«آي بي إم» و«ناسا» تسخّران نماذج الذكاء الاصطناعي لمواجهة التحديات المناخية

«الشرق الأوسط» تزور مختبرات أبحاث «IBM» في زيوريخ

تم تحسين هذه النماذج لمحاكاة سيناريوهات المناخ مثل توقع مسارات الأعاصير مما يسهم في تعزيز الاستعداد للكوارث (شاترستوك)
تم تحسين هذه النماذج لمحاكاة سيناريوهات المناخ مثل توقع مسارات الأعاصير مما يسهم في تعزيز الاستعداد للكوارث (شاترستوك)
TT

«آي بي إم» و«ناسا» تسخّران نماذج الذكاء الاصطناعي لمواجهة التحديات المناخية

تم تحسين هذه النماذج لمحاكاة سيناريوهات المناخ مثل توقع مسارات الأعاصير مما يسهم في تعزيز الاستعداد للكوارث (شاترستوك)
تم تحسين هذه النماذج لمحاكاة سيناريوهات المناخ مثل توقع مسارات الأعاصير مما يسهم في تعزيز الاستعداد للكوارث (شاترستوك)

تتعاون كل من «آي بي إم» (IBM) و«ناسا» لتسخير قوة الذكاء الاصطناعي بهدف معالجة بعض التحديات الأكثر إلحاحاً في العالم، التغير المناخي.

وفي قلب هذا التعاون يكمن تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أساسية قادرة على تفسير مجموعات البيانات الضخمة التي تلتقطها أقمار «ناسا» الاصطناعية، مما يفتح آفاقاً جديدة لتحسين مرونة المناخ، وإدارة الكوارث، وتحسين الطاقة.

على هامش دعوة حصرية تلقتها «الشرق الأوسط» لزيارة مختبرات أبحاث «آي بي إم» في مدينة زيوريخ السويسرية، يقول خوان برنابي مورينو، مدير أبحاث «آي بي إم» في أوروبا وآيرلندا، إنه للمرة الأولى يوجد نموذج ذكاء اصطناعي يلتقط كل المعلومات الموجودة في مجموعة بيانات، «ما يمكن من اكتشاف الروابط والرؤى التي لم نكن نراها من قبل». ويوضح مورينو أن هذه القدرة تمكن العلماء والمنظمات من مواجهة التحديات العالمية بدقة وقابلية توسع غير مسبوقتين.

خوان برنابي مورينو مدير أبحاث «آي بي إم» في أوروبا وآيرلندا متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» من زيوريخ (الشرق الأوسط)

نموذج لتعزيز مرونة المناخ

أسفر التعاون بين «ناسا» و«آي بي إم» عن تطوير نماذج ذكاء اصطناعي رائدة تم تدريبها على بيانات عقود من رصد الأرض والأقمار الصناعية. تم تصميم هذه النماذج، بما في ذلك النسخة الثانية التي تم إصدارها حديثاً من نموذج «برثفي» (Prethvi)، للتعامل مباشرة مع التحديات المتعلقة بالمناخ.

يسلط مورينو الضوء على رحلة هذه التطورات قائلاً: «في عام 2023، أصدرنا أول نموذج أساسي بالتعاون مع (ناسا) استناداً إلى بيانات رصد الأرض. هذا العام، قمنا ببناء نسخة محسّنة كثيراً، قادرة على تقديم تعميم أفضل عبر المواسم وتقديم رؤى قابلة للتنفيذ».

من خلال تحليل تيرابايتات من بيانات الأقمار الصناعية، يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي هذه أن تكشف وتتوقع الفيضانات، حتى في السيناريوهات التي يحجب فيها الغطاء السحابي الصور التقليدية. كما يمكنها أيضاً مراقبة استخدام الأراضي وجهود إعادة التشجير بدقة عالية، مما يمكن الحكومات من مكافحة إزالة الغابات وتعزيز الممارسات المستدامة. ويضيف مورينو أن النموذج قادر على محاكاة سيناريوهات المناخ، مثل تأثير ارتفاع درجات حرارة المياه على مسارات الأعاصير، مما يساعد في الاستعداد للكوارث.

تجارب ناجحة في كينيا

إحدى الحالات البارزة تأتي من كينيا؛ حيث يتم استخدام النموذج لتشجيع إعادة التشجير. من خلال تقسيم المناطق إلى أجزاء قابلة للإدارة وقياس نسب تغطية الأشجار، يمكن للحكومة الكينية تعزيز الاستخدام المستدام للأراضي مع الاستفادة من أسواق الكربون من خلال حسابات دقيقة لاحتجاز الكربون. يقول فيليب ثيغو، المبعوث الخاص للتكنولوجيا لجمهورية كينيا، في رد على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن دمج المجتمعات المحلية الكينية التي تعتمد على المعرفة البيئية التقليدية في نماذج المناخ الذكية: «إنه تم العمل مع فرق مختلطة تضم خبراء دوليين ومحليين لضمان تصميم أسئلة البحث بطريقة تأخذ في الاعتبار المستويات المختلفة من المعرفة، بما في ذلك المعرفة المجتمعية والمعرفة الخاصة بالموقع». ويضيف أنه «من المدهش بناء تعاون متعدد الأطراف لضمان دمج المعرفة المحلية والسياقات المحلية الدقيقة في النماذج». ويردف ثيغو: «هذا النهج لا يساعد فقط على فهم أفضل للتحديات، ولكنه يعزز فاعلية الحلول التكنولوجية مثل تلك التي تقدمها أبحاث (آي بي إم)».

تعالج النماذج بتحليل تيرابايتات من بيانات الأقمار الصناعية للتنبؤ بالأحداث الطبيعية ومراقبتها مثل الفيضانات والأعاصير وجهود إعادة التشجير (IBM)

من النماذج المناخية إلى التوقعات الفورية

ابتكار حاسم لهذه النماذج الذكية هو قدرتها على «تقليص» توقعات المناخ العامة إلى توقعات جوية دقيقة وقابلة للتنفيذ. تعمل النماذج المناخية التقليدية غالباً بدقة تصل إلى 150 كيلومتراً، مما يجعل من الصعب استخراج رؤى محلية. أما النماذج الأساسية لـ«IBM» فتعمل على تحسين هذه الدقة بشكل كبير، مما يوفر بيانات يمكنها توجيه القرارات على مستوى المدن حول كل شيء، بدءاً من تخفيف تأثير الجزر الحرارية (وهي مناطق تشهد دفئاً أكثر من المناطق المحيطة بها) إلى التخطيط للاستجابة للكوارث.

ويرى مورينو في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن دمج النموذج مع مجموعات بيانات «ناسا» ووكالة الفضاء الأوروبية التي تمتد لأكثر من 40 عاماً، يبرز مستوى الدقة الذي يمكن أن يحققه نموذج الذكاء الاصطناعي. تساهم هذه المجموعات التاريخية في تتبع دقيق للتغيرات في استخدام الأراضي، مما يساعد صناع القرار على اتخاذ قرارات مبنية على البيانات.

على سبيل المثال، يمكن أن يساعد فهمُ تشكيل الجزر الحرارية بدقة تصل إلى 30 متراً الحكوماتِ في التصدي لدرجات الحرارة القصوى بشكل أكثر فاعلية. وتُستخدم هذه النماذج بالفعل لدراسة تأثير الحرارة على الصحة العامة، خاصةً على المواليد الجدد، مما يظهر إمكانياتها لإنقاذ الأرواح.

بالإضافة إلى التوقعات المحلية، كانت نماذج «IBM» فعّالة في تحسين دقة المحاكاة المناخية العالمية. من خلال دمج بيانات من مجموعة واسعة من المصادر، بما في ذلك الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار والسجلات التاريخية، توفر هذه الأدوات الذكية رؤية شاملة لديناميكيات المناخ. يتيح هذا النهج المتكامل فهماً أفضل للظواهر طويلة الأمد، مثل ظاهرة «النينو والتذبذب الجنوبي» (وهي ظاهرة مناخية تتميز بتغيرات دورية في درجات حرارة سطح البحر والضغط الجوي في المحيط الهادئ الاستوائي) وآثارها على الزراعة ومصايد الأسماك وأنماط الطقس العالمية.

تتميز نماذج «IBM» المناخية بقدرتها على تحويل البيانات العامة إلى توقعات دقيقة لمواجهة تحديات مثل تأثير الجزر الحرارية والتخطيط للاستجابة للكوارث (شاترستوك)

تحسين شبكة الطاقة باستخدام الذكاء الاصطناعي

إلى جانب تطبيقات المناخ، تُحدث نماذج الذكاء الاصطناعي من «IBM» ثورة في إدارة شبكات الطاقة. تواجه الشبكة الكهربائية الحديثة ضغوطاً هائلة بسبب عوامل مثل دمج مصادر الطاقة المتجددة، والتحول إلى وسائل النقل الكهربائية، والتكرار المتزايد للأحداث الجوية المتطرفة. دفعت هذه التعقيدات الشبكة إلى حدودها، مما جعل الأساليب التقليدية للإدارة غير كافية.

يقول مورينو إن «الشبكة الكهربائية قديمة ومعقدة للغاية. الطاقة المتجددة متقلبة ولامركزية، مما يضيف طبقات من التعقيد. من خلال التقاط جميع البيانات عبر الشبكة، يمكن لنماذجنا سد الفجوات، والتنبؤ بمخرجات الطاقة المتجددة، ومحاكاة الانتقالات والتوزيعات بطرق لم تكن ممكنة من قبل».

ابتكار مدفوع بالمصادر المفتوحة

تُعد إحدى السمات المميزة لمبادرات الذكاء الاصطناعي من «IBM» التزامها بالانفتاح والتعاون. النماذج الأساسية التي تم تطويرها بالتعاون مع «ناسا» متاحة على منصات مثل «Hugging Face» مما يمكّن الباحثين والحكومات والشركات في جميع أنحاء العالم من تخصيص هذه الأدوات وتطبيقها لتلبية احتياجاتهم الفريدة. ويشدد مورينو على أهمية الدور الحيوي الذي يلعبه المجتمع في تنفيذ ما يحتاج إليه المجتمع. ويشير إلى أمثلة مثل استخدام شركات التأمين للنماذج لتقييم المخاطر والمشاريع المجتمعية التي تدرس تأثير أشجار المانغروف على درجات الحرارة المحلية. يتيح هذا النهج المفتوح وصولاً ديمقراطياً إلى أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مما يضمن أن فوائدها تتجاوز المؤسسات الكبيرة إلى المجتمعات الصغيرة والشركات الناشئة.

تراعي «IBM» الجوانب الأخلاقية وتركز على البيانات المجمعة والمجهولة الهوية لتجنب انتهاك الخصوصية (شاترستوك)

التحديات الأخلاقية والعملية

كما هو الحال مع أي تقنية قوية، يأتي تطوير ونشر نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية مع اعتبارات أخلاقية. تعطي نماذج «IBM» الأولوية للتقدم العلمي على حساب مخاطر الخصوصية من خلال تجنب استخدام البيانات الشخصية والتركيز على مجموعات البيانات المجمعة والمجهولة الهوية. ويضيف مورينو: «لا نرى أي قضايا أخلاقية في الوقت الحالي. إذا تطورت التقنية إلى درجة قد يتم فيها انتهاك الخصوصية، فسننفذ الضمانات اللازمة».

نظرة إلى المستقبل

التطبيقات المحتملة لهذه النماذج الذكية الأساسية بلا حدود مثل التحديات التي تهدف إلى معالجتها. من التنبؤ بالطقس لعقود في المستقبل إلى تحسين التخطيط الحضري وإحداث ثورة في إدارة الطاقة، تضع هذه الأدوات الأساس لعالم أكثر مرونة واستدامة. يختم مورينو حديثه منوهاً بأن هذه الأبحاث ما زالت في بداية فهمِ ما يمكن أن تحققه هذه النماذج. ويشرح: «ما رأيناه حتى الآن هو لمحة عن إمكاناتها التحويلية. من خلال التقاط تعقيدات المناخ والطقس وأنظمة الطاقة، فإننا نمكّن حلولاً كان لا يمكن تصورها قبل بضع سنوات فقط».

مع تطور الذكاء الاصطناعي، فإن التعاون مثل ذلك بين «IBM» و«NASA» يُذكّر بما هو ممكن عندما تتّحد العلوم والتكنولوجيا والشراكات العالمية.


مقالات ذات صلة

«مايكروسوفت» تؤكد تشغيل منطقة «أزور» السحابية في السعودية نهاية 2026

تكنولوجيا تشغيل منطقة «أزور» في السعودية اعتباراً من الربع الرابع 2026 يمثل انتقالاً من البناء إلى التنفيذ الفعلي (مايكروسوفت)

«مايكروسوفت» تؤكد تشغيل منطقة «أزور» السحابية في السعودية نهاية 2026

مايكروسوفت تؤكد تشغيل منطقة «أزور» بالسعودية نهاية 2026، ما يعزز السيادة الرقمية ويسرّع التحول والابتكار الاقتصادي.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص الفجوة الحقيقية في تطبيق الشمولية تكمن في نقص التدريب والمعرفة لا في غياب النية (غيتي)

خاص «التصميم الشامل» في عصر الذكاء الاصطناعي... من «قائمة التحقق» إلى ثقافة مؤسسية

تقول شركة «لينوفو» إن «التصميم الشامل» يتقدم، لكنه يحتاج تدريباً، وثقافة مؤسسية، وحوكمة ذكاء اصطناعي لضمان شمولية حقيقية.

تكنولوجيا ساعة ذكية «صحية» جديدة

ساعة ذكية «صحية» جديدة

تقدم تقارير صحية بالذكاء الاصطناعي

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)

النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

تكشف الدراسة أن النساء ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أكثر خطورة من الرجال ويتراجع دعمهن له أسرع عندما تكون مكاسبه الوظيفية غير مؤكدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا إطار صور رقمي تفاعلي... يناسب شخصيتك وبيئتك

إطار صور رقمي تفاعلي... يناسب شخصيتك وبيئتك

جهاز واحد لكل مزاج

غريغ إيلمان (واشنطن)

«مايكروسوفت» تؤكد تشغيل منطقة «أزور» السحابية في السعودية نهاية 2026

تشغيل منطقة «أزور» في السعودية اعتباراً من الربع الرابع 2026 يمثل انتقالاً من البناء إلى التنفيذ الفعلي (مايكروسوفت)
تشغيل منطقة «أزور» في السعودية اعتباراً من الربع الرابع 2026 يمثل انتقالاً من البناء إلى التنفيذ الفعلي (مايكروسوفت)
TT

«مايكروسوفت» تؤكد تشغيل منطقة «أزور» السحابية في السعودية نهاية 2026

تشغيل منطقة «أزور» في السعودية اعتباراً من الربع الرابع 2026 يمثل انتقالاً من البناء إلى التنفيذ الفعلي (مايكروسوفت)
تشغيل منطقة «أزور» في السعودية اعتباراً من الربع الرابع 2026 يمثل انتقالاً من البناء إلى التنفيذ الفعلي (مايكروسوفت)

أكّدت شركة «مايكروسوفت» أن منطقة مراكز بيانات «أزور» في المملكة العربية السعودية ستكون متاحة للعملاء لتشغيل حمولات الحوسبة السحابية اعتباراً من الربع الرابع من عام 2026، في خطوة تمثل محطة مهمة في مسار التحول الرقمي المتسارع الذي تشهده المملكة.

وستتيح المنطقة الجديدة للمؤسسات الحكومية والخاصة تشغيل تطبيقاتها وخدماتها السحابية والذكاء الاصطناعي محلياً، مع الاستفادة من مزايا تشمل الإقامة المحلية للبيانات، وتعزيز متطلبات الامتثال التنظيمي، وتحسين مستويات الأمان، إضافة إلى تقليل زمن الاستجابة للتطبيقات والخدمات الرقمية. وتضم المنطقة 3 «مناطق إتاحة» مستقلة، لكل منها بنية تحتية منفصلة للطاقة والتبريد والشبكات، بما يعزز الموثوقية العالية واستمرارية الأعمال.

المنطقة السحابية الجديدة ستوفر إقامة بيانات محلية وتعزز الأمان والامتثال التنظيمي وزمن الاستجابة (رويترز)

من البناء إلى التشغيل

يمثل الإعلان انتقالاً عملياً من مرحلة الإعداد والبناء إلى مرحلة التشغيل الفعلي على نطاق واسع، بعد سنوات من التحضير والتنسيق بين الشركة والجهات المعنية في المملكة. وكانت «مايكروسوفت» قد أعلنت سابقاً عن خطط إنشاء منطقة سحابية محلية في السعودية، ضمن استثماراتها الإقليمية الرامية إلى دعم الاقتصاد الرقمي في الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في سياق التوجه الاستراتيجي للمملكة لتعزيز البنية التحتية الرقمية، تماشياً مع مستهدفات «رؤية 2030» التي تضع التحول الرقمي والاقتصاد المعتمد على المعرفة في صلب أولوياتها. ويُتوقع أن تسهم المنطقة السحابية الجديدة في تمكين قطاعات حيوية، مثل الطاقة والرعاية الصحية والخدمات الحكومية والقطاع المالي، من تسريع تبني الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ضمن بيئة محلية آمنة.

في تعليقه على الإعلان، أشار المهندس عبد الله بن عامر السواحة وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي إلى أن توفر منطقة سحابية محلية يعكس التقدم الذي أحرزته المملكة في بناء بنية تحتية رقمية متقدمة تدعم الابتكار وتعزز التنافسية. وأضاف أن هذه الخطوة تمثل ركيزة أساسية في دعم التحول نحو اقتصاد قائم على التقنيات المتقدمة.

من جهته، أكّد براد سميث، نائب رئيس مجلس الإدارة ورئيس «مايكروسوفت»، أن الاستثمار في البنية السحابية داخل المملكة يعكس التزام الشركة طويل الأمد بدعم التحول الرقمي في السعودية، مشيراً إلى أهمية توفير خدمات سحابية تتوافق مع متطلبات السيادة الرقمية والحوكمة المحلية.

وتشكل منطقة السعودية إضافة إلى شبكة «أزور» العالمية، التي تضم عشرات المناطق حول العالم، ما يتيح للمؤسسات العاملة في المملكة الوصول إلى منظومة سحابية مترابطة عالمياً، مع الحفاظ في الوقت ذاته على معالجة البيانات وتخزينها محلياً عند الحاجة.

الخطوة تعكس مرحلة نضج في التحول الرقمي وتمهد لتعزيز مكانة السعودية كمركز رقمي إقليمي (شاترستوك)

تسريع الابتكار المحلي

يُتوقع أن يسهم توفر المنطقة السحابية في تسريع الابتكار داخل الشركات الناشئة والمؤسسات الكبرى على حد سواء، عبر تمكينها من تطوير تطبيقات قائمة على الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات والخدمات الرقمية المتقدمة ضمن بيئة موثوقة. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه أهمية القدرات السحابية المحلية لتلبية المتطلبات التنظيمية وتعزيز مرونة الأعمال.

وبينما يمثل الإعلان خطوة تقنية مهمة، فإنه يعكس أيضاً مرحلة نضج في مسيرة التحول الرقمي حيث تنتقل الاستثمارات من التركيز على البنية الأساسية إلى تمكين الاستخدام الفعلي للخدمات الرقمية على نطاق واسع. ومع بدء التشغيل المتوقع في نهاية 2026، تدخل المملكة مرحلة جديدة من توسيع قدراتها السحابية، بما يدعم طموحها لتعزيز مكانتها كمركز رقمي إقليمي.

وفي سياق الإعلان، أوضح تركي باضريس، رئيس «مايكروسوفت» العربية، أن تأكيد جاهزية العملاء لتشغيل حمولات العمل السحابية من منطقة «السعودية الشرقية» اعتباراً من الربع الرابع 2026 يمنح المؤسسات وضوحاً وثقة أكبر أثناء تخطيط رحلاتها الرقمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وأضاف أن «مايكروسوفت» تعمل بشكل وثيق مع الجهات الحكومية والشركات والشركاء في المملكة لدعم الجاهزية، بدءاً من تحديث البيانات وتعزيز الحوكمة، وصولاً إلى تطوير المهارات، بما يمكّن العملاء من الانتقال من مرحلة التجارب إلى مرحلة التشغيل الفعلي بثقة. وأشار باضريس إلى أن هذا الإنجاز يعكس التزام الشركة طويل الأمد بدعم أثر رقمي مستدام وقابل للتوسع في القطاعين العام والخاص داخل المملكة.

توفر البنية السحابية المحلية يدعم القطاعات الحيوية مثل الطاقة والصحة والخدمات الحكومية (غيتي)

شراكة استراتيجية واسعة

يعزز الإعلان أيضاً دور «مايكروسوفت» كشريك استراتيجي في مسيرة التحول الرقمي السعودي، في وقت تسعى فيه المملكة إلى ترسيخ موقعها كقوة عالمية في تبني الذكاء الاصطناعي، من خلال تمكين المؤسسات من الاستعداد مبكراً لتطبيقات ذكاء اصطناعي آمنة ومسؤولة وعلى نطاق واسع.

وفي هذا الإطار، بدأت مؤسسات سعودية بالفعل في الانتقال من مرحلة تجارب الذكاء الاصطناعي إلى الاستخدام الإنتاجي الفعلي، مستفيدة من البنية السحابية المحلية الموثوقة.

فشركة «أكوا باور» تعتمد على خدمات «Azure AI» ومنصة «Microsoft Intelligent Data Platform» لتحسين عملياتها واسعة النطاق في مجالات الطاقة والمياه، مع تركيز خاص على الاستدامة وكفاءة الموارد. ومن خلال التحليلات المتقدمة والصيانة التنبؤية والتحسين المعتمد على الذكاء الاصطناعي عبر مركز المراقبة والتنبؤ، طوّرت الشركة عمليات معالجة المياه، بما يسهم في الحفاظ على كميات تعادل عشرات الآلاف من أحواض السباحة يومياً. كما ساعدت عمليات التحديث ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحفاظ على مستويات تشغيل شبه متواصلة، بما يضمن استمرارية خدمات الطاقة والمياه. وتوسّع الشركة حالياً في حالات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل تحليل العقود وإعداد طلبات العروض، تمهيداً لتوسيع اعتماد «مايكروسوفت 365 كوبايلوت» (Microsoft 365 Copilot) على نطاق أوسع.

من جهتها، وسّعت شركة «القدية للاستثمار» اعتمادها على«مايكروسوفت 365 كوبايلوت» حيث تستخدمه الفرق لتلخيص المراسلات وإنشاء المحتوى وتحليل البيانات والتفاعل مع لوحات المعلومات باستخدام اللغة الطبيعية عبر تطبيقات «Outlook» و«Word» و«Excel» و«PowerPoint» و«Power BI». ومن خلال بناء منصة بيانات موحدة، توظف «القدية» «Copilot» و«Power BI» لتتبع تقدم مئات الأصول والمقاولين، مع توفير رؤية فورية للفواتير وحالة الإنشاء والمخاطر والتأخيرات. وتمكّن القدرة على الاستعلام عن تيرابايتات من بيانات المشاريع خلال ثوانٍ من تسريع اتخاذ القرار ضمن منظومة تضم أكثر من 700 مقاول وعشرات الآلاف من العاملين. وقد انتقلت الشركة من مرحلة الاعتماد المبكر إلى نشر أوسع، مدعوم ببرامج تدريب وتوحيد المعايير لإدماج الأدوات في سير العمل اليومي، مع استمرار توسع المشروع.


«مايكروسوفت» تحذر من مخاطر «الذكاء الاصطناعي الخفي»

شعار «مايكروسوفت» (د.ب.أ)
شعار «مايكروسوفت» (د.ب.أ)
TT

«مايكروسوفت» تحذر من مخاطر «الذكاء الاصطناعي الخفي»

شعار «مايكروسوفت» (د.ب.أ)
شعار «مايكروسوفت» (د.ب.أ)

أصدرت شركة البرمجيات والتكنولوجيا الأميركية العملاقة (مايكروسوفت) تحذيراً شديد اللهجة بشأن الاستخدام غير المنضبط لبرامج المساعد الآلي التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، قبيل انعقاد مؤتمر ميونيخ للأمن.

ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، في تقرير نُشر، الثلاثاء، أفاد باحثون من الشركة بأن برامج المساعد الآلي تستخدم بالفعل في البرمجة لدى أكثر من 80 في المائة من الشركات المدرجة على قائمة «فورتشن 500».

ومع ذلك، تفتقر معظم الشركات إلى قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي تشكل سرعة انتشاره مخاطر جسيمة، بحسب «مايكروسوفت».

وأضاف التقرير أن غياب الرقابة من قبل المسؤولين و«الذكاء الاصطناعي الخفي» يفتحان الباب أمام أساليب هجوم جديدة.

ويقصد بـ«الذكاء الاصطناعي الخفي» استخدام الموظفين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي من دون علم أو موافقة رسمية من قسم تقنية المعلومات أو الأمن السيبراني في أي شركة.

ويستخدم الموظفون بشكل مستقل أدوات أو برامج الذكاء الاصطناعي من الإنترنت، مثل برامج الحاسوب ذاتية التشغيل، لإنجاز مهامهم بسرعة أكبر، من دون إبلاغ أي شخص في التسلسل الهرمي للشركة.

ويدق تقرير «مايكروسوفت» ناقوس الخطر بشأن الفجوة المتزايدة بين الابتكار والأمن السيبراني.

مع أن استخدام الذكاء الاصطناعي يتزايد بشكل هائل، فإن أقل من نصف الشركات - أي 47 في المائة فقط - لديها ضوابط أمنية محددة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويستخدم 29 في المائة من الموظفين بالفعل برامج ذكاء اصطناعي غير مصرح بها في عملهم، هذا الأمر يخلق ثغرات أمنية في أنظمة الشركات.

ووفقاً لخبراء «مايكروسوفت»، يزداد الخطر إذا لم تحصل الشركات على الوقت الكافي عند إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في منظومات عملها.

وأشار التقرير إلى أن النشر السريع لبرامج الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز ضوابط الأمن والامتثال، ويزيد من خطر استخدام الذكاء الاصطناعي غير المصرح به.


«التصميم الشامل» في عصر الذكاء الاصطناعي... من «قائمة التحقق» إلى ثقافة مؤسسية

الفجوة الحقيقية في تطبيق الشمولية تكمن في نقص التدريب والمعرفة لا في غياب النية (غيتي)
الفجوة الحقيقية في تطبيق الشمولية تكمن في نقص التدريب والمعرفة لا في غياب النية (غيتي)
TT

«التصميم الشامل» في عصر الذكاء الاصطناعي... من «قائمة التحقق» إلى ثقافة مؤسسية

الفجوة الحقيقية في تطبيق الشمولية تكمن في نقص التدريب والمعرفة لا في غياب النية (غيتي)
الفجوة الحقيقية في تطبيق الشمولية تكمن في نقص التدريب والمعرفة لا في غياب النية (غيتي)

لم يعد «التصميم الشامل» موضوعاً هامشياً داخل صناعة التكنولوجيا. فالتشريعات تتشدد، والوعي المجتمعي يتزايد، والمستخدمون أصبحوا أكثر قدرة على كشف فجوات الإتاحة في المنتجات الرقمية. غير أن ارتفاع مستوى الوعي لا يعني بالضرورة ترسّخ الممارسة الفعلية.

بالنسبة إلى آدا لوبيز، المديرة الأولى في مكتب التصميم الشامل في شركة «لينوفو»، فإن التحول نحو شمولية حقيقية قائم بالفعل، لكنه لم يكتمل بعد.

تقول لوبيز خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» في مدينة لاس فيغاس الأميركية إن «هناك وعياً متزايداً. لا أعتقد أننا وصلنا إلى المستوى الذي ينبغي أن نكون عليه في الممارسة، لكننا نتقدم، وسنصبح أفضل».

هذا التمييز بين الوعي والتطبيق المؤسسي المتجذر يشكّل محور الجهود التي تقودها «لينوفو» لنقل التصميم الشامل من كونه إجراءً امتثالياً إلى تحول ثقافي داخل الشركة.

آدا لوبيز مديرة أولى في مكتب التصميم الشامل في شركة «لينوفو«

أبعد من الأرقام

أحد أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً داخل المؤسسات يتعلق بحجم الفئة المستهدفة. تسمع لوبيز هذه العبارة: «كم عدد الأشخاص ذوي الإعاقة فعلاً؟ الحقيقة أننا نتحدث عن نسبة تتراوح بين 16 و20 في المائة من سكان العالم، وهذا رقم كبير». ثم تعيد صياغة المسألة من منظور مختلف: «أفضّل أن أراه عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يمكننا التأثير في حياتهم، ومساعدتهم».

بالنسبة لها، لا يقتصر التصميم الشامل على فرصة سوقية رغم أن السوق كبيرة بالفعل، بل هو التزام أخلاقي، تقول: «الصحيح هو أن نصمم لكل مستخدمينا، وأن نستخدم قدراتنا لصنع عالم أفضل».

غير أن العائق الحقيقي برأيها لا يتمثل في الرفض، بل في فجوة معرفية، وتوضح أن «هناك فجوة في المعرفة. كثيرون يرغبون في تطبيق التصميم الشامل لو عرفوا كيف».

الفجوة الخفية

تشير لوبيز إلى أن بعض الفرق تعتقد أن متطلبات الإتاحة معقدة، وتستهلك وقتاً، وموارد كبيرة، لكنها تعارض هذه الفكرة قائلة إنهم يظنون أنها معقدة أكثر مما هي عليه، لكن أحياناً يكون الحل بسيطاً، لأنهم لا يعرفون ما الذي يحتاجون إليه. تكمن المشكلة جزئياً في التعليم، حيث إن الكثير من برامج الهندسة والتصميم لا تدرّس مبادئ التصميم الشامل بشكل كافٍ. ونتيجة لذلك يدخل المطورون سوق العمل من دون تدريب عملي في هذا المجال. وفي شركة «لينوفو» تعمل لوبيز وفريقها مع الفرق التي تواجه صعوبات في الامتثال. وغالباً ما يكون الحل تعديلاً تقنياً بسيطاً، لا إعادة تصميم كامل كما تذكر.

قياس الشمولية يتطلب الاستماع إلى المستخدمين وتمثيلاً متنوعاً يتجاوز مجرد الالتزام بالمعايير

من قائمة التحقق إلى الثقافة

لا تزال بعض الفرق تنظر إلى «الإتاحة في التصميم» بوصفها «قائمة تحقق» يجب اجتيازها قبل الإطلاق. لكن لوبيز تشدد على أهمية تغيير طريقة التفكير هذه، وأن «البشر تحركهم الثقافة، والمشاعر، والتعاطف».

استراتيجية «لينوفو» تبدأ بالتدريب، لكنها لا تتوقف عنده. فقد أطلقت الشركة برنامج «سفراء الإتاحة» عبر وحدات الأعمال، والمناطق الجغرافية المختلفة.

يتلقى السفراء تدريباً دورياً، وينقلون المعرفة إلى فرقهم، ويعرضون أمثلة ناجحة من مشاريعهم. تقول لوبيز: «نريهم كيف يتنقل قارئ برايل داخل الموقع، ثم نستضيف فريقاً نفذ الحل بنجاح ليشرح كيف فعل ذلك».

هذا النموذج اللامركزي يسمح بتوسيع نطاق المعرفة بسرعة. فبدلاً من الرجوع دائماً إلى فريق مركزي، يمكن للمهندس أن يستشير زميلاً سفيراً في منطقته الزمنية.

أين تتعثر الجهود؟

توضح لوبيز أن المشكلة لا تظهر غالباً في مرحلة التصميم، بل في مرحلة المقايضات الهندسية، أي إن «التعثر يحدث عند مناقشة المواعيد النهائية، والميزانيات». المفارقة أن تأجيل الإتاحة قد يؤدي إلى تكلفة أعلى لاحقاً، إذا فشل المنتج في الاختبارات النهائية، واضطر الفريق إلى إعادة العمل. هنا يأتي دور السياسات المؤسسية، ودعم القيادة لضمان عدم التضحية بالإتاحة لصالح السرعة، كما تقول.

الذكاء الاصطناعي يحمل فرصاً كبيرة للتمكين لكنه يحتاج إلى حوكمة مسؤولة لتجنب إعادة إنتاج الإقصاء (شاترستوك)

كيف تُقاس الشمولية؟

برأي لوبيز أن الامتثال للمعايير مثل «WCAG» ضروري، لكنه غير كافٍ. تجري «لينوفو» أبحاثاً استكشافية سنوية تركّز كل عام على جانب مختلف من جوانب القدرة، أو الإعاقة، حيث «تذهب الشركة إلى المجتمعات لتستمع، وتعرف ما لا تعرفه». وبعد تطوير النماذج الأولية، تعاد المنتجات إلى المستخدمين لاختبارها، وتقديم الملاحظات، في دورة مستمرة من الاستماع، والتنفيذ، والتحسين. تعد لوبيز أن التمثيل عنصر أساسي، فهو يكمن في التنوع الجغرافي، والاختلافات الجسدية، وظروف الإضاءة، أو اللهجات، والتجارب الحياتية.

الذكاء الاصطناعي... فرصة ومخاطرة

عند سؤال «الشرق الأوسط» عن دور الذكاء الاصطناعي في «التصميم الشامل»، لا تتردد لوبيز بالقول إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يلتزم بمعايير الإتاحة، مثل أي برنامج. لكن طبيعته التوليدية تضيف طبقة من التعقيد. وتشرح أنه «عند اختبار المستخدمين، قد يعطي الذكاء الاصطناعي مخرجات مختلفة في كل مرة».

لهذا بدأت «لينوفو» في تطبيق اختبارات «المشاعر» (Sentiment Testing) لقياس شعور المستخدمين تجاه مخرجات متعددة، ورصد أي انحياز، أو إساءة محتملة. وتعد لوبيز أنه «إذا لم يكن لدى الذكاء الاصطناعي إطار حوكمة جيد، فقد يصبح إقصائياً». وفي المقابل، تفيد بأن الإمكانات هائلة، ومنها الأوامر الصوتية، وأدوات القراءة للمكفوفين، والصور الرمزية لمرضى التصلب الجانبي الضموري، وأنظمة المنازل الذكية التي تدعم كبار السن، ومقدمي الرعاية، وهذا «يمكنه أن يجعل الحياة أفضل بكثير».

ما الذي ينقص الصناعة؟

إذا كان بإمكانها تغيير شيء واحد في الصناعة، إجابة لوبيز كانت واضحة: «سأعود إلى التدريب». كثير من الخريجين يدخلون سوق العمل من دون أساس قوي في التصميم الشامل. وتحتاج الشركات إلى سد هذه الفجوة. كما تذكر الحاجة «لتدريب يدعم حسن النية، حتى يمتلك المصممون والمطورون المهارة، والثقة لتجاوز قائمة التحقق». تؤكد لوبيز في ختام لقائها أن التصميم الشامل يتقدم، لكنه لا يزال في طور البناء، وأنه في عصر الذكاء الاصطناعي «لن يحدد الابتكار وحده شكل المستقبل الرقمي، بل مدى قدرته على أن يكون شاملاً بحق».