«صدمة جيل»... كيف خلّفت حرب لبنان أطفالاً بجروح جسدية ونفسية؟

الطفلة إيفانا وعمرها عامان تعاني من حروق من الدرجة الثالثة لأكثر من 40 % من جسدها بعد إصابتها في غارة إسرائيلية على منزلها حيت تتلقى العلاج في مستشفى الجعيتاوي في بيروت (أ.ب)
الطفلة إيفانا وعمرها عامان تعاني من حروق من الدرجة الثالثة لأكثر من 40 % من جسدها بعد إصابتها في غارة إسرائيلية على منزلها حيت تتلقى العلاج في مستشفى الجعيتاوي في بيروت (أ.ب)
TT

«صدمة جيل»... كيف خلّفت حرب لبنان أطفالاً بجروح جسدية ونفسية؟

الطفلة إيفانا وعمرها عامان تعاني من حروق من الدرجة الثالثة لأكثر من 40 % من جسدها بعد إصابتها في غارة إسرائيلية على منزلها حيت تتلقى العلاج في مستشفى الجعيتاوي في بيروت (أ.ب)
الطفلة إيفانا وعمرها عامان تعاني من حروق من الدرجة الثالثة لأكثر من 40 % من جسدها بعد إصابتها في غارة إسرائيلية على منزلها حيت تتلقى العلاج في مستشفى الجعيتاوي في بيروت (أ.ب)

كان الطفل حسين مقداد يبكي بحرقة وهو متكئ على صدر والده. ركل الطفل البالغ من العمر أربع سنوات طبيبه بقدمه السليمة ودفعه بعيداً بذراعه التي لم تكن في الجبس. وقال حسين: «أبي أبي اجعله يتركني وحدي!»، وبينما كانت عيناه تدمعان من الألم، طمأن الأب ابنه وجذبه إليه.

حسين ووالده حسن هما الناجيان الوحيدان من عائلتهما بعد غارة جوية إسرائيلية الشهر الماضي على منزلهم في بيروت. وأسفرت الغارة عن مقتل 18 شخصاً، بما في ذلك والدته وثلاثة أشقاء وستة أقارب.

وبعد عشرة أيام من الجراحة، قال الأطباء الذين فحصوا جروح حسين إن الصبي يتعافى بشكل صحيح. ولدى الطفل قطع معدنية في فخذه الأيمن المكسور وغرز جمعت أوتاره الممزقة في مكانها على ذراعه اليمنى. ويتوقع الأطباء أن يتمكن حسين من المشي مرة أخرى خلال شهرين - وإن كان مع العرج.

حسن مقداد يحمل ابنه حسين مقداد الذي أصيب في غارة إسرائيلية في 2 أكتوبر جنوب بيروت خلال الوجود في المركز الطبي التابع للجامعة الأميركية (أ.ب)

ويعد تشخيص الجروح غير المرئية التي أصيب بها حسين أصعب كثيراً. فقد عاد إلى ارتداء الحفاضات وبدأ يبلل فراشه. وهو بالكاد يتكلم ولم يقل كلمة واحدة عن والدته وشقيقتيه وشقيقه.

 

14 ألف جريح

 

وقال عماد نحلة، أحد جراحي العظام الذين يعالجون حسين: «إن الصدمة ليست فقط على الجانب العضلي الهيكلي. بل إنه يعاني أيضاً من إصابة نفسية».

وأفادت إسرائيل، دون الخوض في التفاصيل، إن الضربة على حي المقداد أصابت هدفاً لـ«حزب الله». وفي الحرب التي تصاعدت منذ سبتمبر (أيلول)، وفق وكالة «أسوشييتد برس»، إذ ضربت الغارات الجوية الإسرائيلية بشكل متزايد المناطق السكنية في أنحاء لبنان. وتتهم إسرائيل الجماعة المسلحة اللبنانية بإخفاء قدراتها ومقاتليها بين المدنيين. وتتعهد بشل حركة «حزب الله»، الذي بدأ إطلاق النار على شمال إسرائيل بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) واندلاع الحرب في غزة.

ولكن الأطفال وقعوا ضحايا في وسط هذه الحرب. ومع تزايد الضربات على المنازل والمناطق السكنية، يرى الأطباء المزيد من الأطفال المتأثرين بالعنف.

حسين مقداد ينظر لوالده خلال الحديث لوكالة «أسوشييتد برس» بالمركز الطبي التابع للجامعة الأميركية في بيروت (أ.ب)

وقُتل أكثر من 100 طفل في لبنان خلال الأسابيع الستة الماضية وأصيب المئات. ومن بين 14 ألف جريح منذ العام الماضي، نحو 10 في المائة منهم أطفال. وقد ترك هذا الأمر العديد منهم بأطراف مبتورة وأجساد محترقة وأسر مفككة ــ وندوب قد تستمر مدى الحياة.

ويرى غسان أبو ستة، وهو جراح بريطاني فلسطيني مشهور يعالج حسين أيضاً، أن الطريق أمامه طويل. وهذا هو مصدر قلقه: «إن هذه (الحرب) تتركنا مع جيل من الأطفال الجرحى جسدياً، والأطفال الجرحى نفسياً وعاطفياً».

في المركز الطبي التابع للجامعة الأميركية في بيروت، والذي يستقبل حالات محدودة من ضحايا الحرب، قال نحلة إنه أجرى عمليات جراحية لخمسة أطفال في الأسابيع الخمسة الماضية - بعد أن كان لا يستقبل أي حالات من قبل. وقد تم تحويل معظمهم من جنوب وشرق لبنان.

وعلى بعد أميال قليلة، في مستشفى الجعيتاوي اللبناني، أحد أكبر مراكز الحروق في البلاد، زاد من قدرته الاستيعابية بنحو 180 في المائة منذ سبتمبر حتى يتمكن من استيعاب المزيد من جرحى الحرب، كما قال مديره الطبي ناجي أبي راشد، مضيفاً أن نحو خُمس المرضى الذين تم قبولهم حديثاً هم من الأطفال.

 

مخاوف من العدوى في الملاجئ الجماعية

 

بعد ستة أسابيع، لا تزال إيفانا الصغيرة ملفوفة بشاش أبيض من رأسها إلى أخمص قدميها باستثناء جذعها. أصيبت بحروق من الدرجة الثالثة في أكثر من 40 في المائة من جسدها. احترق شعرها ورأسها وجانبها الأيسر حتى ساقيها وذراعيها وصدرها. تضرر منزل عائلتها، واشتعلت النيران في سقفه. كما احترقت الأشياء الثمينة للعائلة، التي كانت معبأة في سيارتهم أثناء استعدادهم للمغادرة. وحسب وكالة «أسوشييتد برس»، تعافت شقيقة إيفانا الكبرى، رهف، البالغة من العمر 7 سنوات، بشكل أسرع من الحروق في وجهها ويديها.

وكانت فاطمة زيون، والدة إيفانا، في المطبخ عندما وقع الانفجار. قفزت زيون لالتقاط الفتاتين اللتين كانتا تلعبان على الشرفة، وتقول زيون من وحدة الحروق في العناية المركزة: «كان الأمر وكأن شيئاً رفعني حتى أتمكن من الإمساك بأطفالي. ليس لدي أي فكرة كيف تمكنت من سحبهما وإلقائهما من النافذة»، وتابعت: «لم يكونوا مشتعلين، لكنهم احترقوا. غطاهم الرماد الأسود ... (إيفانا) كانت بلا شعر. قلت لنفسي، هذه ليست هي».

فاطمة زيون تجلس بجانب ابنتها إيفانا المصابة في مستشفى الجعيتاوي حيث تتلقى العلاج في بيروت (أ.ب)

ووفق طبيبها، زياد سليمان، فيتم تغيير ضمادات جروح إيفانا كل يومين. وتابع إنها يمكن أن تخرج من المستشفى في غضون أيام قليلة. لقد عادت مرة أخرى إلى قول «ماما» و«باي» - اختصاراً للرغبة في الخروج.

وكلا الطفلين، حسين وإيفانا، ليس لديهما منزل يعودا إليه، ويخشى أهاليهم العدوى خلال الإقامة في الملاجئ الجماعية.

 

ماذا يريدون منا؟

 

بعد رؤية أطفالها «يحترقون على الأرض»، قالت زيون (35 عاماً) إنها حتى لو تم إصلاح منزلهم، فلن ترغب في العودة. قالت: «رأيت الموت بعيني».

كانت زيون تبلغ من العمر 17 عاماً عندما اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في عام 2006. وبعد نزوحها مع عائلتها في ذلك الوقت، قالت إنها خرجت من قريتهم في شاحنة مليئة بأمتعتهم، واختلطوا بأشخاص جدد، وتعلموا أشياء جديدة. عادوا إلى ديارهم عندما انتهت الحرب، لكن تقول: «هذه المرة الحرب صعبة. إنهم يضربون في كل مكان، ماذا يريدون منا؟ هل يريدون إيذاء أطفالنا؟ نحن لسنا ما يبحثون عنه».

صورة قدمتها الأم فاطمة زيون لابنتيها رهف وإيفانا التقطت في وقت سابق من هذا العام قبل أن تصاب الفتاتان بحروق شديدة في منزلهما في جنوب لبنان بعد غارة جوية إسرائيلية في سبتمبر الماضي بالقرب من منزلهما في قرية دير قانون النهر جنوب لبنان (أ.ب)

قد يكون من الصعب على الأطفال التعامل مع الهجمات في المنزل. وفي هذا الصدد، يقول الجراح أبو ستة إن معظم إصابات الأطفال ناجمة عن الانفجارات أو الأنقاض المنهارة، إن ذلك الهجوم على منطقة من المفترض أنها آمنة وغير قابلة للانتهاك قد تكون له آثار طويلة الأمد.

ويفسر الجراح أن معنى البيت يختلف لدى الأطفال: «يشعر الأطفال بالأمان في المنزل. تجعلهم الإصابة يفقدون لأول مرة ذلك الشعور بالأمان - أن والديهم يحافظون عليهم بأمان، وأن منازلهم لا تقهر، وفجأة تصبح منازلهم غير ذلك».

في أحد الأيام الأخيرة، كان الأطفال يلعبون في ساحة مدرسة مهنية تحولت إلى مأوى في الدكوانة، شمال بيروت، حيث يعيش الآن ما يقرب من 3 آلاف شخص نازح من الجنوب. فيما يجتمع الأطفال وقت اللعب، إذ يتوافد أطفال من قرى مختلفة في الجنوب. وقد تم تقسيمهم إلى فريقين، تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً، ويتنافسون على الحصول على المنديل أولاً. عانقت فتاة صغيرة غرباء زاروا الملجأ وأمسكت بأيديهم. همست في آذانهم: «أنا من لبنان. لا تخبروا أحداً». وزاد الصخب في اللعبة عندما دخلت فتاتان في سن المراهقة المبكرة في قتال بالأيدي. بدأ الدفع والدفع. تلا ذلك الدموع ونوبات الغضب. ابتعدت الفتاة الصغيرة في ذهول.

 

صدمة جيل

 

وتقول ماريا إليزابيث حداد، مديرة برامج الدعم النفسي والاجتماعي في بيروت والمناطق المجاورة للهيئة الطبية الدولية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، إن الآباء في الملاجئ أبلغوا عن علامات زيادة القلق والعداء والعدوان بين الأطفال، كما أصيب البعض بإعاقات في الكلام والتشبث بالوالدين، وتظهر على واحدة علامات مبكرة على مرض الذهان.

حسين مقداد (يسار) مع ابنة عمه زهراء اللذان أصيبا في 2 أكتوبر في غارة جوية إسرائيلية على حي مكتظ بالسكان جنوب بيروت (أ.ب)

وتتابع ماريا حداد: «ستكون هناك أعراض متبقية عندما يكبرون، وخاصة فيما يتعلق بروابط التعلق والشعور بالأمان. إنها صدمة جيل. لقد شهدناها من قبل مع والديّنا... ليس لديهم استقرار أو يبحثون عن استقرار (إضافي). لن يكون من السهل التغلب على هذا».

 

ثلث النازحين... أطفال

 

ويمثل الأطفال أكثر من ثلث عدد النازحين، والمقدر عددهم أكثر من مليون نازح في لبنان بعد الحرب الإسرائيلية، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة والحكومة. وهذا يترك مئات الآلاف في لبنان دون تعليم، إما لأن مدارسهم كانت غير قابلة للوصول أو تم تحويلها إلى ملاجئ.

ويقول والد حسين إنه وابنه يجب أن يبدآ معاً من الصفر. وبمساعدة من الأقارب، وجد الاثنان مأوى مؤقتاً في منزل، ويقول الأب البالغ من العمر 40 عاماً: «أشكر الله أنه لا يسأل عن والدته وإخوته»، فليس لدي الأب أي تفسير لابنه، الذي شاهد عائلته تموت في منزلهم، إذ تم انتشال شقيقتيه - سيلين (10 سنوات) وسيلا (14 عاماً) من تحت الأنقاض في اليوم التالي. تم انتشال والدته، منى، بعد ثلاثة أيام، والتي كانت محتضنة ابنها علي البالغ من العمر 6 سنوات.

حسن مقداد يحمل ابنه حسين خلال الكشف الطبي عليه بالمركز الطبي التابع للجامعة الأميركية في بيروت (أ.ب)

كما تسببت الضربة في 21 أكتوبر في أضرار عبر الشارع، في أحد المستشفيات العامة الرئيسية في بيروت، حيث تحطمت الألواح الشمسية والنوافذ في الصيدلية ووحدة غسيل الكلى. نجا الأب لأنه خرج لتناول القهوة. شاهد مبناه ينهار في الغارة الجوية في وقت متأخر من الليل. كما فقد متجره ودراجاته النارية وسيارته - وكل ما تملكه الأسرة التي استمرت 16 عاماً.

ووصل صديقه حسين حمودة إلى مكان الحادث للمساعدة في البحث في الأنقاض. ورصد حمودة أصابع حسين مقداد الصغير في الظلام في زقاق خلف منزلهم. في البداية ظن أنها أطراف مبتورة، إلى أن سمع صراخ الصبي. وأخرج حسين وقد استقر الزجاج في ساقه وقضيب معدني في كتفه. وقال حمودة إنه لم يتعرف على الصبي. وأمسك بمعصم الطفل المقطوع تقريباً في مكانه.

ويرقد حسين الآن في المستشفى، يشرب عصيراً وهو يستمع إلى والده وصديقه. والتفت والده إليه، وسأله عما إذا كان يريد لعبة سبايدر مان - في محاولة لمنع الدموع. وقال إنه يشتري لحسين لعبة كل يوم. وقال: «يبدو ما أعيشه وكأنه كذبة كبيرة... لا يستطيع العقل أن يستوعبها. الحمد لله على نعمة حسين».


مقالات ذات صلة

«يونيفيل» تعلن سحب معظم عناصرها من جنوب لبنان منتصف 2027

المشرق العربي جندي إيطالي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يقف حارساً على طريق يؤدي إلى قاعدة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة بلبنان (أ.ب)

«يونيفيل» تعلن سحب معظم عناصرها من جنوب لبنان منتصف 2027

تعتزم قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان «يونيفيل» سحب معظم قواتها من لبنان بحلول منتصف عام 2027.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جانب من جولة نواف سلام على جنوب لبنان (حساب رئاسة مجلس الوزراء على «إكس»)

سلام يجول على القرى الحدودية جنوب لبنان: نعمل على توفير شروط التعافي

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، اليوم (السبت)، عن العمل على إعادة إعمار البنى التحية واستمرار الإغاثة وتوفير شروط التعافي في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود يتبعون قوة «يونيفيل» يفحصون مبنى فجرته القوات الإسرائيلية في بلدة الخيام بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

قتيل في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

قتل شخص في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في حين قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عنصراً في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى في قرية كفردونين بجنوب لبنان يوم 25 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل عنصرين من «حزب الله» بغارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء)، مقتل عنصرين من «حزب الله» كانا يحاولان إعادة تأهيل منشأة تحت الأرض تابعة للجماعة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

ترمب يصدم إسرائيل: «القبة الحديدية» مشروع أميركي

صدمت أقوال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن منظومة الدفاع الصاروخي «القبة الحديدية» مشروع أميركي.

نظير مجلي (تل أبيب)

واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

لم يمضِ شهران على إنشاء «حزب الله» مؤسسة تجارية مرخّصة تولّت جزءاً من أنشطة «القرض الحسن» في إقراض مناصريه، حتى أدرجتها وزارة الخزانة الأميركية على لائحة العقوبات، في خطوة قالت واشنطن إنها تهدف إلى إحباط محاولات الحزب الالتفاف على العقوبات بعد إغلاق هذه النافذة.

وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن «حزب الله» أنشأ شركة «جود» التجارية، المعنية ببيع الذهب وشرائه عبر عقود تتم في فروع مؤسسة «القرض الحسن»، الذراع المالية للحزب، والخاضعة بدورها للعقوبات الأميركية، وذلك بوصف ذلك جزءاً من «سياسة تموضع قانوني» داخل البلاد للإفلات من الضغوط الدولية والمحلية لإغلاقها.

وسرعان ما أحبطت واشنطن هذه المحاولة، إذ قال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، الثلاثاء، إنه فرض عقوبات على شركة «جود ش.ذ.م.م»، وهي شركة صرافة ذهب، ومقرّها لبنان، وتعمل تحت إشراف مؤسسة «القرض الحسن»، التي تُعدّ الذراع المالية لـ«حزب الله». وأوضحت وزارة الخزانة أن شركة «جود» تحوّل احتياطيات الذهب إلى أموال قابلة للاستخدام لدعم إعادة تنظيم الحزب.

فشل الالتفاف على العقوبات

وتظهر الحزمة الجديدة من العقوبات أن الحزب فشل في الالتفاف عليها، إذ تلاحق واشنطن الكيانات التي تُسهم في تمويل الحزب، بمعزل عن تسميتها وشكلها القانوني. وفيما لم تصدر السلطات اللبنانية، كما «حزب الله»، أي موقف تجاه التعيين الجديد على العقوبات، ترجّح مصادر مالية أن تتخذ المؤسسات المالية اللبنانية تدابير تلقائية لمنع التعامل معها.

وإذ أكدت المصادر أن الضغوط الأميركية على السلطة اللبنانية «أكبر من أن يتم تجاهلها»، أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «مجرد صدور إدراج على العقوبات على أي شخص أو كيان، يُمنع تلقائياً من تعامله مع المصرف المركزي أو القطاع المالي»، مشيرة إلى أنه «في حال كان لديه حساب مصرفي يجمد الحساب تلقائياً، ويبلغ المصرف هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان بتجميد هذا الحساب»، وهي تندرج ضمن إطار «سلسلة إجراءات وقائية تتخذها المصارف والسلطة المالية».

وقالت المصادر: «الأشخاص أو الكيانات المدرجة على العقوبات لن تتمكن من القيام بأي عمليات مالية في المصارف أو مع مصرف لبنان، كما لن تتمكن من إجراء تحويلات إلى الخارج بشكل نهائي، وهي إجراءات معروفة في لحظة الإعلان عن صدور العقوبات الدولية أو العقوبات السيادية (الصادرة عن الولايات المتحدة) ضد أي فرد أو كيان تجاري أو منظمة».

إسرائيل تستهدف «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت في أكتوبر 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

ويُشكّل «القرض الحسن» أحد أكثر الملفات حساسية في الداخل اللبناني. ففي حين تصفه واشنطن بأنه أداة مالية تساعد الحزب على تجاوز النظام المصرفي، يرى الحزب ومؤيدوه أنه مؤسسة اجتماعية تمكّن آلاف العائلات من الحصول على خدمات مالية في بلد يعاني انهياراً مصرفياً شاملاً.

ورفض «حزب الله» في السابق المطالب الأميركية من السلطات اللبنانية بإغلاق المؤسسة، واتهم الولايات المتحدة بمحاولة «تجفيف الموارد المالية بغرض إلغاء وجود الحزب ومنعه من تقديم الخدمات الاجتماعية»، حسبما قال أمينه العام نعيم قاسم في خطاب الشهر الماضي.

تحدٍّ للرقابة ومخاطر إضافية

وكان مصرف لبنان المركزي قد أصدر تعميماً في السابق يمنع على أي مؤسسة التعامل مع «القرض الحسن»، في وقت يدفع «حزب الله» بدلات الإيواء للمتضررين من الحرب، عبر شيكات مسحوبة على «القرض الحسن»، ما يضطر الناس للتعامل مع تلك المؤسسات لقبض مستحقاتها.

وقال الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان لـ«الشرق الأوسط»: «إن إعادة صرف أموال (القرض الحسن) تُعدّ بمثابة تحدٍّ مباشر لسلطة مصرف لبنان وللأجهزة الرقابية». وأوضح أن «تعميم مصرف لبنان الذي حظر التعامل مع أي مؤسسة غير مرخّصة يفترض أن يكون موضع التزام صارم».

وكان مصرف لبنان المركزي قد أصدر العام الماضي التعميم رقم «170» بهدف منع دخول أي أموال -بشكل مباشر أو غير مباشر– مصدرها هيئات أو منظمات لبنانية خاضعة لعقوبات دولية، ولا سيما العقوبات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC)، إلى القطاع المصرفي اللبناني الشرعي، وذلك لتجنب تعريض علاقات المصارف اللبنانية المراسلة في الخارج للخطر، خصوصاً مع المصارف الأميركية التي تتولى عمليات التحويل بالدولار الأميركي.

وحذّر أبو سليمان من «أنّ استمرار التعامل مع مؤسسات غير مرخّصة قد يعرّض لبنان لمخاطر إضافية، بما في ذلك احتمال الوقوع تحت طائلة عقوبات خارجية، حتى لو جرى ذلك تحت عنوان المساعدات الاجتماعية». ورأى أن «أي تحويلات أو خدمات مالية صادرة عن مؤسسة غير خاضعة للترخيص والرقابة تثير علامات استفهام، خصوصاً في ظل التدقيق الدولي القائم على النظام المصرفي اللبناني».

وفيما يتصل بالانعكاسات الاجتماعية، رأى أبو سليمان أنّ مسألة تهدئة الشارع عبر أدوات ذات طابع مالي تحمل أبعاداً سياسية بغطاء اقتصادي، مشيراً إلى «أنّ الشارع اللبناني يعاني ضغوطاً معيشية كبيرة، لكنه شدد على صعوبة الجزم بحجم السيولة لدى مثل هذه المؤسسات؛ لأنها لا تنشر بيانات مالية مدققة وغير خاضعة للرقابة».


الجيش اللبناني يفكك مصنعاً للمخدرات شرق البلاد

آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
TT

الجيش اللبناني يفكك مصنعاً للمخدرات شرق البلاد

آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)

فكك الجيش اللبناني، الأربعاء، آلات لتصنيع المخدرات في بلدة بوداي في شرق لبنان، خلال مداهمة وحدة من الجيش، منازل مطلوبين في البلدة ضمن إطار التدابير الأمنية التي تنفّذها المؤسسة العسكرية لمكافحة الاتجار بالمخدرات وضبط الأمن.

وقالت قيادة الجيش، في بيان صادر عن «مديرية التوجيه»، إن الوحدة العسكرية «أوقفت لبنانياً لإطلاقه النار في تواريخ سابقة، كما ضبطت آلات تُستخدم في تصنيع المخدرات وكمية كبيرة من المواد المخدّرة».

وأشارت إلى أن «العملية تأتي في سياق خطة أمنية متواصلة تستهدف شبكات التصنيع والترويج في أكثر من منطقة، ولا سيما في نطاق بعلبك – الهرمل (شرق لبنان)، حيث تتكرر عمليات المداهمة المرتبطة بملاحقة مطلوبين وضبط معدات ومواد أولية تُستخدم في تصنيع المخدرات».

عمليات أمنية مكثفة

وتأتي هذه التحركات في ظل تكثيف المؤسسة العسكرية عملياتها الأمنية في عدد من المناطق، ولا سيما في البقاع والشمال، ضمن خطة متواصلة لضرب شبكات المخدرات والسلاح والجريمة المنظمة. كما تتزامن مع مطالبات محلية بتعزيز الاستقرار وحماية الأهالي، عبر ملاحقة المطلوبين وضبط معامل التصنيع ومصادر التمويل غير القانوني، خصوصاً في المناطق التي تشهد توترات أمنية متقطعة وارتفاعاً في معدلات الجرائم المرتبطة بالسلاح والمخدرات.

وتُعدّ منطقة بعلبك-الهرمل من أبرز النقاط الساخنة في ملف المخدرات، إذ شهدت خلال الأسابيع الماضية عمليات أمنية متلاحقة. وكان الجيش اللبناني قد أعلن في 7 فبراير (شباط) الحالي تنفيذ عملية دهم استهدفت منزلاً مهجوراً في بلدة حوش تل صفية- بعلبك، بعد رصد ومتابعة لتحركات شبكة يُشتبه في نشاطها بترويج المواد المخدّرة، وأسفرت عن ضبط نحو 3 ملايين و800 ألف حبة كبتاغون، إضافة إلى 73 كيلوغراماً من مادة البودرة البيضاء المخدّرة، بينما أكدت الجهات المعنية أن التحقيقات والإجراءات مستمرة لتعقّب المتورطين وتوقيفهم.

ملاحقة شبكات التهريب

وتعكس هذه الوقائع، مساراً تصاعدياً في عمليات الملاحقة والضبط، سواء داخل المناطق المصنّفة بؤراً ساخنة لعمليات التصنيع، أو على مستوى المرافق الحدودية، في محاولة للحد من تمدّد الشبكات المنظمة وتجفيف مسارات التهريب.

وفي موازاة الإجراءات الميدانية في الداخل، تواصل الأجهزة اللبنانية متابعة شبكات التهريب عبر المعابر والمرافق الحدودية، وسط تشديد رسمي على منع استخدام لبنان منصة لتهريب المخدرات إلى الخارج. وكانت المديرية العامة للأمن العام قد أعلنت في 28 يناير (كانون الثاني) توقيف شبكة منظمة لتهريب المخدرات من تركيا إلى المملكة العربية السعودية عبر مطار رفيق الحريري الدولي، مؤكدة في بيان رسمي أنّ لبنان «لن يكون منصة أو معبراً لتهريب المخدرات إلى الدول الشقيقة أو الصديقة». وأوضحت المديرية أن عناصرها أوقفت 4 مواطنين أتراك (3 رجال وسيدة) لدى محاولتهم دخول الأراضي اللبنانية على متن رحلة قادمة من إسطنبول، قبل أن تكشف التحقيقات، بإشارة القضاء المختص، عن تأسيسهم شبكة منظمة بالتنسيق مع جهات خارجية، وتنفيذهم عمليات سابقة باستخدام أساليب احترافية.


تقسيط «حزب الله» بدلات الإيواء يكشف عن عمق أزمته المالية

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

تقسيط «حزب الله» بدلات الإيواء يكشف عن عمق أزمته المالية

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)

يكشف إعلان الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، أنّ «(الحزب) اتخذ قراراً بتأمين الإيواء عن 3 أشهر»، عن أزمة «الحزب» المالية التي اضطرته إلى صرف بدلات الإيواء بالتقسيط، بمعدل دفعة واحدة كل 3 أشهر، خلافاً لتجربته في العام الماضي حين كان يصرف بدلات الإيواء عن عام كامل.

وأعلن قاسم أن «الحزب» قرر صرف بدلات الإيواء عن أشهر فبراير (شباط) ومارس (آذار) وأبريل (نيسان) 2026، «لكل من دُمّر بيته أو أصبح غير صالح للسكن»، علماً بأن هذه الدفعة كان يُفترض أن تُصرف في مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن 3 أشهر، لكن «الحزب» دفع بدلات إيواء للشهرين الماضيين، والآن 3 أشهر، رغم تأخر 10 أيام على الإعلان عن صرفها.

دفعات متفاوتة وأسئلة معلّقة

على الأرض، لا تُقرأ بدلات الإيواء عنواناً سياسياً فقط، بل كذلك على أنها اختبار عملي، وقدرة على دفع بدلات الإيجار، وتنقل الأطفال بين المدارس، وتكلفة النقل، وتحوّل النزوح الداخلي إلى نمط حياة قسري.

تقول رنا؛ وهي سيدة نزحت من بلدة جنوبية إلى بيروت، إن «أولوية العائلات اليوم ليست السياسة، بل تأمين مكان للعيش»، مضيفة: «الناس تسأل عن بدل الإيجار، وعن المدة، وعن الاستمرارية. 3 أشهر تمر بسرعة، وبعدها لا أحد يعرف ما الذي سيحصل».

ويشير حسن، وهو متضرر آخر يقطن في الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى أن الإعلان «خفف جزءاً من القلق، لكن المشكلة ليست في الإعلان فقط، بل في انتظام الدفع وفي شمول الجميع».

تفاوت في المقبوضات

وبرزت خلف هذا القلق استنسابية في صرف التعويضات؛ إذ لم تشهد المرحلة السابقة صرفاً لكل بدلات الإيواء لجميع المستفيدين، وفق ما يقول سكان الضاحية، حيث كانت الفوارق بين الحالات واضحة.

نعيم قاسم متحدثاً إلى تجمع دعا له «حزبُ الله» في الضاحية الجنوبية الشهر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويقول أحد سكان الضاحية: «لم أقبض في السابق سوى ألفي دولار عن 4 أشهر»، كاشفاً عن أنّ «بدلات أخرى عن العام السابق لم تصل إليّ بالكامل، ولا أعرف مصيرها». ويشير آخر إلى أنه قبض 3 آلاف دولار عن 6 أشهر، لكنه يقول إن «الحديث عن بدلات إضافية بقي قائماً، من دون أن تتضح كيف ستُستكمل، أو ما إذا كانت ستُصرف فعلاً». وتضيف أخرى من سكان منطقة حارة حريك في الضاحية: «نحن لا نعرف هل ما يُدفع هو بدل إيواء كامل، أم دفعات متقطعة، أم تسوية. الناس تتكلم، لكن لا يوجد جواب رسمي واضح».

«الحزب»: ملتزمون دفع بدل إيواء

ويؤكد «الحزب» أنه «اتخذ قراراً بتأمين الإيواء»، ويقول مطلعون على تفاصيله إن هذه الخطوة تأتي في إطار تخفيف الأعباء عن المتضررين في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع تكلفة الإيجارات.

لكن هذا التعهد يصطدم بضغوط خارجية وعقوبات تتوالى، لمنع تدفق الأموال إلى «الحزب»، كان آخرها إعلان وزارة الخزانة الأميركية أنها اتخذت «إجراءات لتعطيل آليتين أساسيتين يستخدمهما (حزب الله) للحفاظ على استقراره الاقتصادي»، تتمثلان في «توليد الإيرادات بالتنسيق مع النظام الإيراني، واستغلال القطاع المالي غير الرسمي في لبنان».

لبنانيون يقفون قبالة مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويقول معارضون لـ«الحزب» إن «الملف اليوم لم يعد سياسياً فقط، بل بات مرتبطاً مباشرة بالقدرة على تأمين السيولة اللازمة لتغطية التزامات اجتماعية، وفي مقدّمها بدلات الإيواء»، ويرى هؤلاء أنّ «الاختبار الحقيقي سيكون في انتظام الدفع وفي وضوح الآلية، لا في الإعلان بحد ذاته».

مهدئات لبيئته

ويقول رئيس «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» المعارض لـ«حزب الله»، جاد الأخوي، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري على مستوى الحديث عن ضخّ الأموال «يشبه إبرة مورفين»، وأضاف: «في فترات سابقة قيل إن أموالاً طائلة دخلت إلى البلد، لكنها لم تُصرف، واليوم قد يكون هناك إنفاق محدود، لكنّه يبقى في إطار التهدئة المؤقتة؛ لا أكثر».

ورأى أنّ الدولة «وعدت بمبالغ بنحو 300 مليون دولار»، مشيراً إلى أنّ ما يفعله «الحزب» هو «محاولة لإعطاء الناس جرعة تهدئة، أو ما يشبه الـ(مورفين)، إلى حين توافر التمويل الفعلي». واستبعد إمكانية العودة إلى نمط التمويل السابق، خصوصاً عبر مؤسسات مثل «القرض الحسن»، عادّاً أنّ استمرار هذا النهج «يحمل مخاطر جدية على الاقتصاد».