هل تؤدي العقوبات وأسعار الفائدة الروسية إلى موجة شاملة من الإفلاسات؟

التضخم والديون المرتفعة... تحديات تهدّد استقرار الاقتصاد

الساحة الحمراء وكاتدرائية القديس باسيل وبرج سباسكايا في الكرملين كما تظهر من خلال بوابة في وسط موسكو (رويترز)
الساحة الحمراء وكاتدرائية القديس باسيل وبرج سباسكايا في الكرملين كما تظهر من خلال بوابة في وسط موسكو (رويترز)
TT

هل تؤدي العقوبات وأسعار الفائدة الروسية إلى موجة شاملة من الإفلاسات؟

الساحة الحمراء وكاتدرائية القديس باسيل وبرج سباسكايا في الكرملين كما تظهر من خلال بوابة في وسط موسكو (رويترز)
الساحة الحمراء وكاتدرائية القديس باسيل وبرج سباسكايا في الكرملين كما تظهر من خلال بوابة في وسط موسكو (رويترز)

في ظلّ الضغوط المتزايدة التي فرضتها العقوبات الغربية وارتفاع أسعار الفائدة بشكل مذهل، تتزايد المخاوف في الأوساط الاقتصادية الروسية من احتمال حدوث موجة من الإفلاسات التي قد تهدّد استقرار الكثير من الشركات، لا سيما في ظل استمرار الرئيس فلاديمير بوتين في التمسّك بحربه في أوكرانيا.

وفي كلمته خلال مؤتمر الاستثمار الذي نظمته مجموعة «في تي بي» هذا الشهر، لم يفوّت بوتين الفرصة للتفاخر بما عدّه فشل العقوبات الغربية في إضعاف الاقتصاد الروسي، فقد صرّح قائلاً: «كانت المهمة تهدف إلى توجيه ضربة استراتيجية إلى روسيا، لإضعاف صناعتنا وقطاعنا المالي والخدماتي». وأضاف أن النمو المتوقع للاقتصاد الروسي سيصل إلى نحو 4 في المائة هذا العام، قائلاً إن «هذه الخطط انهارت، ونحن متفوقون على الكثير من الاقتصادات الأوروبية في هذا الجانب»، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

وعلى الرغم من التصفيق المهذّب الذي قُوبل به الرئيس الروسي، فإن التوترات بدأت تظهر بين النخبة الاقتصادية الروسية بشأن التأثيرات السلبية المتزايدة للعقوبات على الاقتصاد الوطني. فقد حذّر عدد متزايد من المسؤولين التنفيذيين في الشركات الكبرى من أن رفع البنك المركزي أسعار الفائدة لمكافحة التضخم -الذي تفاقم بسبب العقوبات والنفقات العسكرية لبوتين- قد يهدد استقرار الاقتصاد في العام المقبل. وقد تتسبّب هذه السياسة في تسارع موجات الإفلاس، لا سيما في القطاعات الاستراتيجية الحساسة مثل الصناعة العسكرية، حيث من المتوقع أن يشهد إنتاج الأسلحة الذي يغذّي الحرب في أوكرانيا تباطؤاً ملحوظاً.

حتى الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترمب، أشار في منشور على شبكته الاجتماعية «تروث سوشيال» إلى أن روسيا أصبحت «ضعيفة جزئياً بسبب اقتصادها المتداعي».

تحذيرات من الإفلاس

ومع تزايد توقعات أن «المركزي الروسي» سيضطر إلى رفع الفائدة مرة أخرى هذا الشهر، انضم بعض الأعضاء المعتدلين في الدائرة الداخلية لبوتين إلى الانتقادات غير المسبوقة للسياسات الاقتصادية التي أبقت على سعر الفائدة الرئيس عند 21 في المائة، في وقت يستمر فيه التضخم السنوي في الارتفاع ليصل إلى أكثر من 9 في المائة. وهذا يشير إلى احتمالية حدوث «ركود تضخمي» طويل الأمد أو حتى ركود اقتصادي في العام المقبل. وبالفعل، يتوقع البنك المركزي أن ينخفض النمو الاقتصادي بشكل حاد إلى ما بين 0.5 في المائة و1.5 في المائة في العام المقبل.

كما تسبّبت العقوبات الأميركية الجديدة التي شملت فرض عقوبات على 50 بنكاً روسياً، بما في ذلك «غازبروم بنك»، وهو قناة رئيسة لمدفوعات الطاقة، في زيادة تكاليف المعاملات بين المستوردين والمصدرين الروس. وقد أسهم ذلك في انخفاض قيمة الروبل إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022. وقد أدى هذا الانخفاض في قيمة الروبل إلى زيادة التضخم، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 0.5 في المائة بين 26 نوفمبر (تشرين الثاني) و2 ديسمبر (كانون الأول)، وفقاً للبيانات الرسمية.

وفي هذا السياق، حذّر رئيس هيئة الرقابة المالية الروسية، نجل أحد أقرب حلفاء بوتين، بوريس كوفالتشوك، من أن رفع أسعار الفائدة «يحد من إمكانات الاستثمار في الأعمال، ويؤدي إلى زيادة الإنفاق في الموازنة الفيدرالية». كما انتقد الرئيس التنفيذي لشركة «روسنفت» الروسية، إيغور سيتشين، البنك المركزي بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، مؤكداً أن ذلك أسهم في زيادة تكاليف التمويل للشركات وتأثر أرباحها سلباً.

وفي تصريح أكثر حدّة، حذّر رئيس شركة «روس أوبورون إكسبورت» المتخصصة في صناعة الأسلحة، سيرغي تشيميزوف، من أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة قد يؤدي إلى إفلاس معظم الشركات الروسية، بما في ذلك قطاع الأسلحة، مما قد يضطر روسيا إلى الحد من صادراتها العسكرية.

كما شدّد قطب صناعة الصلب الذي يملك شركة «سيفيرستال»، أليكسي مورداشوف، على أن «من الأفضل للشركات أن تتوقف عن التوسع، بل تقلّص أنشطتها وتضع الأموال في الودائع بدلاً من المخاطرة بالإدارة التجارية في ظل هذه الظروف الصعبة».

وحذّر الاتحاد الروسي لمراكز التسوق من أن أكثر من 200 مركز تسوق في البلاد مهدد بالإفلاس بسبب ارتفاع تكاليف التمويل.

وعلى الرغم من أن بعض المديرين التنفيذيين والخبراء الاقتصاديين يشيرون إلى أن بعض الشركات قد تبالغ في تقدير تأثير أسعار الفائدة المرتفعة، في محاولة للحصول على قروض مدعومة من الدولة، فإن القلق بشأن الوضع الاقتصادي يبدو مشروعاً، خصوصاً أن مستويات الديون على الشركات الروسية أصبحت مرتفعة للغاية.

ومن بين أكثر القطاعات تأثراً كانت صناعة الدفاع الروسية، حيث أفادت المستشارة السابقة للبنك المركزي الروسي، ألكسندرا بروكوبينكو، بأن الكثير من الشركات الدفاعية لم تتمكّن من سداد ديونها، وتواجه صعوبة في تأمين التمويل بسبب ارتفاع تكاليفه. وقالت إن بعض الشركات «تفضّل إيداع الأموال في البنوك بدلاً من الاستثمار في أنشطة تجارية ذات مخاطر عالية».

كما تحدّث الكثير من المقاولين علناً عن الأزمة الاقتصادية المتزايدة في روسيا. ففي أوائل نوفمبر، أشار رئيس مصنع «تشيليابينسك» للحديد والصلب، أندريه جارتونغ، خلال منتدى اقتصادي إلى أن فروعاً رئيسة من الهندسة الميكانيكية قد «تنهار» قريباً.

وفي الثالث من ديسمبر (كانون الأول)، أفادت وكالة «إنترفاكس» الروسية بأن حالات عدم السداد انتشرت في مختلف أنحاء الاقتصاد، حيث تأخرت الشركات الكبرى والمتوسطة بنسبة 19 في المائة من المدفوعات بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول)، في حين تأخرت الشركات الصغيرة بنسبة 25 في المائة من المدفوعات في الفترة نفسها.

وحسب وزارة التنمية الاقتصادية الروسية، فقد انخفض الاستثمار في البلاد، وتسببت العقوبات في ارتفاع تدريجي لتكاليف الواردات والمعاملات المالية، مما أدى إلى زيادة التضخم. كما قال مسؤول مالي روسي كبير سابق، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع: «ما يحدث هو صدمة إمداد نموذجية في البلاد».

صناعة الدفاع مهددة

تأتي هذه التحديات في وقت حساس بالنسبة إلى صناعة الدفاع الروسية. فعلى الرغم من ضخ بوتين مبالغ ضخمة من التمويل الحكومي في هذا القطاع، مع تخصيص 126 مليار دولار في موازنة العام المقبل، فإن معظم الزيادة في الإنتاج كانت ناتجة عن تعزيز القوة العاملة لتشغيل المصانع العسكرية على مدار الساعة وتجديد مخزونات الحقبة السوفياتية. ومع ذلك، ومع استمرار الحرب ودخولها عامها الثالث، وارتفاع خسائر المعدات العسكرية، فإن القوة العاملة في القطاع قد وصلت إلى أقصى طاقتها، وإمدادات الأسلحة السوفياتية تتضاءل بسرعة.

وتقول جانيس كلوغ، من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، إن التكاليف المتزايدة والعقوبات المشددة على واردات المعدات تجعل من الصعب على قطاع الدفاع الروسي بناء الأسلحة من الصفر. ووفقاً لتقرير صادر هذا العام عن الباحثَين في المعهد الملكي للخدمات المتحدة بلندن، جاك واتلينغ ونيك رينولدز، فإن 80 في المائة من الدبابات والمركبات القتالية المدرعة التي تستخدمها روسيا في الحرب ليست جديدة، بل جُدّدت من المخزونات القديمة. ويضيف التقرير أن روسيا «ستبدأ في اكتشاف أن المركبات بحاجة إلى تجديد أعمق بحلول عام 2025. وبحلول عام 2026 ستكون قد استنفدت معظم المخزونات المتاحة».

ثقة الكرملين

على الرغم من هذه التحديات يبدو أن الوضع لا يثير قلقاً في الكرملين. وقال أكاديمي روسي له علاقات وثيقة مع كبار الدبلوماسيين في البلاد: «لا يوجد مزاج ذعر». وأضاف أن المسؤولين في الكرملين يعدّون أن «كل شيء يتطور بشكل جيد إلى حد ما». ووفقاً لهذا الرأي، فإن روسيا تواصل تحقيق تقدم عسكري، وفي ظل هذه الظروف، لا يرى الكرملين حاجة إلى تقديم أي تنازلات جادة.

وتزيد الاضطرابات السياسية في العواصم الغربية -بما في ذلك التصويت بحجب الثقة في فرنسا، مع التصويت المرتقب في ألمانيا، بالإضافة إلى اعتقاد الكرملين أن ترمب قد يقلّل من دعمه لأوكرانيا- من الثقة داخل روسيا.

وقد تصدّى بوتين لانتقادات متزايدة بشأن زيادات أسعار الفائدة ورئيسة البنك المركزي، إلفيرا نابيولينا، قائلاً في مؤتمر الاستثمار إن كبح جماح التضخم يظل أولوية بالنسبة إليه. ومع الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية الأساسية مثل البطاطس التي ارتفعت بنسبة 80 في المائة هذا العام، يواصل بوتين دعم نابيولينا وزيادات أسعار الفائدة، رغم شكاوى الشركات الكبرى. وقالت كلوغ: «من وجهة نظر بوتين، لا يمكن السماح للتضخم بالخروج عن السيطرة، لأنه يمثّل تهديداً لاستقرار النظام السياسي، ولهذا السبب منح نابيولينا تفويضاً قوياً».

لكن المستشارة السابقة للبنك المركزي، ألكسندرا بروكوبينكو، ترى أن الضغط من الشركات الكبرى لن يهدأ. وقالت: «عندما يكون التضخم عند 9 في المائة، وسعر الفائدة عند 21 في المائة، فهذا يعني أن السعر الرئيس لا يعمل بشكل صحيح، ويجب البحث عن أدوات أخرى. أولوية بوتين هي الحرب وتمويل آلتها، ولا يمتلك الكثير من الحلفاء، والموارد المتاحة له تتقلص». وأضافت أنه من المحتمل أن تتعرّض نابيولينا لمزيد من الضغوط مع استمرار الوضع الاقتصادي الصعب.

ومع تزايد الضغوط على بوتين، أصبحت الصورة في الغرب أكثر تفاؤلاً بشأن فرص التغيير في روسيا، وفقاً لمؤسسة شركة الاستشارات السياسية «ر. بوليتيك» في فرنسا، تاتيانا ستانوفايا.

وأضافت: «بوتين مستعد للقتال ما دام ذلك ضرورياً... لكن بوتين في عجلة من أمره. لا يستطيع الحفاظ على هذه الشدة من العمل العسكري والخسائر في الأرواح والمعدات كما كان في الأشهر الأخيرة».


مقالات ذات صلة

الذهب يستعيد بعض مكاسبه وسط توقعات بخسارة أسبوعية

الاقتصاد أساور ذهبية معروضة داخل متجر للمجوهرات في الأحياء القديمة من دلهي - الهند (رويترز)

الذهب يستعيد بعض مكاسبه وسط توقعات بخسارة أسبوعية

ارتفعت أسعار الذهب قليلاً يوم الجمعة مع تراجع الدولار، لكن المعدن النفيس ظل يتجه نحو تسجيل خسارة أسبوعية طفيفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا على هامش الاجتماعات السنوية لعام 2026 لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي يحث دول أميركا اللاتينية على خفض الديون وتعزيز الإنتاجية

حثّ صندوق النقد الدولي حكومات أميركا اللاتينية، يوم الجمعة، على الاستفادة من استمرار الظروف العالمية المواتية لخفض الدين العام وتعزيز الإنتاجية.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)

التضخم السعودي يحافظ على تماسكه رغم اضطرابات الملاحة

استقر معدل التضخم السنوي في السعودية عند 1.9 في المائة خلال سبتمبر (أيلول)، بينما لم تسجل أسعار المستهلك تغيراً على أساس شهري.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد مشاركون بالاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2026 في بانكوك (رويترز)

صندوق النقد الدولي يُحذر من تصاعد الضغوط التضخمية في أفريقيا جنوب الصحراء

قال صندوق النقد الدولي إن توقعات التضخم في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تدهورت منذ أبريل (نيسان)، رغم تحقيق النمو الاقتصادي نتائج أفضل من المتوقع.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مسؤول في «المركزي الأوروبي»: تضخم الطاقة لا يمتد للسلع والخدمات الأخرى

قال ألفارو سانتوس بيريرا، المسؤول بالبنك المركزي الأوروبي، يوم الخميس، إن التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة في منطقة اليورو لا يمتد إلى أسعار السلع والخدمات.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

الأسهم الأوروبية تتجه لتحقيق أكبر مكاسب أسبوعية منذ أغسطس

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية تتجه لتحقيق أكبر مكاسب أسبوعية منذ أغسطس

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

اتجهت الأسهم الأوروبية يوم الجمعة نحو تسجيل أكبر مكاسب أسبوعية لها منذ أغسطس (آب)، مدعومةً بسلسلة من تقارير الأرباح القوية ومؤشرات على استقرار أسهم التكنولوجيا العالمية، التي تعرضت لضغوط كبيرة في الفترة الأخيرة، ما عزز ثقة المستثمرين.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.3 في المائة إلى 641.75 نقطة بحلول الساعة 07:08 بتوقيت غرينتش، ليظل قريباً من أعلى مستوى له في أكثر من أسبوعين. وعلى مدار الأسبوع، حقق المؤشر مكاسب تجاوزت 1 في المائة، وفق «رويترز».

وصعد سهم «شنايدر إلكتريك» بنسبة 1.4 في المائة، بعدما رفعت المجموعة الصناعية مستهدفاتها للأرباح الأساسية والإيرادات لعام 2026 للمرة الثانية.

كما ارتفع مؤشر قطاع الأسهم الصناعية بنسبة 0.7 في المائة، ليكون من بين القطاعات الأفضل أداءً في المؤشر الأوروبي.

وساهمت النتائج القوية للشركات الأوروبية في دعم استقرار الأسواق مع اقتراب نهاية أسبوع اتسم بالتقلب، وشهد موجة بيع لأسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، وسط مخاوف بشأن المنافسة الصينية وازدياد الاعتماد على التمويل بالدين لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وارتفع سهم شركة «أيكسترون» المتخصصة في صناعة الرقائق بنسبة 4.8 في المائة، بعدما تجاوزت طلبياتها في الربع الثالث توقعات السوق، مع تمسك الشركة بتوقعاتها السنوية.

ويترقب المستثمرون صدور بيانات التضخم في منطقة اليورو، ممثلةً في مؤشر أسعار المستهلكين المنسق (HICP)، في وقت لاحق يوم الجمعة، بحثاً عن مؤشرات توضح ما إذا كانت الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط قد بدأت في التراجع.


الأسواق الآسيوية تنتعش... وتحذير مالي يضرب أسهم إندونيسيا

متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في «بنك هانا» بسيول (إ.ب.أ)
متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في «بنك هانا» بسيول (إ.ب.أ)
TT

الأسواق الآسيوية تنتعش... وتحذير مالي يضرب أسهم إندونيسيا

متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في «بنك هانا» بسيول (إ.ب.أ)
متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في «بنك هانا» بسيول (إ.ب.أ)

ارتفعت غالبية الأسهم الآسيوية، يوم الجمعة، بعد تراجع أسهم التكنولوجيا في اليوم السابق، في حين هوت سوق الأسهم الإندونيسية عقب تحذير من احتمال خفض تصنيف البلاد الائتماني، ما أثار مخاوف متزايدة من تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج.

وحذَّرت شركة «إم إس سي آي»، المزودة للمؤشرات، من احتمال خفض تصنيف إندونيسيا من سوق ناشئة، الأمر الذي زاد المخاوف بشأن خروج رؤوس الأموال من البلاد.

وارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية ارتفاعاً طفيفاً، بعدما صرَّح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفين وارش، بأن صدمة الذكاء الاصطناعي قد تحقِّق فوائد كبيرة للاقتصادَين الأميركي والعالمي، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وقفز مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي القياسي بنسبة 3.6 في المائة، بعد تراجعه بنسبة 7.6 في المائة في اليوم السابق، متأثراً بانخفاض أسهم شركات الذكاء الاصطناعي. وارتفع سهم «سامسونغ إلكترونيكس» بنسبة 4.2 في المائة، بينما صعد سهم شركة «إس كيه هاينكس»، المتخصصة في صناعة رقائق الذاكرة، بنسبة 3.5 في المائة.

وفي اليابان، ارتفع مؤشر «نيكي 225» بنسبة 1.9 في المائة إلى 65.658.59 نقطة، بعدما تراجع بنسبة 4.9 في المائة في اليوم السابق. وصعد سهم مجموعة «سوفت بنك»، المستثمِرة في شركة «أوبن إيه آي»، بنسبة 1.7 في المائة، كما ارتفع سهم شركة «طوكيو إلكترون»، المتخصِّصة في تصنيع معدات إنتاج الرقائق، بنسبة 2.8 في المائة، وسهم شركة «كيوكسيا هولدينغز»، المُصنِّعة لرقائق الذاكرة، بنسبة 3.2 في المائة.

وجاء ارتفاع أسهم شركات التكنولوجيا الآسيوية بعد تقلص خسائر أسهم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.

وكان وارش قد صرَّح، يوم الجمعة، خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، بأن الذكاء الاصطناعي قد يُحدث آثاراً إيجابية واسعة على الاقتصادات العالمية.

وقال: «أعتقد أن ظهور هذه التكنولوجيا الجديدة هو، على الأرجح، أهم تحول يشهده الاقتصادان الأميركي والعالمي خلال حياتي. وأرى أن لها بالفعل فوائد هائلة للاقتصاد العالمي والاقتصاد الأميركي على المدى الطويل».

وفي تايوان، ارتفع مؤشر «تايكس» بنسبة 0.6 في المائة، مستفيداً من طفرة الذكاء الاصطناعي. في المقابل، تراجع سهم شركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» بنسبة 0.4 في المائة، على الرغم من إعلانها تحقيق أرباح فصلية قياسية يوم الخميس، وتأكيدها استمرار قوة الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

وفي إندونيسيا، هبط مؤشر «جاكرتا المركب» بأكثر من 10 في المائة، مُسجِّلاً أدنى مستوياته منذ سنوات، بعدما أعلنت «إم إس سي آي» أن استمرار تصنيف البلاد سوقاً ناشئة «لم يعد ملائماً».

وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سنغ» بنسبة 1.2 في المائة إلى 24.353.69 نقطة، بينما صعد مؤشر «شنغهاي المركب» بنسبة 1 في المائة إلى 3.742.66 نقطة.

وفي أستراليا، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز - إيه إس إكس 200» بنسبة 1.1 في المائة ليغلق عند 8.812.90 نقطة، بينما سجَّل مؤشر «سينسكس» الهندي مكاسب طفيفة بلغت 0.2 في المائة.

وفي «وول ستريت» يوم الخميس، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، وصعد مؤشر «داو جونز الصناعي» بنسبة 1.1 في المائة، بينما زاد مؤشر «ناسداك المركب»، الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا، بنسبة 0.1 في المائة.

وتقلصت خسائر أسهم شركات الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية خلال الجلسة. فقد تراجع سهم شركة «كور ويف» الأميركية، المتخصصة في خدمات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة وصلت إلى 9.5 في المائة في التعاملات المبكرة، قبل أن يعاود الارتفاع وينهي الجلسة بمكاسب بلغت 5.9 في المائة. في المقابل، أغلق سهم «إنفيديا» منخفضاً بنسبة 1.8 في المائة، بعدما هبط بنسبة وصلت إلى 3.8 في المائة خلال الجلسة. كما تراجع سهم «برودكوم» بنسبة 0.6 في المائة، وسهم «إيه إم دي» بنسبة 1.5 في المائة.

واستقرَّت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، في ظلِّ استمرار الضغوط على الإمدادات العالمية وعدم التَّوصُّل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الصراع.

وفي هذا السياق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية، يوم الخميس، أن الدول الأعضاء اتفقت على طرح الكمية المتبقية، البالغة نحو 100 مليون برميل من النفط، ضمن التعهد الذي أُعلن في مارس (آذار)، موضحة أن إجمالي الكميات المطروحة سيتجاوز 400 مليون برميل، وهو الحجم الذي كان مقرراً في الأصل.

وتراجع سعر خام برنت، المعيار العالمي للنفط، بنسبة 0.4 في المائة إلى 105.46 دولار للبرميل، لكنه ظلَّ أعلى بكثير من مستواه البالغ نحو 72 دولاراً في أواخر فبراير (شباط)، قبل اندلاع الحرب.

ولا تزال أسعار النفط تحظى بدعم قوي في ظلِّ الغموض المحيط بالتطورات في الشرق الأوسط والمخاوف من اضطراب تدفقات النفط عبر مضيق «هرمز». وقال وارن باترسون وإيفا مانثي، استراتيجيا السلع في بنك «آي إن جي»، في تعليق يوم الجمعة، إن السوق تحتسب «علاوة مخاطر كبيرة».

وفي أسواق العملات، تراجع الدولار الأميركي إلى 157.83 ين ياباني، مقارنة بنحو 158 يناً، بينما ارتفع اليورو إلى 1.1228 دولار، مقابل 1.1220 دولار.


رئيس «الفيدرالي» يتحفظ بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة

رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش يشارك في جلسة حوارية ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)
رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش يشارك في جلسة حوارية ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)
TT

رئيس «الفيدرالي» يتحفظ بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة

رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش يشارك في جلسة حوارية ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)
رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش يشارك في جلسة حوارية ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)

تجنّب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفين وارش، إعطاء إشارات بشأن مسار أسعار الفائدة، مكتفياً بالتأكيد على التزام البنك بتحقيق استقرار الأسعار، وهو ما دفع رهانات الأسواق على رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر (تشرين الأول) إلى التراجع لأقل من 15 في المائة، مقارنة بنحو 27 في المائة قبل تصريحاته. وفي المقابل، أبدى وارش تفاؤلاً بمرونة الاقتصاد الأميركي، مشيداً بقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية، رغم الضغوط التضخمية وتشديد السياسات النقدية.

وخلال حوار مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، امتنع وارش عن تقديم تقييمات جديدة بشأن آفاق الاقتصاد الأميركي أو توضيح توجهاته النقدية، مكتفياً بالتأكيد على أن الاحتياطي الفيدرالي سيواصل العمل لتحقيق استقرار الأسعار.

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تشارك في جلسة حوارية مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش (رويترز)

وقال وارش: «أوضحنا تماماً أننا سنحقق استقرار الأسعار، وقد قلّصنا درجة التيسير النقدي قبل نحو شهر»، في إشارة إلى رفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول). وأضاف: «أنا لا أستبق نتائج الاجتماعات، ولا أؤمن بالإفصاح الآن عما قد أفعله في الاجتماعات المتبقية خلال هذا العام».

وانعكست تصريحات وارش على توقعات المستثمرين بشأن الاجتماع المقبل للاحتياطي الفيدرالي، المقرر عقده يومي 27 و28 أكتوبر، إذ انخفضت احتمالات رفع الفائدة، وفق تسعير الأسواق، من نحو 27 في المائة قبل حديثه إلى أقل من 15 في المائة بعده.

وامتدت المكاسب إلى الأسهم الأميركية، فيما تراجع الدولار قليلاً. وتحولت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلى الارتفاع بنسبة 0.2 في المائة، بعدما سجلت خسائر بلغت 0.6 في المائة في وقت سابق من الجلسة.

وكان الاحتياطي الفيدرالي قد رفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في سبتمبر، في أول زيادة منذ عام 2023، وحظي القرار بتأييد جميع أعضاء لجنة السياسة النقدية التسعة عشر. كما رأى غالبية صانعي السياسات أن زيادة أخرى قد تكون ضرورية قبل نهاية العام.

وفي الأسابيع الأخيرة، كرر عدد من مسؤولي البنك أن استمرار الضغوط التضخمية قد يستدعي مزيداً من رفع الفائدة، لكنهم أكدوا في الوقت نفسه الحاجة إلى جمع بيانات اقتصادية إضافية قبل اتخاذ قرار جديد.

وفي إشارة إلى أن التضخم يمثل «تحدياً مشتركاً»، أوضح وارش أن البنوك المركزية حول العالم نفذت «عملية تشديد متزامنة للسياسات النقدية، مما يعني أنه لا يوجد طرف مستثنى من هذا التوجه».

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

الذكاء الاصطناعي بين دعم النمو وزيادة الطلب

وإلى جانب السياسة النقدية، تناول وارش تأثير الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، واصفاً إياه بأنه أهم ابتكار شهده الاقتصاد العالمي خلال حياته، لكنه حذّر من أن أثر التقنية في زيادة الطلب قد يسبق ظهور مكاسبها الإنتاجية على جانب العرض.

وقال إن الذكاء الاصطناعي يؤثر حالياً في جانب الطلب قبل أن تظهر آثاره الكاملة على جانب العرض، مضيفاً أن على صانعي السياسات النقدية التعامل مع هذا التحول باعتباره صدمة اقتصادية تستدعي التقييم الحذر، بالنظر إلى مسؤوليتهم عن تحقيق استقرار الأسعار والحفاظ على التوظيف الكامل.

وأوضح وارش أنه يتعامل مع هذه التقنية بجدية، ولكن أيضاً «بقدر من الرصانة والمسؤولية»، في إشارة إلى ضرورة الموازنة بين فرص رفع الإنتاجية والمخاطر المحتملة على التضخم في الأجل القصير.

وتتصل هذه المخاوف بتسارع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة به، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كانت طفرة الإنفاق قد تزيد الضغوط على الطلب وتدفع الاقتصاد نحو مستويات نمو تتجاوز قدرته الإنتاجية على المدى القريب.

تفاؤل بمتانة الاقتصاد الأميركي

وفي تقييمه للنشاط الاقتصادي، أبدى وارش تفاؤلاً بقدرة الاقتصاد الأميركي على مواصلة النمو، مشيراً إلى أن متانته لا تعتمد على الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وحدها، بل تستند أيضاً إلى نشاط استثماري أوسع نطاقاً في قطاعات أخرى.

صورة توضيحية للذكاء الاصطناعي تُظهر لوحة مفاتيح ويداً روبوتية (رويترز)

ورأى أن هذه الاستثمارات توفر عوامل دعم قوية للنشاط الاقتصادي وتساعد على تعزيز استدامة النمو، وإن كان هذا الزخم لا يظهر بالدرجة نفسها في جميع الاقتصادات.

كما أعرب عن دهشته من قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام التطورات الجيوسياسية والأزمات التي شهدتها مناطق مختلفة خلال الأشهر الماضية، معتبراً أن هذه المرونة كانت أكبر مما توقعه قبل خمسة أو ستة أشهر.

وقال وارش إن الاقتصادات تواجه تحديات مشتركة وتتخذ إجراءات للتعامل معها، واصفاً ذلك بأنه تطور إيجابي. وأضاف أنه يتوقع أن تخرج الولايات المتحدة من المرحلة الحالية باقتصاد أقوى وأكثر استدامة وقدرة على قيادة النمو العالمي.