مئات القتلى في شمال سوريا... والجيش يعلن تحرير بلدات في حماة

دعم روسي - إيراني «غير مشروط» للأسد... و«حزب الله» لن يشارك في الدعم

TT

مئات القتلى في شمال سوريا... والجيش يعلن تحرير بلدات في حماة

حرائق بعد غارات استهدفت مدينة إدلب بشمال سوريا (أ.ف.ب)
حرائق بعد غارات استهدفت مدينة إدلب بشمال سوريا (أ.ف.ب)

قال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إن حصيلة قتلى المعارك والقصف في شمال سوريا منذ بدأت الفصائل المسلحة هجوماً مباغتاً في 27 نوفمبر (تشرين الثاني)، بلغت 514 شخصاً، بينهم 92 مدنياً.

وأشار «المرصد» إلى سقوط 268 قتيلاً في صفوف الفصائل المسلحة، و154 قتيلاً من قوات الجيش، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

بدوره، قال الجيش السوري، مساء اليوم (الاثنين)، إنه نجح في صد هجوم للفصائل المسلحة بمحافظة حماة واستعاد السيطرة على عدد من البلدات والقرى.

وقال الجيش في بيان نشرته وكالة الأنباء السورية، إنه حرر كامل البلدات والقرى الواقعة على طريق محردة السقيلبية من سيطرة التنظيمات المسلحة، وهي كرناز وتل ملح والجلمة والجبين وحيالين والشيح حديد.

«الفصائل» تزعم التقدم

وفي وقت سابق اليوم، قال القيادي في الفصائل السورية المسلحة، حسن عبد الغني، إن مقاتلي الفصائل يتقدّمون على أكثر من محور في ريف حماة، وإنهم سيطروا على 7 مناطق هناك، في الوقت الذي تستمر فيه الغارات على مواقع «الفصائل» في ريفي حلب وإدلب.

وقال «تلفزيون سوريا» التابع للفصائل المسلحة، إن قذائف صاروخية سقطت على حي البعث بمدينة حماة؛ مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى. ولم يُعرف على الفور عدد ضحايا القصف.

وقالت القوات المسلحة السورية إنها قتلت أكثر من 400 مسلح بريفي حلب وحماة في آخر 24 ساعة، وذلك في عمليات مشتركة مع القوات الروسية.

وشنّت فصائل مسلحة في شمال غربي سوريا، بقيادة «هيئة تحرير الشام»، هجوماً عسكرياً على مدينتي حلب ومعرة النعمان، وتواصل التقدم باتجاه مدينة حماة. وتؤمّن الفصائل الموالية لتركيا مواقعها في تلك المنطقة وشنّت عملية عسكرية ضد تنظيمات مسلحة كردية والقوات الحكومية.

دعم «غير مشروط»

وأكد الكرملين، الاثنين، أن روسيا «تواصل دعم» الرئيس السوري بشار الأسد، بغرض «استقرار الأوضاع»، عقب هجوم واسع شنّته الفصائل المسلحة أتاح لها السيطرة على مناطق واسعة في الشمال، أبرزها مدينة حلب.

وتعهّد الرئيسان؛ الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان، الاثنين، بتقديم «دعم غير مشروط» للأسد في ظلّ الهجوم المباغت الذي تشنّه الفصائل المسلحة، حسبما أفاد الكرملين.

وأعرب بوتين وبزشكيان في اتصال هاتفي، عن «دعم غير مشروط لإجراءات السلطات الشرعية في سوريا لاستعادة الانتظام الدستوري والسيادة الإقليمية». وأفاد بيان الكرملين بأنّهما «أكدا أيضاً أهمية تنسيق الجهود... بمشاركة تركيا» الموجودة عسكرياً في شمال سوريا، وتقدم دعماً لبعض الفصائل المسلحة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، للصحافيين: «نواصل بالطبع دعم بشار الأسد»، مشيراً إلى أن موسكو ستبني موقفها استناداً «إلى ما هو ضروري من أجل استقرار الأوضاع». وقال الكرملين، يوم الجمعة، إنه يريد أن تستعيد الحكومة السورية النظام الدستوري في أقرب وقت ممكن. وعدّ هجوم قوات الفصائل المسلحة انتهاكاً لسيادة سوريا.

«حزب الله» يتوارى

وقال مدونون عسكريون روس، الأحد، إن موسكو أقالت الجنرال المسؤول عن القوات الروسية في سوريا، سيرغي كيسيل، ليحل محله الكولونيل جنرال ألكسندر تشايكو. ولم تؤكد وزارة الدفاع الروسية رسمياً هذا التغيير، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز».

وذكرت 3 مصادر مطلعة على تفكير «حزب الله» اللبناني، الاثنين، أن الجماعة لا تنوي حالياً إرسال مقاتلين إلى شمال سوريا لدعم الجيش السوري هناك.

وقالت المصادر لوكالة «رويترز»، إن «حزب الله» لم يُطلب منه ذلك بعد، وإن الجماعة «ليست مستعدة لإرسال قوات إلى سوريا في هذه المرحلة»، بعد أن أنهى وقف إطلاق النار عاماً من الأعمال القتالية مع إسرائيل، بما في ذلك اشتباكات برية مكثفة في جنوب لبنان.

صورة دمار من موقع غارة بإدلب بسوريا نُشرت في 2 ديسمبر 2024 (رويترز)

قصف سوري - روسي على حلب وإدلب

في سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع السورية، الاثنين، مقتل عشرات المسلحين في قصف سوري - روسي على تجمعاتهم بأرياف حلب وإدلب.

كما ذكر بيان صادر عن رئاسة مجلس الوزراء في سوريا، أن سلاحَي الجو، السوري والروسي، قصفا مواقع تسيطر عليها الفصائل السورية المسلحة في ريف حلب الشرقي؛ مما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات من قواتها.

وجاء في البيان أن «الطيران الحربي السوري - الروسي المشترك يوجّه ضربات متتالية على تجمعات الإرهابيين ومحاور تحركهم على أطراف بلدة السفيرة في ريف حلب الشرقي، مُوقعاً عشرات القتلى والجرحى في صفوفهم، بالإضافة إلى تدمير عدة عربات وآليات كانت بحوزتهم».

وفي غضون ذلك، قُتل 11 مدنياً، على الأقل، بينهم 5 أطفال، الاثنين، جراء الغارات التي نفّذها سلاحا الطيران الروسي والسوري على محافظة إدلب شمال غربي سوريا، وفق ما أحصى «المرصد السوري لحقوق الإنسان».

وأفاد المرصد بوقوع «غارات مشتركة نفّذها سلاحا الطيران الروسي والسوري استهدفت مناطق عدة، بينها مدينة إدلب ومخيم للنازحين شمالها»، مما أسفر عن مقتل «11 مدنياً؛ بينهم 5 أطفال وسيدتان، وإصابة العشرات بجروح».

وشنّت «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة» سابقاً قبل فك ارتباطها مع تنظيم «القاعدة») مع فصائل مسلحة أقل نفوذاً، الأربعاء، هجوماً غير مسبوق، ويُعدّ الأعنف منذ سنوات في محافظة حلب؛ وقد تمكّنت من التقدم بموازاة سيطرتها على عشرات البلدات والقرى في محافظتَي إدلب (شمال غرب)، وحماة (وسط) المجاورتين.

وأصبحت حلب (ثانية كبرى مدن سوريا) لأول مرة منذ اندلاع النزاع خارج سيطرة الحكومة السورية، مع سيطرة الفصائل المسلحة على كل أحياء المدينة؛ حيث كانت تنتشر قوات الجيش، وفق ما أفاد به «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، الأحد.


مقالات ذات صلة

الجيش السوري: إحباط هجوم بمسيّرات انطلقت من العراق على قاعدة التنف

المشرق العربي قاعدة التنف في جنوب شرقي سوريا (أرشيفية - أ.ب)

الجيش السوري: إحباط هجوم بمسيّرات انطلقت من العراق على قاعدة التنف

تمكّنت وحدات الجيش العربي السوري من التصدي لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف قاعدة التنف العسكرية جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوات من الجيش السوري تغلق أحد الشوارع في بلدة الصنمين في درعا خلال حملة عسكرية واسعة النطاق لحفظ الأمن الأربعاء والخميس (أ.ف.ب)

«رجل روسيا في درعا» و«مهندس التسويات» يسلِّم نفسه للدولة خوفاً على حياته

سلَّم القيادي السابق في الجنوب السوري، أحمد العودة «رجل التسويات» نفسه إلى السلطات السورية وظهر في شريط مصور، الأحد،

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي مقاتلون من «قسد» يرحبون بقافلة تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى القامشلي في شمال شرقي سوريا (أ.ب)

دمشق تتحرك لتنفيذ اتفاقها مع «قسد» وسط دعم إقليمي ودولي

تواصل دمشق خطواتها لتنفيذ اتفاق مع «قسد»، تشمل دمجاً تدريجياً لعناصرها وانتشاراً في شمال شرقي سوريا واستعادة منشآت حيوية، وسط دعم إقليمي ودولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)
المشرق العربي عناصر من القوات السورية يحرسون منطقة قرب سجن الأقطان على مشارف مدينة الرقة شمال شرق سوريا (ا.ف.ب)

«قسد» تنسحب من سجن الأقطان باتجاه عين العرب شرق حلب

أعلن الجيش السوري، بدء انسحاب مقاتلي «قسد» من سجن الأقطان في ريف الرقة باتجاه عين العرب (كوباني).

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق يوم 10 مارس الماضي (إ.ب.أ) p-circle

قائد «قسد»: قبلنا الاتفاق مع دمشق لوقف حرب «فرضت» علينا

أعلن قائد قوات سوريا الديموقراطية «قسد» مظلوم عبدي، الأحد، أنه قبل بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، لوقف حرب «فرضت» على الأكراد.

«الشرق الأوسط» (القامشلي)

عدد القتلى بنيران إسرائيل في غزة منذ وقف إطلاق النار يتخطى الألف

صورة التُقطت أمس لأنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل في مدينة غزة (رويترز)
صورة التُقطت أمس لأنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل في مدينة غزة (رويترز)
TT

عدد القتلى بنيران إسرائيل في غزة منذ وقف إطلاق النار يتخطى الألف

صورة التُقطت أمس لأنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل في مدينة غزة (رويترز)
صورة التُقطت أمس لأنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل في مدينة غزة (رويترز)

قالت وزارة الصحة في غزة، اليوم الخميس، إن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا بنيران إسرائيلية في القطاع تجاوز الألف منذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إذ أفادت تقارير بسقوط ما لا يقل عن ثلاثة قتلى جراء أحدث الضربات.

وقال مسعفون إن إسرائيل قصفت سيارة على طريق عمر المختار الرئيسي في مدينة غزة، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، في الوقت الذي تستمر فيه أعمال العنف على الرغم من الجهود الجديدة التي يبذلها الوسطاء للتوصل إلى هدنة. ولم يعلق الجيش الإسرائيلي بعد على الواقعة. وقالت وزارة الصحة إن عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ التوصل إلى الهدنة التي توسط فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكتوبر 2025 بلغ 1008 حالات وفاة، بما في ذلك الواقعة الأحدث.

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرها القصف الإسرائيلي خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (رويترز)

وتقول إسرائيل إن أربعة من جنودها قتلوا على أيدي مسلحين خلال تلك الفترة.

وتقول أيضاً إن غاراتها تهدف إلى إحباط هجمات وشيكة من حركة «حماس» ومسلحين آخرين. ونادراً ما تكشف «حماس» عن معلومات بشأن مقتل مقاتليها.

ولا تزال إسرائيل و«حماس» في مأزق بشأن كيفية المضي قدماً نحو المرحلة التالية من خطة ترمب لغزة التي تتضمن نزع سلاح «حماس» وانسحاب القوات الإسرائيلية.

وأفاد مصدران مقربان من المحادثات بأن نيكولاي ملادينوف، مبعوث «مجلس السلام»، الذي شكله ترمب بشأن غزة، أجرى محادثات هذا الأسبوع في القاهرة مع وسطاء من مصر وقطر وتركيا بعد أن قدمت «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى ردها على ما أطلق عليها خريطة الطريق التي طرحها. وأبلغ المصدران «رويترز» أن ملادينوف سلم «حماس» والفصائل أمس الأربعاء نسخة منقحة من خريطة الطريق تعالج بعض مخاوف الفصائل مع الحفاظ على «الخطوط الحمراء الأساسية» لخطة ترمب. ولم يذكر المصدران مزيداً من التفاصيل.

وأكد مسؤول في «حماس» لـ«رويترز» أن الوثيقة قيد الدراسة.

ولا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أكثر من 60 في المائة من أراضي غزة، إذ أمرت السكان بالخروج ودمرت المباني المتبقية.

ويعيش الآن ما يقرب من جميع السكان البالغ عددهم مليوني نسمة، ومعظمهم نزحوا عدة مرات، في شريط ضيق من الأرض على الساحل، غالباً في خيام مؤقتة أو مبانٍ متضررة، تحت إدارة «حماس».


تصعيد ميداني في لبنان رغم التفاهمات... وإسرائيل تكرّس «منطقة أمنية» بانتظار مفاوضات واشنطن

خريطة مشرها الجيش الإسرائيلي لما يسميها «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (رويترز)
خريطة مشرها الجيش الإسرائيلي لما يسميها «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (رويترز)
TT

تصعيد ميداني في لبنان رغم التفاهمات... وإسرائيل تكرّس «منطقة أمنية» بانتظار مفاوضات واشنطن

خريطة مشرها الجيش الإسرائيلي لما يسميها «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (رويترز)
خريطة مشرها الجيش الإسرائيلي لما يسميها «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (رويترز)

أثارت الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي لمناطق انتشار قواته في جنوب لبنان تساؤلات حول مفاعيل الاتفاق الأميركي - الإيراني، في ظل استمرار العمليات العسكرية وبقاء ملفي الانسحاب وإعادة الانتشار رهناً بالمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة في واشنطن. وبينما تتحدث إسرائيل عن «منطقة أمنية» داخل الأراضي اللبنانية، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي انتشار قواته «بناءً على الحاجة العملياتية داخل منطقة تمتد نحو 10 كيلومترات داخل لبنان، بهدف إزالة ما وصفه بالتهديدات، وتحسين الدفاع عن سكان الشمال».

ميدانياً، سقط قتيلان وجريح في غارة بمسيّرة إسرائيلية استهدفت سيارة عند دوار كفرتبنيت، فيما أغار الطيران المسيّر على حداثا من دون إصابات، وألقت مسيّرة قنبلة على بيت ياحون ما أدى إلى إصابة شخصين. وألقت طائرة «درون» إسرائيلية قنبلة صوتية على عائلة داخل منزل في النبطية الفوقا قرب دار المعلمين. كما شمل القصف المدفعي أطراف النبطية الفوقا، ونفّذ الجيش الإسرائيلي أعمال تجريف في الخيام.

وفيما دخل الجيش اللبناني وعناصر من جمعية الرسالة للإسعاف الصحي إلى حداثا، أطلق الجيش الإسرائيلي النار باتجاه المواطنين وعناصر الجيش اللبناني في البلدة، في حين بقيت قرى القطاع الشرقي وقرى قضاء مرجعيون هادئة نسبياً مقارنة ببقية المناطق الجنوبية.

جندي إسرائيلي يجلس في ظل شجرة إلى جانب دبابة قرب الحدود مع لبنان (أ.ب)

وقال مصدر ميداني في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن «الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي تعكس عملياً محاولة لتثبيت واقع ميداني جديد بعد التفاهم الأميركي - الإيراني، عبر عدّ مساحات واسعة من جنوب لبنان مناطق خاضعة للسيطرة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية».

وأوضح المصدر أن الحدود التي تظهرها الخريطة تتجاوز في بعض النقاط ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، وتشمل مناطق لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من تثبيت وجود دائم فيها خلال الحرب، مثل «تلة علي الطاهر، والأطراف الشرقية الجنوبية لبلدة حداثا»، مشيراً إلى أن الجيش اللبناني ينتشر داخل حداثا نفسها مع استمرار محاولات القوات الإسرائيلية التقدم نحو المرتفعات المحيطة بها.

ورأى أن «إدراج هذه المناطق ضمن الخريطة الإسرائيلية أسهم في تعزيز مخاوف السكان، وأبطأ عودة الأهالي إلى منطقة النبطية ومحيطها»، موضحاً «أن الأمر لا يقتصر على مدينة النبطية، بل يشمل بلدات الدوير وجبشيت وحاروف وزبدين وميفدون وشوكين وكفرتبنيت والنبطية الفوقا». وأضاف أن هذه المناطق لا تزال تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، فيما يتواصل القصف المدفعي بشكل شبه يومي، ما يدفع أعداداً كبيرة من السكان إلى التريث في العودة.

وأشار المصدر إلى أن «الحدود التي ترسمها إسرائيل اليوم تشبه إلى حد بعيد الحدود التي كانت قائمة قبل انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، وتمتد من القطاع الغربي مروراً بالقطاع الأوسط وصولاً إلى أجزاء واسعة من القطاع الشرقي باتجاه الخيام». وأضاف أن إسرائيل لم تضم إلى خريطتها الحالية بعض المناطق التي كانت تحتلها سابقاً حتى مشارف جزين، لكنها عملياً عدّت كامل القطاعين الغربي والأوسط، إضافة إلى المرتفعات الممتدة شرق النبطية وصولاً إلى محور مرجعيون - الخيام، ضمن نطاق سيطرتها الأمنية.

وعدّ المصدر أن أبرز ما أفرزته المرحلة التي تلت التفاهم الأميركي - الإيراني هو سعي إسرائيل إلى رسم «حدود احتلال» بوصف ذلك كأنه أمر واقع على الأرض، من خلال تكريس هذه المناطق بوصفها حزاماً أمنياً فعلياً من دون إعلان رسمي.

وختم المصدر بالإشارة إلى أن الخط الفاصل الذي تسعى إسرائيل إلى تكريسه يمتد في القطاع الأوسط عبر محاور بنت جبيل ووادي السلوقي وصولاً إلى بلدات حداثا وبرعشيت وبيت ياحون، موضحاً أن القوات الإسرائيلية لا تنتشر فعلياً داخل هذه البلدات، لكنها تتعامل معها بوصفها جزءاً من نطاق أمني متقدم وخط تماس جديد في جنوب لبنان.

أحد سكان مدينة صور الجنوبية يرمي أنقاضاً من شقة متضررة داخل مبنى تعرض لغارات إسرائيلية (أ.ب)

لا مؤشرات إلى انسحابات إسرائيلية

بدوره، أكد العميد الركن المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاق الأميركي - الإيراني لم يُترجم حتى الآن بأي تغييرات ميدانية ملموسة في جنوب لبنان، مشيراً إلى أن الوقائع على الأرض ما زالت تعكس استمرار التموضع الإسرائيلي في المناطق التي يسيطر عليها، فيما تبقى الملفات المرتبطة بالانسحاب وترتيبات ما بعد الحرب قيد البحث في المفاوضات الجارية في واشنطن.

وقال ياسين إن الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي أخيراً توحي بأن إسرائيل تتعامل مع المناطق التي أدرجتها ضمنها بوصفها مناطق خاضعة لسيطرتها العسكرية، «وكأنها تقول إن هذه المناطق موجودة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولا يجب الاقتراب منها، وإنها ستتعامل مع أي تحرك فيها بوصفه تهديداً أمنياً».

وأوضح أن من أبرز هذه المناطق تلة علي الطاهر، لافتاً إلى أن كثيرين يختزلونها بتلة أو مرتفع صغير، «في حين أن علي الطاهر عبارة عن سلسلة جبلية تمتد لمسافة تتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات من محيط كفرتبنيت وصولاً إلى اتجاه كفررمان، وبالتالي فإن ضم أجزاء واسعة منها إلى ما تعده إسرائيل منطقة خاضعة لسيطرتها يحمل دلالات ميدانية مهمة».

وأضاف أن « الاحتلال الإسرائيلي يثبت حالياً المواقع التي يتمركز فيها، فيما لا تزال محاولات التقدم باتجاه علي الطاهر مستمرة، كما أن القصف المدفعي والصاروخي في منطقة النبطية استمر خلال الفترة الماضية»، مشدداً على أنه «لا توجد حتى الآن أي مؤشرات فعلية على انسحابات إسرائيلية كما يعتقد البعض».

وأوضح أن الملفات المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي أو إعادة الانتشار أو انتشار الجيش اللبناني «لا تُحسم ميدانياً، بل تُبحث ضمن الاجتماعات والمفاوضات اللبنانية الجارية في واشنطن»، مضيفاً أن «أي حديث عن انسحاب أو ترتيبات جديدة يبقى سابقاً لأوانه في هذه المرحلة».

قلعة الشقيف (بوفور) في جنوب لبنان كما تُرى من شمال إسرائيل (أ.ب)

لا انسحاب

وفي موازاة ذلك، أفادت «القناة 14 » الإسرائيلية بأن «مستقبل الانتشار الإسرائيلي في جنوب لبنان سيُبحث خلال المفاوضات مع الجانب اللبناني في واشنطن»، في وقت نقلت «هيئة البث الإسرائيلية» أن ملف الانسحاب من المواقع التي لا تزال القوات الإسرائيلية تتمركز فيها داخل لبنان سيكون مطروحاً خلال الجولة المقبلة من المفاوضات. أما صحيفة «يديعوت أحرونوت» فكشفت أن «الجيش الإسرائيلي طالب بالاحتفاظ بمنطقة عازلة داخل جنوب لبنان، مع الإصرار على تفكيك السلاح في الجنوب».


لبنان يوقف مشتبهاً باستيراد أجهزة لتصنيع مسيّرات «حزب الله»

جنديان إسرائيليان يحاولان الاحتماء من طائرة مسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
جنديان إسرائيليان يحاولان الاحتماء من طائرة مسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يوقف مشتبهاً باستيراد أجهزة لتصنيع مسيّرات «حزب الله»

جنديان إسرائيليان يحاولان الاحتماء من طائرة مسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
جنديان إسرائيليان يحاولان الاحتماء من طائرة مسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

نفّذت السلطات اللبنانية مضمون استنابة قضائية فرنسية، تطلب توقيف شخص لبناني، يُشتبه باستيراد معدات كهربائية من فرنسا لصالح «حزب الله»، ويستخدمها الحزب للأعمال العسكرية، خصوصاً تصنيع المسيّرات.

وأوقفت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، المواطن اللبناني ربيع ط، وباشرت التحقيق معه بناءً على إشارة من النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج وبإشرافه شخصياً.

وكشف مصدر قضائي بارز لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء اللبناني أوقف المشتبه به «بعد ورود استنابة من القضاء الفرنسي تطلب اعتقاله وتسليمه إلى السلطات الفرنسية، للتحقيق معه في إطار ملف شبكة جرى تفكيكها في فرنسا، ويُشتبه في قيامها بتصدير معدات وأجهزة لصالح (حزب الله)».

وأكد المصدر -الذي رفض ذكر اسمه- أن الموقوف «خضع لتحقيق أولي أمام شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي بإشراف مباشر من النائب العام التمييزي، ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم؛ حيث أقرّ بأنه استورد 3 شحنات تضم أجهزة ومعدات كهربائية، سلّمها لاحقاً إلى شخص قال إنه يعرفه من خلال لقبه فقط، ويرجّح أنه ينتمي إلى (حزب الله)، من دون علمه أن هذه الأجهزة تستخدم في الصناعات العسكرية».

حاجز عسكري إسرائيلي في منطقة رأس الناقورة بعد هجوم بمسيّرة (رويترز)

ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الرقابة الدولية على مسارات تمويل «حزب الله» وقدراته التقنية والعسكرية، لا سيما تلك المرتبطة بتطوير الطائرات المسيّرة، ووفق المصدر نفسه أقرّ الموقوف بأنه «استورد هذه المعدات عبر الشحن البحري، وضمن شحنات الأدوات والمعدات الكهربائية الخاصة بشركته»، مشيراً إلى أنه يملك مؤسسة تعمل في هذا القطاع، وأن عملية الاستيراد تمت ضمن نشاطه التجاري المعتاد»، كما نفى معرفته بطبيعة الاستخدام النهائي لهذه المعدات أو الغاية التي استُوردت من أجلها.

وتكتسب هذه الاعترافات أهمية خاصة في ضوء الشبهات التي تتحدث عن استخدام الأجهزة المستوردة في تصنيع المحركات أو المكوّنات التقنية الخاصة بالطائرات المسيّرة التي يملكها «حزب الله»، وهو ما يُشكل محور التحقيقات الجارية في كل من لبنان وفرنسا.

وفي موازاة التحقيقات الأمنية والقضائية، أبلغت السلطات اللبنانية الجانب الفرنسي رسمياً بتوقيف المطلوب من قبلها. وقال المصدر إن النيابة العامة التمييزية «طلبت من الجانب الفرنسي نسخة كاملة من التحقيقات والوثائق المتوافرة لدى القضاء الفرنسي، بهدف استكمال التحقيقات المحلية وتحديد مدى صحة المعطيات التي استندت إليها الاستنابة القضائية»، مشيراً إلى أن شعبة المعلومات «أنهت في الساعات الماضية التحقيقات الأولية، وأحالت الملفّ إلى النيابة العامة العسكرية؛ حيث ادعى مفوض الحكومة القاضي كلود غانم على الموقوف، وأحاله إلى قاضي التحقيق العسكري، كما سطّر بلاغ بحث وتحرٍّ لكشف هوية الشخص الآخر وتوقيفه».

إسرائيليون يشيعون بالقدس جندياً قتل بمسيّرة في جنوب لبنان (أ.ب)

ورغم أن القضاء العسكري وضع يده على الملفّ، وشرع في إجراءات المحاكمة، فإن هذا الملف لا يزال في بداياته، وفق تقدير مصدر قضائي، الذي يرى أن «أهمية هذا التحقيق تبقى رهناً بالمعلومات والأدلة التي ستوفّرها السلطات الفرنسية، سواء من حيث طبيعة المعدات المستوردة أو وجهة استخدامها الفعلية، فضلاً عن تحديد هوية أفراد هذه الشبكة، سواء في فرنسا أو في لبنان»، مشدداً على أنه «لا بد من الاستفادة من التحقيقات الفرنسية، للتثبّت مما إذا كان الأمر يقتصر على عمليات استيراد تجارية استُخدمت لاحقاً لأغراض غير معلومة للمستورد، أم أنها جزء من شبكة أوسع مرتبطة بتأمين مكونات تقنية تدخل في برامج تطوير القدرات العسكرية لـ(حزب الله)، وهو ما من شأنه أن يمنح هذا الملف أبعاداً أمنية تتجاوز حدود لبنان».