جهود مكثّفة لتحديد مصير معتقلين لبنانيين في سجون سورية

معتقل في صيدنايا يعود إلى شمال لبنان بعد احتجاز دام 33 سنة

سهيل الحموي وزوجته في بلدته شكا (أ.ف.ب)
سهيل الحموي وزوجته في بلدته شكا (أ.ف.ب)
TT

جهود مكثّفة لتحديد مصير معتقلين لبنانيين في سجون سورية

سهيل الحموي وزوجته في بلدته شكا (أ.ف.ب)
سهيل الحموي وزوجته في بلدته شكا (أ.ف.ب)

وضعت وزارة العدل اللبنانية يدها على ملف المعتقلين اللبنانيين بالسجون السورية في مسعى لتحديد مصير هؤلاء بعد تحرير الآلاف من المعتقلين بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد الأسبوع الماضي.

‏وبتكليف من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، اجتمع وزير العدل هنري الخوري مع أعضاء لجنة المعتقلين في السجون السورية برئاسة مدعي عام بيروت القاضي زياد أبو حيدر لمتابعة الأوضاع المستجدة في سوريا، وتقرر التواصل مع القوى الأمنية من قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة؛ لمعرفة ما إذا كانت لديهم أي معلومات تصلح للبناء عليها في ملف المعتقلين في السجون السورية، وللتأكد من الأسماء المحررة من مختلف السجون خلال اليومين الماضيين.

ووفق بيان صادر عن وزارة العدل، تم خلال الاجتماع تكليف العميد علي طه لتقصي الحقائق حول المعتقلين المحررين لمتابعتها ومعالجتها وفقاً للأصول، على أن تبقى مسألة المعتقلين قيد المتابعة مع رئيس الحكومة، ووزير العدل الذي سيتابع اجتماعاته في الأيام المقبلة مع أعضاء هيئة المفقودين في السجون السورية.

سهيل الحموي الذي كان معتقلاً في السجون السورية منذ 33 عاماً يحتضن حفيديه بعد وصوله إلى شكا في شمال لبنان (أ.ف.ب)

عائق أساسي

وكان الأمين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكية اجتمع في الأيام الماضية بـ«الهيئة الوطنيّة للمفقودين والمخفيين قسراً في لبنان» التي تم إنشاؤها عام 2018 لمتابعة ملف المفقودين والمخفيين قسراً، ومع لجنة معالجة قضية اللبنانيين المعتقلين في سوريا التي تشكلت عام 2005.

وشدّد رئيس الحكومة «على وضع كل الإمكانات المتوافرة، والتواصل مع الجهات المعنية في ضوء الإفراج عن مئات السجناء من السجون السورية».

ودخل الأمن العام اللبناني أيضاً على الخط في محاولة لتحديد مصير اللبنانيين المعتقلين، والمساهمة في إعادة المحررين منهم إلى لبنان. إلا أنه وبحسب المعلومات، فإن العائق الأساسي الذي يحول دون تقدم الملف سريعاً هو غياب المرجعية الرسمية في سوريا التي يمكن الاتصال بها والتنسيق معها. وترجح مصادر رسمية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تتسارع الخطوات في هذا المجال فور بدء المعارضة السورية بتنظيم الأوضاع في الداخل السوري.

وشكّلت الدولة اللبنانية لجنة أمنية قضائية في عام 2002 للتنسيق مع الجانب السوري لتقصّي المعلومات عن المفقودين اللبنانيين في سوريا، وسلّمت الجانب السوري قائمة بنحو 560 شخصاً يؤكد ذووهم أنهم مسجونون في سوريا، وبينهم عضو المكتب السياسي في حزب «الكتائب اللبنانية» بطرس خوند. وأفرج النظام السوري عن 98 سجيناً لبنانياً في نهاية عام 2003، وأبلغ الدولة اللبنانية أنه لم يبق أي لبناني في السجون السورية.

معتقل يعود إلى لبنان بعد 33 سنة

وعلى وقع الزغاريد والمفرقعات وصل سهيل الحموي بعد 33 عاماً من الاعتقال في السجون السورية إلى لبنان، وبالتحديد إلى منطقة شكا الشمالية حيث تسكن عائلته. وبحسب المعلومات فإن الحموي بالأصل مواطن سوري، لكنه كان يعيش في لبنان، ومتزوج من لبنانية عندما تم خطفه. كما أن إخوته استحصلوا على الجنسية اللبنانية خلال فترة سجنه. وقد تم إبلاغه بعد 20 عاماً من الاعتقال أن تهمته كانت الانتماء لـ«القوات اللبنانية».

وأظهر فيديو تم تناقله عشرات الأشخاص وهم يستقبلون الحموي بالعناق والدموع.

وكان قد عاد أيضاً إلى لبنان معتقلان من بلدة عرسال مساء الأحد، هما مروان نوح ومحمد عمر الفليطي، بعدما كانا قد اعتقلا عند الحدود الشمالية اللبنانية، قبل خمسة أعوام في سجن عدرا في سوريا، بحسب ما قالت مصادر في عرسال لـ«الشرق الأوسط».

وانتقل عدد كبير من ذوي المعتقلين في السجون السورية إلى سوريا مع إعلان سقوط النظام وبدء الفصائل المسلحة تحرير المعتقلين، بحثاً عنهم، فيما نجح البعض في تحديد أماكن وجودهم عبر صور وفيديوهات وصور تم تناقلها عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ومنهم عائلة علي حسن العلي الذي اعتقله الجيش السوري في لبنان قبل 39 سنة واختفى أثره.

سهيل الحموي الذي كان معتقلاً في سجن صيدنايا عند وصوله إلى بلدته شكا بشمال لبنان الاثنين (أ.ف.ب)

تقصير من الدولة والهيئة

ويصف رئيس «المركز الإنساني لحقوق الإنسان» وديع الأسمر الملف بـ«المعقد والشائك»، عادّاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «كان يفترض أن تدعو الحكومة لاجتماع طارئ فور سقوط الأسد لدراسة التداعيات على لبنان، وإنشاء غرفة طوارئ من الهيئة الوطنية للمخفيين قسراً، ومن الأجهزة الأمنية والجمعيات التي تعمل على الملف، وذلك تمهيداً لإرسال وفد إلى سوريا للتواصل مع السلطات الجديدة، ووضع آلية للتأكد من هويات المحررين من السجون، والذين يُعتقد أنهم لبنانيون».

ويتحدث الأسمر عن «تقصير من الدولة ومن الهيئة»، داعياً إلى «تحويل سفارة لبنان في الشام إلى خلية نحل للاهتمام بهذا الملف، وتأمين عودة المحررين بشكل آمن، وكذلك البحث والنقاش مع السلطات السورية الجديدة بالأرشيف المرتبط بلبنان لتحديد مصير نحو 600 شخص من المخفيين قسراً».

سؤال من الجميل إلى الحكومة

ووجّه رئيس حزب «الكتائب اللبنانية»، النائب سامي الجميّل، الاثنين، سؤالاً خطياً إلى الحكومة اللبنانية عبر رئاسة المجلس النيابي، حول التدابير العاجلة المطلوبة لمعرفة مصير اللبنانيين المعتقلين والمخفيين قسراً في سوريا.

وفي رسالته، شدّد الجميّل على «ضرورة تحرك الحكومة اللبنانية بشكل فوري ومكثف لتحديد مصير اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية، والذين يزيد عددهم على 622 مواطناً لبنانياً، بالإضافة إلى اللبنانيين الذين تم إطلاق سراحهم مؤخراً من السجون السورية».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يؤكد مواصلة عملياته في جنوب لبنان

المشرق العربي قلعة الشقيف (بوفور) بجنوب لبنان كما تُرى من شمال إسرائيل (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يؤكد مواصلة عملياته في جنوب لبنان

أكد الجيش الإسرائيلي، الخميس، أنه سيواصل عملياته في جنوب لبنان؛ ومن بينها «إزالة التهديدات» خارج ما يسميه «المنطقة الأمنية».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي عَلم إسرائيلي معلق على مبنى مدمر في جنوب لبنان (أ.ب)

لبنان… فاتورة الحرب الثقيلة… بالأرواح والاقتصاد

قد تكون الأرقام الحالية التي يتم توثيقها لخسائر الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان مجرد رأس جبل الجليد.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي إسرائيلية تنظر إلى الأراضي اللبنانية حيث يتصاعد الدخان جراء غارة استهدفت جنوب لبنان (رويترز)

إسرائيل تستبق اتفاق واشنطن - طهران بمحاولة التقدم بجنوب لبنان

دفعت الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف المدفعي، مئات العائدين إلى مدينة النبطية لمغادرتها، حيث كثفت القوات الإسرائيلية قصفها للمنطقة رغم دخول الهدنة حيز التنفيذ

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً من المطارنة الموارنة في الاغتراب (الرئاسة اللبنانية)

لبنان يتمسك بفصل مساره عن طهران بمواجهة محاولات إعادة الربط

يتعامل لبنان الرسمي بحذر مع تداعيات «إعلان واشنطن» في وقت تسعى فيه الدولة اللبنانية إلى تكريس فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي السفير السعودي الجديد لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري مسلماً وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي نسخة من أوراق اعتماده (سفارة المملكة العربية السعودية لدى لبنان)

السفير السعودي الجديد يسلّم أوراق اعتماده لوزير الخارجية اللبنانية

سلّم سفير المملكة العربية السعودية الجديد لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري، وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، نسخة من أوراق اعتماده.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الجيش الإسرائيلي يؤكد مواصلة عملياته في جنوب لبنان

قلعة الشقيف (بوفور) بجنوب لبنان كما تُرى من شمال إسرائيل (أ.ب)
قلعة الشقيف (بوفور) بجنوب لبنان كما تُرى من شمال إسرائيل (أ.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يؤكد مواصلة عملياته في جنوب لبنان

قلعة الشقيف (بوفور) بجنوب لبنان كما تُرى من شمال إسرائيل (أ.ب)
قلعة الشقيف (بوفور) بجنوب لبنان كما تُرى من شمال إسرائيل (أ.ب)

أكد الجيش الإسرائيلي، الخميس، أنه سيواصل عملياته في جنوب لبنان؛ ومن بينها «إزالة التهديدات» خارج ما يسميه «المنطقة الأمنية»، رغم توقيع الولايات المتحدة وإيران اتفاقاً لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط يشمل لبنان.

ونشر الجيش خريطة لما وصفه بـ«المنطقة الأمنية»، التي تمتد نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

وقال إن القوات ستبقى منتشرة في تلك المنطقة «لإزالة التهديدات وتعزيز الدفاع عن سكان شمال إسرائيل».

وفي بيان لاحق، قال مسؤول عسكري إسرائيلي إن الجيش «سيواصل إزالة التهديدات التي تُرصَد خارج المنطقة الأمنية، سواء لجنود الجيش الإسرائيلي أم لمدنيي دولة إسرائيل».

يأتي الإعلان الإسرائيلي بعد توقيع الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان، عن بُعد، مذكرة تفاهم تنص على وقف الحرب في الشرق الأوسط في كل جبهاتها؛ ومنها لبنان.

الدخان يتصاعد عقب غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وبعد ساعات من توقيع الاتفاق، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بمقتل ثلاثة أشخاص، في ضربات إسرائيلية على جنوب لبنان.

وفي إسرائيل، أعلن الجيش، الخميس، مقتل أحد جنوده، الأربعاء، خلال القتال الدائر في جنوب لبنان، والذي أدى أيضاً إلى إصابة سبعة جنود آخرين.

ودعا المسؤول العسكري الإسرائيلي الجيش اللبناني، الخميس، إلى العمل بالتنسيق مع القوات الإسرائيلية، وحثّ المدنيين اللبنانيين على عدم دخول «المنطقة الأمنية».

ومنذ إعلان إيران والولايات المتحدة توصلهما إلى اتفاق، الاثنين، تراجع مستوى العنف، بشكل ملحوظ، في لبنان.

واندلعت الحرب بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية الإسرائيلية. وردّت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات الجوية، واجتياح بري لجنوب البلاد أسفرت عن مقتل أكثر من 3800 شخص، وفق السلطات اللبنانية.

أما في الجانب الإسرائيلي فقد قُتل، منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي، 31 جندياً ومتعاقد مدني واحد.

وقال المسؤول العسكري الإسرائيلي إن «خطوات إضافية لا تزال قيد النقاش ضِمن إطار المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان».

وأضاف المسؤول أن ممثلي البلدين «سيجتمعون مجدداً، الأسبوع المقبل» في واشنطن.


إصابات في هجوم على حافلة للجيش السوري انطلقت من قاعدة الرميلان

إصابات في هجوم على حافلة للجيش السوري انطلقت من قاعدة الرميلان
TT

إصابات في هجوم على حافلة للجيش السوري انطلقت من قاعدة الرميلان

إصابات في هجوم على حافلة للجيش السوري انطلقت من قاعدة الرميلان

أصيب 10 جنود من الجيـش العربي السوري بجـروح متفاوتة جراء هـجوم نفذه مجهولون اسـتهدف حافلة مبيت فجر اليوم على طريق تل تمر-رأس العين بريف الحسكة.

وأفادت مصادر محلية بمقتل عنصر وإصابة آخرين من مرتبات وزارة الدفاع السورية، إثر تعرض حافلة مبيت عسكرية لهجوم بالأسلحة الرشاشة نفذه مجهولون على الطريق بين تل تمر ورأس العين في شمال الحسكة.

وتتحدث المعلومات الأولية عن وقوع أضرار وخسائر لم لم تُكشف كل تفاصيلها، فيما باشرت الجهات المختصة التحقيق لكشف ملابسات الهجوم وتحديد هوية المنفذين.

مشاهد من عملية الهجوم على مركز أمن سوري في الرقة السورية يوم الاثنين (الأمن الداخلي)

وقال مركز إعلام الحسكة إن حافلة المبيت التابعة لوزارة الدفاع تعرضت للاستهداف، صباح اليوم، على الطريق الدولي M4 في مناطق سيطرة ميليشيا «قسد»، ما أسفر عن وقوع عدد من الإصابات بين العناصر الذين كانوا على متنها. وأن العناصر القادمين من قاعدة رميلان تابعون لقوات الفرقة 60 التابعة للجيش السوري.

وأفاد مصدر خاص لمركز إعلام الحسكة بأن حافلة المبيت التي تقل عناصر من وزارة الدفاع في الجيش العربي السوري، كانت قد غادرت قاعدة رميلان التي تتمركز فيها قوات الفرقة 60 متجهة إلى حلب، عندما تعرضت لإطلاق نار قبيل عبورها مناطق سيطرة «قسد».

غير أن مصادر «تلفزيون العربي» أوضحت أنّ الهجوم استهدف حافلة مبيت لعناصر عسكريين كانت قد انطلقت من قاعدة رميلان بمحافظة الحسكة باتجاه مدينة حلب، قبل أن تتعرّض لكمين عند مفرق مدينة عامودا.

وحسب المعلومات الأولية، وصلت قوة عسكرية إلى موقع الهجوم عقب وقوعه، وعملت على إخلاء المصابين ونقلهم إلى قاعدة رميلان، حيث جرى إسعاف الجرحى وتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم.

ولم تُكشف حتى الآن الجهة المسؤولة عن تنفيذ الهجوم بانتظار إجراء التحقيقات الأولية.

وكانت وكالة الأنباء السورية الرسمية قد أفادت (الاثنين) الماضي، نقلاً عن المتحدث باسم وزارة الداخلية، بمقتل اثنين على الأقل من موظفي الوزارة في هجوم انتحاري استهدف معسكراً تابعاً للوزارة في مدينة الرقة السورية شمال شرقي سوريا.

وقال مصدر أمني في مدينة الرقة إن قوات الأمن العام «أحبطت هجوماً استهدف أحد المقرات الأمنية في مدينة الرقة، وتمكنت من تحييد أحد المهاجمين، فيما أقدم الآخر على تفجير نفسه بعد محاصرته».


لبنان… فاتورة الحرب الثقيلة… بالأرواح والاقتصاد

عَلم إسرائيلي معلق على مبنى مدمر في جنوب لبنان (أ.ب)
عَلم إسرائيلي معلق على مبنى مدمر في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

لبنان… فاتورة الحرب الثقيلة… بالأرواح والاقتصاد

عَلم إسرائيلي معلق على مبنى مدمر في جنوب لبنان (أ.ب)
عَلم إسرائيلي معلق على مبنى مدمر في جنوب لبنان (أ.ب)

قد تكون الأرقام الحالية التي يتم توثيقها لخسائر الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان مجرد رأس جبل الجليد. فمع استمرار العمليات العسكرية جنوباً ولو بحدود دنيا، تعمل الجهات الرسمية والدولية على إحصاء الخسائر التي خلفتها الحرب التي اندلعت في الثاني من مارس (آذار) الماضي؛ لتتكشف تدريجياً ملامح كارثة إنسانية واقتصادية واسعة النطاق. وحتى الآن، تشير التقديرات الأولية إلى آلاف الضحايا، ودمار طال مدناً وقرى بأكملها، ونزوح غير مسبوق، وخسائر بمليارات الدولارات؛ ما يجعل فاتورة الحرب من الأثقل التي تكبدها لبنان منذ عقود، خاصة أن هذه الفاتورة تضاف إلى فاتورة الحرب الماضية التي اندلعت عام 2024... وهما حربان اندلعتا خلال واحدة من أقسى الأزمات المالية والاقتصادية التي يعيشها لبنان منذ عام 2019.

خسائر بشرية كبيرة

وحسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية، بلغ عدد القتلى 3826 شخصاً، في حين وصل عدد الجرحى إلى 11851. كما تضرر 17 مستشفى خلال العمليات العسكرية، ووقُتل 133 من العاملين في القطاع الصحي وأصيب 402 آخرون.

وفي موازاة ذلك، تكشف مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن مقتل نحو 1700 عنصر من «حزب الله» خلال الحرب الأخيرة، مقارنة بنحو 4200 عنصر سقطوا في الحرب السابقة، بمن فيهم قتلى تفجير أجهزة «البيجر»؛ ما يرفع العدد الإجمالي لقتلى الحزب منذ سبتمبر (أيلول) 2024 إلى نحو 6 آلاف عنصر.

وبينما تردد بعد الإعلان الأميركي- الإيراني عن وقف النار أن الدفاع المدني انتشل أعداداً كبيرة من الجثث من بلدات جنوبية، أبرزها في بلدة كفرا، حيث تم التداول بالعثور على 52 جثة وفي بلدة حداثا 18، نفى جهاز الدفاع المدني التابع للحزب (الهيئة الصحية الإسلامية)، هذه الأخبار مؤكداً أنها «عارية من الصحة، ولا تستند إلى أي معلومات أو مصادر رسمية».

طفل يرفع علامة النصر خلال عودته وعائلته إلى قريتهم مع أمتعتهم على طريق سريع بالقرب من مدينة صور الساحلية الجنوبية في لبنان (أ.ب)

وقالت مصادر مواكبة للملف لـ«الشرق الأوسط» إن عدد المفقودين راهناً هو 120.

وتتجاوز الحصيلة البشرية الراهنة الأرقام التي سُجلت خلال الحرب السابقة بين إسرائيل و«حزب الله» التي امتدت من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وأسفرت عن مقتل 3768 شخصاً.

أما من الجهة الإسرائيلية، فيشير إحصاء أجرته وكالة «رويترز» استناداً إلى البيانات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي إلى مقتل 28 جندياً إسرائيلياً على الأقل في لبنان خلال الحرب الأخيرة، في حين قُتل أربعة مدنيين في هجمات «حزب الله». ويأتي ذلك مقارنة مع 73 جندياً إسرائيلياً و45 مدنياً في شمال إسرائيل خلال حرب 2024.

دمار هائل

وركزت إسرائيل في حربيها الأخيرتين على إلحاق دمار كبير، وبخاصة في قرى الحافة الأمامية فدمرت وجرفت بلدات بالكامل.

وألحقت الغارات الجوية الإسرائيلية أضراراً جسيمة بالمباني والمنشآت في مختلف المناطق اللبنانية، وبشكل خاص في الجنوب اللبناني.

وحسب بيانات المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» يبلغ إجمالي الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة خلال الحرب الأخيرة 88.359 وحدة سكنية في حين تبلغ كمية الركام المتولدة حتى 8 يونيو (حزيران) 2026: بين 5.6 و8.5 مليون متر مكعب.

امرأة تتجول في شقتها المتضررة جراء الغارات الإسرائيلية بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)

أما الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية، فشملت 18 جسراً، 40 طريقاً، 24 منشأة كهرباء و28 منشأة مياه. في حين لا تزال 75 قرية وبلدة تشهد نشاطاً عسكرياً وتوغلات معادية تمنع عودة المدنيين إليها.

وكان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد أفاد بأن قيمة الأضرار في بيروت وضاحيتها الجنوبية وحدهما بلغت نحو 365 مليون دولار.

موجات النزوح

كما خلّفت الحرب أزمة نزوح واسعة؛ إذ تشير السلطات اللبنانية إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص نتيجة الغارات الجوية الإسرائيلية وأوامر الإخلاء والتحذيرات الأمنية. وحسب البيانات الرسمية يعيش 113 ألف نازح في 644 مركز إيواء في مختلف المناطق اللبنانية.

الدخان يتصاعد عقب غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

التكلفة الاقتصادية

اقتصادياً، تتجاوز تداعيات الحرب الخسائر المباشرة لتطال مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة أن تكلفة الدمار الذي أصاب البنية التحتية والمباني تتراوح بين 6.8 و8.5 مليار دولار، لافتاً إلى أن قطاع السكن كان الأكثر تضرراً بخسائر تجاوزت 4.6 مليار دولار، إضافة إلى الأضرار التي طالت محطات ضخ المياه والجسور والطرق وشبكات الاتصالات والكهرباء والمنشآت الصحية والقطاع الزراعي.

ويقدّر عجاقة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إجمالي الخسائر المباشرة وغير المباشرة للحرب بما يتراوح بين 14 و20 مليار دولار، في حين بلغ التراجع في الناتج المحلي الإجمالي نحو 7.2 مليار دولار. ويشير إلى أن الاقتصاد اللبناني خسر أكثر من 40 في المائة من حجمه منذ عام 2019، وأن عملية إعادة الإعمار والتعافي، وفق تقديرات البنك الدولي، تحتاج إلى ما لا يقل عن 11 مليار دولار كمرحلة أولى، لافتاً إلى أن إعادة تشغيل الماكينة الاقتصادية واستعادة مستويات النشاط السابقة تتطلبان إصلاحات جدية وتمويلاً خارجياً واسعاً، عادّاً أن لبنان يحتاج إلى ما لا يقل عن خمس سنوات للتعافي إذا بدأت عملية إعادة الإعمار بصورة فعلية ابتداءً من الخميس.

وكان وزير المالية ياسين جابر قد حذّر من أن تؤدي الحرب إلى انكماش الاقتصاد اللبناني بما لا يقل عن 7 في المائة خلال العام الحالي.

ويقدّر البنك الدولي أن حرب عام 2024 كلّفت لبنان ما لا يقل عن 8.5 مليار دولار من الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية، مشيراً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انكمش بنسبة 7.1 في المائة عام 2024؛ ما أدى إلى تراجع تراكمي تجاوز 40 في المائة منذ عام 2019.