مصير رئيس الحكومة الفرنسية حُسم وسيناريوهات متعددة لما بعد إسقاطه

الرئيس ماكرون يرفض «قطعاً» الاستقالة والوضع السياسي في فرنسا عاد إلى المربع الأول

رئيس الوزراء الفرنسي ميشال بارنييه يتحدث خلال جلسة الأسئلة الموجهة إلى الحكومة في الجمعية الوطنية (رويترز)
رئيس الوزراء الفرنسي ميشال بارنييه يتحدث خلال جلسة الأسئلة الموجهة إلى الحكومة في الجمعية الوطنية (رويترز)
TT

مصير رئيس الحكومة الفرنسية حُسم وسيناريوهات متعددة لما بعد إسقاطه

رئيس الوزراء الفرنسي ميشال بارنييه يتحدث خلال جلسة الأسئلة الموجهة إلى الحكومة في الجمعية الوطنية (رويترز)
رئيس الوزراء الفرنسي ميشال بارنييه يتحدث خلال جلسة الأسئلة الموجهة إلى الحكومة في الجمعية الوطنية (رويترز)

أطلق جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني، رصاصة الرحمة على ميشال بارنييه، رئيس الحكومة الفرنسية، بتأكيد المؤكد وذلك بإعلانه صباح الأربعاء أن نواب حزبه سيصوّتون لصالح سحب الثقة من بارنييه؛ ما يعني إسقاطه وإسقاط حكومته بشكل «فوري».

وأوضح بارديلا أن نواب اليمين المتطرف البالغ عددهم 141 نائباً سيضمون أصواتهم إلى أصوات «الاتحاد الشعبي الجديد»، أي تحالف أحزاب اليسار والخضر (193 نائباً) الذي أعلن عزمه إسقاط بارنييه وقدَّم لهذه الغاية عريضة نيابية إلى جانب العريضة التي قدمها اليمين المتطرف. والمثير للعجب أن بارديلا أعطى بارنييه مهلة تنتهي في الساعة الثالثة ليتراجع رئيس الحكومة عن قراره رفض زيادة المعاشات التقاعدية وإصراره على تمرير قانون تمويل الضمان الاجتماعي من خلال طرح الثقة بالحكومة.

رئيس الحكومة ميشال بارنييه يتشاور بعد ظهر الأربعاء مع اثنين من النواب قبل بدء جلسة البرلمان رسمياً (أ.ب)

والحال، أن المهلة الزمنية مرَّت ولم يصدر عن القصر الحكومي أي إعلان جديد. وإذا سارت الأمور على هذا النحو، فإن الجمع بين أصوات الطرفين سيوفر العدد اللازم والمريح لإعادة بارنييه إلى بيته في بادرة لم تحصل سوى مرة واحدة في تاريخ الجمهورية الخامسة تعود لعام 1962 عندما سقطت حكومة جورج بومبيدو خلال ولاية الرئاسية الأولى للجنرال شارل ديغول.

الحكم المبرم بحق بارنييه

إزاء الحكم المبرم المنتظر، لم يبق بارنييه مكتوف اليدين، بل حاول خلال مقابلة تلفزيونية مطولة ليلة الثلاثاء أن يعبئ ناخبي اليمين المتطرف ضد قرار الحزب، محذراً من العواقب الخطيرة المترتبة على إسقاطه بالنسبة لمصير الميزانية العامة لعام 2025 أو لتدهور القوة الشرائية وزيادة الضرائب على 18 مليون فرنسي وتراجع الاقتصاد، فضلاً عن الأزمة السياسية والنفق المجهول الذي ستدخله فرنسا.

وانضم نواب من تحالف الوسط واليمين الداعم له منبهين من المنزلق الذي تسير إليه البلاد. ولم يبقَ الرئيس إيمانويل ماكرون الموجود منذ الاثنين في زيارة دولة إلى السعودية صامتاً إذا شكك بحتمية إسقاط الحكومة، واتهم زعيمة اليمين المتطرف والمرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبن بـ«ممارسة خبث لا يحتمل»؛ لأنها ضمت أصوات نواب حزبها إلى أصوات اليسار المتطرف ممثلاً بحزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون.

رئيسة مجموعة نواب اليمين المتطرف مارين لوبن التي تسبب تصويت حزبها إلى جانب نواب تحالف في إسقاط ميشال بارنييه (رويترز)

كذلك حرص ماكرون على قطع الطريق لمن ينادون باستقالته بوصفها مخرجاً «وحيداً» من الأزمة السياسية التي قد تتحول أزمة «مؤسساتية» معتبراً أن دعوة كهذه تندرج في إطار ما سماه «التخيل السياسي». وقال، الثلاثاء، لعدد من الصحافيين الذين رافقوه في زيارته إلى السعودية: «أنا أقف أمامكم (بصفة رئيس) لأن الشعب الفرنسي انتخبني مرتين. أنا فخور جداً بذلك وسأحترم هذه الثقة بكل طاقتي حتى الثانية الأخيرة لأكون مفيداً للبلاد».

عودة إلى المربع الأول

حقيقة الأمر أن مسؤولية ما يجري حالياً في فرنسا تقع على كاهل ماكرون؛ وذلك لسببين رئيسين: الأول، أنه، شخصياً، مَن قرر حل المجلس النيابي وهو حق يعطيه إياه الدستور. إلا أنه لجأ إليه من غير أسباب واضحة أو مقنعة. وكانت النتيجة أن البرلمان الجديد المنبثق من انتخابات يونيو (حزيران) الماضي جاء من غير أكثرية مطلقة ولا نسبية. كذلك، فإن حزبه خسر ما لا يقل عن سبعين نائباً. والآخر، أن ماكرون الذي يخوله الدستور اختيار شخصية لتشكيل الحكومة، ولا يفرض عليه أي قيود، لم يتصرف وفق العرف المعمول به في فرنسا، بل استدعى بارنييه المنتمي إلى حزب حلّ في المرتبة الرابعة ولا يتمتع إلا بـ47 نائباً، بينما تحالف اليسار حصل على 193 مقعداً.

كتلة اليسار في البرلمان (رويترز)

ويتذكر الجميع كيف ناور ماكرون لأسابيع لاستبعاد مرشحة اليسار لوسي كاستيه بحجة أنها غير قادرة على توفير أكثرية نيابية تدعم عملها على رأس الحكومة. وبالمقابل، سمى بارنييه وأقنع اليمين الكلاسيكي بالانضمام إلى الأحزاب الثلاثة الداعمة له التي تمتلك 163 نائباً. وأكثر من ذلك، تفاهم مع لوبن حتى تعطي الحكومة الجديدة فرصة للعمل وأن تمتنع عن الدفع لإسقاطها وبذلك يكون قد وضعها «رهينة» بين يدي اليمين المتطرف.

ورغم الخلافات السياسية العميقة بين اليمين المتطرف واليسار المتشدد، فإن لوبن التي تعاني صعوبات مع القضاء، اختارت إرباك المشهد السياسي والإقدام على إبراز عضلاتها وإفهام مَن لم يفهم أنها من تصنع الحكومات وأنها من يطيح بها.

صورة أرشيفية للرئيس الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو الوحيد الذي سقطت حكومته في البرلمان في عام 1962 (أ.ف.ب)

مع سقوط بارنييه، تكون فرنسا قد عادت إلى المربع الأول، حيث لا أكثرية نيابية وحيث لا جهة قادرة على فرض مرشحها لرئاسة الحكومة. وفي حين كان ماكرون يراهن على إعادة تدشين كاتدرائية نوتردام بعد الانتهاء من ترميميها بعد الحريق الكبير الذي التهم الكثير من أجزائها، وذلك بجعلها حدثاً عالمياً سيحضره ما لا يقل عن 60 ملكاً ورئيس دولة وحكومة، أبرزهم دونالد ترمب، العائد قريباً إلى البيت الأبيض، لكن بغياب البابا الذي وجهت إليه الدعوة واعتذر عن تلبيتها، فإن الأزمة السياسية الراهنة ستلقي بظلها على الحدث. والمؤسف أن الانقسامات السياسية لن تتغير والوضع الذي ساد وأفضى إلى تكليف بارنييه ما زال حيث هو، وسيكون على ماكرون ان يناور ويفاوض ويستشير للمجيء بحكومة من غير أكثرية.

سيناريوهات للأسابيع المقبلة

إذا حصل ما هو متوقع وسُحبت الثقة من بارنييه، فعليه أن يقدّم استقالته سريعاً إلى رئيس الجمهورية الذي سيكلفه تسيير شؤون الدولة بانتظار تشكيل حكومة جديدة. وثمة سيناريوهان مستبعدان: الأول، استقالة ماكرون وقد رفض الإقدام عليها بشكل قاطع، والآخر اللجوء إلى المادة 16 من الدستور التي توفر له كلفة السلطات ولـ«فترة محدودة» في حالات عدة، منها إذا كان استقلال البلاد مهدداً أو المؤسسات معطلة أو وجود تهديد خارجي.

وأجمع خبراء القانون الدستوري على أن أياً من هذه الحالات غير متوافر اليوم، وبالتالي فإن هذا السيناريو «خيالي». ولا شك أن التجربة التي جرت مؤخراً في كوريا الجنوبية تشكل مثالاً يتعين عدم الاحتذاء به. كذلك، يتعين استبعاد حل مجلس النواب مجدداً لأن الدستور يمنع اللجوء إليه إلا بعد مرور عام كامل على حله مرة أولى، أي حتى يونيو المقبل.

أعضاء في البرلمان يتوسطهم رئيس الوزراء السابق (إ.ب.أ)

من هنا، يتعين على ماكرون أن يتعامل مع ما هو ممكن، ومنه المقترح الذي طرحه عضو مجلس الشيوخ يانيك جادو والقائل بإيكال رئاسة الحكومة لشخصية من اليسار تضم وزراء يساريين بالطبع، لكن أيضاً شخصيات مما يسمى تحالف الوسط واليمين التقليدي أو «الكتلة المركزية». لكن قيام حكومة «مؤقتة» تعمل على إقرار «التدابير الضرورية» لمسيرة الدولة يفترض فرط تحالف اليسار وتحديداً إبقاء «فرنسا الأبية» خارجاً وإقناع الحزب الاشتراكي والخضر بقبوله. والحال، أن تطوراً كهذا يعني أن الحزب الاشتراكي يخاطر بخسارة الكثير من مقاعده في الانتخابات القادمة واتهامه بـ«بيع التحالف مقابل مقاعد وزارية».

يبدو أن ماكرون في عالم آخر؛ إذ تفيد معلومات متداولة بأنه يفكر بتكليف وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو المقرب منه تشكيل الحكومة باعتبار أن أمراً كهذا يمكن أن يحظى بقبول مارين لوبن التي يقيم معها لوكورنو علاقات «طبيعية»؛ ما يعني ركوب مخاطر جديدة شبيهة بما عرفه بارنييه. أما المرشح الآخر فهو فرنسوا بايرو، رئيس حزب «الحركة الديمقراطية» والسياسي الوسطي المخضرم و«عرَّاب» ماكرون، وقد طرح اسمه المرة الماضية. ويقترب هذا الطرح مما يقترحه يانيك جادو مع اختلاف جوهري أن الأول يريد رئيساً من اليسار...

سيناريوهات عدّة والكلمة الفصل فيها تعود للرئيس ماكرون. فهل يبادر سريعاً أم سيتريث بانتظار أن تنضج «الطبخة الوزارية» على نار هادئة؟


مقالات ذات صلة

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

الاقتصاد ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

صادق البرلمان الفرنسي على تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، رغم الجدل الذي أثاره قربه من الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أعضاء البرلمان يرفعون أيديهم خلال جلسة مناقشة مشروع قانون الموازنة لعام 2026 في الجمعية الوطنية (أ.ف.ب)

المشرّعون الفرنسيون يرفضون الجزء المتعلق بالإيرادات من مشروع الموازنة

رفض مجلس النواب الفرنسي، يوم السبت، أجزاءً من مشروع قانون موازنة 2026، تاركاً الباب مفتوحاً أمام إمكانية توصل البرلمان لاتفاق.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ليكورنو يتفاعل خلال المناقشة قبل التصويت على اقتراحين لسحب الثقة من الحكومة (رويترز)

«ستاندرد آند بورز» تفاجئ فرنسا بخفض تصنيفها بسبب «الاضطراب السياسي»

خفّضت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني للديون السيادية الفرنسية، محذرة من حالة الاضطراب السياسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«قمة السبع» تلتئم في إيفيان على وقع قرارات ترمب

ماكرون مستقبلاً مودي بعد وصوله لعقد مباحثات ثنائية في جنوب فرنسا يوم 14 يونيو (أ.ب)
ماكرون مستقبلاً مودي بعد وصوله لعقد مباحثات ثنائية في جنوب فرنسا يوم 14 يونيو (أ.ب)
TT

«قمة السبع» تلتئم في إيفيان على وقع قرارات ترمب

ماكرون مستقبلاً مودي بعد وصوله لعقد مباحثات ثنائية في جنوب فرنسا يوم 14 يونيو (أ.ب)
ماكرون مستقبلاً مودي بعد وصوله لعقد مباحثات ثنائية في جنوب فرنسا يوم 14 يونيو (أ.ب)

تنطلق الاثنين ولثلاثة أيام، في منتجع إيفيان الفرنسي المطل على بحيرة جنيف - ليمان، والواقع شرق البلاد قرب الحدود السويسرية، قمة «مجموعة السبع» التي تضم بعض أكبر الاقتصادات في العالم، وسط تدابير أمنية استثنائية على جانبَي الحدود الفرنسية - السويسرية.

ونشر الجانب الفرنسي في منطقة هوت سافوا، حيث تقع مدينة إيفيان الشهيرة بمياهها المعدنية وفنادقها الفخمة، نحو 16 ألف عنصر من الشرطة والدرك والجنود ورجال الإطفاء وحرس الحدود، مزودين بزوارق ودراجات نارية وطائرات مسيّرة، إلى جانب وحدات الخيالة ووحدات الكلاب المدرّبة. ومن الجانب السويسري، أكدت السلطات نشر ما لا يقل عن 4 آلاف جندي، بما في ذلك توفير الحماية الجوية والأرضية وفي مياه البحيرة. ولأن جنيف تنتظر وصول الآلاف من المحتجين على انعقاد القمة وعلى سياسات «السبع» الليبرالية، فقد عبأت الحكومة الفيدرالية عدة آلاف من الجنود لدعم الشرطة في جنيف ومحيطها.

متظاهرون ضد قمة «السبع» في مدينة جنيف التي تتخوف سلطاتها من أعمال شغب (إ.ب.أ)

وعمدت باريس إلى إرسال المئات من أجهزتها الأمنية إلى مطار جنيف، حيث ستهبط طائرات المشاركين في قمة إيفيان. وباختصار، فإن همّ السلطات الفرنسية والسويسرية تجنب تكرار ما شهدته جنيف من مظاهرات وأعمال شغب بمناسبة «قمة الثمانية»، التي التأمت برئاسة فرنسية في صيف عام 2003، زمن رئاسة جاك شيراك.

دبلوماسية القصور

تحرص باريس، التي تترأس المجموعة للعام الحالي على توفير كافة عناصر نجاحها، خصوصاً أنها الأخيرة التي تحصل في إطار رئاسة إيمانويل ماكرون الذي سيغادر قصر الإليزيه مع انتهاء ولايته الثانية ربيع العام المقبل.

ويُعدّ ماكرون الأقدم من بين كافة قادة «السبع» الحاضرين في إيفيان. وسبق له، في عام 2019، أن استضاف قمة مشابهة في منتجع بياريتز - جنوب غرب فرنسا - المطل على المحيط الأطلسي. بيد أن أهم ما شغل الدبلوماسية الفرنسية، أكان على المستوى الرئاسي أم وزارة الخارجية، ضمان مشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من بداية القمة حتى نهايتها، وأن تحصل المداولات بسلاسة بحيث تتفادى ما حصل في قمة تورنتو العام الماضي؛ إذ عاد ترمب إلى واشنطن قبل نهاية القمة، ورفض توقيع بيانها الختامي.

واستبعدت باريس من جدول الأعمال الملفات الخلافية مثل البيئة والتصحر الحراري ورسوم ترمب. وأكثر من ذلك، حضّرت الرئاسة الفرنسية لترمب تكريماً استثنائياً عنوانه دعوة لعشاء احتفالي في قصر فرساي التاريخي، الواقع على مدخل باريس الغربي، عقب انتهاء أعمال القمة عصر الأربعاء المقبل، وذلك احتفالاً بالذكرى 250 لاستقلال الولايات المتحدة.

ومعروف أن فرنسا قدّمت في زمن الملك لويس السادس عشر، بدءاً من عام 1778، دعماً مالياً وعسكرياً للمتمردين الأميركيين ضد المستعمر الإنجليزي. وقاد القوة الفرنسية المركيز دو لافاييت، الذي لعب دوراً كبيراً في معركة حصار يورك تاون في عام 1781. وذكرت الرئاسة الفرنسية الجمعة أنه في عام 1781، وُقّعت في قصر فرساي المعاهدة التي كرّست استقلال الولايات المتحدة، ما يبرر دعوة ترمب إلى القصر الشهير. لكن الدعم المالي الكبير الذي قدمته باريس في تلك الفترة أفقر ميزانيتها العامة، وساهم في اندلاع الثورة الفرنسية التي أفضت بالملك، بعد عشرة أعوام، إلى المقصلة في ساحة الكونكورد.

ماكرون مستقبلاً مودي بعد وصوله لعقد مباحثات ثنائية في جنوب فرنسا يوم 14 يونيو (أ.ب)

لن تشذ قمة إيفيان عن غيرها من اللقاءات التي شارك فيها ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض، حيث سيكون الشخصية المركزية. ويلتقي الرئيس الأميركي والقادة الآخرون معاً للمرة الأولى منذ الحرب التي أطلقها الأول مع إسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. ولم يحظَ ترمب بدعم أي من القادة الستة الآخرين، بل لم تتردد أكثريتهم في التنديد بها، كما رفضوا الاستجابة لدعوات مساندة بلاده، خصوصاً في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي أدى إغلاقه إلى أزمة طاقة عالمية، وإلى اهتزاز أركان الاقتصاد العالمي. بيد أن اقتراب توقيع اتفاق إطار بين الولايات المتحدة وإيران سيخفف من الضغوط على الرئيس الأميركي، الذي كان حريصاً على تزامن التوقيع على الاتفاق (الإطار) مع استحقاقين: عيد ميلاده الثمانين وقمة «السبع».

مصير مضيق هرمز

سيشكّل مصير الحرب مع إيران وحرية الملاحة في مضيق هرمز أحد الملفات الرئيسية للقمة. وسيُطرح الملف مرتين: الأولى في اجتماع يضم القادة السبع مع قادة مصر وقطر والإمارات الذين حضروا إلى إيفيان بدعوة من الرئيس ماكرون. كذلك، سيُطرح الملف في الاجتماعات المنفردة التي سيعقدها ترمب مع القادة الثلاثة ومع رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي.

واستبقت المصادر الرئاسية الفرنسية القمة بتأكيد أن القادة في إيفيان سيسعون للتوصل إلى تفاهم بشأن «المطالب الأساسية التي يمكن أن نوجهها إلى إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي، وبرنامجها للصواريخ الباليستية، وسياستها الإقليمية». وبكلام آخر، ثمة رغبة، خصوصاً من الجانب الأوروبي، في العودة إلى الملف الإيراني، وعدم تركه للولايات المتحدة للتصرف فيه بشكل انفرادي.

جانب من مؤتمر صحافي مشترك لماكرون وستارمر في الإليزيه يوم 17 أبريل (رويترز)

وثمة تخوف أوروبي من أحادية التفرد الأميركي. بيد أن «الترويكا الأوروبية»، المُشكّلة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تمتلك ورقة مؤثرة عنوانها العقوبات الثنائية الأوروبية، والعقوبات الدولية التي يحتاج رفعها وتقليصها لموافقة «الترويكا» من جانب، والاتحاد الأوروبي من جانب آخر. وسيوفر الحضور العربي في إيفيان الفرصة للدفاع عن المصالح العربية والإقليمية، وتصور مستقبل العلاقات مع طهران في مرحلة ما بعد الحرب.

من جانب آخر، تريد فرنسا وبريطانيا اللتان أطلقتا مبادرة لإقامة «تحالف بحري» دفاعي ومستقل لضمان حرية الملاحة في المضيق، التباحث مع ترمب للنظر في كيفية السير بهذه الخطة، والتنسيق مع الجانب الأميركي الذي لا ينوي، أقله في الوقت الراهن، سحب أسطوله من المنطقة. ويدور التساؤل عن فائدة التحالف المذكور في حال عاد المضيق حراً آمناً بفضل التوافق الأميركي - الإيراني.

وتتفق كافة الأطراف على ضرورة حرية الإبحار في المضيق دون رسوم، في حين تخطط إيران لجعله مصدر دخل رئيسياً من خلال ما تسميه «بدل الخدمات». وأفاد مسؤول أميركي بأن ترمب يرغب في مناقشة مسألة إزالة الألغام من مضيق هرمز. وكانت بريطانيا وفرنسا أعربتا عن اهتمامهما بالمساعدة في إزالة الألغام من هذا الممر المائي الحيوي بمجرد توقف النزاع.

أوكرانيا مجدداً

رغب ماكرون في دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى القمة، التي ستخصص جلسة لمناقشة ملف الحرب مع روسيا.

وهمُّ الأوروبيين، كما تؤكد المصادر الرئاسية الفرنسية، اجتذاب الإدارة الأميركية للاهتمام مجدداً بهذا الملف، بعد أن أهملته إلى حد كبير في الأشهر الثلاثة الأخيرة بسبب الحرب مع إيران من جهة، ولتخليها من جهة أخرى عن توفير الدعم المالي والعسكري لكييف.

من لقاء بين ماكرون وزيلينسكي وستارمر وميرتس في لندن خلال ديسمبر 2025 (أ.ب)

ووفق المصادر نفسها، فإن الأوروبيين يرون أن الخطط الأميركية للسلام في أوكرانيا، التي كانت تلحظ تخلي كييف عن كامل منطقة الدونباس التي لا تسيطر عليها القوات الروسية كلية، لم تعد ذات معنى بسبب تغير الوضع الميداني، نسبياً، لصالح أوكرانيا.

ويستشعر الأوروبيون «ثقل» الملف الأوكراني الذي خصصوا له، مؤخراً، مبلغاً قدره 90 مليار يورو كقروض مالية ولتغطية النفقات العسكرية، بما فيها شراء أسلحة أميركية للجيش الأوكراني. لكن لا شيء يتيح توقع انخراط أميركي مستجد وفاعل في الملف المذكور. ولعلّ أحد المؤشرات أن البيت الأبيض أفاد بأنه لا اجتماع انفرادياً مخصصاً لترمب مع زيلينسكي على هامش القمة، لكن لا شيء يمنع تلاقيهما أثناء الاجتماع المخصص لأوكرانيا.

حروب إسرائيل

رغم أهمية الملفين المذكورين، فإن باريس عازمة على طرح ملف الحرب الإسرائيلية على غزة، وملف الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، على طاولة المباحثات؛ نظراً لقوة التأثير الأميركي بصددهما.

والحال أن خطة ترمب للسلام في غزة لم ينفذ منها سوى النزر القليل. وتأمل باريس الاستفادة من قمة إيفيان، التي ستُنقل إليها توصيات منظمات المجتمع المدني الفلسطيني - الإسرائيلي الصادرة عن اجتماعات موسعة استضافتها باريس يوم الجمعة الماضي، لإعادة تعويم خطة «حل الدولتين» و«إعلان نيويورك» الذي تبنته 142 دولة في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة.

متظاهرون يرتدون أقنعة كاريكاتيرية تمثل رؤساء دول «مجموعة السبع» الذين سيجتمعون في مدينة إيفيان بدءاً من الاثنين (أ.ف.ب)

أما اتفاق وقف النار في لبنان، المبرم يوم 16 أبريل (نيسان)، فهو نظري إلى حدّ بعيد. وثمة جدل حول ما يتضمنه الإطار الأميركي - الإيراني حول لبنان. أما المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن في مقر وزارة خارجيتها، فقد أفضت إلى خطة هشة رفضها «حزب الله»، في حين أن إسرائيل عازمة على توسيع عملياتها العسكرية في جنوب لبنان امتداداً إلى سهل البقاع. ومن غير قرار أميركي حاسم، فإن الأزمة مرشحة للبقاء على حالها لأمد غير معلوم.

يبقى أن المهمة الأولى لقادة «السبع» هي معالجة المسائل الاقتصادية والمالية الأساسية. وسعت باريس لضم قادة من «مجموعة العشرين» لغرض توفير أفضل توافق بشأنها، من خلال دعوة خمس دول تنتمي إلى «نادي العشرين»، وهي الهند والبرازيل وكوريا الجنوبية ومصر وكينيا، والدولتان الأخيرتان تمثلان الاتحاد الأفريقي داخل «مجموعة العشرين». وقال الإليزيه إن قرابة 16 بياناً ستصدر عن القمة، وستتناول مروحة واسعة من المسائل الاقتصادية الكبرى مثل إطلاق عجلة النمو الاقتصادي، والحوكمة العالمية، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، وصولاً إلى المسائل الاجتماعية مثل تعزيز التصدي لأمراض السرطان.


«الجنرال فاناتشي» يهدد آمال ميلوني في الانتخابات الإيطالية

الجنرال الإيطالي روبرتو فاناتشي (رويترز)
الجنرال الإيطالي روبرتو فاناتشي (رويترز)
TT

«الجنرال فاناتشي» يهدد آمال ميلوني في الانتخابات الإيطالية

الجنرال الإيطالي روبرتو فاناتشي (رويترز)
الجنرال الإيطالي روبرتو فاناتشي (رويترز)

أطلق الجنرال الإيطالي روبرتو فاناتشي حزبه اليميني المتطرف الجديد، الأحد، في تحدٍ مباشر قد يهدد سيطرة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني على السلطة، وسط مساعيه لدفع إيطاليا نحو مسار أكثر تشدداً وقومية قبل الانتخابات المقررة، العام المقبل.

ووصفه أحد مسؤولي الحزب بأنه يوليوس قيصر العصر الحديث. وعندما صعد ضابط المظلات السابق البالغ من العمر 57 عاماً إلى منصة المؤتمر التأسيسي لحزب «المستقبل الوطني» استقبله الحضور بترديد هتاف «جنرال، جنرال، جنرال».

وقال فاناتشي: «نحن نمثل المنبوذين والطبقة الدنيا، ونفخر بذلك». ويسعى إلى التفوق على التحالف المحافظ لميلوني، والفوز بأصوات اليمين، بعد 4 أشهر من استقالته من حزب «الرابطة» بزعامة ماتيو سالفيني نائب رئيسة الوزراء.

وتحظى حركة فاناتشي الشعبوية بالفعل بنسبة تأييد تقارب خمسة في المائة في استطلاعات الرأي؛ ما يجعلها تقترب من منافسة حزب «الرابطة»، وإحباط آمال ميلوني في الاحتفاظ بالسلطة في انتخابات العام المقبل، ما لم تبرم اتفاقاً انتخابياً معه، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)

ومع ذلك، فإن مثل هذا التحالف ينطوي على مخاطر كبيرة لميلوني، وقد يؤدي إلى نفور المؤيدين المعتدلين الرافضين لبرنامج فاناتشي المناهض للاتحاد الأوروبي والمؤيد لروسيا ولعلاقاته الوثيقة بأحزاب اليمين المتطرف الأوروبية مثل حزب «البديل من أجل ألمانيا».

ويصور فاناتشي نفسه بأنه الصوت الأكثر تشدداً حيال الهجرة في إيطاليا، وقال اليوم إنه سيخفض عدد الأجانب المقيمين في إيطاليا إلى نحو 4 في المائة من إجمالي السكان، من نسبة تقدر بما يصل إلى 12 في المائة حالياً.

وقال وسط هتافات المؤيدين: «ليس لدينا برنامج للهجرة، بل لدينا برنامج للترحيل».

وعلى الرغم من أن إيطاليا لديها أحد أدنى معدلات القتل والجرائم العنيفة في العالم، قال فاناتشي إن أولويته الأولى ستكون الأمن والدفاع، وتعهد بعدم التهاون مطلقاً مع المجرمين، ووعد ببناء المزيد من السجون.

واتهم فاناتشي ميلوني بالتراجع عن كثير من وعودها الانتخابية، وأكد في الوقت نفسه أن برنامجه مستدام، ولن يتغير.


الحاملة الفرنسية «شارل ديغول» ستبقى في الشرق الأوسط «حتى إشعار آخر»

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أرشيفية - رويترز)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أرشيفية - رويترز)
TT

الحاملة الفرنسية «شارل ديغول» ستبقى في الشرق الأوسط «حتى إشعار آخر»

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أرشيفية - رويترز)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أرشيفية - رويترز)

أكد الجيش الفرنسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الأحد، أن حاملة الطائرات «شارل ديغول»، المتمركزة في الشرق الأوسط منذ منتصف مايو (أيار)، «ستبقى في المنطقة حتى إشعار آخر»، فيما تقول أميركا إنها قريبة من التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران.

وأشارت تقارير صحافية، السبت، إلى أن حاملة الطائرات ستغادر في الأيام المقبلة إلى تولون في جنوب فرنسا لإجراء عمليات صيانة تبدأ في يوليو (تموز). لكن المتحدث باسم هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، غيوم فيرنيه، قال: «ستبقى حاملة الطائرات شارل ديغول في المنطقة حتى إشعار آخر، ولم يتم اتخاذ أي قرار بشأن عودتها في هذا الوقت».

وأضاف: «يتم أخذ الاعتبارات التقنية في الحسبان، لكنها ليست العناصر الوحيدة في التخطيط التشغيلي»، مشيراً إلى أن «فرنسا لا تزال ملتزمة خصوصاً بالحفاظ على حرية الملاحة».

ووصلت حاملة الطائرات في منتصف مايو إلى منطقة الخليج، حيث وضعت في جاهزية لمهمة «محايدة» محتملة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، كما أشارت حينذاك وزيرة الدولة لشؤون القوات المسلحة أليس روفو.

وتقترح فرنسا وبريطانيا اللتان تقودان تحالفاً بحرياً يضم نحو أربعين دولة غير مشاركة في الحرب، مهمة متعددة الجنسيات لتأمين مضيق هرمز عندما توافق إيران والولايات المتحدة على رفع حصاريهما، وبالتشاور معهما.

وتغلق إيران عملياً المضيق منذ شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً ضدّها في نهاية فبراير (شباط)، فيما تفرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية رداً على إغلاق إيران للمضيق.

وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيتم توقيع اتفاق مع إيران، الأحد، لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، يشمل إعادة فتح مضيق هرمز على الفور.

من جانبها، دعت إيران الولايات المتحدة إلى الوفاء بالتزاماتها بعدما قصفت إسرائيل ضاحية بيروت الجنوبية، محذرة من أن ذلك قد يقوض الاتفاق المحتمل.

عاجل مونديال 2026: ألمانيا تسحق كوراساو بسباعية