فهم العالم... المسعى الذي لا ينتهي

كاتب وفيزيائي وفيلسوف يسعون إلى معرفة الطبيعة النهائية للواقع

إيمانويل كانط
إيمانويل كانط
TT

فهم العالم... المسعى الذي لا ينتهي

إيمانويل كانط
إيمانويل كانط

ما حدودُ قدرتنا المتاحة والممكنة على فهم العالم؟ هل أنّ أحلامنا ببلوغ معرفة كاملة للواقع تُعد واقعية أم أن هناك حدوداً قصوى نهائية لما يمكننا بلوغه؟ يتخيّل مؤلّف كتاب منشور أواخر عام 2023 لقاءً جمع ثلاثة عقول عظيمة: الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس، والفيزيائي الألماني فيرنر هايزنبرغ والفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. مؤلّف الكتاب هو الدكتور ويليام إيغنتون أستاذ العلوم الإنسانية ومدير معهد ألكساندر غراس للإنسانيات في جامعة جونز هوبكنز. كتابه الأخير المشارُ إليه، صدر عن دار نشر «بانثيون» في 368 صفحة، بعنوان «صرامة الملائكة: بورخس، هايزنبرغ، كانْط، والطبيعة النهائية للواقع».

هذا الكتابُ نتاجُ عقود عدّة من القراءة والتدريس والتفكير في التداخلات المثيرة بين الأدب والفلسفة والفيزياء. يؤكّدُ المؤلّفُ أنّ نطاق تفكيره بهذه التداخلات شمل عدداً أكبر بكثير من الكّتّاب والمفكّرين غير هؤلاء الثلاثة؛ لذا يوضّحُ قائلاً: «عندما نضج الوقت لتحويل المشروع إلى كتاب ارتسمت أمامي، بقوّة طاغية لم يكن مفرٌّ من مواجهتها، أسئلة على شاكلة: كيف يتوجب علي تنظيم الكتاب؟ ومن هم أفضل الشخصيات التي يمكن عدّها تمثلاتٍ صالحة للكشف عن التداخلات بين الأدب والفلسفة والفيزياء؟ والأهمّ من هذا: كم عدد الشخصيات التي يمكن تناولها في الكتاب؟

خورخي لويس بورخس

كان طموحي المبكّر عند التفكير في تصميم هيكلة الكتاب أكثر اتساعاً مما انتهى إليه الشكل النهائي للكتاب. أغوتْني فكرة سرد حكايات عن شخوصٍ محدّدين بغية استخلاص رؤاهم من وراء تلك الحكايات؛ لكن في بداية الأمر واجهتني معضلة وجود عدد كبير من الحكايات التي يتوجب علي سردُها. خطّطتُ في بداية الأمر لتأليف كتاب يحوي إثني عشر فصلاً، مع شخصية مركزية مختلفة في كلّ فصل منها؛ أي بمعنى أنّ الكتاب سيحوي اثنتي عشرة شخصية. شعرتُ بعد تفكّر طويل أنّ الكتاب سيكون نتفاً مشتّتة تغيب معها الفكرة الأساسية التي أسعى إليها. حتى لو ظلّ يدور في مدار المشروع الفكري الذي يجولُ بعقلي. بعد ذلك استطعت السيطرة على ذلك التشتّت وكبح مفاعيله إلى حدّ ربّما يجوز لي القول معه إنّني ضيّقتُ على العدد كثيراً عندما جعلته ثلاثة وحسب. وضوحُ الفكرة أفضل من كثرة الشخصيات: هذا ما انتهيتُ إليه من قناعة».

الفكرة الأساسية التي ارتسمت أمام المؤلف طيلة حياته، وأظنّ أن كثيرين منا لهم شغف عظيم بها حتى لو لم يكونوا فلاسفة مكرّسين، هي: الكشف عن الكيفية التي يستطيع بها التفكير العميق في معضلة ما أن يقود إلى رؤى عميقة بصرف النظر عن النطاق المعرفي الخاص بالباحث. بعبارة أخرى أكثر تقنية: يمكن للمقاربات (الناعمة Soft) المعتمدة في الإنسانيات أن تقدّم استنارة عظمى للمقاربات العلمية (الصارمة Hard)، والعكس صحيح أيضاً.

في المقاربات الثلاث التي اعتمدها المؤلّف في كتابه أظنّه قدّم شاهدة تطبيقية على جوهر الفكرة الأساسية أعلاه: قراءة بورخس، وتوظيفُ بعض ما استخدمه (كانط) للتفكّر ومساءلة معضلات طرحها بورخس قادت المؤلّف على مدى سنوات عديدة إلى بلوغ فهم أعمق لما اكتشفه هايزنبرغ. يؤكّد المؤلّف في هذا الشأن: «أعتقد بقناعة مؤكّدة أنّ فهمي لإنجازات هايزنبرغ كان أفضل بعد اطلاعي على أعمال بورخس وكانْط، وما كانت لتبلغ هذا المبلغ من الفهم لو اكتفيتُ بقراءة ما كتبه هايزنبرغ ذاته بشأن منجزاته الثورية!!».

فيرنر هايزنبرغ

يبدو للقارئ المتفحّص والشغوف بالمساءلات الفلسفية أن الموضوعة الأساسية في الكتاب والتي تقود كلّ الفعالية السردية فيه هي الصراع الجوهري بين رغبتنا في المعرفة والتوق لبلوغ نوع من الإجابة «النهائية» عن أعمق أسئلتنا بشأن الوجود من جانب، واستحالة بلوغ مثل هذه الإجابات قطعياً من جانب آخر. يصرّحُ المؤلّفُ بإمكانية تلمّسِ بعض العزاء في محض محاولة بلوغ هذه الإجابات حتى مع معرفتنا المسبّقة بأننا كائنات مقدّرٌ لها مواجهة نهاية وجودية مغلقة والبقاء في متاهة الأسئلة الوجودية التي لا إجابات نهائية لها. يشيرُ المؤلّف بهذا الشأن وفيما قد يبدو مفارقة مثيرة، أنّ ما نفترض فيه أن يكون الأقل حساً شعرياً بين الثلاثة (أعني هايزنبرغ) هو الذي عبّر عن هذه المعضلة بكيفية أكثر كثافة وقوّة مفاهيمية من الاثنيْن الآخرين!!. كتب هايزنبرغ في مخطوطة له عام 1942 يقول: «قدرة البشر على الفهم لا حدود لها؛ أما (الأشياء النهائية Ultimate Things) فلا نستطيع الحديث عنها». يؤكّدُ المؤلّفُ أنّ هايزنبرغ كان يقصدُ بملحوظته هذه شيئاً ما حول ما اعتبره محدّداتٍ (داخلية) أو (جوهرية) للمعرفة البشرية. سعيُنا إلى المعرفة لا يمكن أن ينتهي لمجرّد معرفتنا بوجود هذه الحدود الجوهرية لما يمكننا معرفته. إنّ معرفة العالم على نحو كامل وتام تعني القدرة على بلوغ تلك (الأشياء النهائية) التي عناها هايزنبرغ، وهذا يستلزم الوقوف خارج إطار الزمان والمكان (أي خارج كلّ حدود الوجود البشري) بطريقة مماثلة لما تصوّره القدّيس أوغسطين والأفلاطونيون الجُدُد عن الرب باعتباره قادراً على استيعاب وحدة الوجود في كليته وخلوده. من الواضح أنّ مثل هذا التوصيف للمعرفة لا يتوافق أبداً مع أي شيء يمكننا توصيفه على أنّه معرفة بشرية. الخواص المطلقة والنهائية لا تتفق مع أي معرفة بشرية. نحن عاجزون عن بلوغ المعرفة المطلقة لا لنقص أو عيب فينا، بل لأنّ هذا العجز واحد من المظاهر الحتمية المرافقة للوجود البشري.

من المفارقات المدهشة والباعثة على التفكّر أننا نميل ككائنات بشرية، وبرغم اقتران وجودنا البشري بعدم القدرة على بلوغ الإجابات النهائية، إلى التأكّد واليقين في كلّ ما نفعله وما نتخذه من خيارات في الحياة. يؤكّدُ المؤلف أنّ هذه اليقينية أمر سيئ، وفضلاً عن سوئها فهي ليست توقّعاً واقعياً أو مرغوباً فيه. اللايقين هو الأمر الحسن؛ لأن سعينا لليقين يقود إلى الغطرسة، ومحدودية الأفق والرؤية، وإغلاق مسالك جديدة للتفكير. العلم نشاط يختص بالملاحظة والتجريب وبلوغ تفسيرات مؤقتة، وهذه التفسيرات تخضعُ لتدقيق الجماعات العلمية، وإذا دُعِمت بالأدلة فإنها تُقبلُ بوصفها أفضل تفسير لدينا حتى الآن. لكنّما العلمُ لا يرتقي في مسلكه الحثيث متى ما قلنا إنّ اللعبة انتهت وبلغ العلم حدوده النهائية: الحقيقة المطلقة.

الفكرة الأساسية التي ارتسمت أمام المؤلف هي: الكشف عن الكيفية التي يستطيع بها التفكير العميق في معضلة ما أن يقود إلى رؤى عميقة بصرف النظر عن النطاق المعرفي الخاص بالباحث

لو طُلِبَ إلى إبداءُ رأيي الشخصي في انتقاء المؤلّف لمقارباته واختياره للشخوص الممثلين لهذه المقاربات الثلاث فسأقول: مقاربة المؤلّف للواقع من بوابات الأدب والفيزياء والفلسفة هي مقاربة رائعة ومتفقة تماماً مع روح العصر الذي نعيش، ونحتاجُ تأكيداً لمثل هذه المقاربات التي تعمل على تمتين الجسور الرابطة بين الحقول المعرفية باعتبارها أنساقاً معرفية مشتبكة وليست جسوراً متناثرة. أما اختيار المؤلّف للشخوص الممثّلة لكلّ مقاربة فكان خيارُ بورخيس موفقاً للغاية. بورخيس هو الأكثر تمثيلاً للفكر الفلسفي وملاعبة الواقع بألعابه التي اتخذت تمظهرات ميتافيزيقية بدت عسيرة على القراءة والفهم أحياناً؛ لكنّه بقي البارع دوماً في طرق مفاهيم الزمان والخلود والأبدية وأشكال الواقع المخادعة، وأظنه كان فيلسوفاً بمثل ما كان مشتغلاً ماهراً بالأدب، ولو قرأنا أعماله الفلسفية الخالصة مثل (تفنيد جديد للزمن) لشهدنا مصداقية شغفه الفلسفي. يبدو بورخس أوّلَ من ابتدع في مقالته الفلسفية تلك بدائل للزمن الخطي Linear Time، كما قدم إضاءات كاشفة لمفهوم الزمن الدوري Cyclic Time الذي له تمثلات عدّة في الثقافات القديمة وفي العديد من الأدبيات التي لطالما أشار إليها بورخس فيما كتب. لاحظوا معي النبرة الفلسفية القوية التي يكتب بها بورخس في هذه الفقرة المستلّة من مقالته: «أنكر هيوم وجود فضاء مطلق يحدث فيه كل شيء (نعيشه). أنا أنكر كذلك وجود زمن واحد تتعاقب فيه الوقائع. إنكارُ التعايش ليس أقلّ مشقة من إنكار التعاقب».

الأمرُ ذاته يسري على كانط، الفيلسوف الأكثر تمثيلاً لعصر التنوير بنتاجاته التأسيسية العظيمة التي جعلت منه مثابة عليا في الفكر البشري. ربما الاختلاف هو بشأن هايزنبرغ. لن نختلف بالتأكيد حول الجهد الفلسفي الهائل الذي عرضه هايزنبرغ في كتاباته، وليس هذا بالأمر النادر أو المثير للدهشة؛ إذ كلُّ الفيزيائيين الكبار هم بالضرورة فلاسفة عظام باستثناءات قليلة (مثل هوكنغ). يكفي مثلاً أن نقرأ مؤلفات هايزنبرغ التي ترد فيها مفردة (الفلسفة) في عناوينها؛ لكنّي - وكذائقة شخصية - أظنّ أنّ «إرفن شرودنغر» هو الأكثر تمثيلاً بين فيزيائيي القرن العشرين للإسقاطات الفلسفية على الفكر العلمي والمسعى البشري الحثيث نحو فهم الواقع.

سيكون جهداً طيباً أن نتذوّق بعض جمال صرامة هؤلاء المفكّرين، وهي صرامة نابعة من عقول جميلة، وليست بصرامة لاعبي الشطرنج كما أورد بورخيس في واحدة من ملاحظاته المثيرة.


مقالات ذات صلة

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية.

د. ماهر شفيق فريد
كتب رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

يقدم الكتاب مفهوم «السلطة السريرية» بوصفه إطاراً يحافظ على الدور القيادي للطبيب في اتخاذ القرار

«الشرق الأوسط» (لندن)

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية
TT

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية. والأمثلة ليست بحاجة إلى تذكرة: رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، يحيى حقي، الطيب صالح، سهيل إدريس.. إلخ. لكن ماذا عن موسم الهجرة من الجنوب إلى الجنوب، من بلد عربي أفريقي أو آسيوي إلى دول الخليج؟

سؤال يجيب عنه كتاب صادر باللغة الإنجليزية هذا الصيف هو كتاب «الهجرة إلى الخليج في الرواية العربية» (Migration to the Gulf in the Arabic Novel) (مطبعة جامعة إدنبرة 2026، 271 صفحة) من تأليف نادين دقاق (Nadeen Dakkak) المحاضرة في قسم اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة إكستر البريطانية. والكتاب هو أحدث إصدارات سلسلة «دراسات إدنبرة في الأدب العربي الحديث» التي يشرف عليها الدكتور رشيد العناني. وقد صدر منها حتى الآن - اعتباراً من عام 2013 - أكثر من 30 كتاباً.

كان انبثاق النفط من رمال الصحراء - وما تبعه من تحديث متسارع الخطى - إيذاناً بتغيرات جيو - سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة طالت الحياة في دول الخليج وجعلتها محط أنظار ومعقد آمال آلاف يحلمون بـ«عقد عمل» يعودون بعده إلى بلادهم وقد غدوا أقدر على مواجهة تكاليف العيش والضغوط الاقتصادية الواقعة عليهم وعلى من يعيلون.

عالج موضوع الهجرة، خلال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، كتاب مصريون وفلسطينيون، أو فلسطينيون أردنيون، ولبنانيون، وأريتري. من هذه الأعمال خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، «رسالة البصائر في المصائر» لجمال الغيطاني، «اهبطوا مصر» و«صمت الرمل» لمحمد عبد السلام العمري، ثلاثية «أطفال بلا دموع» لعلاء الديب، «مسك الغزال» وأقصوصتان من المجموعة القصصية «وردة الصحراء» لحنان الشيخ، «بيع نفس بشرية» لمحمد المنسي قنديل وغيرها.

من الأعمال التي يتوقف عندها كتاب نادين دقاق رواية «براري الحمى» (1985) لإبراهيم نصر الله وهي عن مدرس شاب يعمل في بلد عربي بعقد مؤقت. ونحن نراه ممدداً في فراشه في حالة هلاس متولد من الحمى عقب لدغة بعوضة. إنها رؤية كافكاوية ناجمة عن شعور بالعجز والاضطهاد.

وهناك رواية إبراهيم عبد المجيد «البلدة الأخرى» (1991) وبطلها خريج قسم فلسفة يعمل في وظيفة إدارية بإحدى الشركات في بلدة عربية. تروى الأحداث بضمير المتكلم على لسانه. وإذ يفدحه الشعور بركود حياته يحاول كتابة يوميات ويصبح مدمناً على برامج تافهة ومسلسلات أميركية على شاشات التلفزيون. ولكن عودته إلى مصر بعد عام من الاغتراب لا تنبئ بما هو أفضل. ويعدد الدكتور محمد بدوي تقنيات الروائي هنا، وهي التشويق ولغة السرد التي تركز على تفاصيل دون أخرى ومنظور المراقب للأحداث.

و«سمراوية» (2012) رواية للقاص الأريتري حاجي جابر تصور حيرة الجيل الثاني من المهاجرين. إن عمر يلتقي في مقهى بأسمرة فتاة تدعى سمراوية، ويقع في حبها من أول نظرة. وتتحرك الرواية في نقطة وسط بين الخيال والواقع مجسدة اقتلاع الأريتري من أرضه. فوالد عمر وأجداده يضطرون إلى الهجرة من بلدهم عقب الصراعات السياسية العنيفة في حرب استقلال أريتريا عن إثيوبيا. والحكي في الرواية لا يتخذ شكل خط مستقيم وإنما يمثل تنقلاً بين الطفولة والرشد وسفراً عبر عدة مدن.

وفي خلفية هذه الأعمال تتخايل رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» (1962) التي تعزف نغمة مأسوية، إذ تصور محنة الاقتلاع من الوطن السليب والحلم الذي يتحول إلى كابوس وذلك من خلال ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر صحراء العراق فيكون مآلهم الموت اختناقاً داخل صهريج الشاحنة التي تقلهم في وقدة القيظ.

وإذا كان من الممكن أن نعتبر روايات الهجرة إلى الخليج جنساً أدبياً قائماً بذاته - وإن يكن على نطاق محدود - فما هو المستقبل الذي ينتظر هذا الجنس الأدبي؟ تختم نادين دقاق كتابها بأن تقول: من الصعب أن نرجم بالظنون عن المستقبل المنظور، وهل سيشهد مزيداً من الإضافات إلى هذا الجنس، ولكن المؤشرات تومئ لأن الاتجاه نحو التعددية قد يكون الاتجاه الغالب على المدى الطويل، بما يعكس التعدد على أرض الواقع وتشابك خيوطه. تشهد بهذا كثير من الكتابات في المجلات الأدبية الصادرة في دول الخليج ومدونات الفضاء الإلكتروني.

ما من كتاب واحد يمكنه أن يغطي كل ما يمكن أن يقال في موضوعه. وليس من العدل أن نطالب نادين دقاق بأن تذكر كل ما كتب عن الخليج. ولكني افتقدت عملاً واحداً أحسب أنه لا يمكن إغفاله في هذا السياق، حيث إنه يقع من موضوع المؤلفة في الصميم. إنه رواية «الخليج» للروائي المصري محمد جبريل. بطل الرواية رؤوف العشري صحافي يعمل في منطقة الخليج إبان الغزو العراقي للكويت. وتنتقل بنا المشاهد بين الكويت ومسقط والإسكندرية، فللمكان حضور بارز في هذا العمل، حيث تتجاور نقائض الحداثة والتراث، وتنهض أحدث مخترعات الغرب التكنولوجية في مواجهة قيم تقليدية تراثية تحكم دوافع السلوك وأنماط العيش. وفيما عدا هذا النقص ليس لدى إلا الثناء على كتاب يجمع - مثل سائر كتب السلسلة التي تضمه - بين دقة البحث العلمي ونفاذ البصر النقدي وإتقان الإخراج الطباعي.


رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ
TT

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»، يحمل عنواناً فرعياً هو «رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، ويقدّم سيرة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جينبينغ من خلال مائة قصة وقصة، تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي والتحليل السياسي.

لا يقدّم الكتاب سيرة تقليدية تكتفي بتسجيل المحطات الزمنية أو استعراض الإنجازات، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية التي أسهمت في تكوين شخصية شي جينبينغ، وتتبع العوامل المختلفة التي رافقت انتقاله من طفولة اتسمت بالتحديات، إلى تجربة قاسية في الريف الصيني، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولاً إلى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات واسعة.

ينطلق قميحة من أن الكتابة عن القادة الكبار ليست أمراً يسيراً؛ لأنها تتطلب محاولة لفهم روح التجربة الإنسانية والظروف التي صنعتها. ويرى أن الكتابة عن شي جينبينغ تضع الكاتب أمام تحديين متلازمين: تحدي الفهم وتحدي الإنصاف، ولا سيما أن تجربته القيادية نشأت في سياق صيني خاص، يختلف في جذوره الفكرية والتاريخية والسياسية عن النماذج الغربية السائدة.

ومن هنا، يعود الكتاب إلى البدايات الأولى في حياة شي جينبينغ، وإلى البيئة العائلية التي نشأ فيها والقيم التي تلقاها، قبل أن يتوقف عند تجربة إبعاده في سنوات شبابه إلى قرية ليانغجياخه الريفية. وهناك واجه الفقر والعمل الشاق وقسوة الظروف الطبيعية والاجتماعية، واختبر بصورة مباشرة تفاصيل حياة المزارعين وتطلعات الفئات الأكثر احتياجاً.

وتكشف القصص كيف أسهمت سنوات الطفولة والشباب في بناء إرادة قوية مكّنت شي جينبينغ من مواجهة الصعوبات والاستمرار في مسيرته السياسية. كما تتناول انخراطه المبكر في العمل العام، وبدايات مسيرته داخل الحزب الشيوعي الصيني، والتجارب الإدارية التي خاضها في المناطق المحلية، حيث تعرّف عن قرب إلى تحديات التنمية والفقر والبنية التحتية والتعليم والإدارة العامة.

ويتابع الكتاب انتقال شي جينبينغ بين مواقع المسؤولية في عدد من المقاطعات الصينية، مستعرضاً كيف تطورت رؤيته للإدارة والإصلاح من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر مع المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.

ويقول المؤلف إن الكتاب، رغم تركيزه على سيرة قائد، لا ينظر إلى القيادة بوصفها فعلاً فردياً معزولاً، ولا إلى التاريخ بصفته صناعة شخص واحد. فالتجربة التي يتناولها نشأت داخل إطار جماعي واسع، كان فيه الحزب الشيوعي الصيني القوة التنظيمية والفكرية التي رافقت مسيرة التحديث، في حين كان الشعب الصيني شريكاً فاعلاً في البناء والتحول، لا مجرد متلقٍ للسياسات.

وعلى هذا الأساس، يقدّم المؤلف مسيرة الصين بوصفها نتيجة تفاعل مستمر بين القيادة والرؤية، وبين التنظيم الحزبي والإرادة الشعبية.

ولا تتوقف القصص عند سيرة شي جينبينغ، بل تنتقل إلى دراسة أبرز ملامح فكره في الحكم وإدارة الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الحلم الصيني والنهضة الوطنية والازدهار المشترك والعدالة الاجتماعية. كما تتناول رؤيته لتحديث الحوكمة، وتعزيز الانضباط داخل الحزب، ومكافحة الفساد.

ويرصد الكتاب حرص شي جينبينغ على الجمع بين عناصر من الفكر الصيني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة. ففي خطابه السياسي تبرز مفاهيم مستمدة من التراث الحضاري الصيني، مثل الانسجام والمسؤولية الأخلاقية واحترام المعرفة وأولوية المصلحة العامة، إلى جانب مقاربات حديثة في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

ويضيء المؤلف على العلاقة بين حكمة التراث الصيني وروح الثورة ومقتضيات العصر، موضحاً كيف حافظت القيادة الصينية على عناصر الهوية الثقافية الوطنية، بالتوازي مع الانفتاح على الابتكار العلمي والتكنولوجي وتطوير أدوات الحوكمة.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للتحولات التي شهدتها الصين في العصر الجديد، وفي مقدمتها مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية، وتنمية المناطق الريفية، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

كما يتناول تجربة الصين في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن والأرياف، ودعم المشاريع المحلية، وتحديث الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على البيئة. ويربط الكتاب هذه التحولات بفكرة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.

ويتوقف قميحة عند التحول الذي قاد الصين من «ورشة عمل عملاقة» إلى قوة علمية وتكنولوجية ومختبر لتجربة تنموية وحضارية تسعى إلى تقديم رؤيتها الخاصة للعالم. ولا يتعامل الكتاب مع هذه التجربة بوصفها نموذجاً يجب استنساخه، بل بوصفها مساراً تشكل خارج النموذج الغربي التقليدي ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه التاريخي والثقافي.

ويتناول الكتاب كذلك المكانة المتنامية للصين، وكيف انتقلت في ظل قيادة شي جينبينغ إلى دور أكثر حضوراً في مناقشة مستقبل النظام العالمي. ويعرض في هذا السياق المبادرات الخمس الكبرى التي طرحها الرئيس الصيني، وهي مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

ومن خلال هذه المبادرات، يبرز الكتاب رؤية شي جينبينغ إلى مستقبل الصين ودورها الدولي، ليس بوصفها دولة تبحث عن تنميتها الخاصة فقط، بل قوة تدعو إلى التعاون والمنفعة المتبادلة وتقاسم فرص التنمية مع العالم، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي.

وفي موازاة صورة القائد وصانع السياسات، يقترب الكتاب من شي الإنسان، من خلال قصص تتناول علاقته بالشعب وأسرته، وزياراته الميدانية، وشغفه بالقراءة والتاريخ، وطريقته في التواصل مع المواطنين والمسؤولين.

وتعتمد القصص على وقائع موثقة وخطابات رسمية وشهادات. وقد أعاد المؤلف صياغة هذه المادة بأسلوب قصصي وتأملي، محافظاً على التوازن بين جاذبية السرد الأدبي ومتطلبات الدقة التوثيقية.


«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية
TT

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

صدر العدد السادس عشر- من مجلة «الأديب الثقافية»، وقد تضمّن موضوعات عدة، منها: محور «التحولات الرقمية ما بعد المعلوماتية »، ابتداءً من إنترنت الأشياء، وصولاً إلى «الروبوت المفكر»، ومروراً بالمعلوماتية الفائقة ما بعد الافتراضية، بما في ذلك التحديات الجديدة في طور المجتمع الخامس، ومجتمع السايبر، واتجاهات المستقبل في التحوّلات الرقمية، والبودكاست في الخطاب الرقمي المعاصر، ومن بحوث هذا المحور:

«العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية العربية المعاصرة» للدكتورة وسن عبد المنعم ياسين، و«ما بعد الافتراضية: رقمنة الأدب وتشكيل الوعي الجديد» للدكتورة إيمان عبد دخيل، و«الحداثة السائلة وسلطة التأويل في عصر الذكاء الاصطناعي» للدكتورة أوراد محمد كاظم، و«السرد البصري وتحولات المعنى الرقمي» للدكتور عمر رعد أسعد، و«أزمات البحث عن الذات في زمن الحب السائل» للدكتورة إنصاف سلمان، و«الروبوت المفكر - الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة» للناقد عباس عبد جاسم.

وفي حقل «بحوث» قدّمت الدكتورة سنا صباح علي أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة البصرة دراسة عن «جدل الفضاء والمعنى في العمارة المعاصرة عند جان بودريارد»، وكتب الباحث المغربي حمزة بومليك عن «ضفاف النظر، لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط»، وقدّم الناقد الدكتور سمير الخليل «رؤية في مصطلح - ما وراء التجنيس - الميتاتجنيس»، وبحث الدكتور علي محمد ياسين في «الحداثة الشعرية -والخروج على سلطة النموذج - بنية التعليق في الجملة الشعرية»، وقدّمت الباحثة الدكتورة تبارك عمار حسن العزاوي دراسة عن «أنطولوجيا النص وتحولات الوعي» واتخذت من «الوعي الشقي» محوراً لدراستها الأنطولوجية.

وفي حقل «حوار» حاور الدكتور أحمد ضياء - المُنَظِّرة النسوية والأستاذة الجامعية التونسية الدكتورة آمال قرامي.

وتضمن حقل «قراءات» قراءة للدكتورة إنصاف سلمان لكتاب «الذات والدواة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي.

وكتب الناقد الدكتور حاتم الصكر عن «عطايا الماضي المستقبلية» من خلال قراءة في ديوان «ألواح الطين وأسرار القصيدة» للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل.

وقدَّم الدكتور قيس عمر محمد قراءة في «المرجعيات الثقافية» لرواية «يوليانا» لنزار عبد الستار.

وقدَّمت الدكتورة رغد محمد جمال البياتي «قراءة في النسق المتعالي» لكتاب «اللامفكر فيه في الفكر النقدي».

وفي حقل «نقطة ابتداء» كتبت الشاعرة والكاتبة العراقية المغتربة أمل الجبوري عن «أبي البركات البغدادي وفوكو - هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟».

تصدر «الأديب الثقافية» عن «مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية» بطبعتين ورقية وإلكترونية.