من «الأطلال» إلى «واللهِ أبداً»... جواهر اللغة العربية بأصوات أجيالٍ من المطربين

في يومها العالمي... كيف كرَّمت الأغنية لغة الضاد؟

من «الأطلال» إلى «واللهِ أبداً»... جواهر اللغة العربية بأصوات أجيالٍ من المطربين
TT

من «الأطلال» إلى «واللهِ أبداً»... جواهر اللغة العربية بأصوات أجيالٍ من المطربين

من «الأطلال» إلى «واللهِ أبداً»... جواهر اللغة العربية بأصوات أجيالٍ من المطربين

كُتب مجد اللغة العربية الفصحى في دواوين الشعر على مدى قرون، إلى أن جاءت الموسيقى لتنسكب فوقها وتزيدَها ألَقاً. هذه اللغة التي تصنَّف من بين أصعب 10 لغات في العالم، تلألأت بأصوات نجوم الأغنية الذين ساهموا في نشرِها ونَشر قصائدها، وبالتالي إيصالها إلى الأجيال العربية الصاعدة، وجعلها أكثر سلاسة على آذانهم.

الكوكب والموسيقار

يعود أوَّل الفضل في تحويل الفصحى إلى أغنياتٍ خالدة، لصوتَين هما من أعمدة الموسيقى العربية. عام 1924، وبينما كانت بعدُ فنانة مبتدئة، استعارت أم كلثوم من شعر أحمد رامي وغنَّت «الصبُّ تفضحه عيونه»، لتليها بعد سنتَين إحدى أصعب قصائد اللغة العربية «أراك عصي الدمع» لأبي فراس الحمداني، والتي نظمها في مديح سيف الدولة في القرن العاشر.

وازنت «السِّت» ما بين الأعمال الناطقة باللهجة المصرية والفصحى على امتداد مسيرتها. قدَّمت عشرات القصائد أكثر ما خُلِّد من بينها «الأطلال» (1965) التي كتبها الشاعر المصري إبراهيم ناجي، ولحَّنها رياض السنباطي. تميَّزت كذلك «هذه ليلتي» الصادرة عام 1968، وهي من شعر الأديب اللبناني جورج جرداق، ولحن محمد عبد الوهاب. والأخير لحَّن لها كذلك «أغداً ألقاك» التي ألَّفها الشاعر السوداني الهادي آدم.

لم يقتصر تكريم محمد عبد الوهاب للُّغة العربية الفصحى على تلحينها لـ«كوكب الشرق»، فقد وضع عليها نغماته ليغنِّيها بنفسه مستقياً من كبار الكلمة. عام 1928، أنشدَ عبد الوهاب لبنان عبر قصيدة «يا جارة الوادي» لأحمد شوقي، والتي نظمها الشاعر المصري غزلاً بمدينة زحلة. ومن المعلوم أن فيروز عادت وقدَّمت تلك الأغنية، من ضمن مجموعة من الألحان التي ألَّفها لها «موسيقار الأجيال».

من بين النصوص الكثيرة التي غنَّاها عبد الوهاب للشاعر اللبناني بشارة الخوري، قدَّم عام 1933 «جفنه علَّم الغزل» والتي تُعدُّ من بين أكثر أغانيه شهرة. وكما زميلتُه في الطرب والالتزام الفني أم كلثوم، وازنَ عبد الوهاب بين النصوص المَحكيَّة والقصائد العربية، محافظاً على لفظ حرف «الجيم» على الطريقة المصرية، حتى عندما كان يغنِّي بالفصحى.

تُذكر من بين أشهر أغانيه كذلك: «مضناك جفاه مرقده» عام 1938 التي نظمها أحمد شوقي، و«النهر الخالد» لمحمود حسن إسماعيل عام 1954، وهي بمثابة تكريم للنيل بضفافه ونخيله وملَّاحيه. أما سنة 1960، فلحَّن «أيظنُّ» من شعر نزار قباني، وهي أولى قصائد الشاعر الدمشقي التي جرى تلحينها وغناؤها، وقد حققت شهرة واسعة بصوتَي كلٍّ من نجاة الصغيرة وعبد الوهاب.

حليم بالفصحى

الباحث في مكتبة عبد الحليم حافظ الموسيقية، لا بد من أن يخرج مذهولاً. فكيف لفنانٍ عاش 48 سنة فقط، وأمضى معظمها مريضاً، أن يسجِّل أغنياتٍ لا تُحصى بقيت عالقة في الأذهان والحناجر. صحيح أن غالبية تلك الأعمال هي باللهجة المصرية، إلا أن بعض القصائد سطعت من بينها، ليتبيَّن أنّ إبداع عبد الحليم بالعربيَّة الفصحى لا يختلف عن إبداعه بالمصرية.

بعد عبد الوهاب، كان «العندليب الأسمر» ثاني مَن يغنِّي شعر نزار قباني، في «رسالة من تحت الماء» عام 1973، و«قارئة الفنجان» في 1976، وكلتاهما من تلحين محمد الموجي. في مطلع السبعينات كذلك، قدَّم عبد الحليم أغنية «يا مالكاً قلبي» وهي من شعر الأمير عبد الله الفيصل بن عبد العزيز آل سعود، وألحان الموجي. وبعد أن غيَّبه الموت بأربعة أعوام، صدرت في 1981 «حبيبتي من تكون»، وهي القصيدة التي نظمها الأمير خالد بن سعود، ولحَّنها بليغ حمدي.

ناظم الغزالي وصباح فخري

لا يمكن المرور على الأغنية العربية الفصحى من دون ذكر البصمة التي تركها عليها الفنان العراقي ناظم الغزالي. استقى الغزالي من الشعر القديم فقدَّم أغنياتٍ اشتُهرت، من بينها «قل للمليحة» التي كتبها ربيعة بن عامر التميمي في العصر الأموي، و«عيَّرتني بالشيب» من كلمات الخليفة العبَّاسي المستنجد بالله، إضافة إلى «أقول وقد ناحت قربي حمامة» من شعر أبي فراس الحمداني، و«أي شيء في العيد أهدي إليك» لإيليا أبو ماضي.

حرصَ على تقديم هذا النمط كذلك الفنان السوري صباح فخري الذي أغنى المكتبة الموسيقية العربية بالقصائد المغنَّاة، كما بالقدود الحلبيَّة.

فصحى الخليج

من المشرق العربي إلى الخليج؛ حيث كانت للأغنية الفصحى صولاتٌ وجولات. البداية مع الفنان السعودي طلال مدَّاح الذي غنَّى «تعلَّق قلبي» من شعر امرئ القيس، ولحن مطلق الذيابي. ومن بين أكثر ما انتشر له بالفصحى: «ماذا أقول» التي جمعته تلحيناً بمحمد عبد الوهاب، أما الكلمات فلشاعر معروف بـ«فتى الشاطئ». وفي مكتبة مدَّاح كذلك: «يا موقد النار» من كلمات سعيد الهندي، و«جاءت تمشي باستحياء» من التراث السعودي.

كرَّم محمد عبده بِعُودِه وصوتِه القصيدة العربية الفصحى، فغنَّى الفنان السعودي من شعر نزار قباني «القرار»، و«أحلى خبر»، و«في المقهى». كما انتشرت من بين أغانيه «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب، و«على البال» للشاعر الملقَّب بـ«أسير الشوق».

فيروزةٌ على جبين الفصحى

من بين الفنانين الذين كرَّموا اللغة العربية الفصحى بأصواتهم، تبقى الصدارة لفيروز التي سجَّلت عشرات القصائد. فكانت لها محطات مأثورة مع عظماء الكلمة، من جبران خليل جبران، إلى سعيد عقل، مروراً بنزار قباني، وبشارة الخوري، وجوزيف حرب، وليس انتهاءً بالأخوين رحباني.

حتى عندما دخلت فيروز مرحلة غنائية جديدة إلى جانب ابنها زياد الرحباني، عادت لتستقي من شعر القدامى، أمثال قيس بن الملوَّح، ولسان الدين بن الخطيب، وجميل بثينة، وأبي العتاهية.

العربيَّة بأصوات الجيل الثاني

من الجيل المؤسس في الموسيقى العربية انتقلت الشعلة إلى الجيل الثاني الذي حرص على الحفاظ على اللغة غناءً. هكذا فعل الفنان اللبناني مارسيل خليفة الذي صار سفير قصيدة محمود درويش، ولم يقتصر غناؤه الفصحى على نصوص الشاعر الفلسطيني؛ بل انسحب على شعراء آخرين، مثل الحلَّاج، وأدونيس، وخليل حاوي، وشوقي بزيع، وعلي فودة، وغيرهم.

أما الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي، فقد افتتحت مسيرتها بألبوماتٍ زاخرة بالقصائد. دخلت ماجدة الرومي التاريخ الموسيقي العربي من الباب العريض، مع أغنيات مثل «كلمات» من شعر نزار قباني وألحان إحسان المنذر، و«كن صديقي» لسعاد الصباح، والتي لحَّنها عبدو منذر، و«شعوب من العشاق» لأنسي الحاج، من ألحان جوزيف خليفة. كما اتَّسعت المروَحة لتشمل قصائد نظمَها أدباء وشعراء، مثل: سعيد عقل، ومحمود درويش، وغسان تويني، وحبيب يونس.

سفير الفصحى

إذا كان من سفيرٍ للأغنية العربية الفصحى، أضاف إليها رونقاً خاصاً، ولعب دوراً كبيراً في نقلها إلى الأجيال العربية الشابة، فهو حتماً كاظم الساهر. دخل الفنان العراقي المشهد الموسيقي العربي كإعصار، محمَّلاً بأجمل قصائد نزار قباني. عام 1997، أحدثت «زيديني عشقاً» ثورة غنائية، وكرَّت السبحة مع «مدرسة الحب»، و«إلا أنتِ»، و«قولي أحبك»، و«صباحك سكَّر»، و«أحبِّيني بلا عُقَد»، وغيرها كثير من شعر قباني. كما تعاون الساهر مع شعراء آخرين، نظموا له الأغاني بالفصحى، من بينهم كريم العراقي ومانع العتيبة.

إرثٌ لا ينطفئ

رغم وصفها بأنها صعبة وغير مرغوبة من الجيل الجديد، فإنه جرى تناقُل اللغة العربية الفصحى عبر أجيال متعاقبة من الفنانين. من بين هؤلاء -على سبيل المثال- المطربة اللبنانية جاهدة وهبي التي تستحق عن جدارة لقب «شاعرة الأغنية»، لفرط ما غنَّت ولحَّنت أعمق النصوص وأجملها لكبار الأدباء.

كذلك فعل الفنان السعودي عبد الرحمن محمد الذي كانت له اليد الطولى في إضافة الألق إلى نصوصٍ كانت لتبقى حبراً على ورق، لولا صوته وموسيقى مهاب عمر.

لم يَحُل أي شيء دون أن تتجمَّل الأغاني بالفصحى، وها إن الجيل الثالث يتولَّى الشعلة، من كارول سماحة، وهبة طوجي، إلى نانسي عجرم، وناصيف زيتون. حتى أن الفصحى سلكت طريقها إلى الموسيقى الإلكترونية، على يد عمرو دياب وعزيز الشافعي، اللذَين قدَّما نسخة معاصرة جداً من شعر ابن زيدون في «والله أبداً».


مقالات ذات صلة

هل توجد حياة في هوليوود؟

ثقافة وفنون لورين روثري

هل توجد حياة في هوليوود؟

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

إلكسندرا جاكوبس
ثقافة وفنون المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».