسية في بيان منفصل بأن وزير الخارجية تبادل وجهات النظر مع نظيره الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، وأجرى الوزيران تقييماً للوضع في الخليج العربي عبر الجوال، واتفقا على البقاء على اتصال لتسهيل عودة العمليات إلى طبيعتها في مضيق هرمز.

وفي اليوم نفسه تحدث لافروف مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. وناقش الجانبان وفقاً لبيان «سبل حل الأزمة الناجمة عن الهجوم الأميركي الإسرائيلي غير المبرر على إيران».

وأضاف البيان المنشور على موقع الوزارة أن موسكو وأنقرة أعربتا خلال المكالمة عن استعدادهما لدعم الجهود الرامية إلى حل النزاع سلمياً.

وفي بكين وبالتزامن مع وجود لافروف، عدّت «الخارجية» الصينية الحصار الأميركي على مضيق هرمز «عملاً خطيراً وغير مسؤول»، محذرة من أنه سيزيد التوتر في المنطقة ويقوض الهدنة الهشة. وقال المتحدث باسم «الخارجية» الصينية، غو جياكون: «لقد توصل الجانبان إلى وقف إطلاق النار، فيما الحشد العسكري الأميركي والحصار لن يؤديا إلا إلى تفاقم التوتر، وتقويض وقف إطلاق النار الهش، وتهديد سلامة الملاحة في مضيق هرمز بمثابة تهديد خطير. هذا عمل خطير وغير مسؤول».

وكانت موسكو أعربت عن موقف مماثل قبل ذلك، ورأى الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف أن قرار واشنطن بإغلاق المضيق يزيد الأمور صعوبة، ويهدد بتداعيات واسعة على الإمدادات والوضع الاقتصادي العالمي.

واستبقت موسكو زيارة لافروف إلى بكين بتجديد عرض الوساطة الروسية لتخفيف التوتر. وقال بيسكوف في وقت سابق إن فكرة «نقل المخزون الإيراني من الوقود المخصب إلى الأراضي الروسية ما زالت قائمة».

خريطة تُظهر مضيق هرمز وبراميل نفط مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد (رويترز)

وتقترح موسكو ضمانات لتسهيل التوصل إلى اتفاق إيراني أميركي تشتمل على وقف النشاط النووي الإيراني مع الاحتفاظ بحق إيران في تطوير برامج سلمية في المستقبل. ويقوم اقتراح الوساطة الروسي على أن نقل المخزون المخصب من الأراضي الإيرانية من شأنه أن يزيل واحدة من العقبات الرئيسية التي عرقلت حتى الآن التوصل إلى تفاهم على وقف نهائي لإطلاق النار والتوصل إلى صياغة جديدة لاتفاق شامل ينهي الأزمة.

وكانت موسكو لعبت دوراً مماثلاً خلال المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني التي أسفرت عن اتفاق شامل في عام 2015، واشتمل الدور الروسي في ذلك الحين على تقديم ضمانات بنقل المخزون المخصب من الوقود إلى الأراضي الروسية لضمان عدم استخدامه في تطوير قدرات عسكرية.

وتشهد الصين الثلاثاء سلسلة زيارات لقادة أجانب معنيين بدرجات مختلفة بتداعيات أحداث الشرق الأوسط، هم ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والرئيس الفيتنامي تو لام.

رأى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الثلاثاء، في ختام محادثات أجراها مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين أن «الصين تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً» في حلّ النزاع في الشرق الأوسط. وقال سانشيز في مؤتمر صحافي: «كل جهود يمكن بذلها، وخصوصاً من جانب الدول التي تتمتع بقدرة على الحوار ولم تشارك بشكل نشط في هذه الحرب غير القانونية... ليست موضع ترحيب فحسب، بل هي حقاً ضرورية».

وزير الخارجية الفرنسي: يجب رفع الحصار عن مضيق هرمز بشكل عاجل

وعدّ رئيس الوزراء الإسباني الذي يُعدّ من أبرز الأصوات الغربية المعارضة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أنه يقف «في الجانب الصحيح من التاريخ». وأضاف: «ما نريده هو أن تُحترَم الشرعية الدولية، واليوم هذه الشرعية الدولية تنتهكها في المقام الأول دولة واحدة هي حكومة إسرائيل».

وتابع: «غالبية المواطنات والمواطنين في بلدنا لا يريدون الحرب (...) ويريدون أيضاً ألا يسود الإفلات من العقاب، وألا تبقى الجرائم من دون عقاب، مثل جرائم الإبادة الجماعية، كما نرى في غزة، التي نأمل ألا تتكرر في لبنان».

من جهة أخرى، أشار سانشيز، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى أنه بحث مع الرئيس الصيني في «إصلاح» النظام الدولي لجعله «أكثر شمولاً بكثير، وأكثر تمثيلاً، وأكثر ديمقراطية»، ولكي «يعكس على نحو أفضل الواقع المتعدد الأقطاب لعالم اليوم».

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

وأعرب سانشيز الذي يزور بكين للمرة الرابعة في أربع سنوات، عن رغبته في أن تكون العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والصين «أكثر توازناً بكثير». وتهدف زيارة سانشيز التي تستمر ثلاثة أيام إلى تنشيط التبادلات التجارية مع الدولة الآسيوية العملاقة التي يحتل اقتصادها المرتبة الثانية عالمياً، في وقت تشهد العلاقات بين مدريد وواشنطن توتراً.

وعدّت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس، الاثنين، أنّ «لا معنى» للحصار البحري الذي أعلنته الولايات المتحدة لمضيق هرمز.

وهدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشهر الماضي بقطع التبادل التجاري مع إسبانيا عندما رفضت مدريد استخدام قواعدها العسكرية لشن ضربات أميركية ضد إيران.

وأوضحت الحكومة الإسبانية أن الهدف الأساسي للزيارة هو تعزيز حضور المنتجات الزراعية والصناعية في السوق الصينية، إضافة إلى البحث في مشاريع مشتركة في قطاع التكنولوجيا.

بدورها، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الثلاثاء، على أهمية مواصلة مفاوضات السلام لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والسعي أيضاً إلى إعادة فتح مضيق هرمز. وقالت ميلوني للصحافيين في مدينة فيرونا بشمال إيطاليا: «من الضروري مواصلة العمل لدفع مفاوضات السلام قدماً، وبذل كل جهد ممكن لتحقيق الاستقرار وإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يعد أساسياً بالنسبة لنا ليس فقط من أجل إمدادات الوقود بل والأسمدة».

كذلك حمل نائب المستشار الألماني، لارس كلينجبايل، الولايات المتحدة وإيران مسؤولية التوصل إلى حل يضمن سلاماً قابلاً للاستمرار في ظل التوترات الحالية في منطقة الشرق الأوسط. وقال كلينجبايل في تصريحات لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «تقع على عاتق الولايات المتحدة وإيران مسؤولية التوصل إلى حل قابل للاستمرار لتحقيق السلام»، منتقداً إغلاق مضيق هرمز المعلن من جانب الولايات المتحدة، وأضاف: «كل ذلك يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وإلى استمرار استشعارنا تداعيات اقتصادية على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد... الأفضل هو استئناف المفاوضات والتوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار. كما ينبغي ضمان فتح مضيق هرمز وتأمينه».

جانب من لقاء الرئيس الصيني شي ​جينبينغ مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في بكين (أ.ب)

ونقلت صحيفة «ميرور» ​عن وزيرة المالية البريطانية ريتشل ريفز القول، الثلاثاء، إنها تشعر «بخيبة ‌أمل وغضب ‌شديدين» ​إزاء ‌ما ⁠وصفته ​بفشل الولايات ⁠المتحدة في وضع خطة انسحاب واضحة أو تحديد أهداف معينة ⁠للحرب في ‌إيران. وقالت ‌ريفز ​للصحيفة: «هذه ‌حرب لم ‌نبدأها، حرب لم نكن نريدها. أشعر بخيبة أمل وغضب ‌شديدين لأن الولايات المتحدة دخلت ⁠هذه ⁠الحرب دون خطة انسحاب واضحة، ودون فكر واضح لما كانت تسعى إلى تحقيقه». وأضافت: «نتيجة لذلك، صار مضيق ​هرمز ​مغلقاً الآن».


إسبانيا تقرّ قانون عفو يشمل مئات الآلاف من المهاجرين

وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز (إ.ب.أ)
وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز (إ.ب.أ)
TT

إسبانيا تقرّ قانون عفو يشمل مئات الآلاف من المهاجرين

وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز (إ.ب.أ)
وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز (إ.ب.أ)

أعلنت وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز، الثلاثاء، أن كل من يستوفي الشروط المطلوبة، وفقاً لقرار العفو بنظام الهجرة الذي تم إقراره اليوم، يمكنه الآن التقدم بطلب للحصول على تصريح إقامة وعمل لمدة عام واحد، مضيفة أنه يمكن للمهاجرين البدء في تقديم الطلبات بشكل شخصي بداية من 20 أبريل (نيسان) الحالي، على أن يتاح التقديم عبر الإنترنت بدءاً من يوم الخميس المقبل، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وكانت الحكومة الإسبانية، قد أقرت، الثلاثاء، الإجراءات النهائية المتعلقة بالعفو عن المهاجرين غير النظاميين، والذي سبق أن أعلنت عنه في وقت سابق العام الحالي.

وقالت الحكومة إن القرار سيفتح الباب أمام مئات الآلاف من المهاجرين الذين يقيمون، ويعملون في إسبانيا دون أوراق ثبوتية رسمية، للتقدم بطلباتهم لتقنين أوضاعهم.

وتم إقرار هذا العفو بطريقة سريعة عبر مرسوم يعدل قوانين الهجرة؛ ما سمح لحكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بتجاوز البرلمان الذي سبق أن تعثرت فيه محاولة عفو سابقة، حيث لا تمتلك الحكومة فيه أغلبية.

وأشادت سايز بهذا الإجراء معتبرة أنه وسيلة تمكن إسبانيا - التي كانت من بين أسرع اقتصادات الاتحاد الأوروبي نمواً على مدى عامين - من مواصلة توسعها.

وقالت الوزيرة: «من الواضح أن ازدهارنا مرتبط بكيفية إدارتنا لملف الهجرة وبمساهمات العمال الأجانب، فهذه المساهمات تسمح لنا بالنمو اقتصادياً، وخلق فرص العمل والثروة، والحفاظ على نظام الرفاهية الاجتماعية الخاص بنا».

وأضافت سايز أنه يتعين أن يكون المهاجر قد وصل إلى إسبانيا قبل الأول من يناير (كانون الثاني) هذا العام، وأن يثبت إقامته الفعلية في البلاد لمدة لا تقل عن 5 أشهر، وذلك من خلال تقديم وثائق «عامة كانت أم خاصة».

كما شددت الحكومة على ضرورة ألا يكون للمتقدمين أي سوابق جنائية.

ويأتي هذا التوجه الإسباني مخالفاً تماماً لسياسات الهجرة السائدة في معظم الدول الأوروبية، حيث تسعى حكومات تلك الدول إلى تقليص أعداد الوافدين، وتشديد إجراءات الترحيل، كما يتناقض هذا القرار أيضاً مع السياسات القاسية التي تنتهجها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مجال الهجرة.

ومن جانبه، أشاد سانشيز بهذا الإجراء، ووصفه بأنه «عمل من أعمال العدالة، بل ضرورة ملحة».

وجدد سانشيز تأكيد موقف حكومته، وهو أن كل من يقيم ويعمل في إسبانيا «ينبغي أن يفعل ذلك في ظل ظروف متكافئة»، وأن يؤدي الضرائب المستحقة عليه.

وكتب سانشيز عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي: «نحن نمنح الحقوق، لكننا في المقابل نطالب بالالتزامات».

وكانت الحكومة الإسبانية قد قدرت أن ما يقرب من نصف مليون شخص يقيمون حالياً بشكل غير نظامي قد يكونون مؤهلين للتقدم بطلباتهم، بينما تشير تقديرات بعض المحللين إلى أن عدد من يعيشون في ظل المجتمع الإسباني قد يصل إلى 800 ألف مهاجر.