مثقفون عرب يحيون ذكرى محمد مندور.. ويستعيدون أفكاره

بمناسبة مرور 50 عامًا على رحيله وبحضور 60 باحثًا من 5 دول عربية

من ندوات الاحتفالية
من ندوات الاحتفالية
TT

مثقفون عرب يحيون ذكرى محمد مندور.. ويستعيدون أفكاره

من ندوات الاحتفالية
من ندوات الاحتفالية

احتفى مثقفون مصريون وعرب الأسبوع الماضي بذكرى مرور خمسين عاما على رحيل شيخ النقاد محمد مندور، أحد دعاة التجديد الأدبي، وصاحب «المنهج الآيديولوجي» في النقد، الذي تُوفي عام 1965 عن عمر يناهز اثنين وخمسين عاما، ألّف خلالها أكثر من ثلاثين كتابا في شتى قضايا الفكر والأدب، وترجم ثمانية كتب عن الفرنسية والإنجليزية.
عقدت الاحتفالية على مدار يومين بالمجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا في القاهرة، وافتتحها وزير الثقافة المصري حلمي النمنم، بمشاركة أدباء ومفكرين وسياسيين من مصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس. تضمنت الاحتفالية سبع جلسات وموائد مستديرة لمناقشة كتابات مندور الأدبية والصحفية، التي لا تزال طرية، كما تناول الباحثون أفكاره التقدمية التي سبقت ما نادت به ثورة «25 يناير» من مساواة وعدالة اجتماعية، حيث إنه كان متأثرا بالتيار الاشتراكي الفرنسي، لكنه لم ينبهر بالحضارة الغربية كما حدث مع مبتعثين كثر، بل قام بانتقاد الديمقراطية الغربية في كثير من كتاباته.
وحول أهمية الاحتفالية، قال وزير الثقافة المصري: «مندور مثال للمثقف الشامل الواعي، فلم يكن ناقدا أدبيا فقط، بل سياسيا وصحفيا بامتياز، وله دور رائد في الثقافة المصرية والعربية، فلم يهتم فقط بالأعمال الأدبية، لكنه عمل على نقد كل التخصصات، وهو ما كان جليا واضحا في شخصية محمد مندور الذي لقب بـ(شيخ النقاد)، لما قدمه من إسهامات عظيمة في عالم الفكر والسياسة».
وقالت الدكتورة أمل الصبان، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، إن «الاحتفال بمندور إنما يمثل احتفاء بقيم التنوير والحداثة، فقد اعتنق مندور فلسفة النقد الديمقراطي، وكانت فترة بعثته التي بلغت تسع سنوات في فرنسا هي المكون السياسي والعاطفي له، فمارس فور عودته إلى مصر نشاطه الفكري، وكانت تؤرقه الوسيلة التي يطرح بها أفكاره، ووجد أن الصحافة هي السبيل إلى توصيل فكره، كما انضم إلى حزب الوفد».
وأشارت الصبان إلى أن «محمد مندور أعلن إيمانه بضرورة استقلال الأدب بمنهجه عن غيره من العلوم، وألا يأخذ بالنظريات الشكلية عن العلوم الأخرى. وما زالت كتاباته مراجع ودراسات لا يستغني عنها الباحث والأديب والناقد. تجربة مندور تجربة خصبة وتحتاج إلى دراسة ومتابعة».
وحول معاركه الأدبية، خاصة مع طه حسين والمازني، قالت: «كان مندور تلميذا مخلصا لأساتذته، لكنه كان ثائرا عليهم، ناقدا لهم بعد أن كتب تقريرا حول طريقة التدريس في الجامعة، لذلك بقي حيا في تاريخ الأمة من خلال كتاباته، بالإضافة إلى خوضه عديدا من المعارك الأدبية».
وشارك في الاحتفالية نجل المحتفى به، طارق مندور، الذي استهل حديثه قائلا: «كتب محمد مندور في عديد من فنون السرد، لكن لم يسعفه الزمن في نشر ما كتبه، كما أنه جمع في ترجماته بين الشعر والمسرح، والتي ارتبطت بالتنوير الديمقراطي، لمحاولة تصدير فكر مستنير إلى الشعب، ولذلك قمت بنشر بعض هذه الكتابات، عن (هيئة قصور الثقافة)، و(مكتبة الأسرة)».
وأوضح طارق مندور، أن أباه كان ديمقراطيا اشتراكيا وليس ليبراليا، وكانت ثورة «23 يوليو» تعبيرا عن أحلامه. «لقد كان يشارك منذ طفولته في المظاهرات ضد الاحتلال، وتم فصله من المدرسة الثانوية، إلا أن الطابع العسكري للثورة أرهق مندور وفكره، فقد كان يرى في الديمقراطية مدخلا أساسيا لأي تغيير صحيح، لذا تم منع مندور من ممارسة أي دور سياسي بعد ثورة يوليو».
بينما أكد الناقد شعبان يوسف أنه لم تكن هناك خصومة بين مندور و«ثورة يوليو»، كما أنه في الوقت نفسه ليس واحدا من رجال «يوليو»، ولم يكن منشدا خاصا لثورة «يوليو»، بل كان ناصحا رجالها. وقال: «مندور قيمة سياسية وفكرية كبيرة، كتب في النقد القديم والحديث، وتعددت معاركه الأدبية إلى اللغويات، وخاض معارك فكرية مع كثير من مفكري العصر، أمثال عباس العقاد وطه حسين»، مشيرا إلى أن «المعارك لم تكن هي السمة الأساسية التي اتسم بها مندور، لكنه كان معلما بالفعل، متأثرا في ذلك بما حصل عليه من علوم لغوية وفكرية وجمالية في رحلته إلى فرنسا».
وأضاف يوسف: «انشغل مندور بالمسرح فكتب عن توفيق الحكيم كتابا مهما، وعن مسرحيات أحمد شوقي، وكان عضوا في لجان التحكيم المسرحي منذ منتصف الخمسينات».
وقال الناقد والمترجم إبراهيم فتحي إن «مندور كان يعتمد في نقده أساسا على الانطباعات التي تخلفها الأعمال الأدبية في نفسه، وكان يرى أن من أساسيات النقد البحث عن الأصالة الفردية المتميزة للكاتب»، بينما ذهب الناقد الدكتور فتحي أبو العينين، إلى أن «محمد مندور خلال سنواته العشر الأخيرة اتجه إلى صياغة نظرية جديد في حقل النقد الأدبي، وهي (النقد الآيديولوجي)، حيث تكشف كتاباته عن نوع من الجدلية بين النقد الأدبي وممارساته السياسية ونشاطه الحزبي في (الوفد)، والطليعة الوفدية، نظرا لتأثره بالفكر الاشتراكي، والفكر الإصلاحي، ومبادئ الثورة الفرنسية».
وعن محمد مندور السياسي، أشار المفكر اللبناني، كريم مروة، إلى أن «أولى كتاباته في السياسة كانت عام 1936، ونشرها في الصحف الفرنسية. وكانت مقالات مكرسة لدعم حزب الوفد في مواجهة الإنجليز لتهيئة الشروط الضرورية لاستقلال مصر السياسي. لقد وجد نفسه مشدودًا إلى حزب الوفد، فانضم إليه، لكنه سرعان ما اختلف فكريا مع قيادات الحزب، وكانت تلك الركيزة لتأسيس الطليعة الوفدية». ولفت مروة إلى أن مندور ظل ينادي بضرورة قيام دولة مدنية تمارس دورها بشكل ديمقراطي في تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، كما كان من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية.
وقال الدكتور عبد الرحمن حجازي، إن «مندور طور النقد من النهج النصي إلى التحليلي، ثم التأثيري، ثم الآيديولوجي»، بينما يرى الدكتور مصطفى ناصف، أن مندور كان «يفض الاشتباك» بين القضايا الأدبية والقضايا التاريخية، وأنه أول من لفت إلى أن النقد الغربي يعود في تطوره إلى التراث العربي. وأشار الباحث الأردني يوسف أبو العدوس، أستاذ اللغة العربية بجامعة اليرموك، إلى أن مندور «كان رائدا في مساره النقدي وتطبيقه النقد المنهجي، داعيا إلى تطبيق فقه اللغة، وكان يرى أن الذوق هو الحكم في كل ما يمت إلى الأدب بصلة، ومجلده عن النقد عند العرب قديما كان يمثل خطا فكريا جديدا وقتها ويربط الحداثة بالتراث».
وقال الدكتور حلمي شعراوي، المدير السابق لمركز البحوث العربية والأفريقية بالقاهرة، إن «محمد مندور كان نموذجا لما يسمى (المثقف العضوي)، والمفكر المنشغل بكيفية توظيف فكره في الحياة الاجتماعية، فقد اشتغل في الأدب والنقد، والسياسة، والحياة الاجتماعية.. قاد مجموعات من اليسار للانضمام إلى حزب الوفد».
وأشار أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس حزب الاشتراكي المصري الأسبق، إلى أن «كتابات محمد مندور ما زالت حاضرة بقوة، لأن كل القضايا التي كتب عنها ما زلنا نعاني منها حتى الآن، مما يؤكد جمود الوطن العربي منذ نحو سبعين سنة. فقد نادى بالعدالة الاجتماعية وحرية الصحافة، والنقد الفكري، والنضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي جميعها مشكلات لا يزال يعاني منها الشعب المصري. وكان يرى أن تنظيم السلطات وضمان حقوق المواطنين ضرورتان أساسيتان لبناء الجمهورية المطلوبة».
وعلى هامش المؤتمر، نظم معرض خاص لكتب مندور من إصدارات وزارة الثقافة؛ وأصدر المجلس الأعلى للثقافة عددا من الكتب الخاصة به منها «محمد مندور شيخ النقاد»، و«محمد مندور ذكريات أدبية»، كما أصدر «المركز القومي للترجمة» عددا من ترجمات محمد مندور.
وبالتزامن مع الاحتفالية أصدرت «دار الهلال» كتاب «كتابات لم تُنشر» ضمن سلسلة «كتاب الهلال» الشهرية. ويضم الكتاب بين دفتيه مجموعة من مقالات مندور التي كتبها قبل ثورة 1952، وظلت مبعثرة في مجلات وصحف مختلفة، في فترات متباينة، إلى أن أصدرها الناقد الراحل رجاء النقاش عقب وفاة مندور قبل خمسين عاما. وظل الكتاب بعيدا عن متناول القارئ منذ ذلك الوقت.
صدر الكتاب بمقدمة عنوانها «محمد مندور.. ناقدا ومناضلا وإنسانا» للناقد الراحل محمود أمين العالم، الذي كان يرى أن مندور علم من أبرز أعلام الفكر التنويري المصري والعربي الذي يجمع بين العقلانية والوطنية والرؤية الاجتماعية والإنسانية المتقدمة.. وأن آراءه النظرية تتسق مع مواقفه العملية، وتكاد حياته تكون تجسيدا حيا لفكره، فهو «ابن التراث الإنساني العقلاني عامة، والتراث العربي الإسلامي العقلاني خاصة، والثقافة العربية التقدمية في مصر بوجه أشد خصوصية، وتمكن من توحيد كل ذلك في صيغة متسقة».
وتسجل مقدمة الكتاب أنه «عندما توفي الدكتور مندور في 19 مايو 1965 شعر كثيرون أنهم خسروا رائدا عظيما من رواد النضال المخلص في بلادنا، فلقد كان مندور رائدا في الميدان الأدبي، وكان منذ أن بدأ يكتب داعية من دعاة التجديد الأدبي، وكان التجديد الذي يدعو إليه هو تجديد الأصالة والعمق، وليس تجديد (الموضة) ولا تجديد الذين يحاولون لفت الأنظار إليهم بأي وسيلة ممكنة، على عكس هذا كله كان مندور، فكانت دعوته إلى الشعر المهموس - على سبيل المثال - هي دعوة إلى الصدق.. دعوة إلى العودة بالأدب العربي إلى المنبع الوحيد الأصيل لكل أدب عظيم وهو: النفس الإنسانية».



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.