كيف رفض أبناء «نغوغي واثيونغو» تحرير العقل من الاستعمار؟

دعا للكتابة باللغة الأم وحضر توقيع روايتين بالإنجليزية لاثنين منهم

الكاتب الكيني نغوغي واثيونغو في حفل توقيع كتابين لابنه وبنته
الكاتب الكيني نغوغي واثيونغو في حفل توقيع كتابين لابنه وبنته
TT

كيف رفض أبناء «نغوغي واثيونغو» تحرير العقل من الاستعمار؟

الكاتب الكيني نغوغي واثيونغو في حفل توقيع كتابين لابنه وبنته
الكاتب الكيني نغوغي واثيونغو في حفل توقيع كتابين لابنه وبنته

الروائي والمُنَظِّر الما بعد كولونيالي، الكيني نغوغي واثيونغو، (يتوسط الصورة). يقف مائلاً بجذعه إلى الأمام، ميلاً يكاد لا يُدرك، باسطاً كفيه على كتفي ابنته وانجيكو وا نغوغي (يمين الصورة)، وابنه موكوما وا نغوغي (يسار الصورة)، كأنما ليحتضنهما أو ليتأكد من وجودهما وبقائهما أمامه، أو يتوكأ عليهما بدلاً من التوكؤ على العصا التي ربما أسندها إلى الجدار خلفه، أو في أي بقعة من المكان.

الصورة لقطة لاجتماع عائلي صغير، اجتماع ربما لا يتكرر كثيراً ودائماً ولوقت طويل بين أب يعيش وحيداً إلّا من رفقة كلبه في مدينة «إرفاين» في كاليفورنيا، وابن يقيم في مدينة «إثاكا»، حيث يعمل أستاذاً للأدب في جامعة كورنيل، وابنة استقر بها المقام في مدينة أتلانتا، حيث تعمل أستاذاً للكتابة الإبداعية في كلية الفنون الجميلة في ولاية جورجيا. شتات أسري صغير، نموذج من الشتات الأفريقي (الما بعد كولونيالي) الكبير، تتخلله لحظات مثل لحظة التقائهم في الصورة لحدث يظهر خلاله الشبه بينهم، الشبه العصي على الشتات تبديده ومحوه.

الحدث فعالية توقيع موكوما لروايته الرابعة «انبشوا موتانا بالغناء»، شخصياً أفضل «انبشوا قبور موتانا بالغناء»، وتوقيع وانجيكو لروايتها «مواسم في بلاد أفراس النهر» أو «فصول في بلاد فرس النهر». لا يحتاج إلى تأكيد أن عنواني الروايتين قابلان لأكثر من ترجمة. وبقدر ما تبرز الصورة، أو الحدث في الصورة، من تشابه بين الثلاثة، تقوم بوظيفة المعادل الموضوعي البصري لهذه المقالة التي تجمعهم.

النضال باللغة الأم

لكن هنالك ما لا تظهره الصورة، ولا توحي به. أقصد المفارقة التي يشكلها حضور نغوغي واثيونغو حفل توقيع روايتين مكتوبتين باللغة الإنجليزية لاثنين من أبنائه، اللغة التي توقف عن الكتابة الإبداعية بها في أواخر سبعينات القرن الماضي؛ وكان مثابراً في الدعوة إلى التوقف عن الكتابة بها.

كان قرار نغوغي التوقف عن الكتابة بالإنجليزية والتحول إلى الكتابة بلغته الأم سبباً مباشراً من أسباب اعتقاله والزج به في سجن الحراسة المشددة، عشية السنة الجديدة في عام 1977. كان ابنه موكوما في السابعة من عمره عندما ألقت السلطات الكينية القبض عليه بعد ستة أسابيع من النجاح الشعبي المدوي الذي حققه عرض مسرحيته المكتوبة بلغة «جيكويو»: «سأتزوج عندما أريد»، مسرحية أدّاها ممثلون غير محترفين من الفلاحين، واستهدفت بالانتقاد النخبة الحاكمة الكينية، مما دفع الحكومة إلى اعتقاله تحت ذريعة تشكيله خطراً على البلاد.

في زنزانته التي تحَوَّل فيها إلى مجرد رقم (K677)، وكفعل تحدٍ للسلطة أولاً، وكأداة للمقاومة والنضال من أجل تحرير العقل من الاستعمار ثانياً، بدأ نغوغي، وعلى ورق التواليت، في كتابة روايته الأولى بلغته الأم «شيطان على الصليب». يروي أن ورق التواليت كان مكدساً رصاتٍ تصل سقف الزنزانة، ورق قاس وخشن كأنما أُرِيد أن يكون استخدامه عقاباً للسجناء.

إن توقف نغوغي عن الكتابة بالإنجليزية بعد مرور ما يزيد على عشر سنوات من انعقاد «مؤتمر ماكيريري للكُتّاب الأفارقة الذين يكتبون باللغة الإنجليزية»، وضعه على مفترق طرق في علاقته مع «الماكيريريين»، الذين آمنوا بحتمية وأهمية الكتابة باللغة الإنجليزية، وفي مقدمتهم صديقه الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي. ورغم تعكر صفو العلاقة بينهما ظل نغوغي يكنّ الاحترام لأتشيبي ومعترفاً بفضله عليه. فأتشيبي أول شخص قرأ روايته الأولى «لا تبكِ أيها الطفل» حتى قبل أن يكمل كتابتها، عندما حملها مخطوطة مطبوعة إلى مؤتمر ماكيريري أثناء انعقاده في جامعة ماكيريري في العاصمة الأوغندية كامبالا، في يونيو (حزيران) 1962. وكان له الفضل في نشرها ضمن سلسلة هاينمان للكُتّاب الأفارقة.

يقول نغوغي واثيونغو لمواطنه الكاتب كيري بركه في حوار نشر في صحيفة «ذا غارديان» (2023-6-13): «قال أتشيبي إن اللغة الإنجليزية كانت هدية. لم أوافق... لكنني لم أهاجمه بطريقة شخصية، لأنني كنت معجباً به كشخص وككاتب». أتوقع لو أن أتشيبي على قيد الحياة الآن، لعاد للعلاقة بين عملاقي الرواية في أفريقيا بعض صفائها، أو كله. فموقف نغوغي الرافض للاستمرار بالكتابة بلغة المستعمر، فَقَدَ (أو) أفقدته الأيام بعض صلابته، ويبدو متفهماً، أو مقتنعاً، وإن على مضض، بأسباب ومبررات الكتابة الإبداعية بالإنجليزية. فجلاء الاستعمار من أفريقيا، لم يضع - كما كان مأمولاً ومتوقعاً - نهاية للغات المستعمر، كأدوات هيمنة وإخضاع وسيطرة، فاستمرت لغاتٍ للنخب الحاكمة، وفي التعليم.

قرار نغوغي واثيونغو الكتابة باللغة التي تقرأها وتفهمها أمة «وانجيكو» قسم حياته إلى قسمين، ما قبل وما بعد. قِسْمٌ شهد كتاباته باللغة الإنجليزية الممهورة باسم «جيمس نغوغي»، وكتاباته بلغة «جيكويو» باسم نغوغي واثيونغو، تماماً كما قسّم مؤتمر ماكيريري تاريخ الأدب الأفريقي والرواية الأفريقية إلى ما قبل وما بعد - الموضوع الرئيس في كتاب ابنه موكوما وا نغوغي «نهضة الرواية الأفريقية».

في نهضة الراوية الأفريقية

من البداية إلى النهاية، يرافق «مؤتمر ماكيريري» قارئَ كتاب موكوما وا نغوغي «نهضة الرواية الأفريقية... طرائق اللغة والهوية والنفوذ» (الصادر في مارس (آذار) 2024) ضمن سلسلة «عالم المعرفة» للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (الكويت). وترجمه إلى العربية الأكاديمي والناقد والمترجم البروفسور صديق محمد جوهر. لم يكن كتاب نغوغي الابن الباعث على كتابة المقالة فحسب، وإنما المحفز أيضاً، حتى قبل البدء في قراءته، على قراءة رواية شقيقته وانجيكو وا نغوغي «مواسم في بلاد أفراس النهر»، وكانت ترقد على الرفّ لبعض الوقت في انتظار قراءة تهرب إلى الأمام باستمرار. فكان أن قرأت الكتابين في الوقت نفسه، منتقلاً من أحدهما إلى الآخر، بينما صورة نغوغي الأب، أو طيفه يحوم في أفق القراءة، ما جعلني أُسَلِّمُ بأن لا مفرَّ من جمع الثلاثة في مقالة واحدة، وقد وهبتِ الصورة نفسَها معادلاً موضوعياً بصرياً لها.

مؤتمر ماكيريري بآثاره وانعكاساته على الأدب الأفريقي هو الموضوع الرئيس في «نهضة الرواية الأفريقية». كانت المهمة الأولى على أجندة المجتمعين في كمبالا، الذين استثنوا من الحضور كل الذين يكتبون بغير الإنجليزية، تطويق الأدب الأفريقي بحدود التعريف. ولأنه لا توجد حدود دون نشوء لثنائية الداخل - الخارج، فإنهم لم يقصوا الآداب الأفريقية بلغات المستعمر الأخرى فحسب، بل أبقوا خارج الحدود كل الأعمال الأدبية المنشورة باللغات المحلية التي نشرت قبل 1962. على اعتبار أن كل ما سبق ماكيريرى من ثمانينات القرن التاسع عشر كان خطابة.

ينتقد موكوما أدباء ماكيريري على تعريفهم الضيق والإقصائي للأدب الأفريقي، ويدعو إلى أدب أفريقي بلا حدود، يشمل الكتابات المبكرة، وآداب الشتات الأفريقي، والقص الشعبي «popular fiction»، وإلى تقويض التسلسل الهرمي الذي فرضته «الإمبراطورية الميتافيزيقية الإنجليزية»، التي امتد تأثيرها إلى ما بعدَ جلاء الاستعمار، ولم يسلم موكوما نفسه ومجايلوه من ذلك التأثير، فقد نشأ في بيئة معادية للغات الأفريقية. من الأسئلة التي قد تبزغ في ذهن القارئ: ألم يمارس موكوما الإقصاء أيضاً؟ فقد انتقد «أصحاب ماكيريري»، ولم ينتبه إلى أن كتابه «نهضة الرواية الأفريقية» لم يتسع للرواية الأفريقية باللغة العربية وبلغات الاستعمار الغربي الأخرى في أفريقيا.

الأشياء لم تتغير في «فيكتوريانا»

بإزميل حاد نحتت وانجيكو وا نغوغي عالم القصة في روايتها «مواسم في بلاد أفراس النهر»، فجاءت لغتها سهلة وسلسلة، توهم بأن القارئ لن يواجه أي صعوبة في قراءتها. في هذا العالم تتمدد دولة «فيكتوريانا» على مساحة مناطقها الثلاث: ويستفيل ولندنشاير وهيبولاند، ويتربع فيها على عرشه «إمبراطور مدى الحياة». تقدم الرواية «فيكتوريانا» كصورة للدول الأفريقية، التي شهدت فساد وإخفاقات النخب الحاكمة وإحباط آمال الجماهير بعد الاستقلال.

الحكاية في «مواسم في بلاد أفراس النهر»، ترويها بضمير المتكلم الشخصية الرئيسة (مومبي). تبدأ السرد من سن الثالثة عشرة، من حدث له تأثير كبير في حياتها. فبعد افتضاح تدخينها السجائر مع زميلاتها في المدرسة قبل نهاية العام الدراسي بأيام، يعاقبها والداها بإرسالها برفقة شقيقها من «ويستفيل» إلى «هيبولاند» حيث تعيش عمتها سارة.

العمة سارة حكواتية انخرطت في شبابها في حركة النضال ضد المستعمرين، وبعد الاستقلال، وظفت قصصها لبث الأمل والشجاعة وتحريك الجماهير ضد الإمبراطور. الحكاية التي ترويها مومبي هي قصة نموها وتطورها إلى «حكواتية» ترث عن سارة رواية القصص، والتدخل في شؤون الإمبراطورية، لينتهي بها المطاف في زنزانة في سجن الحراسة المشددة. هنا تتسلل خيوط من سيرة نغوغي واثيونغو إلى نسيج الخطاب السردي. إن السرد كقوة وعامل تأثير وتحريض على التمرد والتغيير هو الثيمة الرئيسة في الرواية. ولدرء خطره على عرشه، يحاول الإمبراطور قمع كل أنواعه وأشكاله.

* ناقد وكاتب سعودي



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».