جدل علمي حول عدد القارات

أربعة متطلبات تحدد صفاتها الجيولوجية

جدل علمي حول عدد القارات
TT

جدل علمي حول عدد القارات

جدل علمي حول عدد القارات

يمكن لأي شخص لديه خريطة، أن يرى أن قارتي آسيا وأوروبا متصلتان. ولهذا السبب غالباً ما يطلق عليهما اسم «أوراسيا». والتقسيم بين القارتين تعسفي إلى حدٍ كبير، فهو تحديداً تقسيم ثقافي، أكثر منه «علمياً». لذا، هل من العدل أن نقول إن هناك في الواقع ست قارات فقط؟

وماذا عن أميركا الشمالية وآسيا؟ إنهما متصلتان بجرف بحر بيرنغ، الذي كان أرضاً جافة عبرها البشر ذات يوم ولم تغمرها الفيضانات إلا في الماضي الجيولوجي القريب. ومن الناحية الفنية، هذا يجعل آسيا وأميركا الشمالية وأوروبا قارة واحدة. هل يعني هذا أن هناك خمس قارات فقط؟

تقسيم القارات

يزعم خبراء آخرون أن خمس وست وسبع قارات خاطئة، ويجادلون لصالح ثماني قارات. حتى أن هناك من يذهب إلى حد القول إن هناك قارتين فقط... وهناك وهم بالاتفاق العام حول عدد القارات.

إن هذا الخلاف ينشأ جزئياً لأن هناك نوعين من القارات: القارات التي تعترف بها الثقافات في مختلف أنحاء العالم، والقارات التي يعترف بها الجيولوجيون.

يمكن للثقافات أن تحدد القارة بأي طريقة تريدها، في حين يتعين على الجيولوجيين استخدام تعريف. وقد جعلت الأبحاث الجيولوجية في السنوات الأخيرة تحديد حدود القارات أقل بساطة مما كان يبدو ذات يوم، حيث يجد الباحثون أدلة على وجود «مواد قارية» غير متوقعة.

يقول فالنتين رايم، الجيولوجي بجامعة فريبورغ في سويسرا: «هذا يثير الكثير من الاهتمام لأن هناك آثاراً مهمة على فهمنا لآليات انفصال القارات وتكوين المحيطات وتكتونيات الصفائح». ويضيف: «ولكن بعد الإثارة يأتي الفحص الدقيق والمناقشة للتأكد من أن الأدلة قوية».

صفات القارة

من الناحية الجيولوجية، لكي تكون قارة، يجب أن تحتوي قطعة من كوكب الأرض على أربعة متطلبات:

- ارتفاع كبير بالنسبة لقاع المحيط.

- مجموعة واسعة من الصخور النارية والمتحولة والرسوبية الغنية بالسيليكا.

- قشرة أكثر سمكاً من القشرة المحيطية المحيطة.

- حدود واضحة المعالم حول منطقة كبيرة بما يكفي.

توجد المتطلبات الثلاثة الأولى في كل كتاب مدرسي للجيولوجيا تقريباً. ولكن الأمر لا ينطبق على المتطلب الرابع. فما هو «كبير بما يكفي»، أو إلى أي مدى «محدد جيداً» يجب أن تكون حدود القارة المحتملة، هي أمور لا تتم مناقشتها كثيراً.

ويقول نيك مورتيمر، الجيولوجي في معهد أبحاث العلوم GNS الحكومي في نيوزيلندا: «أي شيء كبير بما يكفي لتغيير خريطة العالم مهم. إن تسمية وتحديد جزء من الأرض كقارة، حتى لو كان صغيراً ورقيقاً ومغموراً، أكثر إفادة من مجرد ترك الخريطة فارغة».

ترقيم القارات

وهذا يخلق مشاكل لترقيم القارات. ولنتأمل هنا آيسلندا، التي تقع فوق صدع يمتد حول الأرض، وهو الفرع الأطلسي من سلسلة التلال المحيطية الوسطى. فالنشاط البركاني هناك يفصل ببطء بين الصفائح التكتونية التي ترتكز عليها أميركا الشمالية وأوروبا. ويقع معظم هذا التلال عميقاً تحت المحيط. ولكن في آيسلندا، فإنه يقع فوق مستوى سطح البحر.

وهناك لغز آخر يتلخص في أن البراكين هناك كثيراً ما تنفث الحمم البركانية المكونة من القشرة القارية المنصهرة، رغم أن آيسلندا تبعد آلاف الأميال عن أي قارة. ولذلك يشتبه بعض الجيولوجيين في أن آيسلندا ليست جزيرة منعزلة في البحر، بل إنها في واقع الأمر جزء من قارة (وإن كان تحديد تلك القارة قد يصبح معقداً أيضاً).

وتجد هذه الفكرة دعماً لها قبالة الساحل الشرقي لأفريقيا، حيث تفصل سلسلة تلال وسط المحيط في البحر الأحمر أفريقيا عن آسيا. ويحدث هذا الانفصال بمعدل نمو الأظافر. وعلى طول معظم هذه التلال، يكون الانفصال واضحاً ومباشراً. ولكن الانفصال يكون أكثر فوضوية حيث يلتقي البحر الأحمر بخليج عدن. في مكان وجود نقطة واضحة للترقق، حيث تتشكل قشرة المحيط، تتفتت القشرة القارية بين أفريقيا وآسيا إلى مئات القطع. وفي هذا الموقع، لا توجد نقطة واضحة... أين تنتهي أفريقيا وتبدأ آسيا.

وتقول جيليان فولغر، عالمة الجيولوجيا بجامعة درهام في إنجلترا: «إن الأمر أشبه بقطعة حلوى قوية وسميكة للغاية تتمدد، ولكنها لا تنكسر».

وكان رايم وزملاؤه نشروا أخيراً دراسة في مجلة الجيولوجيا تُظهر أن آيسلندا أيضاً لديها قطع حلوى ممتدة بشدة تحت البحار المحيطة بها. بدلاً من الانفصال الواضح بين أميركا الشمالية وأوروبا، يبدو أن هناك مزيجاً معقداً من المواد المنصهرة وشظايا القشرة القارية متناثرة في مسار بين كتلتي اليابسة يمر عبر آيسلندا. تماماً مثل النقطة التي يلتقي فيها البحر الأحمر وخليج عدن، لا توجد نقطة واضحة حيث تنتهي أميركا الشمالية وتبدأ أوروبا.

قارة «زيلانديا»

ثم هناك نيوزيلندا، التي تثير المشاكل حقاً لأطفالنا. فرغم أن نيوزيلندا وأستراليا غالباً ما يتم تجميعهما معاً، فإنهما ليسا في القارة نفسها. وبينما يُنظَر إلى أستراليا على نطاق واسع باعتبارها قارة قائمة بذاتها، فإن فكرة أن نيوزيلندا جزء من قارتها الخاصة، «زيلانديا»، هي حجة أحدث.

تمتد الأرفف المغمورة التي ترتفع عالياً فوق قاع المحيط لأميال أبعد من الدولة - الجزيرة الصغيرة. وعلى طول حواف تلك الأرفف، توجد مياه عميقة وقشرة محيطية أرق من القشرة الموجودة أسفل الأرفف. وتُظهِر عينات الحفر وعينات التجريف في قاع البحر والصخور التي تم جمعها من المنطقة أن الكتلة العملاقة التي تقع عليها نيوزيلندا تتكون من صخور نارية ومتحولة ورسوبية غنية بالسيليكا، تماماً كما هي الحال مع جميع القارات الأخرى.

وبينما يعتقد القليلون أن زيلانديا قارة من الناحية الثقافية، «فإنها تُعَد قارة جيولوجية بشكل متزايد»، كما يقول مورتيمر. ولكن الجميع غير متفقين، ويشيرون إلى المعيار الرابع المزعج الذي يتم تجاهله في معظم الكتب المدرسية.

يبلغ سمك القشرة التي تشكل زيلانديا ما بين 10 كيلومترات و30 كيلومتراً، مما يجعلها أكثر سمكاً من 7 كيلومترات من معظم قشرة المحيط. ولكن سمكها ليس مثل سمك قشرة القارات الأخرى، الذي يتراوح عادة بين 30 و46 كيلومتراً. وهذا يجعل الحدود بين زيلانديا والمحيط أقل وضوحاً وأكثر صعوبة في التمييز. كما يخلق الحجم مشاكل أيضاً، إذ تبلغ مساحة زيلانديا المعروضة 4.9 مليون كيلومتر مربع، وهي أصغر كثيراً من أستراليا، التي تبلغ مساحتها 7.7 مليون كيلومتر مربع فقط.

ثم هناك حقيقة مفادها أن زيلانديا مغمورة في الغالب. والوجود فوق الماء ليس جزءاً من التعريف الجيولوجي للقارة، ولكن يبدو أن هذا مهم ثقافياً، لأن الناس معتادون على التفكير في القارات على أنها أرض جافة.

جدل جيولوجي

لا يزال الجيولوجيون يتجادلون حول ما تعنيه هذه الاكتشافات حول القشرة القارية والمحيطية لعدد القارات. وما هو مؤكد أن البحث يكشف عن وجود أكثر من طريقة لانفصال قارتين، وأن الانقسام ليس دائماً «نقيّاً»

أو حتى كاملاً.

ويقول رايم: «هناك في الأساس قارتان رئيسيتان فقط. القارة القطبية الجنوبية وكل شيء آخر عداها... لأن أميركا الجنوبية متصلة بأميركا الشمالية عبر بنما، وأميركا الشمالية متصلة بآسيا عبر مضيق بيرينغ، وآسيا متصلة بأوروبا وأفريقيا وأستراليا عبر جبال الأورال وسيناء وإندونيسيا على التوالي».

ولا يتفق مورتيمر مع هذا الرأي. ويقول: «إن زيلانديا منفصلة عن أستراليا بحوض محيطي يبلغ عرضه 25 كيلومتراً وعمقه 3600 متر... وبناءً على منطق رايم، فإن هذا يعني أن هناك في الواقع ثلاث قارات».

لكنه أقر ببعض عدم اليقين، مضيفاً: «ما لم يتم العثور على الغور العميق الذي يكون قشرة قارية عميقة جداً، مثل حالة آيسلندا... فإن زيلانديا ستكون في هذه الحالة جزءاً من أستراليا». أما آيسلندا فهناك أيضاً احتمال أن تكون جالسة فوق جزء كبير من قشرتها العائمة الحرة، ولذا ربما تكون القارة رقم 9.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

العلم يقترب من فكّ لغز طول العمر

يوميات الشرق ما نعيشه على السطح قد تكون الجينات كتبته في العمق (شاترستوك)

العلم يقترب من فكّ لغز طول العمر

يعتقد علماء حالياً أنهم ربما توصّلوا إلى مفتاح رئيسي لسرّ الحياة الطويلة، وهو ببساطة شديدة الجينات (المورثات).

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم طبيب يتناقش مع مريض حول صحة البروستاتا

اكتشاف علمي لأحد «محركات» سرطان البروستاتا... يمهد لعلاجات أكثر دقة

يفتح الباب لتطوير أدوية موجهة للمراحل المقاوِمة للعلاج الهرموني

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
يوميات الشرق أربع مراحل تصنع طريقة تفكيرنا (شاترستوك)

ماذا يحدث داخل دماغك عند 9 و32 و66 و83 عاماً؟

تتشكَّل أفكارنا وأذواقنا وقدراتنا على الابتكار والإبداع خلال مراحل العمر المختلفة، وقد حدّد العلماء مراحل معيّنة لتطوّر بناء المخّ من الطفولة حتى الشيخوخة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا الأوتار الاصطناعية قد تصبح وحدات قابلة للتبديل لتسهيل تصميم روبوتات هجينة ذات استخدامات طبية واستكشافية (شاترستوك)

أوتار اصطناعية تضاعف قوة الروبوتات بثلاثين مرة

الأوتار الاصطناعية تربط العضلات المزروعة بالهياكل الروبوتية، مما يرفع الكفاءة ويفتح الباب لروبوتات بيولوجية أقوى وأكثر مرونة.

نسيم رمضان (لندن)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» في جامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

جزيء «لزج» يفتح الباب لاستراتيجية لقاح جديدة ضد فيروس كورونا

كشفت دراسة حديثة دور جزيء طبيعي في الأوعية الدموية يفتح الباب لاستراتيجية لقاح جديدة ضد فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (سيدني)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.