نتنياهو يصعّد حربه ضد الجيش الإسرائيلي

مطالبة واسعة بإقالة الناطق العسكري تمهيداً لحملة تطهير تطول رئيس الأركان

رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هاليفي خلال لقائه جنوداً في جباليا شمال غزة (أرشيفية - موقع الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هاليفي خلال لقائه جنوداً في جباليا شمال غزة (أرشيفية - موقع الجيش الإسرائيلي)
TT

نتنياهو يصعّد حربه ضد الجيش الإسرائيلي

رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هاليفي خلال لقائه جنوداً في جباليا شمال غزة (أرشيفية - موقع الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هاليفي خلال لقائه جنوداً في جباليا شمال غزة (أرشيفية - موقع الجيش الإسرائيلي)

شهدت إسرائيل تصعيداً جديداً وشديداً فيما يعرف بالجبهة الثامنة للحرب، وهي التي يخوضها رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وحكومته ضد قيادة الجيش الإسرائيلي وغيره من الأجهزة الأمنية، لتبلغ حد المطالبة بإقالة الناطق بلسان الجيش، دانئيل هغاري.

وهغاري، الذي عرف بدعايته الكاذبة خلال الحرب، وسحنته الباردة، يعد شخصية محبوبة في إسرائيل.

في بداية الحرب حظي بثقة 87 في المائة من الإسرائيليين، ثم انخفض إلى 67 في المائة، وعاد وارتفع لاحقاً إلى 76 في المائة، وفقاً لأبحاث المعهد الإسرائيلي للديمقراطية. وقد وجدوا فيه مهدئاً وطنياً خلال الحرب. لكن جريمته التي بسببها يريدون في الحكومة إقالته أنه تجرأ وعبر عن موقف الجيش الحقيقي وانتقد، في مؤتمر صحافي عقده مساء الأربعاء، ما يسمى «قانون فيلدشتاين» الذي يسمح للجنود وموظفي الدولة بتسليم معلومات سرية لرئيس الحكومة أو وزير الدفاع من دون الحاجة للحصول على إذن مسبق. وشرح هغاري أن هذا القانون يتسبب في انفلات يحطم الانضباط في الجيش، وحذر من خطورته حتى على «أمن إسرائيل».

وسئل خلال المؤتمر الصحافي، عن رأيه في سبب سن القانون، فقال هغاري إنه «مشروع قانون يهدف إلى حماية المتحدث باسم رئيس الحكومة (إيلي فيلدشتاين) ومقربين منه». وأشار إلى أن نتنياهو ومسؤولين في مكتبه متورطون بـ«تسريبات أمنية خطيرة»، وأن «الجيش لا يخفي معلومات عن المستوى السياسي، بل يعمل تحت إشرافه من أجل أمن إسرائيل».

وأضاف أن «الوثيقة التي يجري الحديث عنها كانت متاحة للأطراف المخوّلة في مكتب رئيس الحكومة، لكنها سُرقت ونُقلت إلى صحيفة في ألمانيا (في إشارة إلى صحيفة (بيلد) في مسار تجاوز الرقابة. لقد كشف ذلك للعدو وأضرّ بأمن الدولة. هذا القانون خطير للغاية لأنه سيخلق وضعاً يمكن فيه لأي عنصر صغير في الجيش سرقة معلومات استخباراتية بمفرده، بحجة رغبته في وضعها عند رئيس الحكومة».

غضب الحكومة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة في وزارة الدفاع بتل أبيب 7 يناير 2024 (رويترز)

وأشعلت تصريحات هغاري غضب الحكومة، بمن في ذلك، وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، الذي قال إن «انتقاد الناطق باسم الجيش للمستوى السياسي ولعملية تشريعية في الكنيست يُعد ظاهرة خطيرة وتجاوزاً صارخاً لصلاحياته ولما هو متوقع من شخص يرتدي الزي العسكري في نظام ديمقراطي».

وهدد كاتس: «سأعمل على إجراء عملية تأديبية كبيرة بحقه قريباً لاستخلاص العبر اللازمة». واتهمه نواب ووزراء بتجاوز صلاحياته والتطاول على القيادة السياسية وطالبوا بفصله من منصبه وتسريحه من الجيش. ثم قال نتنياهو، في بيان مقتضب صدر عن مكتبه، إنه من الجيد أنه «تم وضع حد للناطق باسم الجيش الإسرائيلي لضمان عدم تكرار مثل هذه التصريحات».

وأضاف: «في دولة ديمقراطية، لا ينبغي للجيش أن يتدخل في القضايا السياسية، وبالتأكيد ليس انتقاد التشريعات». وقال رئيس الكنيست، أمير أوحانا (من حزب الليكود)، إنه «في دولة ديمقراطية، الجيش لا ينتقد العمليات التشريعية في البرلمان خلال مؤتمر صحافي، بل يطبقها كذراع للسلطة التنفيذية، إذا أصبحت جزءاً من القانون».

وأضاف: «الجيش يمكنه التعبير عن موقفه في الكنيست خلال اللجنة التي تعد القانون، وكما تفعل جميع الهيئات الحكومية الخاضعة للكنيست أو المتأثرة بالتشريعات. ما قاله الناطق باسم الجيش هو تجاوز خطير للخطوط الحمراء وغير مقبول بتاتاً، ويجب ألا يتكرر».

روح المستشارة القضائية

نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ)

وقال وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، إن «روح المستشارة القضائية للحكومة تتغلغل إلى الناطق باسم الجيش. عندما يرى هغاري أن المستشارة القضائية لا تبالي بالحكومة، فهو أيضاً لا يبالي بوزير الأمن. دولة عميقة بامتياز، ولكن هذه المرة بشكل علني».

بدوره، قال وزير الداخلية، موشيه أربيل، من حزب «شاس الديني»: «إن تصريحات الناطق باسم الجيش وموقفه تجاه عمليات تشريعية تُعد تجاوزاً خطيراً للغاية للخطوط الحمراء. لا يملك من يرتدي الزي العسكري أي حق في التعبير عن رأي سياسي بشكل علني حول قضايا سياسية، خاصة إذا كان ذلك مخالفاً لموقف الوزير المسؤول».

واستغل وزير الثقافة والرياضة، ميكي زوهر (الليكود)، أيضاً، تصريحات هغاري للهجوم على الجهاز القضائي، وقال: «إن موقف المستوى العسكري من المستوى السياسي لا يأتي من فراغ، بل ينبع بالأساس من موقف المستوى القضائي تجاه الحكومة المنتخبة».

من جانبه، قال وزير المالية سموتريتش: «إن إسرائيل دولة لها جيش وليست جيشاً له دولة. وبدا أن هذه التصريحات جاءت لتصب زيتاً على النار والتي يوجهها قادة اليمين في الحرب على الجيش، وتعد حرباً على الدولة العميقة برمتها. وهدفها إضعاف موقفها في معارك نتنياهو للدفاع عن حصنه في رئاسة الحكومة وتلبيس الجيش وحده تهمة الإخفاق في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وهي حرب تفزع المجتمع الإسرائيلي، وتشعره بأن الحكومة مصرة على المضي قدماً في خطتها الانقلابية على منظومة الحكم وإضعاف القضاء وضعضعة مكانة الدولة العميقة».

وقد سارع الجيش الإسرائيلي إلى إصدار بيان يتراجع فيه عن موقفه ويتنصل من تصريحات هغاري ويقول إن رئيس الأركان، هرتسي هليفي: «قام بتوبيخ الناطق باسم الجيش بسبب إجابته عن سؤال يتجاوز صلاحياته». وجاء في بيان الجيش أن «رئيس الأركان وبّخ الناطق باسم الجيش بسبب إجابته عن سؤال خلال إحاطة صحافية يتعلق بقانون نقل المعلومات السرية إلى رئيس الحكومة والوزراء، حيث تجاوز بذلك صلاحياته».

توبيخ نزيه

رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هاليفي وخلفه طائرة «إف 35» (آدير) في إحدى القواعد الجوية (أرشيفية - موقع الجيش الإسرائيلي)

وأضاف: «الجيش الإسرائيلي لا ينتقد السلطة التشريعية، بل يعرض موقفه أمام المستوى السياسي من خلال الآليات المتبعة لهذا الغرض». ثم خرج هغاري نفسه ببيان اعتذار اعترف فيه بأنه تجاوز حدود صلاحياته. وقال: «تلقيت توبيخاً نزيهاً من رئيس الأركان. إسرائيل دولة ديمقراطية، والجيش يخضع للمستوى السياسي». وأضاف: «منذ السابع من أكتوبر، وخلال مئات التصريحات والمؤتمرات الصحافية والأسئلة التي أجبت عنها، التزمت بالطابع الرسمي».

وكان الكنيست قد صادق في وقت سابق، الأربعاء، بالقراءة التمهيدية على «قانون فيلدشتاين» الذي قدمه عضوا الكنيست، حانوخ ميلفيديسكي وعاميت هاليفي من حزب الليكود؛ وأيد مشروع القانون 59 عضواً من أصل 120، مقابل معارضة 52 عضو كنيست. ويأتي هذا التشريع عقب قضية «التسريبات الأمنية» التي أثيرت قبل أشهر، حيث يواجه إيلي فيلدشتاين، المتحدث باسم مكتب نتنياهو للشؤون الأمنية، والمستشار بمكتبه، يوناتان أوريخ، اتهامات بتسريب وثائق سرية (وثيقة السنوار وغيرها) للإعلام، مصدرها شعبة الاستخبارات العسكرية، بعد حصولهما عليها من ضابط بالجيش.

وبحسب الاتهامات، حاول فيلدشتاين تسريب المادة السرية لصحافي من «القناة 12» الخاصة، لكن الرقابة العسكرية منعت نشرها، ليأمر أوريخ بتسليمها إلى أحد كبار مستشاري نتنياهو في الحملات الانتخابية الأخيرة، الذي سربها بدوره إلى صحيفة ألمانية قامت بنشرها، لغرض إيهام الرأي العام بأن السنوار، كان يعارض التوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في غزة، وينوي الهرب إلى إيران مع عدد من المحتجزين الإسرائيليين لديه، حتى يبرر نتنياهو رفضه صفقة التبادل.

ويهدف مشروع القانون إلى حماية فيلدشتاين والمتهمين الآخرين في القضية من الإدانة بالتهم الموجهة إليهم، التي تشمل «حيازة معلومات سرية» و«عرقلة سير العدالة»، وهي جرائم قد تصل عقوبتها إلى السجن مدى الحياة. ومن المقرر أن يُحال مشروع القانون لمراجعة إضافية من قبل لجنة برلمانية مختصة، تمهيداً لإعادته إلى الهيئة العامة للكنيست للتصويت عليه بالقراءة الأولى.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي فلسطيني يتفحص سيارة تعرضت لغارة إسرائيلية في مخيم المغازي وسط قطاع غزة (أ.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

قتل 4 فلسطينيين، يوم الجمعة، في غارتين إسرائيليتين منفصلتين استهدفتا وسط قطاع غزة وشماله.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج الدكتور عبد العزيز الواصل متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

السعودية تدعو إلى تحرك عاجل لوقف مأساة غزة

أكدت السعودية أن ما يجري في غزة يُمثِّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، داعيةً إلى تحرك دولي عاجل لوقف هذه المأساة، وتأمين الحماية للأطفال.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي تواجه حركة «حماس» أزمة مالية شديدة… لكن وضعها المادي يُعدّ أفضل من فصائل أخرى (أرشيفية - رويترز)

إسرائيل تكثف ملاحقة منظومة تحويل الأموال لـ«حماس»

استهدف الجيش الإسرائيلي مؤخراً منظومة تحويل الأموال لـ«حماس» والتي اغتال بعض المشاركين فيها، وفق بيانات أصدرها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي ​وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس خلال زيارة لجنود الجيش الإسرائيلي في «المنطقة الأمنية بسوريا» (قناة كاتس في تلغرام) p-circle

وزير الدفاع الإسرائيلي: قواتنا ستبقى في «المناطق الأمنية» بلبنان وسوريا وغزة

قال ​وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ‌إن ​إسرائيل ‌تعارض الانسحاب ​من «المنطقة الأمنية» في لبنان رغم الضغوط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز) p-circle

نتنياهو يسعى لقيادة الحكومة مجدداً... لكن محاكمته مستمرة حتى 2028

يحشد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، كل أسلحته للفوز بأي ثمن في الانتخابات البرلمانية المقبلة، غير أن قطار محاكمته سيتمد في كل الأحوال حتى عام 2028.

نظير مجلي (تل أبيب)

«الذرية الدولية» تستعد لـ«تحقيق معمّق» في إيران

محطة «بوشهر» النووية الإيرانية (رويترز)
محطة «بوشهر» النووية الإيرانية (رويترز)
TT

«الذرية الدولية» تستعد لـ«تحقيق معمّق» في إيران

محطة «بوشهر» النووية الإيرانية (رويترز)
محطة «بوشهر» النووية الإيرانية (رويترز)

أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أمس، ضرورة اعتماد نظام تحقيق «معمّق للغاية» في إيران بعد انتهاء الحرب، لضمان عدم تطويرها أسلحة نووية.

وقال غروسي للصحافيين في اليابان، معلقاً على مذكرة التفاهم الموقّعة بين الولايات المتحدة وإيران، الأسبوع الماضي: «أعتقد أن هدف الاتفاق هو ضمان عدم تطوير أسلحة نووية في إيران. وحكومة إيران أعلنت بوضوح أنها لا تنوي القيام بذلك، لكن النوايا غير كافية بالطبع، ويجب أن نعتمد نظام تحقيق معمقاً للغاية بمجرد أن يكون ذلك ممكناً».

إضافة إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إن إيران أطلقت ما لا يقل عن 4 طائرات مسيّرة هجومية باتجاه سفن كانت تعبر مضيق هرمز، مشيراً إلى أن إحدى هذه المسيّرات أصابت السطح العلوي لسفينة شحن.

وأضاف على منصة «تروث سوشيال»: «من الواضح أن هذا يُعد انتهاكاً أخرق لاتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلنا إليه».

لكن إيران تمسكت بـ«حقها في السيطرة على الملاحة» عبر هرمز، بعد يوم واحد من وقوع هجوم على سفينة بالقرب من سلطنة عُمان.


«الحرس الثوري» الإيراني يعلن استهداف مواقع أميركية رداً على ضربات واشنطن

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» تظهر إطلاق قذائف صاروخية من قارب خلال مناورات حربية في مضيق هرمز (أرشيفية)
صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» تظهر إطلاق قذائف صاروخية من قارب خلال مناورات حربية في مضيق هرمز (أرشيفية)
TT

«الحرس الثوري» الإيراني يعلن استهداف مواقع أميركية رداً على ضربات واشنطن

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» تظهر إطلاق قذائف صاروخية من قارب خلال مناورات حربية في مضيق هرمز (أرشيفية)
صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» تظهر إطلاق قذائف صاروخية من قارب خلال مناورات حربية في مضيق هرمز (أرشيفية)

أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، أنه هاجم مواقع أميركية في منطقة الخليج ردا على ضربات للجيش الأميركي داخل إيران، وفق ما أفاد التلفزيون الإيراني الرسمي.

وكانت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أعلنت في وقت سابق أنها ضربت أهدافا في إيران ردا على هجوم استهدف سفينة تجارية في مضيق هرمز نسبته إلى طهران. وحذّر «الحرس الثوري» الإيراني، قائلا «إذا تكرر العدوان، فسيكون ردنا أوسع نطاقا».


آيزنكوت... جنرال سابق متشدد يهدد بإطاحة نتنياهو في الانتخابات

غادي آيزنكوت (رويترز)
غادي آيزنكوت (رويترز)
TT

آيزنكوت... جنرال سابق متشدد يهدد بإطاحة نتنياهو في الانتخابات

غادي آيزنكوت (رويترز)
غادي آيزنكوت (رويترز)

يحقق غادي آيزنكوت، القائد العسكري الإسرائيلي السابق، صعوداً قوياً في استطلاعات الرأي، وقد يزيح بنيامين نتنياهو من رئاسة الوزراء في الانتخابات المقبلة.

وفقد آيزنكوت «66 عاماً» ابناً في قطاع غزة، ويتباهى بما يُطلق عليه «عقيدة الضاحية» التي تدعو إلى سحق الأعداء ​بقوة غير متناسبة.

ويصوّر آيزنكوت نفسه بوصفه سياسياً من خارج الدوائر السياسية التقليدية، ورجلاً عسكرياً، وصقراً أمنياً. وتشكّل خلفيته المتواضعة وتضحيات عائلته تبايناً صارخاً مع العقود التي أمضاها نتنياهو في المناصب العليا وقضايا الفساد التي تلاحقه والتي لا تزال معلقة. وتظهر استطلاعات الرأي أن كثيراً من الناخبين يتجهون إلى معارضة المرشحين الحاليين في وقت يستعد فيه الإسرائيليون للتصويت للمرة الأولى منذ صدمة هجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والحروب المدمرة التي خاضتها إسرائيل بعد ذلك، ولم تحسمها في غزة ولبنان وضد إيران. وتشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية إلى أن حزب «ياشار» السياسي الجديد الذي أسسه آيزنكوت في طريقه ليحتل المرتبة الثانية بعد حزب «ليكود» بزعامة نتنياهو من جهة عدد المقاعد في البرلمان، مع بقاء كلا الحزبين بعيداً جداً عن الحصول على الأغلبية.

لكن حزب ياشار، وهي صفة عبرية تعني الاستقامة أو الصدق، قد يكون في وضع أفضل من ‌حزب «الليكود» لتشكيل ائتلاف ‌حاكم من خلال العمل مع مجموعة أوسع من الأحزاب عبر الطيف السياسي الإسرائيلي.

ولم يحدَّد ​موعد ‌للانتخابات ⁠المقرر إجراؤها ​بحلول ⁠أواخر أكتوبر. وفي النظام البرلماني الإسرائيلي يصعب التنبؤ بالنتائج. وفي الصورة أيضاً، حزب آخر بقيادة رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت.

نهج متشدد في الشؤون الأمنية

قد لا يؤدي فوز آيزنكوت إلى أي مرونة كبيرة في السياسة الإسرائيلية المتشددة تجاه المنطقة، وهي سياسة أثارت غضب المنتقدين الغربيين لنتنياهو، وتسببت في تراجع شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة، حليف إسرائيل الرئيسي.

وانتقد آيزنكوت، الذي شغل لمدة وجيزة منصب عضو في مجلس الحرب الذي أشرف على حرب غزة، نتنياهو لرضوخه بسهولة لمطالب الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار في لبنان لتسوية الحرب مع إيران. ويصف المطالبات بإقامة دولة فلسطينية بأنها «خارج السياق».

وابتكر آيزنكوت، بصفته قائداً عسكرياً خلال حرب عام 2006 مع جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، استراتيجية للردع تتمثل في الرد على هجمات الجماعات المسلحة بتدمير ساحق ⁠لا يترك حتى البنية التحتية المدنية في المناطق التي تستخدمها تلك الجماعات.

وطُبق هذا النهج من خلال ‌القصف المكثف للضاحية الجنوبية لبيروت، معقل «حزب الله». وفي مؤتمر عُقد، هذا الأسبوع، قال ‌إنه نفذ «عقيدة الضاحية» هذه بما وصفها هو بنفسه بأنها «هجمات غير متناسبة».

وأضاف أن الجيش يجب ​أن يتمتع بحرية مهاجمة «حزب الله» في أي مكان في لبنان، ‌وأن وقف إطلاق النار الذي طالب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب أدى إلى «واقع جنوني» يقيد حركة القوات الإسرائيلية.

ويحظى هذا الموقف المتشدد ‌تجاه حروب غزة ولبنان وإيران، إلى جانب انتقاده استراتيجية نتنياهو العامة وطريقة تعامله مع ترمب، بشعبية في إسرائيل على الرغم من التكاليف التي يتكبدها على صعيد موقف الحلفاء الغربيين المهمين من إسرائيل.

الخلفية المتواضعة والتضحية العائلية

يكسب آيزنكوت، المولود لمهاجرين من المغرب، شعبية بين الناخبين من أصل يهودي من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو من يعرفون باسم «اليهود المزراحيين»، وهي مجموعة تعد أحياناً مهمشة في المجتمع الإسرائيلي، وتشكل قاعدة انتخابية أساسية لنتنياهو.

وتدرج آيزنكوت في الرتب العسكرية في الجيش ‌الإسرائيلي، الذي يلزم معظم المواطنين بالخدمة فيه، وكان قائداً بارزاً في الحرب ضد «حزب الله» عام 2006، ثم ترقى إلى منصب رئيس الأركان من سنة 2015 إلى 2019.

ومنحته خلفيته العائلية وخبرته العسكرية ⁠الطويلة مؤهلات أمنية تكسبه احتراماً بين الإسرائيليين، ⁠حتى قبل مقتل ابنه جال مئير «25 عاماً» في أثناء خدمته في غزة في ديسمبر (كانون الأول) 2023. وقُتل اثنان من أبناء أخيه في تلك الحرب.

ولهذه الخسائر أثر لدى الإسرائيليين بعد ما يقرب من 3 سنوات من الحرب التي قُتل خلالها المئات من جنودهم.

وقال إيتان شامير، مدير مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية بجامعة بار-إيلان: «يبدو شخصاً صادقاً. إنه محبوب جداً، وليس سياسياً، وإنما شخص عادي، قد يكون جارك أو زميلك في العمل. إنه ليس متكلفاً. يشعر الناس بأنهم يجدون فيه شبهاً منهم».

واستغل معسكر نتنياهو هذه الصفات للتشكيك في ما إذا كان آيزنكوت يتمتع بالمهارات اللغوية المطلوبة في اللغة الإنجليزية للحفاظ على العلاقات الحيوية للبلاد مع الحلفاء الغربيين.

الرئيس الإسرائيلي يتسحق هيرتسوغ يعزي غادي آيزنكوت بمقتل ابنه في حرب غزة (رويترز)

وفي بيئة سياسية تميل أكثر فأكثر نحو تيار اليمين على مدى العقود القليلة الماضية، يُنظر إليه على وسطي منفتح على الدخول في ائتلاف مع الأحزاب اليسارية، ومؤيد لتجنيد العرب واليهود المتزمتين دينياً في الجيش مع استثناءات محدودة فقط.

ودخل آيزنكوت عالم السياسة قبل 4 سنوات فقط، وفاز بمقعد في البرلمان عام 2022 كمرشح مستقل. وبعد هجوم السابع من أكتوبر، انضم إلى مجلس الحرب لثمانية أشهر قبل أن يستقيل منتقداً قيادة نتنياهو. ويدخل حزبه الجديد مرحلة ما قبل الانتخابات بزخم كبير ​بعد صعوده في استطلاعات الرأي خلال الأسابيع القليلة الماضية.

لكن تامار ​هيرمان، عالمة السياسة الإسرائيلية والزميلة البارزة في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، قالت إن نتنياهو لا يزال بإمكانه العودة.

وأضافت هيرمان: «يشبه نتنياهو، بطريقة ما، هوديني في مجال السياسة لأنه يتمكن بطريقة ما من الخروج من الموقف بالغة الصعوبة»، في إشارة إلى هاري هوديني الذي عُرف بقدرته الخارقة على التحرر من الأصفاد.