طعم الجبل

طعم الجبل
TT

طعم الجبل

طعم الجبل

تفتّش في القاموس عن فحوى كلمة «جليل»، وتظهر لك المعاني: «العظيم، الخطير، المهمّ...».. ويمكن أيضاً أن يكون «المخيف، الخارق، البالغ»، كما أنّه «ما جاوز الحدّ من نواحي الفنّ والأخلاق والفكر». أستطيعُ أن أدلي هنا بدلوي وأقول إنّ «الجليل» هو ما يلزمنا الحديث عنه أوّلاً بلغة الشّعر، أي الخيال. فعندما نتحدّث عن «البحر» أو «الخير الأسمى» أو «الشّيطان» بكلام عاديّ، فإنّ صفة الجلالة تنتفي، ويتولّد لدينا شعور باللاّمبالاة.

«لو مرّت يوميّاً خلال ألف سنة ريشة طاووس على جبل غرانيتيّ، فإنّ هذا الجبل سيُحتّ، ويختفي». وإن كان قائلُ هذا الكلام بوذا، إلّا أنّ التأمّل في معناه يُزيح عن الجبل صفة الجلالة، حتماً. هناك فجوات مظلمة فيما هو جليل في كوننا، حتّى إنّه يمكن أن نعيش فقط لكشفها، ويكون عندها لحياتنا مغزى تنتقل إليه سِمة الجلالة. يقول نيتشه: «على مَن ابتكر أمراً عظيماً أن يحياه».

جاء في يوميّات شاعر يابانيّ: «يرتجي الغرب غزو الجبل. يرتجي الشّرق تأمّل الجبل، وأنا أرتجي طعمَ الجبل». وهذا عنوان كتاب للشّاعر، والأمر ليس غريباً تماماً عن الطبيعة البشريّة، فنحن نتعرّف في سنين الطّفولة على الكون بواسطة اللّسان. أي شيء تصل إليه يد الطّفل يضعه مباشرة في فمه، وهذه الخطوة تؤدّي إلى اتّصاله بالشّيء بواسطة جسده كلّه. اختار الطّفل هذا العضو وهذه الحاسّة لأنّها الأقرب إليه والأسهل، مثلما يفعل العشّاق الذين يبدأون الحبّ بالتقبيل بشغف لا يشبهه شغف، ثمّ يصبح بعد ذلك كلّ فعل وحديث بين الاثنين مبقّعاً بهذا الفعل، الذي يعني المعرفة الحميمة والعميقة لكلا الجسدَين والقلبَين.

ورغم أنّ الجبل يُعدّ من الجماد، فإن نسغَ الحياة فيه قوي، وهو يشمخ على صفحة السّماء. هل جرّبتَ الشّعور بالسّكينة والسّعادة وأنت تتجوّل على سفح الجبل قاصداً القمّة، عند السَّحر؟ ما إن يطلع عليك ضوء الفجر الأزرق حتّى تجدَ أن بصرك صار حديداً. حدث هذا الأمر معي كحُلُم غريب؛ كنت أنظر من خلال عدستين طبيتين أثناء صعودي السّفح، وأخذت رعشة بيضاء تهزّ قلبي عندما اكتشفتُ، في بريق الشّمس الطّالعة، أن لا حاجة لي بهما، وأنّه بإمكاني متابعة النّسر الحائم في السّماء البعيدة. كان الفجر ينشر سناه، وراح الطّائر يتأرجح، ثم حلّق في دائرة كبيرة وصعد بعد ذلك عالياً موغلاً في السّماء القصيّة. ها هي صورة تعجز عن إيفائها حقّها من الوصف حتّى في ألف عام، العبارة لشاعر ألمانيا غوته، وفيها تعريف ثانٍ للجليل. في خاصرة جبل «زاوا»؛ حيث كنتُ أتجوّل، ثمة مرتفع صخري شاهق، وفي الأسفل ترتمي مدينة دهوك، مبانيها تبدو متآكلة محتوتة بفعل الرّياح والشّمس، والنّاس في الشّوارع كنقاط من النّمل. أخذ الطّريق يصعد وينحدر، وهبط النّسر في طيران هادئ راسماً بجناحيه دائرة واسعة، ثم حطّ على صخرة قريبة واسعة رماديّة اللّون، وبرق قلبي وأحسستُ أنّي أعيش حياة حارّة في حضرة كائن حي مبجّل، وتوهمتُ النّسرَ في سكونه المقدّس جبلاً، يتقاطع ظلّه المجنون مع ظلّ الصّخرة.

ورد ذكر «الجبل» بجوار «الطّير» في الكتاب المنزّل في ثلاث سور: «ص»: «إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ»، و(الأنبياء): «وسخّرنا مع داود الجبال يسبّحْنَ وَالطَّيرَ وكُنَّا فاعلين»، و(سبأ): «ولقد آتينا داود منّا فضلاً يا جبال أوّبي معه والطّيرَ وألَنّا لهُ الحديد». من يقرأ هذه الآيات أو يسمع تلاوتها، فإنّه يشكّ في أنّ حياته مجرّد حلم يخطف مثل طائر على قاع أو سفح أو قمّة الجبل، طالت سنينُه أم قصُرت.

تشبيه آخر يكون الجبلُ فيه حاضراً، والمقصود به حياتنا الفانية:

«ظِلّ الجبلِ جبلٌ أقلُّ/ أخفُّ/ أسهلُ/ في لحظة/ يُفردُ جناحيهِ/ يطيرُ».

الاستعارة هنا قريبة، فظلّ الجبل هو الطّائر الذي يحلّق سريعاً عند انقضاء النّهار، كناية عن الأجل. لكنّ أنهار الشّعر تجري في كلّ مكان، وليس بالضرورة أنها تصبّ في بعضها بعضاً. للشّاعر ليف أنينيسكي قصيدة تردُ فيها هذه الصّورة: «الطّريق مضاءة بليلها وجبالها»، صار الجبل مصدراً للضّياء، والعلاقة باتت أكثر تطوّراً وتعقيداً، وكلّما بعدت الاستعارة ازدادت كفاءة الشّاعر. من المعروف أن أنينيسكي هو شاعر روسي عاش في الحقبة السّوفياتيّة، وثمّة رمزيّة دينيّة مسيحيّة تظهر في هذا البيت مصوّرة، ومختزلة بشبح الجبل في الظّلام. لا توجد أشجار ولا يوجد نبات يعيش على السّفح، البعيد تماماً عمّا يُسمّى بحرائق الألوان، فما مصدر الضّوء، والدّنيا ظلام لأنّ اللّيل أدلهمّ، اللّيل الذي لا يُريد أن ينتهي؟ لكنّه انجلى على يد غورباتشوف، وعاد الإيمان لدى الرّوس بقوّة. عندما قرأتُ شعر أنينيسكي، كان الوقتُ ليلاً، وبقيتُ أتأمّل المشهد في السّرير وانعكاس الجبل في الظّلمة الدّاكنة راح يهدهدني، ثم غرقتُ في النّوم، وكان رُقادي عذباً إلى درجة أن صدى قهقهاتي في أثناء حلمي السّعيد لا يزال محفوراً في ذاكرتي. حتّى الآن لا أعرف لماذا كنتُ متنعّماً في نومي إلى هذه الدّرجة، وهذه فائدة ثانية نحصل عليها من رفقة الجبل، وإن كانت بواسطة كتاب.

في مدينة دهوك، في كردستان العراق؛ حيث تكثر الجبال وتكون قريبة، لم أعثر على دوّارة واحدة للحمام الدّاجن فوق سطوح المباني في المدينة. دامت زيارتي خمسة أيّام، لم أرَ فيها غير أسراب الطيور تدور حول قمّة الجبل، تشقّ بأجنحتها الفضاء السّاكن، وتنتزع نفسها من الهواء إلى هواء أعلى، وتبدو كأنّها تصطبغ بالأزرق في السّماء الصّافية. هناك جرعة من حاجة الإنسان إلى الطّير يشغلها الجبل، وكأنّ هناك لوحة في صدور محترفي تربية الطّيور خُطّ عليها: «إذا كانت في مدينتك جبال، فلا حاجة إلى أن يعيش الطّير في بيتك». لا شكّ في أنّ الغد في دهوك سيكون حتماً كاليوم، اليوم الذي يشبه الأمس، ويشبه كلّ الأيّام. سربٌ من الحمائم يدور حول الجبل في النّهار، ولمّا يجنّ اللّيل تبدو قمّته مهدّدة في الظلام، وتبقى أشباح الطيور دائرة حولها، تحرسها من الفناء. جاء في سورة الإسراء - آية 13: « وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ». يحرس الطّيرُ الجبالَ العالية، ويحرس الإنسان أيضاً من الموت؛ الجبل هو انعكاس للإنسان، ونقيض له أيضاً؛ فهو لم يكن يوماً ضعيفاً وعاطفيّاً، ولا تهزّه مشاعر السرور والألم.

بالإضافة إلى حدّ البصر والنوم الرغيد، تمنحنا رفقة الطّور إحساساً عميقاً بإرادة الحياة وقوّة الأمل، مع شعور بشدّة الشّكيمة، لأنه مكتمل ولا تشوبه شائبة، كما أنه عظيم إلى درجة أن أضخم مخلوقات البرّ والبحر، أي الديناصور والحوت، تبدو بالمقارنة تافهة الحجم والصورة. المنفعة الرابعة التي تحصل عليها بعد زيارتك شعفة الجبل، أنك تشعر بالطّهارة من الإثم، كما لو أنّك أدّيتَ طقساً دينيّاً. ثم يهبط المرء على السفح شديد الانحدار، شاعراً بضالته تحت الثقل السابغ والمدوّخ لواجهة الجبل السوداء، ويكون عندها بحالة من الطّفو في تلك المنطقة بين السير على الأرض والتحليق في الهواء. عندما تحطّ قدم المرء على الأرض، يكون ممتلئاً تيهاً، لأنه صار يشعر بنفسه بريئة من كلّ وزر، ومنيعة وأكثر أبديّة من الجبل ذاته.

ولكن أين تذهب الطيور الميّتة؟ نادراً ما يعثر أحدنا في الطريق على عصفور أو حمامة ميّتة. إنها تولد بالآلاف كلّ يوم، وتقضي بالآلاف أيضاً. فما مصيرها؟ سألتُ نفسي هذا السؤال، وبحثتُ في المصادر والمراجع، وليس هناك جواب. البعض يقول يأكلها النّمل أو القطط والقوارض، وهذا جواب غير مقنع البتّة. هل تدّخر عظامَ مختلف أنواع الطير قاعدة الجبل، لتمنحه القوّة والقدرة على التحليق، شاهقاً في أعالي السماء؟

المنفعة الخامسة للجبل شعريّة خالصة ولا يتمكّن منها إلا من كان ذا حظّ عظيم، ويمتلك عيناً ترى كلّ شيء. بعد هيام طويل بجبال الجزائر سوف يجد سعدي يوسف نفسه يفتّش عن النساء العاشقات، وهو ينظر من خلال الجبل:

«في الصّيف تبقى المدينة، ظُهرا، بلا عاشقاتْ/ كان ينظرُ عَبرَ الشّجرْ/ وغصونِ الشجرْ/ والسنابلْ/ كان ينظرُ عبرَ الجبال».

القصيدة هي «تسجيل» من ديوان «نهايات الشّمال الأفريقي»، ومكان الجبال في نهاية المقطع لا تبرّره دوافع منطقيّة، وإنما بواعث شعريّة. هناك إسقاطات أو تمثّلات لما ورد في الكتاب عن تشبيه الجبال بالسحاب والسراب: سورة النمل: «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ»، والنبأ: «وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا». إن جوهر الهويّة الشعرية تشكّله قدرة الشاعر على استعمال الكلمات كطلاسم وحقائق على حدّ سواء. الجبل الذي يُحيلهُ البارئ إلى سحاب وسراب بات في نظر الشاعر حصناً (أو مدفناً!) للنساء العاشقات، ملاذاً لهنّ مِن «شقق نصف مفروشة»، ومِن «تبغ أسود في ضفاف النّبيذ»، في أيام «العطل غير مدفوعة الأجر».

في الصفحات الأخيرة من رواية «مائة عام من العزلة»، يقوم العاشقان أورليانو بوينيديا وآمارانتا أورسولا، في ساعة شبق ملعونة، بدهن جسديهما بمربّى المشمش، ثم يروحان «يلتهمان» أحدهما الآخر «معرفيّاً» بواسطة اللسان. عنوان المجموعة الشّعرية «طعم الجبل» دليل يؤكد فيه الشاعر الياباني على جلالة الطّور، لأنه ليس هناك مخلوق يستطيع التعرف على الجبل بواسطة طعمه، وهذا تعريف ثالث لما هو جليل في كوننا.



الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم
TT

الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم

يمثل ديوان «برزخ الريح» للشاعر غريب إسكندر تجربة شعرية تنتمي بوضوح إلى أفق الحداثة العربية التي تستند بمعظمها إلى تنظيرات غربية، ولا غرو في ذلك إذا ما عرفنا أن الشاعر يقيم بلندن، ويكتب باللغتين العربية، والإنجليزية. وفي هذا الديوان الذي صدر مؤخراً عن «منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق 2026» تتراجع الحكاية لصالح التأمّل، وتتقدّم اللغة بوصفها أداة قلق واكتشاف في آنٍ معاً. منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام منطقة ملتبسة وشائكة: «البرزخ» بوصفه حدّاً فاصلاً وواصلاً في الوقت نفسه، و«الريح» بوصفها قوة عابرة لا تستقر. هذا التوتر بين الثبات والتحوّل ينعكس في مجمل نصوص الديوان التي تبدو كأنها تقيم في حالة عبور دائم.

فبعد تجربة امتدت لأربعة عقود أصدر خلالها الشاعر أكثر من مجموعة شعرية، منها «سواد باسق/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر2001» و«أفعى كلكامش/ دار الفارابي 2011»، يتورّط غريب إسكندر من جديد بواحدة من إرهاصات اللّاهوت ممثلة بـ«البرزخ» الذي ينبثق هنا بوصفه دالّاً، ونافذة غير مرئية لكل ما هو باطني، وغنوصي، جاعلاً إياه عتبة ينفذ منها إلى العالم الشاسع، عالم ما بعد الموت، وما قبله. وهي إشارة أولى إلى إرباك القارئ، ووضعه في خضم تجربة الوجود.

لغة الديوان مكثّفة، متقشّفة، تنأى عن المباشرة، وتراهن على الإيحاء. والجملة الشعرية غالباً ما تأتي قصيرة، ومقطوعة النفس، أو مفتوحة على احتمالات متعددة، بحيث لا تقدّم معنى جاهزاً بقدر ما تُنتج مناخاً شعورياً. في أحد المقاطع، نقرأ: «كلُّ شيءٍ سينتهي/ ولا ينتهي الاسم»، وهي عبارة تختزل هذا الهاجس الوجودي الذي يلازم النصوص، حيث يتقاطع الفناء مع رغبة غامضة في البقاء، ولو على مستوى اللغة. ولا يسعى الشاعر إلى بناء صور مكتملة، بل يفضّل الاشتغال على التشظّي، حيث المفردات تنتمي إلى حقول دلالية مألوفة: الضوء، الظلمة، الجسد، الريح، الصمت، ولكنّها تُعاد صياغتها ضمن شبكة رمزية تجعلها غريبة، ومفتوحة. وهنا لا تكون اللغة وسيلة نقل، بل تعد موضوعاً للتجربة نفسها، وكأن الشاعر يختبر حدودها، أو حتى عجزها. يظهر ذلك في مقطع آخر يقول فيه: «لا شيء سوى الصمت»، حيث يتحوّل الصمت من غياب للكلام إلى مركز للمعنى.

الذات في هذا الديوان قلقة، منشطرة، تبحث عن نفسها، ولا تجدها كاملة. فثمة شعور دائم بالاغتراب، ليس فقط عن العالم، بل عن الداخل أيضاً. في إحدى الصور اللافتة يقول الشاعر: «أنا هنا... وكلما أضحك لأنني أموت»، وهي مفارقة تجمع بين الحضور والغياب في لحظة واحدة، وتكشف عن وعي مأزوم بالوجود، حيث يصبح العيش نفسه شكلاً من أشكال الفناء المؤجل. والزمن في هذه النصوص لا يتحرك في خط مستقيم، بل يبدو دائرياً، أو متداخلاً، حيث تفضي البداية إلى النهاية، والنهاية تعود لتكون بداية أخرى، في استعادة واضحة لفكرة «البرزخ». وهذا التصور يتجلّى في إشارات متكررة إلى التلاشي، والتحوّل، كما في عبارة إليوت التي يوردها الشاعر«In my beginning is my end»، في إحالة إلى تداخل الأزمنة، وكسر التسلسل التقليدي.

ويحضر الجسد بوصفه كياناً هشّاً، لكنّه في الوقت ذاته مساحة للمعنى، وحقل للتجربة. فليس الجسد، هنا، جسداً حسّياً بقدر ما هو استعارة للوجود الإنساني في ضعفه، وتعرّضه للزوال. ويتقاطع الجسد مع مفاهيم مثل الألم، والذاكرة، ويظهر أحياناً بوصفه عبئاً، وأحياناً وسيلة إدراك، مما يعكس نظرة مركّبة إلى الكينونة. ومن العناصر اللافتة أيضاً حضور الصمت بوصفه لغة موازية. فالشاعر يترك فراغات مقصودة داخل النص، ويعتمد على الانقطاع، والتكرار، ليخلق إيقاعاً داخلياً لا يقل أهمية عن الكلمات في هذا السياق، فتبدو القصيدة كأنها تُكتب «بما لا يُقال» بقدر ما «تُكتب بما يُقال»، وهو ما يمنحها بعداً تأمّلياً عميقاً. ولا تخلو النصوص من إشارات ثقافية، سواء من التراث العربي، أو من الأدب العالمي، ولكنّها لا تُقدَّم على نحو مباشر، بل تتسلل عبر اللغة، والصور، وتندمج في نسيج القصيدة. هذا الانفتاح يمنح الديوان بُعداً كونياً، ويخرجه من حدود الجغرافيا الضيّقة، من دون أن يفقد خصوصيته. فالشاعر لا يقتبس بقدر ما يعيد تشكيل هذه المرجعيات داخل نسيجه الشعري، بحيث تصبح جزءاً من تجربته الخاصة. وهذا ما يعزز من ثراء النص، ويجعله قابلاً لقراءات متعددة. فقد وظّف الشاعر عمله الآخر، بوصفه باحثاً في الأدب المقارن، والترجمة، في تجربته الشعرية على نحو ينسجم مع مفاهيم عالمية وإنسانية من قبيل الانفتاح، والتناص، وما يعرف بـ«شعر العالم».

أما من حيث البناء، فلا يعتمد الديوان على شكل تقليدي، بل يقدّم نصوصاً أقرب إلى الشذرات، أو المقطّعات التأمّلية. لا توجد حبكة، أو تسلسل واضح، بل حركة حرّة بين الصور والأفكار. هذا التفكك الظاهري ينسجم مع الرؤية العامة، حيث العالم نفسه يبدو مفككاً، وغير قابل للإحاطة. لذلك، قد لا يكون «برزخ الريح» ديواناً سهلاً، لأنّه يتطلّب قارئاً مستعداً للتورط في لعبة التأويل، والتخلّي عن انتظار المعنى المباشر. لكنّه، في المقابل، يقدّم تجربة شعرية غنية، تفتح أفقاً للتفكير في الوجود، والزمن، واللغة.

وباختصار، يمكن القول إنَّ غريب إسكندر يكتب شعراً يقف على الحافّة: حافّة المعنى، وحافّة اللغة، وحافّة الوجود ذاته. هو لا يقدّم إجابات، وخلاصات جاهزة، بل يضعنا في قلب التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها. إنّه يوسّع مساحة السؤال، ويجعل من القصيدة مكاناً للعبور، حيث «لا يوجد شيء مكتمل»، وكلّ شيء معرّض لأن يُعاد التفكير فيه من جديد. وفي هذا السياق، تبدو اللغة كأنها تُقاوم الاستقرار؛ فهي لغة «تتكوّن وهي تتفكّك»، إن صح التعبير، فتمتلئ القصائد بأسئلة غير مكتملة تشير إلى عجز اللغة عن الإمساك بالحقيقة. وهذا القلق لا يُطرح بشكل فلسفي مباشر، بل يتجلّى عبر الصور الشعرية، وعبر التوتر بين الحضور، والغياب، بين الصوت، والصمت، والمعنى، واللامعنى. وفي هذا السياق تبرز قصيدة «هاملت» بوصفها واحدة من اللحظات الدالة في الديوان:

«أسطورةٌ حيّة

هذا العالم

لا يصلحُ له مثالٌ واحد:

وجود واحد

عدم واحد

حقيقة واحدة

أو حتى خيال واحد.

فقد اختفى شبحُ الأب

تماماً من على خشبة الحياة

لكنَّ المسرحَ لا يزال مكتظّاً

بـ«أن تكون أو لا تكون»

التي لم تعد «مشكلة»

بعد الآن

في هذه الأزمنة المبهمة!».

يستدعي الشاعر شخصية هاملت لا بوصفها إحالة ثقافية فحسب، بل مرآة للذات القلقة، والمترددة أمام أسئلة الوجود. ففي المقطع الذي يقول فيه: «أن تكون أو لا تكون»، لا يعيد الشاعر صياغة العبارة الشكسبيرية بوصفها اقتباساً جاهزاً، بل يعيد إدماجها داخل نسيجه الشعري بوصفها سؤالاً مفتوحاً، منزوع اليقين. هنا لا يعود السؤال اختياراً بين حالتين، بل يتحول إلى حالة وجودية مستمرة، إلى تعليق دائم بين الإمكان والعدم. ومما يلفت الانتباه في هذه القصيدة هو أنّ الشاعر يفرّغ العبارة من بُعدها المسرحي الدرامي، ليمنحها بُعداً تأمّلياً داخلياً. فـ«أن تكون» لا تعني الحضور المكتمل، و«أن لا تكون» لا تعني الغياب التام، بل إنّ الاثنين يتداخلان داخل تجربة الذات، كما لو أنّ الوجود نفسه حالة «برزخية»، تماماً كما يقترح عنوان الديوان. وبهذا تصبح شخصية هاملت امتداداً لصوت الشاعر، وليست قناعاً له، حيث يتكرر التردد، ويتعمّق الشك، وتغدو اللغة عاجزة عن الحسم.

إنَّ إدراج هذه الإحالة لا يأتي بوصفه تزييناً ثقافياً، بل يعد جزءاً من بنية التفكير الشعري في الديوان، حيث تتقاطع المرجعيات العالمية مع التجربة الفردية لتنتج معنى جديداً. وهكذا يتحول «هاملت» إلى نص داخل النص، يعزز من فكرة العبور، واللايقين، ويؤكد أنَّ السؤال الوجودي، في جوهره، لا يزال مفتوحاً، ومتجدداً، وعصياً على الإجابة.


«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة
TT

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

في منزل منعزل وسط غابة نائية، تتكشف ملامح جريمة قتل مروعة لأسرة بأكملها تتكون من الأم والأب وطفلين، يعثر عليهم مقتولين بالرصاص في بيتهم دون أي آثار تدل على وجود اختراق أو سرقة، كأننا إزاء فعل عنيف دموي بدا كأنه تصفية دقيقة ومحسوبة، لا تترك خلفها إشارة أو علامة تشكل دافعاً واضحاً أو مشتبهاً مباشراً بارتكاب الجريمة.

يرتكز الصراع على تلك الفكرة، ويتنامى من خلاها جوهر الحبكة الدرامية في رواية «الفتاة الصامتة» الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، تأليف مشترك لاثنين من أدباء السويد هما مايكل هيورث وهانز روزينفيلت، ترجمة هند حسني، التي تأتي ضمن سلسلة روايات «المحقق الجنائي سيباستيان بيرغمان».

تظهر المفاجأة الكبرى ضمن الأحداث حين تكتشف الشرطة أن هناك ناجية واحدة؛ فتاة صغيرة تدعى «نيكول» كانت مختبئة وقت وقوع المجزرة، حيث أصيبت بصدمة نفسية شديدة أفقدتها القدرة على النطق تماماً، لتصبح مفتاحاً للعثور على القاتل وشاهداً على ما جرى لكنها لا تستطيع، أو لا ترغب في التحدث.

وتشهد الرواية عودة شخصية «سيباستيان بيرغمان» إلى الواجهة رغم اضطرابه الشخصي وعلاقاته المتوترة مع زملائه في فريق التحقيق، وهو محقق معروف بذكائه الحاد وسلوكه غير المعتاد، ويرى أن الفتاة قد تكون المفتاح الوحيد لفهم دوافع القاتل، وكشف هويته لكنه يواجه تحدياً كبيراً كيف يمكنه قراءة صمتها؟

وتجسد الرواية السمات الأساسية لأدب الجريمة، التي تجعله جذاباً لدى فئات واسعة من القراء، لا سيما المراهقين والشباب، فهى تبدأ بفعل صادم يشد الانتباه منذ اللحظات الأولى، كما تعتمد القصة على الغموض وسط سرد سريع متصاعد، انتظاراً للعثور على حل الجريمة التي تتحول إلى لغز يتحدى ذكاء البطل والقارئ على حد سواء.

وُلد المؤلف الأول مايكل هيورث عام 1963/ وهو منتج فني بارز وسيناريست، أما هانز روزينفيلت فوُلد عام 1964 وسبق أن عمل حارساً للأسود وسائقاً ومعلماً وممثلاً حتى عام 1992 عندما بدأ يكتب دراما تلفزيونية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

جلست آنا إريكسون في سيارتها منتظرة أمام المبنى السكني ذي اللون الأصفر الباهت، تأخرت «فانجا» وهو أمر نادر الحدوث، افترضت «آنا» أن هذا ليس سوى وسيلة أخرى من الوسائل التي انتهجتها ابنتها مؤخراً لتأكيد موقفها منها لكن الأسوأ من كل ذلك أنها لم تعد تتصل بها إطلاقاً.

تمكنت «آنا» من التعايش مع ذلك، تفهمت الأسباب وبطريقة ما في أعماقها ربما شعرت بأنها تستحق ذلك وبصراحة لم تكن علاقتهما في إطار كونهما أماً وابنتها من ذلك النوع الذي يتضمن محادثات هاتفية طويلة.

أما «فالديمار» فقد كان ابتعاد «فانجا» عنه مؤلماً إلى حد لا يُحتمل وقد حوّله إلى ظل لما كان عليه في السابق أكثر حتى مما فعل به السرطان نفسه. لم يتوقف قط عن الحديث عن ابنته وعن الحقيقة التي ما كان ينبغي لهما إخفاؤها عنها، كان عليهما التعامل مع الأمور بطريقة مختلفة تماماً، لقد أفلت من قبضة الموت ليجد أن الحياة لم تعد تحمل له سوى الحزن والندم، بالطبع وجدت «آنا» الوضع عبئاً هي الأخرى لكنها استطاعت التكيف فقد كانت دائماً أقوى من زوجها.

مر أكثر من شهر على خروج «فالديمار» من المستشفى، ومع ذلك لم تستطع «آنا» إقناعه بمغادرة الشقة، كان جسده قد تقبل الكلية الجديدة تماماً، لكن «فالديمار» نفسه لم يستطع تقبل واقعه الجديد كعالم خال من ابنته وقد اختار أن ينأى بنفسه عن كل شيء.

لا يبدو أن أي شيء يشغله هذه الأيام لا «آنا» ولا الزملاء القلائل الذين لا يزالون يتواصلون معه رغم ما فعله، ولا الأصدقاء الذين باتت اتصالاتهم أكثر ندرة أو حتى التحقيق الذي لا يزال جارياً، صحيح أن هذه الاتهامات بالتهرب الضريبي والاحتيال خطيرة لكنها بدت بلا أهمية تذكر مقارنة بما جعل «فانجا» تعانيه.


بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
TT

بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)

فازت المغنية البلغارية دارا بالنسخة الـ70 من مسابقة «يوروفيجن» للأغنية الأوروبية التي أقيمت في فيينا السبت، لتمنح بلادها أول لقب لها في هذه المسابقة التي تعد أكبر عرض موسيقي تلفزيوني مباشر في العالم.

وتفوقت دارا البالغة 27 عاماً برصيد 516 نقطة على الإسرائيلي نوام بيتان الذي حصد 343 نقطة في نهائي المسابقة التي شهدت دعوات للمقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل.

تفاعل الوفد البلغاري بعد فوز دارا بالنهائي الكبير لمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (إ.ب.أ)

ولم تكن دارا من بين المرشحين والمرشحات الأوفر حظاً، لكنها تمكنت خلال أسبوع «يوروفيجن» من اكتساب شهرة واسعة، وخاصة بفضل أغنيتها «بانغارانغا».

ويقاطع «يوروفيجن» محطات عامة في دول كبرى مثل إسبانيا وهولندا وأيرلندا، وذلك بالإضافة إلى أيسلندا وسلوفينيا، احتجاجا على مشاركة إسرائيل. وتقول ⁠إسرائيل إنها تواجه حملة تشويه ‌عالمية. لكن المتسابق الإسرائيلي أدى ‌أغنيته في النهائي دون أي ​مظهر على الاحتجاج ‌من الجمهور كما كان الحال في قبل النهائي ‌يوم الثلاثاء.

وتجنبت أغنية بانجارانجا البلغارية التي أدتها الفنانة دارا، وهي أغنية راقصة حماسية لاقت استحسان الجمهور، الخوض في السياسة تماما.

وكانت أغنية المتسابق الإسرائيلي، وهي أغنية غرامية ‌حملت اسم «ميشيل» بالعبرية والفرنسية والإنجليزية، أقل إثارة للجدل من أغنية إسرائيل في العام ⁠الماضي ⁠التي غنتها إحدى الناجيات من هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول.

المغني الإسرائيلي نوام بيتان يؤدي أغنيته «ميشيل» في نهائي مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ف.ب)

وسمعت بعض صيحات الاستهجان من الجمهور عندما حصدت إسرائيل عدداً كبيراً من النقاط في تصويت الجمهور، ما أدى إلى صعودها في الترتيب، كما حدث في 2025 عندما احتلت إسرائيل المركز الثاني أيضاً.

وكان من المتوقع أن تتصدر المنافسة هذا العام الأغنية الفنلندية «ليكنهايتن» (قاذفة اللهب)، والتي تشارك فيها عازفة الكمان ليندا لامبينيوس ومغني البوب ​بيته باركونين، تليها «إكليبس» ​الأسترالية للمغنية دلتا جودريم.