«داعش» سيسعى لاستغلال حالة الفوضى في سوريا

تمثل سوريا في حقبة ما بعد سقوط الأسد فرصة لتنظيم «داعش» (أ.ف.ب)
تمثل سوريا في حقبة ما بعد سقوط الأسد فرصة لتنظيم «داعش» (أ.ف.ب)
TT

«داعش» سيسعى لاستغلال حالة الفوضى في سوريا

تمثل سوريا في حقبة ما بعد سقوط الأسد فرصة لتنظيم «داعش» (أ.ف.ب)
تمثل سوريا في حقبة ما بعد سقوط الأسد فرصة لتنظيم «داعش» (أ.ف.ب)

تمثل سوريا في حقبة ما بعد سقوط الرئيس السوري بشار الأسد فرصة لمسلحي تنظيم «داعش» المتطرف الذين قد يحاولون استغلال أي حالة من الفوضى لاستعادة أراضٍ وتحرير مقاتلي التنظيم المسجونين في المنطقة الكردية في شمال شرقي البلاد.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، لا شك أن عدم اليقين والحروب وفراغ السلطة هي ما ينشده عناصر التنظيم الذين يتحركون ضمن خلايا صغيرة في صحراء شرق البلاد، وسيسعون لاستغلال المرحلة الانتقالية الصعبة بعد 13 عاماً من الحرب.

ويحذر المدير العلمي لمركز «سوفان» في نيويورك كولن كلارك، من أن «الفوضى والانفلات سيكونان حتماً نعمة لتنظيم (داعش) الذي ينتظر مثل هذه الفرصة ليعيد بناء شبكاته ببطء، ولكن بثبات في جميع أنحاء البلاد».

وأعلن البنتاغون، الأحد، أن طائراته أغارت على أكثر من 75 هدفاً لتنظيم «داعش» في سوريا؛ «من أجل منع التنظيم الإرهابي من تنفيذ عمليات خارجية، وضمان عدم سعيه للاستفادة من الوضع الحالي لإعادة تشكيل نفسه في وسط سوريا».

وأكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الاثنين، أن الولايات المتحدة عازمة على منع تنظيم «داعش» من إعادة تنظيم صفوفه في سوريا، وكذلك الحؤول دون تفكك هذا البلد بعد سقوط النظام.

وأعلن التنظيم من خلال مجلته «النبأ» رفض أي شكل من أشكال السلطة في دمشق غير سلطته.

وقالت لورانس بيندنر، المؤسسة المشاركة لمشروع JOS، وهي منصة لتحليل التطرف عبر الإنترنت، إن التنظيم الذي أعلن إقامة خلافة تمتد بين العراق وسوريا في الفترة 2014 - 2019، يرى أن «هدف الفصائل المسلحة في سوريا هو إنشاء دولة مدنية وديمقراطية، وهذا الشيء بعيد جداً عن مشروعه المتمثل في دولة تقوم على الشريعة».

وأضافت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنه «يعدّ نفسه البديل الوحيد الذي يمكنه فرض التعاليم الدينية، والوقوف في وجه المصالح الأجنبية»، مشيرة إلى أن دعوات الفصائل إلى «التعايش السلمي مع الأقليات الدينية تتعارض مع رؤية التنظيم المتطرفة».

النموذج الأفغاني

مُني التنظيم بضربة قاسمة ولم يعد قادراً على التنسيق بين فروعه في الشرق الأوسط وأفريقيا. وانخفض عدد الهجمات التي أعلن التنظيم مسؤوليته عنها في سوريا من 1055 هجوماً في عام 2019 إلى 121 هجوماً في عام 2023.

لكن هذه الهجمات ازدادت في عام 2024 إلى 259 هجوماً حتى منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، بحسب المحلل آرون زيلين، من مركز الأبحاث الأميركي «هدسون».

وأضاف أن «هناك أدلة مهمة تشير إلى أن التنظيم تعمد التقليل من تبني هجمات في سوريا ليبدو أضعف مما هو عليه في الواقع»، مشيراً إلى أنه يقوم بفرض الضرائب على السكان في المناطق الخاضعة لسيطرته.

ولكن رغم ذلك يبقى قادراً على المناوشة ومضايقة السلطات حتى بعد انتصار «هيئة تحرير الشام» التي أطاحت بالنظام.

ويعتقد يورام شفايتسر، الذي كان يعمل مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ويعمل حالياً في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) في تل أبيب، أن «تنظيم (داعش) سيحاول الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي من (هيئة تحرير الشام)».

وشدد على أنه على الرغم من الاختلافات الجوهرية بين البلدين، «يجب أن نلاحظ ما فعله التنظيم عندما سيطرت (طالبان) على السلطة»، في إشارة إلى الهجمات التي نفذها الفرع الأفغاني للتنظيم بعد رحيل الأميركيين من كابل في أغسطس (آب) من عام 2021.

تهديد مخيم الهول

وإذا ما أثبت فصيل آخر سيطرته على الدولة السورية في نهاية المطاف فستكون النتيجة متطابقة. وأضاف أنهم «سيعدّون أن من يسيطر على السلطة في دمشق عدو أساسي يجب عليهم التحرك ضده».

وفي الوقت نفسه، هناك الخطر الذي يمثله تنظيم «داعش» على واحدة من نقاط الضعف في الحرب ضد الإرهاب وهي المخيمات المكتظة وغير المؤمنة في المنطقة الكردية، حيث يقبع عشرات الآلاف من عناصر «داعش» مع نسائهم وأطفالهم.

وفي يناير (كانون الثاني) 2022، هاجم التنظيم سجن غويران في الحسكة (شمال شرقي البلاد)، حيث يتم احتجاز آلاف المتطرفين. ويعتقد يورام شفايتسر أن التنظيم لا يمكنه سوى وضع مخيم الهول العملاق نصب عينيه، «إما من خلال مهاجمته وإما من خلال مساعدة المحتجزين هناك على الهروب».

وواجه الأكراد في السنوات الأخيرة «صعوبة في الحفاظ على النظام داخل المخيم»، كما يشير الباحث الإسرائيلي، الذي يعتقد أنهم لن يتمكنوا من تأمينه لفترة أطول، خاصة إذا تعرضوا لهجوم من الجيش التركي الذي يعدّ القوات الكردية (إرهابية)».

وفي نهاية المطاف، سيتوقف الأمر جزئياً على ما إذا كانت هناك رغبة لدى الولايات المتحدة أم لا في الاحتفاظ ببضعة آلاف من الجنود الأميركيين المنتشرين في سوريا لمحاربة التنظيم، ومنع أنقرة من مهاجمة الأكراد في سوريا.

وإذا كان لا يمكن التنبؤ بخطط الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب، فإن الحرب ضد التنظيم «هي جزء من إرث» ولايته الأولى، وفق كولن كلارك.

وأضاف: «لا أعتقد أنه سيرغب في التراجع عن هذا الإرث من خلال سحب قواته وإعطاء الضوء الأخضر للأتراك». وإلا فإن «تنظيم داعش سيكون المستفيد الأول».


مقالات ذات صلة

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

شمال افريقيا لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

أثارت إعدامات نُفذت بحق أكثر من 30 شخصاً في بنغازي انتقادات للبعثة الأممية لدى ليبيا بعد دعوتها سلطات شرق البلاد إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي مشتبه بانتمائه إلى «داعش» يصل إلى مكان للاستجواب بسجن الكرخ في بغداد (أ.ب)

ملف سجناء «داعش» في العراق يُثير اعتراض محامين فرنسيين

قال مصدر عراقي مسؤول إن ملف سجناء تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق في وقت سابق من العام الحالي هو «ملف حصري بين جهاز مكافحة الإرهاب والقضاء».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي القبض على أحد عناصر «خلية داعش» في داريا بريف دمشق (أرشيفية - سانا) p-circle 00:38

مداهمة موقع لـ«داعش» بريف درعا... ومقتل 3 عناصر من الأمن السوري

داهمت قوى الأمن الداخلي، الخميس، موقعاً تتحصن به مجموعة مسلحة ‏تتبع لتنظيم «داعش» الإرهابي بمدينة الصنمين بريف درعا بعد إحكام الحصار ‏عليها وعدم استجابة أفرادها

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا جنود ماليون خلال دورية قرب الحدود مع النيجر في منطقة دانسونغو بمالي يوم 23 أغسطس 2021 (رويترز)

مقتل 50 عسكرياً محلياً و5 مقاتلين روس بهجوم في مالي

قُتل 50 عسكرياً على الأقل وخمسة مقاتلين من «فيلق أفريقيا» الروسي غير النظامي بهجوم واسع النطاق على قاعدة رئيسية للجيش في وسط مالي الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
شمال افريقيا المدعي العام العسكري فرج الصوصاع (إعلام الجيش الوطني)

سلطات شرق ليبيا تواجه ضغوطاً دولية لوقف إعدام مدانين بـ«الإرهاب»

تزداد الضغوط الدولية والمحلية على سلطات شرق ليبيا لوقف تنفيذ أحكام الإعدام بحق مدانين بقضايا إرهاب، بعدما بدأت عمليات التنفيذ في 23 أغسطس (آب) الماضي.

خالد محمود (القاهرة)

لبنان يضغط لتمديد «اليونيفيل»... ويتمسك بمظلة أممية في الجنوب

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
TT

لبنان يضغط لتمديد «اليونيفيل»... ويتمسك بمظلة أممية في الجنوب

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

يكثف لبنان تحركه السياسي والدبلوماسي للإبقاء على مظلة أممية في جنوب البلاد، بالتوازي مع حشد الدعم للجيش، وسط مساعٍ لبنانية-فرنسية لإعادة النظر في موعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، وفصل لبناني بين هذا الملف وبين الطروحات المتعلقة بمسار أوروبي لدعم المؤسسة العسكرية.

جندية بـ«اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)

بيروت تتمسك بالمظلة الأممية

وفي موازاة البحث في دعم الجيش، تفصل بيروت بين الطروحات الأوروبية المتعلقة بالمؤسسة العسكرية وبين مستقبل الحضور الأممي في الجنوب. وقال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن الطرح المتعلق بقوة أوروبية «يُبحث في مسار منفصل عن ملف الجنوب، ولا يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل (اليونيفيل) أو بأي ترتيبات خاصة بالقوة الدولية في جنوب لبنان».

وأوضح المصدر أن «المسار الأوروبي يتعلق في جزء أساسي منه بدعم الجيش وتأهيله، وبملفات عسكرية ومؤسساتية داخلية، ولذلك لا ينبغي الخلط بينه وبين النقاش الدائر حول شكل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة (اليونيفيل)».

وأكد أن الموقف اللبناني «لا يزال يركز على ضرورة استمرار وجود قوة أممية»، مشيراً إلى أن «البحث يمكن أن يشمل قوة أصغر حجماً أو مختلفة في تشكيلتها ومهماتها عن (اليونيفيل) الحالية، لكن الأساس بالنسبة إلى لبنان هو الحفاظ على مظلة أممية ووجود دولي في الجنوب»، ومؤكداً أنّ «العمل الدبلوماسي مستمر، ولا تزال الأفكار المطروحة في إطار العناوين العامة من دون الدخول في تفاصيل نهائية».

ويأتي هذا الموقف في حين يستمر البحث الدولي في ترتيبات المرحلة المقبلة، بالتوازي مع المسار الذي انطلق في باريس لدعم الجيش وتأهيله وتعزيز قدراته، من دون حسم شكل أي ترتيبات لاحقة مرتبطة بالوجود الدولي في الجنوب.

جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل جنوب لبنان (يونيفيل)

تمسُّك بالتمديد

ويواكب التحرك الرسمي مسار نيابي لحشد التأييد لاستمرار «اليونيفيل». وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين في البرلمان اللبناني النائب فادي علامة لـ«الشرق الأوسط» إن الموقف اللبناني الذي عبّرت عنه اللجنة خلال لقاءاتها مع ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن «واضح جداً لجهة التمسك بالتمديد لقوات (اليونيفيل)، والحفاظ على حضور أممي فاعل في جنوب لبنان»، مؤكداً أن الظروف الحالية تجعل الحاجة إلى هذا الوجود «أكبر من أي وقت مضى».

وأوضح علامة أن اللجنة «استضافت ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن، بحضور وزير الدفاع وممثل عن وزير الخارجية، وكان تركيزنا واضحاً على ضرورة التمديد لـ(اليونيفيل)؛ لأن ما يعنينا هو استمرار الحضور الأممي، وأن تكون القوات الدولية موجودة وفاعلة على الأرض».

وأضاف: «نحن نعود اليوم، من حيث طبيعة الوضع في الجنوب ووجود مناطق محتلة ومدمرة، إلى ظروف تذكّر بالمراحل التي عاشها لبنان منذ أواخر السبعينات. ولذلك فإن الجنوب يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى حضور أممي فاعل، وهذا ما شددنا عليه أمام السفراء والبعثات الدبلوماسية التي التقيناها».

وتابع: «لهذا السبب نتمسك بأن يكون هناك قرار أممي، وأن يكون تطبيق القرار (1701) هو المرجعية. ولكي يُطبّق هذا القرار، نرى أن هناك حاجة إلى وجود قوات أممية على الأرض».

إعادة النظر في انتهاء المهمة

وكان مجلس الأمن قد قرر في أغسطس (آب) 2025 تمديد ولاية «اليونيفيل» للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، على أن تتوقف عملياتها في ذلك التاريخ، ويبدأ خفضها وانسحابها بصورة منظمة وآمنة خلال سنة.

وأشار علامة إلى أن «القرار الذي حدد انتهاء مهمة (اليونيفيل) في نهاية السنة يستدعي إعادة النظر»، مضيفاً: «نحن، كمجلس نواب وكدولة لبنانية، نعمل لإقناع الدول المعنية بأن الوضع الحالي يتطلب استمرار هذه القوة، على أن يكون دورها فاعلاً، وأن تتابع مهماتها وتتعاون مع الجيش اللبناني وتساعده».

وختم علامة بقوله: «عندما صدر القرار (1701) كانت هناك مناطق محدودة لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، أما اليوم فهناك مناطق محتلة ومدمرة، ما يجعل وجود قوة أممية على الأرض أكثر ضرورة، ليس فقط للمراقبة وتسجيل الخروقات، وإنما أيضاً للمساهمة في تثبيت الاستقرار ومواكبة انتشار الجيش اللبناني».

آليات لقوات «اليونيفيل» تسلك الطريق الساحلي باتجاه بلدة الناقورة في جنوب لبنان (يونيفيل)

تحرك في نيويورك

ويتزامن ذلك مع مساعٍ لبنانية-فرنسية للإبقاء على «اليونيفيل» لفترة إضافية. وذكرت «فايننشال تايمز» أن بيروت أبلغت مجلس الأمن أن إنهاء الولاية في الظروف الحالية سيكون سابقاً لأوانه، داعية إلى تمديد محدود، وأن فرنسا ومعظم أعضاء المجلس أبدوا تأييداً للطلب اللبناني، في مقابل معارضة إسرائيلية.

وفي موازاة ذلك، غادر وزير الخارجية يوسف رجي إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة، على أن يعقد لقاءات مع مسؤولين دوليين ووزراء خارجية عرب وأجانب. ويترأس سلام الوفد اللبناني، في حين تبدأ المناقشة العامة رفيعة المستوى الثلاثاء 22 سبتمبر (أيلول).

أما في واشنطن، فتستمر الاتصالات المرتبطة بالملف اللبناني والمسار التفاوضي مع إسرائيل، بعدما أُرجئت جولة كانت مقررة في روما خلال سبتمبر إلى أكتوبر (تشرين الأول)، من دون أن يحدد بيان الرئاسة طبيعة الاجتماع المرتقب أو المشاركين فيه.


قوات إسرائيلية تتقدّم باتجاه نقطة للجيش اللبناني في بلدة دير ميماس بجنوب لبنان

دبابات إسرائيلية تتجه نحو موقع مستحدث للجيش اللبناني عند مدخل بلدة دير ميماس جنوب لبنان في 18 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)
دبابات إسرائيلية تتجه نحو موقع مستحدث للجيش اللبناني عند مدخل بلدة دير ميماس جنوب لبنان في 18 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)
TT

قوات إسرائيلية تتقدّم باتجاه نقطة للجيش اللبناني في بلدة دير ميماس بجنوب لبنان

دبابات إسرائيلية تتجه نحو موقع مستحدث للجيش اللبناني عند مدخل بلدة دير ميماس جنوب لبنان في 18 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)
دبابات إسرائيلية تتجه نحو موقع مستحدث للجيش اللبناني عند مدخل بلدة دير ميماس جنوب لبنان في 18 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

تقدّم الجيش الإسرائيلي، الجمعة، باتجاه حاجز للجيش اللبناني أقامه مؤخراً عند أطراف المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان وألقى قنابل صوتية، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية ومصوّر في «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوردت «الوكالة الوطنية» أن «قوّة معادية» تقدّمت «باتجاه أطراف بلدة دير ميماس، وصولاً إلى منطقة التقاطع بالقرب من نقطة مستحدثة للجيش».

وأضافت أن الجيش الإسرائيلي ألقى «6 قنابل صوتية في محيط النقطة التي تمركزت فيها قواته عند المدخل الداخلي لبلدة دير ميماس، بالتزامن مع تعزيزات للجيش اللبناني في محيط البلدة» التي تقع في قضاء مرجعيون.

وأفادت «الوكالة الوطنية» في وقت لاحق بأن الجيش الإسرائيلي فتّش بعض المنازل في البلدة قبل أن تتراجع قواته من النقطة التي كانت تقدّمت إليها عند أطراف دير ميماس.

وشاهد مصوّر في «وكالة الصحافة الفرنسية» دبابتين إسرائيليتين تتقدمان على طريق باتجاه بلدة دير ميماس التي تقع بمحاذاة المنطقة التي تحتلها إسرائيل، قبل أن تتوقفا أمام ساتر ترابي، تتمركز خلفه آليات تابعة للجيش اللبناني.

وقال إن آليات الجيش تراجعت نحو مائة متر، لكنها بقيت متمركزة بمواجهة الدبابتين الإسرائيليتين.

ويتمركز الجيش اللبناني منذ مدّة في هذه البلدة، وبقي بمنأى من المواجهات بين «حزب الله» وإسرائيل.

قوات إسرائيلية تتقدم نحو أطراف دير ميماس بالقرب من حاجز مستحدث للجيش اللبناني في 18 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وأبرم لبنان وإسرائيل في 26 يونيو (حزيران) اتفاق إطار بعد خمس جولات تفاوضية مباشرة برعاية أميركية نصّ على نزع سلاح «حزب الله» وانسحاب الدولة العبرية تدريجياً من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءاً من مناطق «تجريبية».

وكانت حدة الأعمال العدائية في لبنان تراجعت منذ أواخر يونيو بفضل مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية والاتفاق الإطاري، إلا أن الدولة العبرية تواصل احتلال مناطق واسعة في جنوب لبنان حيث أعلنت إقامة «منطقة أمنية» يصل عمقها إلى عشرة كيلومترات على طول حدودها، وتواصل تنفيذ ضربات وعمليات هدم ونسف ضخمة.

وبدأت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية في 28 فبراير (شباط) وتوسعت في الثاني من مارس (آذار) إلى لبنان بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الغارات الأميركية الإسرائيلية على إيران. وأسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 4300 شخص، بحسب السلطات اللبنانية.

واستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخميس نظيره اللبناني جوزيف عون والعاهل الأردني عبد الله الثاني في إطار اجتماع تحضيري لحشد دعم دولي لانتشار الجيش على كامل الأراضي اللبنانية.


مؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن يعيد طرح معادلة الأمن بين الداخل والحدود

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتوسط العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزيف عون خلال افتتاح اجتماع «مسار العقبة» لدعم الجيش اللبناني في فندق الأنفاليد بباريس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتوسط العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزيف عون خلال افتتاح اجتماع «مسار العقبة» لدعم الجيش اللبناني في فندق الأنفاليد بباريس (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن يعيد طرح معادلة الأمن بين الداخل والحدود

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتوسط العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزيف عون خلال افتتاح اجتماع «مسار العقبة» لدعم الجيش اللبناني في فندق الأنفاليد بباريس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتوسط العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزيف عون خلال افتتاح اجتماع «مسار العقبة» لدعم الجيش اللبناني في فندق الأنفاليد بباريس (أ.ف.ب)

فتح الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية، الذي عُقد في باريس الخميس، النقاش حول احتياجات المؤسستين في المرحلة المقبلة، في وقت تتزايد فيه الأعباء الملقاة على عاتق الجيش، ولا سيما في الجنوب، بالتوازي مع مواصلته أداء مهمات واسعة في الداخل.

ويتجاوز الاجتماع مسألة تأمين التمويل والتجهيزات، إلى البحث في بناء القدرات والتدريب والحاجات التشغيلية، وسط نقاش لبناني يتصل بكيفية تمكين الجيش والقوى الأمنية من أداء مسؤولياتهما، وتخفيف تداخل المهمات الذي جعل المؤسسة العسكرية تتحمل، على مدى سنوات، أدواراً داخلية تضاف إلى مسؤولياتها الدفاعية والحدودية.

وفي موازاة التركيز على تعزيز قدرات الجيش، تطرح حاجات قوى الأمن الداخلي نفسها جزءاً أساسياً من هذه المعادلة، ولا سيما أن رفع جهوزيتها وتوسيع قدرتها على تولي مهمات الأمن اليومي يمكن أن يخففا الأعباء الداخلية عن الجيش، ويتيحا له توجيه مزيد من قدراته وموارده نحو الحدود والمهمات الدفاعية.

مواجهات بين مودعين وعناصر من قوى الأمن خلال احتجاج نظمته مجموعة «صرخة المودعين» في وسط بيروت رفضاً لخطة الانتظام المالي واستمرار القيود المفروضة على السحوبات والتحويلات المصرفية منذ عام 2019 (إ.ب.أ)

عناصر قوى الأمن لم تكتمل منذ 1992

في هذا السياق، قال وزير الداخلية اللبناني الأسبق، العميد مروان شربل، لـ«الشرق الأوسط» إن «عناصر قوى الأمن الداخلي لم يتجاوز عددهم، منذ عام 1992 وحتى اليوم، 30 ألفاً، من ضباط ورتباء وأفراد، وفق العدد المعتمد قانوناً لقوى الأمن»، معتبراً أن بلوغ هذا العدد «يمثّل الحد الأدنى المطلوب لتمكين المؤسسة من أداء مهامها كاملة، من دون استنزاف الجيش في الملفات الأمنية الداخلية».

ويشير شربل إلى أن قوى الأمن الداخلي كانت، قبل الحرب اللبنانية، تؤدي مهامها بعتاد كافٍ لضبط الأمن وتنفيذ مذكرات التوقيف، حتى بحق المطلوبين الخطرين، من دون الحاجة الدائمة إلى مؤازرة الجيش.

ويربط شربل واقع المؤسسة بالأزمة الاقتصادية، قائلاً: «العسكري الذي كان يتقاضى ما يعادل ألف دولار، بات راتبه منخفضاً جداً بعد الانهيار، وهذا أثّر على الاستمرارية وعلى الجاذبية الوظيفية». ويؤكد «أن تحسين الرواتب والتقديمات الصحية والتعليمية شرط أساسي لإعادة جذب العناصر وتثبيتهم».

عناصر من قوى الأمن اللبنانية يحرسون أحد المصارف خلال احتجاج نظمته مجموعة «صرخة المودعين» في وسط بيروت رفضاً لخطة الانتظام المالي واستمرار القيود المصرفية على السحوبات والتحويلات منذ عام 2019 (إ.ب.أ)

التجهيز والرواتب في صلب حاجات الأمن الداخلي

أما على مستوى المتطلبات اللوجستية، فيوضح أن قوى الأمن الداخلي لا تحتاج إلى عتاد ثقيل كالجيش، «لكنها تحتاج إلى مصفحات وآليات وتجهيزات لوجستية، إضافة إلى تدريب متواصل ومتخصص، لأن التدريب مكلف لكنه أساسي». ويضيف: «لم يعد ممكناً التحقيق في الجرائم من دون استخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، وقد أثبت فرع المعلومات فعالية كبيرة، إذ يتم كشف نسبة عالية من الجرائم خلال 24 إلى 48 ساعة».

وفي مقاربة العلاقة بين المؤسستين، يقول شربل: «إذا بلغ عدد عناصر قوى الأمن 30 ألفاً مع فرق خاصة مدرّبة وسكنات وتجهيزات مناسبة، يمكنها تنفيذ المهمات الأمنية الداخلية من دون الحاجة الدائمة إلى تدخل الجيش، كما كانت الحال سابقاً مع وحدات مثل (الفرقة 16) التي كانت تضبط مناطق كاملة».

ويشدد على أن دعم قوى الأمن الداخلي يجب أن يكون جزءاً من أي خطة دعم دولية للمؤسسات العسكرية والأمنية، لأن «الأمن الداخلي المتماسك يحصّن الاستقرار العام، ويمنح الجيش مساحة للتركيز على مهامه الدفاعية».

ويختم بالقول: «الوصول إلى 30 ألف عنصر ليس هدفاً رقمياً فحسب، بل هو جزء من خطة متكاملة تشمل التدريب والتجهيز والتوازن البشري، بما يضمن قيام قوى الأمن بدورها الكامل في حفظ الأمن والنظام، ويعزز الشراكة التكاملية بينها وبين الجيش اللبناني».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يستقبلان الرئيس اللبناني جوزيف عون قبيل اجتماع ثلاثي سبق افتتاح اجتماع «مسار العقبة» لدعم الجيش اللبناني في فندق الأنفاليد بباريس في 17 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

الجيش بين مهماته الدفاعية وأعباء الداخل

في المقابل، يقدّم العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني بسام ياسين قراءة تتصل بتطور دور الجيش ميدانياً، إذ يرى أن توسّع دور الجيش في الداخل منذ نهاية الحرب الأهلية جاء نتيجة تراجع الثقة ببعض الأجهزة الأمنية في مراحل سابقة، معتبراً أنّ «الجيش هو الجهة التي احتفظت بكامل الثقة لدى كل اللبنانيين».

ويشير إلى أن هذا الواقع أدى تدريجياً إلى انتقال عدد كبير من المهمات للجيش، «فلم يعد دوره مقصوراً على حماية الحدود ومكافحة الإرهاب والتدريب، بل بات منتشراً في الداخل بشكل واسع، من حفظ الأمن الداخلي إلى مواكبة المظاهرات وضبط الاستقرار في مناطق عدة، إلى جانب مهمته الأساسية على الحدود».

ويرى ياسين أن هذا التحوّل «يحمل في طياته مؤشراً سلبياً، إذ من المفترض أن تكون مهمة الجيش الأساسية حماية الحدود ومحاربة الإرهاب والاستعداد الدائم للدفاع، وأن يكون احتياطاً عند الحاجة لدعم القوى الأمنية، لا أن تصبح هذه القوى هي المسانِدة له في الداخل».

ويضيف: «رغم زيادة عناصر بعض الأجهزة الأمنية وتوسع وحداتها، فإنها لم تحلّ مكان الجيش في عدد من المناطق، حتى في مناطق إدارية مستقرة نسبياً كالعاصمة بيروت أو أجزاء من جبل لبنان؛ حيث لا يفترض أن تكون هناك حاجة دائمة لانتشار الجيش».

تعزيز القوى الأمنية يُخفف الضغط عن المؤسسة العسكرية

وفي سياق الدعم الدولي، يتمنى ياسين «أن يسهم أي دعم خارجي في إعادة الجيش إلى دوره الطبيعي»، مضيفاً: «نتمنى أن ينصرف الجيش إلى مهمته الأساسية: حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، والتدريب. كثرة المهمات الداخلية ترهق المؤسسة وتستهلك موازنتها في الحركة والانتشار داخل المدن، بدل التركيز على تطوير القدرات الدفاعية والجاهزية الحدودية».

ويشدّد على أنه «من مصلحة الدولة أن يقوم كل جهاز بدوره كما ينص عليه القانون. عندما تتولى القوى الأمنية مهامها كاملة في الداخل، يمكن للجيش أن يكرّس جهوده لمهمته الأصلية، بما يُعزز مفهوم الدولة، ويعيد التوازن إلى توزيع المسؤوليات الأمنية».