موسيقى تحت النار تصدح في «مترو المدينة» لإعلان الحياة

هشام جابر لـ«الشرق الأوسط»: الفنون لطَّفت دموية تاريخ البشرية

مقابل الصدمة والاهتزاز واليأس... موسيقى ونغمات وأمل (مترو المدينة)
مقابل الصدمة والاهتزاز واليأس... موسيقى ونغمات وأمل (مترو المدينة)
TT

موسيقى تحت النار تصدح في «مترو المدينة» لإعلان الحياة

مقابل الصدمة والاهتزاز واليأس... موسيقى ونغمات وأمل (مترو المدينة)
مقابل الصدمة والاهتزاز واليأس... موسيقى ونغمات وأمل (مترو المدينة)

وسط الأجواء المثقلة بالهموم والخوف أعادت رسالة هاتفية بعض الأمل إلى سكان مدينة بيروت، معلنةً عودة أمسيات «مترو المدينة». يتحدث أحد مؤسّسي «مترو» ومديره الفنّي، هشام جابر، مع «الشرق الأوسط» عن ترسيخ الفنون بوصفها احتمالاً للنجاة. ينفض عنها «مفهوماً قديماً» حصر دورها بالترفيه وتمضية الوقت، ليحيلها إلى ما هو عميق وشامل، بجَعْلها، بأصنافها وجمالياتها، مطلباً مُلحّاً لعيش أفضل، وحاجة لتحقيق التوازن النفسي حين يختلّ العالم وتتهدَّد الروح.

موسيقيون عزفوا للمحاربين في هذه الاستراحة (مترو المدينة)

في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، أنار المسرح البيروتي أضواءه واستقبل آتين إلى سهراته المميّزة بفرادة الطابع والمزاج. أُريد للموسيقى خَلْق فسحة تعبيرية لاحتواء المَعيش، فتُجسّد أرضية للبوح؛ مُنجزةً إحدى وظائفها. تُضاف الوظيفة الأخرى المُمثَّلة بالإصرار على النجاة لمَنْح الآتي إلى الأمسية المُسمَّاة «موسيقى تحت النار» لحظات حياة. موسيقيون على البزق والدرامز والإيقاع والكمنجة... عزفوا للمحاربين في هذه الاستراحة. يُعلّق هشام جابر: «لم يكن ينقصنا سوى الغبار. جميعنا في معركة».

لشهر ونصف شهر، أُغلق «مترو». شمَلَه شلل الحياة وأصابته مباغتات هذه المرارة: «ألغينا برنامجاً افترضنا أنه سيمتدّ إلى نهاية السنة. أدّينا ما استطعنا حيال النازحين، ولمّا لمسنا تدهور الصحّة النفسية لدى المعتادين على ارتياد أمسيات المسرح، خطرت العودة. أردنا فسحة للفضفضة بالموسيقى».

لم يَسْلم تاريخ لبنان من الويل مما لقَّن أبناءه فنّ التجاوُز (مترو المدينة)

يُشبّه المساحة الفنية التي يتيحها «مترو» بـ«علبة خارج الزمن». ذلك لإدراكه أنّ لبنان امتهن الصعاب ولم يَسْلم تاريخه من الويل، مما لقَّن أبناءه فنّ التجاوُز. وامتهن اجتراح «العُلب»، وهي الفسحات الرقيقة. منها يُواجه أقداره ويُرمّم العطب.

استمرّت الحفلات يومَي 20 و21 الحالي، وسلّمت «موسيقى تحت النار» أنغامها لعرض سُمِّي «قعدة تحت القمر»، لا يزال يتواصل. «هذا ما نجيده. نعمل في الفنّ»، يقول هشام جابر؛ وقد وجد أنّ الوقت لا ينتظر والنفوس مثقلة، فأضاء ما انطفأ، وحلَّ العزفُ بدل الخوف.

يُذكِّر بتاريخ البشرية المضرَّج بالدماء، وتستوقفه الأغنيات المولودة من ركام التقاتُل الأهلي اللبناني، ليقول إنّ الحروب على مرّ العصور ترافقت مع الموسيقى، ونتاج الفنّ في الحرب اللبنانية تضاعف عمّا هو في السلم. يصوغ المعادلة: «مقابل الصدمة والاهتزاز واليأس، موسيقى ونغمات وأمل». ذلك يوازي «تدليك الحالة»، ويقصد تليينها ومدّها بالاسترخاء، بما يُشبه أيضاً إخضاع جهاز لـ«الفرمتة»، فيستعيد ما تعثَّر ويستردّ قوةً بعد وهن.

أنار المسرح البيروتي أضواءه واستقبل آتين إلى سهراته المميّزة (مترو المدينة)

يتمسّك «مترو المدينة» بحقيقة أنّ الوقت الصعب يمضي والزمن دولاب. أحوالٌ في الأعلى وأحوال في الأسفل. هذه أوقات الشدائد، فيشعر الباحثون عن حياة بالحاجة إلى يد تقول «تمسّك بها»، ولسان يهمس «لا تستسلم». أتاح المسرح هذا القول والهَمْس، ففوجئ هشام جابر بالإقبال، بعد الظنّ أنه سيقتصر على معارف وروّاد أوفياء. يقول: «يحضر الناس لكسر الشعور بالعزلة. يريدون مساحة لقاء. بعضهم آلمته الجدران الأربعة وضخّ الأخبار. يهرعون إلى المسرح لإيجاد حيّز أوسع. ذلك منطلقه أنّ الفنّ لم يعد مجرّد أداة ترفيهية. بطلَ هذا الدور منذ زمن. الفنون للتعافي وللبقاء على قيد الحياة. أسوةً بالطعام والشراب، تُغذّي وتُنقذ».

كفَّ عن متابعة المسار السياسي للحرب. بالنسبة إليه، المسرح أمام خيارَيْن: «وضع خطّة للمرحلة المقبلة وإكمال الطريق إنْ توقّفت النار، أو الصمود وإيجاد مَخرج إنْ تعثَّر الاتفاق. في النهاية، المسارح إيجارات وموظّفون وكهرباء وتكاليف. نحاول أن يكون لنا دور. قدّمنا عروضاً أونلاين سمّيناها (طمنونا عنكم) ترافقت مع عرض (السيرك السياسي) ذائع الصيت على مسرحنا. جولته تشمل سويسرا والدنمارك وكندا...».

ترسيخ الفنون بوصفها احتمالاً للنجاة (مترو المدينة)

ويذكُر طفولة تعمَّدت بالنار والدخان. كان في بدايات تفتُّح الوعي حين رافق والده لحضور حفل في الثمانينات المُشتعلة بالحرب الأهلية. «دخلنا من جدار خرقته قذيفة، لنصل إلى القاعة. اشتدّ عودنا منذ تلك السنّ. تعلّقنا بالحياة من عزّ الموت. لبنان حضارة وثقافة ومدينة وفنّ. فناء تركيبته التاريخية ليست بهذه البساطة».

يرى في هذه المحاولات «عملاً بلا أمل». لا يعني إعلان اليأس، وإنما لشعورٍ بقسوة المرحلة، «يخذلني الضوء حيال الكوكب بأسره، ولم يعُد يقتصر غيابه على آخر النفق. حين أردّد أنني أعمل بلا أمل، فذلك للإشارة إلى الصعوبة. نقبع في مربّع وتضيق بنا المساحة. بالفنّ نخرج من البُعد الأول نحو الأبعاد الثلاثة. ومن الفكرة الواحدة إلى تعدّدية الأفكار لنرى العالم بالألوان. كما يُحدِث الطبيب في الأبدان من راحة وعناية، يحتضن الفنّ الروح ويُغادر بها إلى حيث تليق الإقامة».


مقالات ذات صلة

«قصة كبيرة»... مجد معوّض يمنح الغيتار بُعداً أوركسترالياً جديداً

يوميات الشرق في ألبومه الجديد «قصة كبيرة» يُكرِّم آلة الغيتار (دكتور مجد معوّض)

«قصة كبيرة»... مجد معوّض يمنح الغيتار بُعداً أوركسترالياً جديداً

يرى معوّض أن الغيتار نادراً ما يُستخدم آلة أساسية في الموسيقى التصويرية، ويسعى إلى منحه هذا الدور في أعماله.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مهرجان الطبول يحتفي بالفنون الشعبية (وزارة الثقافة المصرية)

«مهرجان الطبول»... كرنفال عالمي للفنون الشعبية يُنعش شوارع القاهرة

عاد «مهرجان الطبول» ليُنعش شوارع القاهرة ومراكزها الثقافية ومسارحها في دورته رقم 12 التي بدأت في 19 يونيو (حزيران) الجاري وتستمر حتى 23 من الشهر نفسه.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق «باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)

«أوزيريس»... باليه يستعيد وهج الأسطورة المصرية القديمة

في عرض يستعيد وهج الأساطير المصرية القديمة، قدمت فرقة باليه أوبرا القاهرة، بالاشتراك مع أوركسترا أوبرا القاهرة «باليه أوزوريس» في أربع حفلات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الوتر السادس مي سليم: لم أُعبّر عن نفسي كوني مطربة بشكل كامل

مي سليم: لم أُعبّر عن نفسي كوني مطربة بشكل كامل

كشفت الفنانة الأردنية مي سليم عن ملامح خطتها الفنية الجديدة خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أنها تعمل حالياً على تقديم نسخة مختلفة ومتطورة من نفسها بصفتها مطربة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس يمان الحاج لـ«الشرق الأوسط»: الموسيقى ترافق تطوري في الحياة

يمان الحاج لـ«الشرق الأوسط»: الموسيقى ترافق تطوري في الحياة

في عام 1955، كتب الأخوان رحباني كلمات أغنية «مرفرف الدلال» وصاغاها بما يتناسب ولحن الأغنية الكوبية الشهيرة «كيزاس كيزاس كيزاس».

فيفيان حداد (بيروت)

5 عروض إسبانية تدشن «الميكروتياترو» في مصر

«ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)
«ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)
TT

5 عروض إسبانية تدشن «الميكروتياترو» في مصر

«ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)
«ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)

تحت اسم «الميكروتياترو»، أطلقت أكاديمية الفنون المصرية تجربة مسرحية جديدة تعتمد على العروض القصيرة المكثفة التي تُواكب أحدث الاتجاهات المسرحية العالمية، وتستهدف استقطاب جمهور جديد من الشباب وتعزيز الحراك المسرحي المعاصر، وذلك من خلال عدد من النصوص المسرحية القصيرة المترجمة عن الإسبانية.

يأتي مشروع «ميكرو تياترو» ضِمن رؤية أكاديمية الفنون المصرية لتقديم أشكال مسرحية مبتكرة تواكب التجارب العالمية الحديثة، وتفتح المجال أمام المبدعين الشباب لتقديم رؤاهم الفنية في قالب مكثف وسريع الإيقاع.

وتنطلق العروض المسرحية ضِمن المشروع، الثلاثاء، على خشبة مسرح نهاد صليحة في أكاديمية الفنون، وهي 5 عروض مسرحية مدةُ كلٍّ منها 15 دقيقة، وجميعها نصوص مسرحية قصيرة مترجمة عن الإسبانية، وهي نصوص: «فوبيا المستقبل» من إخراج علاء حسني، و«أزمة شرف» و«حقائب» من إخراج محمد السوري، و«من فضلك» من إخراج تغريد عبد الرحمن، و«السؤال الأخير» من إخراج شادي عليوة، وفق بيان لأكاديمية الفنون.

ومن المقرر أن ينطلق حفل الافتتاح باستعراض فني من تصميم الدكتورة حكمت عاطف، بمشاركة طلبة وخريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، بالتعاون مع طلبة المعهد العالي للباليه، يعقبه عرض فيلم تعريفي بالمشروع يستعرض فكرة «الميكروتياترو» وأهدافه، ثم كلمة رئيسة الأكاديمية الدكتورة نبيلة حسن، وكلمة الفنان علاء حسني مدير المسرح.

«ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)

ويتضمَّن الحفل تكريم السيدة ماجدالينا كروث، المستشارة الثقافية للسفارة الإسبانية في القاهرة؛ تقديراً لدعم التعاون الثقافي والفني بين الجانبين المصري والإسباني.

يُنظَّم المشروع تحت إشراف الفنان علاء حسني، مدير المسرح، والمخرجة تغريد عبد الرحمن، المديرة التنفيذية، والتنسيق الإعلامي لرشا زيدان.

وتُقيم أكاديمية الفنون المصرية أنشطة مسرحية عدَّة، من بينها مهرجان الفضاءات المسرحية المتعددة الذي تُنظمه أكاديمية الفنون، ويقام تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية. وكان مقرراً إقامته العام الحالي في أبريل (نيسان) الماضي، وقد أُجِّل لينعقد في الفترة من 1 إلى 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

مشروع «ميكروتياترو» انطلق في أكاديمية الفنون (أكاديمية الفنون المصرية)

وشهدت الأكاديمية، خلال الفترة الماضية، العرض الكوميدي «OVERDOSE مواهب»، يوميْ 18 و19 يونيو (حزيران) الحالي، من فكرة وإخراج محمد عماد، وتحت إشراف الدكتور علاء قوقة، ويقدمه مجموعة من المواهب الشابة في تجربة مسرحية كوميدية تعتمد على المواقف الساخرة وخفة الظل والأداء المتميز.

تدور أحداث العرض في إطار كوميدي يعكس ضغوط الحياة اليومية وتحديات الواقع المعاصر، من خلال شخصيات ومواقف تحمل كثيراً من المفارقات الإنسانية واللحظات المضحكة.

ومن الأنشطة المسرحية التي شهدتها الأكاديمية أيضاً العرض المسرحي «الحب لعبة»، وهو مشروع تخرُّج طلاب جامعة بدر بالقاهرة (BUC)، في تجربة مسرحية كوميدية تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية عميقة.

والعرض من تأليف ألفريد فرج، وإعداد وإخراج هايدي عبد الخالق، وتدور أحداث «الحب لعبة» في إطار كوميدي خفيف حول شاب وفتاة يرفضان الزواج التقليدي، فيلجأ كل منهما إلى التنكر لاكتشاف حقيقة الآخر بعيداً عن الألقاب والمظاهر.


نضال قيقا: سعيت لتوثيق شغف الفتيات بالموسيقى الإلكترونية في برلين

استغرقت المخرجة عدة سنوات لخروج المشروع للنور (الشركة المنتجة)
استغرقت المخرجة عدة سنوات لخروج المشروع للنور (الشركة المنتجة)
TT

نضال قيقا: سعيت لتوثيق شغف الفتيات بالموسيقى الإلكترونية في برلين

استغرقت المخرجة عدة سنوات لخروج المشروع للنور (الشركة المنتجة)
استغرقت المخرجة عدة سنوات لخروج المشروع للنور (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة التونسية نضال قيقا إن فكرة فيلمها الوثائقي «تونس - برلين» (To dream perhaps) بدأت معها منذ أواخر عام 2018، حين كانت تشارك في ورشة عمل مكثفة لكتابة سيناريو فيلم روائي طويل، موضحة أن البطل الرئيسي في ذلك السيناريو كان رجلاً يعمل «دي جي»، وهي شخصية كانت تعني لها الكثير وتلهمها من الناحية الفنية والسوسيولوجية، مما جعلها ترتبط بها بشكل عميق وتفكر في أبعادها الإنسانية.

وأضافت في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن البحث عن دعم مالي وتمويل للفيلم الروائي استغرق وقتاً طويلاً ومضنياً في أروقة المنتجين، لذا قررت ألا تقف مكتوفة الأيدي وألا تضيع المزيد من السنوات في الانتظار، متبعة حدسها الفني بالتحول الفوري نحو صناعة فيلم وثائقي يستكشف هذا العالم.

وأكدت قيقا أن «هذا التحول لم يكن مجرد هروب مؤقت من أزمة التمويل الخانقة، بل كان مدفوعاً بشغف حقيقي وتساؤلات معرفية واجتماعية، لكوني درست الموسيقى الكلاسيكية في صغري بمعهد الموسيقى ولدي وعي تام بأهمية التأريخ الموسيقي»، على حد تعبيرها. ومن خلال بحثها، لاحظت أن كل الأنماط الموسيقية تحظى بمراجع جامعية وكتب وأبحاث تؤرخ لها وتدرس أبعادها السوسيولوجية، باستثناء الموسيقى الإلكترونية التي تعاني من نقص حاد في المراجع العلمية والاجتماعية التي تفسر سبب وجودها أو أثرها على شباب المجتمع العربي.

نضال قيقا مخرجة الفيلم (الشركة المنتجة)

ونال الفيلم التونسي «تونس - برلين» جائزة «الصقر الفضي» في النسخة الماضية من مهرجان «الفيلم العربي بروتردام» مناصفة مع الفيلم المصري «الحياة بعد سهام»، وتدور أحداثه حول مجموعة من الفتيات التونسيات اللواتي يمارسن مهنة الموسيقى الإلكترونية «دي جي» في بيئة صعبة وضمن سياق يتطلب منهن محاربة الصور النمطية باستمرار، وتتشارك الزميلات هؤلاء حلماً واحداً كبيراً وبسيطاً في آن واحد، وهو الهجرة أو السفر المؤقت إلى برلين، العاصمة الروحية والعالمية لهذا النمط الموسيقي، رغبة منهن في الانفتاح على العالم الخارجي، وتطوير مهاراتهن الموسيقية، وتحسين وضعهن المهني والمادي المتواضع في بلدهن.

ويتحول هذا الحلم الجماعي إلى حقيقة ملموسة ومثيرة حين تنجح إحداهن، في خريف عام 2023 وبعد سنوات مريرة من الانتظار، في الحصول على فرصة رسمية للعزف وإحياء حفل في أحد النوادي الليلية الشهيرة والمرموقة في برلين.

غير أن مسيرة الفيلم الوثائقي لم تكن مفروشة بالورود، بل واجهت صفعات وعقبات غير متوقعة فرضتها الظروف العالمية، حيث كانت المخرجة على وشك بدء التصوير الفعلي في أوائل عام 2020 وجهزت كل الترتيبات التقنية، ولكن قبل أسبوع واحد فقط من انطلاق الكاميرات، تم الإعلان رسمياً عن الحجر الصحي الشامل والإغلاق العام في العالم بسبب تفشي «جائحة كورونا» مما تسبب في تجميد المشروع وتأجيله.

تتبعت المخرجة شغف الفتيات بعالم الموسيقى الإلكترونية (الشركة المنتجة)

وأضافت المخرجة التونسية أنها مع محاولتها العودة لتجميع شتات الفيلم في عام 2021، اصطدمت بمشكلة إنتاجية أخرى، لأن المنتجين الذين كانوا متحمّسين جداً للمشروع قبل الجائحة، فقدوا كل مواردهم المالية ولم تعد لديهم القدرة على الدعم بسبب الأزمة الاقتصادية، مما فرض عليها رحلة كفاح جديدة في البحث عن جهات مانحة بديلة، ليمتد العمل على الفيلم لسنوات طويلة حتى يخرج للنور في مطلع العام الجاري.

وأشارت نضال قيقا إلى أنها في بداية تفكيرها بالفيلم لم تكن تعرف الكثير عن تفاصيل هذا العالم في تونس، لكن عندما بدأت تعمل على الفكرة وتبحث في جوانبها خطوة بخطوة، اكتشفت مفاجأة سارة تمثلت في وجود مجتمع كبير جداً من الفتيات التونسيات اللواتي يعملن كـ«دي جي» وموجودات بكثرة وبشكل فاعل على الساحة الموسيقية الإلكترونية التونسية، لذا أصبحن هؤلاء بطلات التجربة.

وأكدت أنها حين علمت من إحدى الفتيات التونسيات أنه قد تمت برمجتها أخيراً لإحياء حفل في نادٍ برليني شهير بعد سنوات طويلة من الانتظار، شعرت بأنه لا يمكنها تفويت هذه الفرصة التاريخية، فقررت حزم أمتعتها ومرافقتها فوراً لتصوير هذه الرحلة رغم عدم جاهزية ظروف الإنتاج.

حصد الفيلم جائزة في مهرجان الفيلم العربي بروتردام (الشركة المنتجة)

وأوضحت أنها سافرت برفقة بطلة العمل إلى برلين في خريف 2023 تحت ظروف إنتاجية صعبة ومعقدة للغاية وبإمكانيات تقشفية وقليلة جداً، وبسبب ضعف الميزانية، اضطرت للاعتماد على فريق عمل مصغر يتكون من 3 أشخاص فقط في أغلب الأوقات، مكون منها كمخرجة ومدير تصوير بالإضافة إلى مهندس صوت، دون وجود أي مساعد مخرج أو مساعد تصوير أو فنيين إضافيين معها.

ورغم قسوة هذا التحدي التقني واللوجيستي، فإن «خفة الحركة والتنقل المرن والسلس بكاميرا محمولة على الكتف وسط الشوارع» خلق للفيلم من وجهة نظر نضال قيقا «رؤية جمالية بصرية واقعية وحميمية»، وفق تعبيرها.

وتوضح المخرجة التونسية أن مونتاج الفيلم كان أمراً صعباً وشاقاً وممتعاً في الوقت ذاته، موضحة: «كان بحوزتي مادة وثائقية ضخمة تصل إلى ما يقارب 50 ساعة من المشاهد واللقطات المصورة بين تونس وبرلين، والتعامل مع هذه الكمية من الساعات كان كافياً ومثالياً جداً بالنسبة لي، وشكّل تمريناً ممتازاً علّمني الكثير كوني مخرجة على مستوى صياغة المحتوى البصري والتحكم في إيقاع الأحداث وإعادة الكتابة السينمائية».


حملة مصرية موسعة ضد «كيانات سياحية» غير مرخصة

جانب من إجراءات ضبط وإغلاق الأماكن غير المرخصة للعمل بالسياحة (وزارة السياحة والآثار)
جانب من إجراءات ضبط وإغلاق الأماكن غير المرخصة للعمل بالسياحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية موسعة ضد «كيانات سياحية» غير مرخصة

جانب من إجراءات ضبط وإغلاق الأماكن غير المرخصة للعمل بالسياحة (وزارة السياحة والآثار)
جانب من إجراءات ضبط وإغلاق الأماكن غير المرخصة للعمل بالسياحة (وزارة السياحة والآثار)

أطلقت مصر حملة موسعة لضبط وإغلاق الكيانات غير المرخصة التي تعمل في قطاعي السياحة والآثار بصفة غير مشروعة.

وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلةً في الإدارة المركزية لشركات السياحة، ومن خلال وحدة مكافحة الكيانات غير الشرعية التابعة لها، بضبط وإغلاق 2063 كياناً غير مرخص في مختلف المحافظات المصرية، كانت تمارس أنشطة تنظيم وبيع الرحلات والبرامج السياحية وبرامج الحج والعمرة دون الحصول على التراخيص اللازمة من الوزارة.

ويأتي ذلك في إطار الدور التنظيمي والرقابي للوزارة، المنوط بها تنظيم العمل وإحكام المتابعة والرقابة على الأنشطة السياحية المختلفة، بما يضمن جودة الخدمات المقدمة للزائرين المصريين والأجانب، ويحمي حقوق شركات السياحة المرخصة، ويدعم الاقتصاد القومي، وفقاً لبيان وزارة السياحة والآثار.

وقالت مساعدة وزير السياحة والآثار لشؤون شركات السياحة، سامية سامي، إن وحدة مكافحة الكيانات غير الشرعية التابعة للإدارة المركزية لشركات السياحة كثفت خلال الفترة الماضية حملاتها التفتيشية على مستوى محافظات الجمهورية، من خلال لجان موسعة تضم مفتشي الإدارة المركزية بالتعاون مع شرطة السياحة والآثار، لرصد الكيانات غير الشرعية التي تمارس أنشطة سياحية تدخل ضمن نطاق عمل شركات السياحة.

وأضافت أن عمل هذه الكيانات يُعد مخالفة لأحكام قانون تنظيم شركات السياحة ولائحته التنفيذية وتعديلاتهما، فضلاً عن مخالفته لقانون إنشاء البوابة المصرية للعمرة وقانون تنظيم الحج وإنشاء البوابة المصرية الموحدة للحج.

وأوضحت، بحسب البيان، أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لوقف نشاط هذه الكيانات المخالفة، بما يسهم في حماية صناعة السياحة والحفاظ على جودة الخدمات المقدمة للسائحين والزائرين.

ووفقاً لبيان الوزارة، حرر أعضاء اللجان من مفتشي الإدارة المركزية محاضر ضبط قانونية ضد أصحاب الكيانات المخالفة والقائمين عليها، وقيدوها في أقسام الشرطة المختصة لإحالتها إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، إلى جانب استصدار قرارات الغلق الإداري لمقارها بالتنسيق مع شرطة السياحة والآثار.

الحملة أغلقت أكثر من ألفي مكان غير مرخص للعمل في السياحة (وزارة السياحة والآثار)

كما أُخطرت مصلحة الضرائب التابعة لوزارة المالية بأسماء ومقار جميع الكيانات غير المرخصة التي ضُبطت، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات الضريبية والقانونية اللازمة بحق أصحاب تلك الأنشطة المخالفة.

وجاءت هذه النتائج ضمن أعمال اللجنة المُشكَّلة بقرار من وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، للتعامل مع الأشخاص والكيانات غير المرخصة العاملة في مجال السياحة والآثار.

ويؤكد رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر، ثروت العجمي، أهمية هذه الحملة في ضبط العمل بالقطاع السياحي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «تسهم جهات عدة في هذه الحملة التي تقودها شرطة السياحة والآثار، من بينها غرفة شركات السياحة، بهدف ضبط الكيانات غير المرخصة التي تتسم بالعشوائية، وتتعدى على حقوق الشركات العاملة في القطاع».

وأضاف: «هناك شركات ومكاتب صغيرة عدَّة تعمل من دون ترخيص، وهو ما يهدر حقوق الشركات والمكاتب المرخصة والمسجلة رسمياً في قطاع السياحة».

وأشار العجمي إلى ضرورة التعامل بحزم مع بعض الحالات التي تضر بسوق السياحة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية تشجيع بعض الكيانات ومساعدتها على تقنين أوضاعها وتيسير الإجراءات أمامها في إطار القانون واللوائح المتبعة، لا سيما إذا كانت تمارس نشاطاً فاعلاً في السوق السياحية، مثل نظام «الهاوس غيست»، بما يدعم جهود مصر لتحقيق مستهدفاتها السياحية والوصول إلى 30 مليون سائح.

وأهابت وزارة السياحة والآثار بالزائرين والسائحين، من المصريين والأجانب، عدم التعامل مع الكيانات غير المرخصة أو الانسياق وراء البرامج السياحية التي تروج لها أو تنظمها، والاعتماد فقط على البرامج التي تنظمها شركات السياحة المرخصة من الوزارة، حفاظاً على حقوقهم وضماناً لحصولهم على خدمات سياحية آمنة ومتوافقة مع الضوابط المنظمة، فضلاً عن حماية حقوق شركات السياحة المصرية.

وفي هذا السياق، قال العجمي: «من أهم عوامل الأمان في القطاع السياحي ضمان حصول السائح على خدمة منظمة عبر القنوات المشروعة، بما يضمن وجود جهات وشركات ومكاتب مسؤولة عنه».

وكانت وزارة السياحة والآثار قد أعلنت سابقاً إصدار التراخيص الذكية للمرشدين السياحيين، وربطها بالبوابات الإلكترونية في المواقع الأثرية والمتاحف، بما يسهم في تسهيل وتنظيم دخولهم وتحسين تجربة الزيارة، ويتيح التحقق من هويات المرشدين والحد من محاولات التزوير، فضلاً عن دعم منظومة الرقابة وضمان تقديم الخدمات السياحية وفق أعلى معايير الجودة.

وتستهدف مصر زيادة عدد السائحين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030، من خلال تنفيذ برامج ترويجية متنوعة، وتطوير البنية التحتية للمواقع السياحية والمتاحف، والاستفادة من تنوع المقاصد والأنماط السياحية التي تتمتَّع بها البلاد.