غزيون سئموا الشكوى من المجاعة: العالم «مش حاسس فينا»

سيدة اضطرت إلى شراء طحين «فاسد» لإطعام أسرتها

TT

غزيون سئموا الشكوى من المجاعة: العالم «مش حاسس فينا»

فلسطيني يجلس يوم الاثنين الماضي على أنقاض منزل دمره القصف الإسرائيلي في خان يونس بقطاع غزة (رويترز)
فلسطيني يجلس يوم الاثنين الماضي على أنقاض منزل دمره القصف الإسرائيلي في خان يونس بقطاع غزة (رويترز)

امتدت معاناة الجوع المتفاقمة إلى مناطق واسعة من قطاع غزة، بينما يعبر غزيون عن ضيقهم حتى من الشكوى في ظل استمرار الحرب وعدم القدرة على إدخال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين.

ومع إقرار الكنيست الإسرائيلي قانوناً لحظر أنشطة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، وإبلاغ الخارجية الإسرائيلية، للأمم المتحدة، بشكل رسمي بإنهاء العلاقات مع الوكالة، تضاعفت المخاوف لدى سكان غزة.

تحت وطأة القصف الذي لا يتوقف تقريباً على شمال غزة، اضطر عاطف الحلاق، وهو من سكان مخيم جباليا إلى النزوح نحو غرب مدينة غزة منذ أسبوعين، يقول الرجل إنه يبحث منذ قدومه إلى المنطقة عما يقدمه لأطفاله البالغ عددهم 8، ومع ذلك لا يجد.

وبحسب الحلاق، فإن أسواق شمال قطاع غزة فارغة ولا يتوفر فيها سوى الطحين، وبعض المعلبات التي سمحت إسرائيل بإدخالها مؤخراً لتوزيعها ضمن مساعدات إنسانية بشكل محدود جداً، وباتت تباع في الأسواق بعد سرقة بعضها من «اللصوص» وبأسعار باهظة الثمن.

فلسطينيون ينزحون يوم الثلاثاء من شمال غزة وسط عملية عسكرية إسرائيلية (رويترز)

يقول الحلاق لـ«الشرق الأوسط»: «كل شخص لديه عائلة كبيرة لا يستطيع في الحقيقة أن يشتري هذه المعلبات بمثل هذه الأسعار خاصةً أنه سيحتاج 3 معلبات على الأقل لكي يستطيع سد رمق أطفاله».

أما الشاب محمود السكني فيقول لـ«الشرق الأوسط»: «تعودنا على الجوع، ما عادت تفرق معنا، بناكل شوية خبز حافي من دون أي إشي، أو شوية رز، أو شوية عدس، وحياة وماشية».

ويضيف السكني بأسى وضيق: «ما بدنا نضل نشكي ونقول الجوع قتلنا، لأنه العالم مش حاسس فينا أصلاً، ولا راح يحس فينا، وما بنستنى من حدا يطلع إلنا أو يدخل إلنا، بيكفي ربنا شايف وعارف حالنا، وننتظر منه الفرج».

مساعدات صفرية

وتؤكد منظمات دولية ومنها «برنامج الأغذية العالمي» أن شهر أكتوبر المنصرم كان الأكثر سوءاً على سكان قطاع غزة. بسبب انعدام الأمن الغذائي وتوقف إدخال المساعدات.

ويقول المواطن سمير الحسني لـ«الشرق الأوسط»، وهو من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة ونازح إلى خان يونس جنوب القطاع، إنه للأسبوع الثالث على التوالي لا يجد في الأسواق ما يسد به رمق أطفاله.

وأشار الحسني (48 عاماً) إلى أن المنظمات الإغاثية الدولية ومنها «أونروا» وجهات أخرى توقفت قدرتها على تسليم أي مساعدات إنسانية للسكان في جنوب قطاع غزة، ما يفاقم الظروف الإنسانية التي يعيشونها في الآونة الأخيرة.

جانب من عمليات توزيع الطحين في دير البلح بوسط قطاع غزة مطلع الشهر الحالي (أ.ب)

وتغلق إسرائيل منذ أشهر معبر رفح البري، فيما تغلق معبر كرم أبو سالم بشكل كامل منذ ما يزيد على شهرين وهو الذي كان مخصصاً لإدخال المساعدات الإنسانية لسكان جنوب قطاع غزة.

وبحسب «برنامج الأغذية العالمي» فإنه «لم يتم تسليم سوى 5 آلاف طن متري من الغذاء إلى غزة طوال الشهر، أي ما يعادل 20 في المائة فقط من المساعدات الغذائية الأساسية المطلوبة لـ1.1 مليون شخص، يقطنون جنوب قطاع غزة».

وأفاد مصدر مسؤول بوزارة التنمية الاجتماعية التابعة للحكومة الفلسطينية في رام الله، ويشرف على توزيع بعض المساعدات بغزة، لـ«الشرق الأوسط» إن الشهر الماضي حقق «نتيجة صفرية» في دخول المساعدات، ما انعكس سلباً على قدرة جميع الجهات الدولية والعربية والفلسطينية في تقديم الدعم للنازحين وغيرهم.

وأوضح المصدر أن «معدل ما دخل نهاية الشهر الماضي فقط لا يتعدى 5 في المائة فقط من احتياجات السكان، واقتصر على إدخال كميات محدودة جداً من الدقيق الأبيض (الطحين)».

طحين فاسد

بفعل الضغوط الملقاة على عاتق السيدة أنعام أبو ريالة، وهي من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة ونازحة في دير البلح وسط القطاع، اضطرت إلى شراء كيس طحين واحد «مسوس (أي فاسد)» حتى تتمكن من خبزه لإطعام أبنائها وأحفادها البالغ عددهم 23 شخصاً، وجميعهم يعيشون في خيمتين متلاصقتين.

وتقول أبو ريالة لـ«الشرق الأوسط» إن ما دفعته مقابل هذا الكيس من الطحين 150 شيقلاً (الدولار الأميركي يساوي 3.7 شيقل) رغم أنه «مسوس»، وقد يعرض حياتها وحياة أبنائها وأحفادها للخطر.

أطفال فلسطينيون يبحثون عن بقايا طعام في القمامة في دير البلح يوليو الماضي بعد انتشار المجاعة (د.ب.أ)

تستدرك السيدة بحزن: «مضطرة أعمل هيك، لأنه ما فيه حل بإيدينا، وعايشين ظروف صعبة وما حدا حاسس فينا؛ بدنا نعيش مثل أهلنا اللي ضلوا بالشمال واضطروا ياكلوا أكل الحيوانات، ويمكن إحنا نعمل مثلهم إن استمر الوضع هيك».

وتحدثت أبو ريالة عن تأثرها وغيرها بالتضييق على عمل «أونروا»، وقالت: «الوكالة أكثر جهة كانت توزع علينا المساعدات، وإن نفذت إسرائيل مخططها، سنعيش طوال حياتنا بفقر وبمجاعة تقتل أولادنا مثلما قتلتهم في شمال القطاع».

ويفتقد سكان غزة الخضراوات أو المعلبات لجميع أنواع الأغذية، كما باتوا يفتقدون لأنواع مختلفة من الاحتياجات الأساسية مثل السكر والملح وغيرهما، نتيجة منع إدخالها من إسرائيل.

وقالت مصادر فلسطينية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» هناك «مساعٍ حثيثة تبذل من عدة أطراف لإدخال كميات حتى وإن كانت محدودة من الخضار والطحين وغيره لأسواق جنوب قطاع غزة، وقد تنجح هذه الجهود جزئياً في الأيام المقبلة بعد انخراط واسع من الولايات المتحدة فيها».

وفيات الرضع

ولا تتوقف أزمة انعدام الغذاء على الأصحاء أو من نجوا حتى الآن من الحرب، إذ مات رضيع جديد هو بلال يحيى جنينة وعمره 6 أشهر تقريباً، الاثنين الماضي، نتيجة مضاعفات الأمراض والمجاعة ونقص الحليب الطبي بشكل أساسي.

وقال عم الرضيع جنينة لصحافيين داخل مستشفى الأهلي العربي (المعمداني) بمدينة غزة، إن الطفل كان في مستشفى كمال عدوان يتلقى العلاج ويحاول الأطباء تقديم مدعمات غذائية خاصة له لإنقاذ حياته، إلا أنه بسبب فرض الحصار على المستشفى وخروجه عن الخدمة، نقل الرضيع إلى مستشفى المعمداني أول من أمس من قبل منظمة الصحة العالمية ووفد أممي قدم إلى مستشفى كمال عدوان لإجلاء المرضى.

وأوضح أن «الرضيع عانى من سوء تغذية حاد بفعل نقص الحليب الطبي الذي كان يتوجب أن يستخدمه، وهو ما لم يتوفر في أي من المستشفيات أو العيادات الطبية وحتى الصيدليات».

وتقول مصادر طبية فلسطينية إن هناك المئات من الأطفال المعرضين للخطر في شمال قطاع غزة، وقد يفقدون حياتهم نتيجة نقص الأدوية والطعام.

الطفل يزن كفارنة بات «وجه المجاعة» في غزة بعد وفاته في مارس الماضي (أ.ف.ب)

ونشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، الاثنين، تقريراً حول واقع الظروف في قطاع غزة وخاصة شماله، وقالت إن قطاع غزة «يعيش في 3 دوائر من الحصار الإسرائيلي تخضع لقيود مختلفة؛ فالقطاع بأكمله محاصر لا يدخله أو يخرج منه أحد إلا بإذن من الجيش الإسرائيلي، كما يُفرض حصار آخر على شمال القطاع بأكمله من منطقة وادي غزة وحتى الحدود مع بيت حانون، ويُفرض منذ مطلع الشهر الماضي حصار آخر وأشد في جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون».

ونقلت «هآرتس» عن مسؤول أممي كبير قوله: «قطاع غزة في حصار داخل حصار داخل حصار».

ونقلت الصحيفة العبرية عن يورغوس بترويولوس مدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في قطاع غزة: هناك استخدام واضح للمساعدات الإنسانية كسلاح ضد المدنيين شمال القطاع.

وحذر بترويولوس من كارثة حقيقية تتهدد سكان شمال قطاع غزة، مشيراً إلى أن هناك مرضى يواجهون الموت في مستشفى كمال عدوان، وقد شاهدهم بنفسه خلال زيارته للمستشفى في الأيام الأخيرة.

وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي يتعامل مع الفرق الأممية بطرق مهينة، ويقوم بإجبارهم على إنزال الجرحى والمرضى وتفتيشهم.

دمار لحق بسيارات إسعاف بمستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة يوم 26 أكتوبر 2024 وسط الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حماس» (أ.ف.ب)

وقال المسؤول الأممي الدولي: «في إحدى المرات عندما قمنا بنقل الجرحى، سألنا الضابط عن سبب عدم قيامنا بإخراج الجرحى من سيارة الإسعاف، قلت له: (تعال وانظر، هذه فتاة تبلغ من العمر سبع سنوات ولديها جرح في رأسها يمكنك من خلاله رؤية دماغها)، لكن يبدو أن الطريقة الوحيدة لكي لا تكون إرهابياً في غزة هي أن تكون طفلاً... لقد تأخرنا لمدة ثلاث ساعات أثناء الفحص، وطوال هذا الوقت واصل المسعف إعطاء الأكسجين للفتاة، لقد نقلناها إلى المستشفى في غزة، لكنني لا أعرف ما إذا كانت قد بقيت على قيد الحياة».


مقالات ذات صلة

خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

المشرق العربي تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

قد يُمثّل الخط الفاصل، الذي يكون أحياناً غير مرئي، مسألة حياة أو موت للفلسطينيين في غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

تحليل إخباري خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار».

أحمد جمال (القاهرة)
الخليج خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة (أ.ف.ب)

السعودية تُرحِّب ببدء ثاني مراحل «خطة غزة»

رحَّبت وزارة الخارجية السعودية، الجمعة، بالإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة السلام الشاملة، وتشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جندي إسرائيلي ومعه أحد الكلاب المدرَّبة خلف الخط الأصفر بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي) play-circle

إسرائيل تنفي صحة تقرير بنقل الخط الأصفر إلى داخل قطاع غزة

نفى الجيش الإسرائيلي صحة تقرير يفيد بأنه نقل خط الترسيم الأصفر إلى داخل قطاع غزة، أيْ وسّع المنطقة التي تخضع لسيطرته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تحليل إخباري خيام تأوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «عقبات عالقة» تهدد مسار «الإدارة الجديدة» في غزة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة جديدة بتشكيل لجنة إدارة القطاع التي واجهت على الفور سيل تصريحات إسرائيلية بشأن التمسك باسترجاع الرفات الأخيرة أولاً.

محمد محمود (القاهرة)

ملك الأردن يتلقى دعوة من ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
TT

ملك الأردن يتلقى دعوة من ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)

​قالت وزارة الخارجية الأردنية، اليوم الأحد، إن الملك عبد الله الثاني تلقى ‌دعوة من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام ‌لمجلس السلام في غزة.

وذكرت الوزارة في بيان: «يجري حالياً دراسة ⁠الوثائق المرتبطة بالدعوة ‌وفق الإجراءات ‍القانونية ‍الداخلية».

ومن المقرر ‍أن يشرف المجلس على الإدارة المؤقتة لقطاع ​غزة، في ظل اتفاق هش لوقف ⁠إطلاق النار منذ أكتوبر (تشرين الأول).

وأعلن البيت الأبيض، مساء الجمعة، تشكيل «مجلس السلام» في غزة والمجلس التنفيذي، بعد يومين من تشكيل لجنة إدارة القطاع، معتبراً ذلك «خطوة حيوية نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطته الشاملة لإنهاء الصراع في غزة».

ويضم المجلس التنفيذي التأسيسي، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهر ترمب، جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورجل الأعمال الأميركي مارك روان، ورئيس البنك الدولي أجاي بانجا، إلى جانب نائب كبير موظفي البيت الأبيض روبرت جابرييل.

كما يضم المجلس التنفيذي لغزة، المبعوث الدولي السابق للشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومستشار رئيس مجلس الوزراء القطري للشؤون الاستراتيجية علي الذوادي، ورئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، ووزيرة دولة للتعاون الدولي الإماراتية ريم الهاشمي، ورجل الأعمال القبرصي الإسرائيلي ياكير جاباي، وكبيرة منسقي الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة سيغريد كاج.

وسيتولى ملادينوف مهام «الممثل الأعلى» لغزة، حيث سيعمل حلقة وصل ميدانية بين «مجلس السلام» و«اللجنة الوطنية لإدارة غزة».

وأعلنت مصر وتركيا والأرجنتين وكندا تلقي زعمائها أيضاً دعوات من الرئيس الأميركي للانضمام إلى المجلس.


أوجلان يعدّ معارك سوريا «محاولة تخريب» لعملية السلام في تركيا

جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
TT

أوجلان يعدّ معارك سوريا «محاولة تخريب» لعملية السلام في تركيا

جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)

وصف زعيم «حزب العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، القتال الدائر بين الجيش السوري والقوات الكردية في شمال شرقي سوريا بأنه «محاولة لتخريب عملية السلام»، التي بدأت في تركيا مع مقاتلي الحزب.

وأفاد وفد من حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» (حزب اليسار الأخضر) المؤيد للأكراد، الأحد، بأن «أوجلان يرى في هذا الوضع محاولة لتخريب عملية السلام وإرساء مجتمع ديمقراطي».

وكان الوفد قد زار، السبت، مؤسس حزب «العمال» الكردستاني المسجون في إسطنبول منذ عام 1999.

في 27 فبراير (شباط) 2025، دعا زعيم «حزب العمال الكردستاني» الحركة إلى حلّ نفسها وإلقاء السلاح لإنهاء أكثر من 4 عقود من القتال الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 50 ألف شخص، وذلك استجابة لمبادرة من أنقرة.

وبعدما أمضوا «ساعتين ونصف الساعة» معه، نقل أعضاء في حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب»، ثالث أكبر الأحزاب في البرلمان التركي، عن أوجلان تجديد «التزامه بعملية السلام والمجتمع الديمقراطي، وإشارته إلى أن رؤية 27 فبراير لا تزال قائمة». كما دعا أوجلان إلى «اتخاذ الخطوات اللازمة للمضي قدماً» في المسار السلمي.

وفي منتصف يناير (كانون الثاني)، ندَّدت القيادة العسكرية لـ«حزب العمال الكردستاني» بمحاولة «تقويض وقف إطلاق النار» مع أنقرة من خلال هجوم القوات السورية على آخر حيَّين كانا لا يزالان تحت سيطرة الأكراد في حلب، واللذين انسحب منهما لاحقاً المقاتلون الأكراد.


خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
TT

خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

قد يُمثّل الخط الفاصل، الذي يكون أحياناً غير مرئي، مسألة حياة أو موت للفلسطينيين في غزة. ويقول مَن يحتمون قرب «الخط الأصفر» الذي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، إنهم يعيشون في خوف دائم، إذ يُطلق الجنود الإسرائيليون النار بشكل شبه يومي على كل مَن يعبره أو حتى يوجد بالقرب منه.

ومن بين 447 فلسطينياً قُتلوا بين دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ويوم الثلاثاء، قُتل 77 على الأقل بنيران إسرائيلية قرب الخط، من بينهم 62 عبروه، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. ووجدت وكالة «أسوشييتد برس» أن من بين الضحايا مراهقين وأطفالاً صغاراً.

ورغم أن الجيش وضع بعض البراميل الصفراء والحواجز الخرسانية لتحديد حدود المنطقة الفلسطينية، فإن الخط لا يزال غير واضح في بعض الأماكن، وفي أماكن أخرى وُضع أعمق بنحو نصف كيلومتر (0.3 ميل) مما تم الاتفاق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار، ما يُوسِّع الجزء من غزة الذي تسيطر عليه إسرائيل، بحسب فلسطينيين وخبراء في رسم الخرائط.

جثمان الطفلة همسة حوسو التي قتلها الجيش الإسرائيلي وتبلغ من العمر 11 عاماً بمستشفى الشفاء في جباليا (أ.ب)

وقال أحمد أبو جهال، أحد سكان مدينة غزة: «نبتعد عن البراميل. لا أحد يجرؤ على الاقتراب»، مشيراً إلى أن العلامات تبعد أقل من 100 متر (110 ياردات) عن منزله، بدلاً من 500 متر (546 ياردة) تقريباً كما هو موضح في خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي.

وحتى يوم الثلاثاء، أقرّ الجيش الإسرائيلي بقتل 57 شخصاً حول الخط الأصفر، مُدّعياً أن معظمهم من المسلحين. وأوضح أن قواته تلتزم بقواعد الاشتباك لمواجهة الجماعات المسلحة، وأنها تُبلغ الفلسطينيين بموقع الخط وتضع علامات عليه على الأرض «لتقليل الاحتكاك ومنع سوء الفهم».

من السهل التيه

وبموجب وقف إطلاق النار، سحبت إسرائيل قواتها إلى منطقة عازلة يصل عمقها إلى 7 كيلومترات (4 أميال) وتشمل معظم الأراضي الزراعية في غزة، ومناطقها المرتفعة، وجميع معابرها الحدودية. وهذا يُحاصر أكثر من مليونَي فلسطيني في شريط على طول الساحل ووسط غزة.

وقال مدير مستشفى الأهلي في مدينة غزة، فاضل نعيم، إن أشخاصاً من جميع الأعمار، بعضهم متوفون بالفعل، يتوافدون بشكل شبه يومي إلى غرفة الطوارئ مصابين بجروح ناجمة عن طلقات نارية؛ نتيجة تجولهم بالقرب من الخط الفاصل.

ووسط الدمار الهائل في غزة، يصعب في كثير من الأحيان تحديد خط الترسيم، كما قال نعيم. وروى كيف كان يشق طريقه عبر مسارات غير متضررة خلال زيارة قام بها مؤخراً إلى مدينة خان يونس الجنوبية. وقال إنه لم يلاحظ أنه كاد يعبر الخط حتى صرخ عليه السكان المحليون للعودة.

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

وقال الجيش الإسرائيلي إن معظم من قتلهم في أثناء عبورهم الخط كانوا يُشكِّلون تهديداً لقواته. ووفقاً لمسؤول عسكري تحدَّث شريطة عدم الكشف عن هويته تماشياً مع القواعد العسكرية، فإن القوات تصدر تحذيرات صوتية، ثم تطلق طلقات تحذيرية كلما عبر أحدهم الخط. وأقرَّ المسؤول بأن كثيراً من المدنيين يتراجعون عند إطلاق الطلقات التحذيرية، على الرغم من مقتل بعضهم.

قُتل زاهر شاميا، البالغ من العمر 17 عاماً، في أثناء لعبه بالقرب من الخط. كان يعيش مع جده في خيمة تبعد 300 متر (330 ياردة) عن الخط في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة. وفي 10 ديسمبر (كانون الأول)، كان يلعب مع ابن عمه وبعض أصدقائه بالقرب من الخط، وفقاً لمقطع فيديو صوره قبل وفاته.

وقُتل زاهر في أثناء لعبه بالقرب من الخط. فجأة، دوت طلقات نارية وتوقف الفيديو. وقال شاهد عيان إن جنوداً كانوا يقتربون من الخط بجرافة مدرعة أطلقوا النار على المراهقين، فأصابوا زاهر. وعثر أحد الجيران في نهاية المطاف على جثة زاهر، التي سُحقت تحت الجرافة، وقال جده كمال البيه: «لم نتعرَّف عليه إلا من رأسه». وأكد الطبيبان، محمد أبو سلمية ورامي مهنا، أن المراهق قُتل برصاص ثم دهسته جرافة. وقال مسؤول عسكري إنه كان على علم بأنَّ شاميا مدني، وأن الجيش يحقق في الأمر. وقالت مرام عطا إن ابنتها عهد البيوك، البالغة من العمر 3 سنوات، كانت تلعب مع إخوتها خارج خيمتهم، القريبة من الخط الأصفر على طول الساحل الجنوبي لغزة، في السابع من ديسمبر. وكانت عطا تُعدّ العدس عندما سمعت طائرات تحلق فوقها، ثم دويّ إطلاق نار. ومرّت قذيفة طائشة بالقرب منها وأصابت عهد، التي فارقت الحياة قبل وصولهم إلى العيادة. وقالت عطا وهي تبكي: «لقد فقدت ابنتي بسبب ما يسمونه (وقف إطلاق نار). أي وقف إطلاق نار يتحدثون عنه؟».

ونفى مسؤول عسكري وقوع عملية القتل.

غموض قاتل

وأفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأن الموقع الدقيق للخط غير واضح، ويختلف بين الخرائط التي نشرها الجيش الإسرائيلي والبيت الأبيض. ولا يتطابق أي منهما مع الخط الذي يبدو أن القوات تحدده على الأرض، وفقاً لفلسطينيين وخبراء في تحديد المواقع الجغرافية. وقام كريس أوسيك، محلل ومستشار استخبارات المصادر المفتوحة، بتحديد المواقع الجغرافية لعدد من المربعات الصفراء استناداً إلى مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي. ووجد 4 مناطق حضرية على الأقل وضعت فيها القوات المربعات على عمق مئات الأمتار داخل غزة، أبعد من الخط الأصفر المحدد في الخريطة العسكرية. قال أوسيك: «هذا ما يحدث عندما تسمح لترمب ببساطة بإنشاء صورة ونشرها على منصة (تروث سوشيال)، وتسمح للجيش الإسرائيلي بإنشاء صورته الخاصة». وأضاف: «إذا لم يكن النظام دقيقاً، بإحداثيات تسهل على الناس تحديد موقعه، فإنك تترك المجال مفتوحاً للجيش الإسرائيلي لتفسير الخط الأصفر كما يشاء».

أطفال فلسطينيون ينظرون إلى الدمار الذي أحدثه الجيش الإسرائيلي في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ورفض المسؤول العسكري هذه الانتقادات، قائلاً إن أي انحرافات عن الخريطة لا تتجاوز بضعة أمتار. لكن بالنسبة للفلسطينيين المحاصرين بالدمار والتهجير الواسعَين، فإن كل بضعة أمتار مفقودة تعني منزلاً آخر لا يمكن الاحتماء به، منزلاً آخر يشكّون في إمكانية استعادته.

«الخط يقترب جداً»

بموجب وقف إطلاق النار، من المفترض أن تبقى القوات الإسرائيلية عند الخط الأصفر فقط حتى انسحاب كامل، على الرغم من أن الاتفاق لا يحدد جدولاً زمنياً لذلك. ومع تأخر الخطوات التالية في الاتفاق، وحفر القوات مواقعها على الجانب الإسرائيلي، يتساءل الفلسطينيون عمّا إذا كانوا يشهدون استيلاءً دائماً على الأرض.

في ديسمبر، وصف وزير الدفاع الإسرائيلي الخط الأصفر بأنه «خط حدودي جديد، بمثابة خط دفاعي أمامي لمجتمعاتنا وخط للعمليات».

وواصل الجيش هدم المباني داخل المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، محولاً الأحياء المتضررة أصلاً إلى أراضٍ قاحلة. وقد سُوّيت مدينة رفح بأكملها تقريباً بالأرض، خلال العام الماضي. ويقول الجيش إن هذا ضروري لتدمير الأنفاق وتجهيز المنطقة لإعادة الإعمار. في بعض المناطق، تجاوزت عمليات الهدم منذ وقف إطلاق النار الخط الأصفر الرسمي.

جثمان الطفلة همسة حوسو التي قتلها الجيش الإسرائيلي وتبلغ من العمر 11 عاماً بمستشفى الشفاء في جباليا (أ.ب)

ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني)، سوّت القوات الإسرائيلية مساحةً من حيّ طفة في مدينة غزة بالأرض، تمتدّ نحو 300 متر (330 ياردة) خارج المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، وذلك وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية التي التقطتها شركة «بلانيت لابز» في 14 أكتوبر و18 ديسمبر. وعاد أبو جهال إلى منزله المتضرر في طفة مع بداية وقف إطلاق النار. وقال إنه كان يرى باستمرار ظهور براميل صفراء جديدة، والجيش يُجبر كل من يسكن على جانبه من العلامات على إخلاء منزله. وفي 7 يناير (كانون الثاني)، أصابت نيران إسرائيلية منزلاً بالقرب منه، ما اضطرّ سكانه إلى الإخلاء، على حدّ قوله. وأضاف أبو جهال أن عائلته - بمَن في ذلك زوجته وطفله و7 من أقاربه - قد تضطرّ أيضاً إلى المغادرة قريباً. وقال: «الخط يقترب جداً».