«أطباء بلا حدود» لـ«الشرق الأوسط»: الحرب تعرّض النظام الصحي اللبناني للإجهاد

المنسقة الطبية حذرت من تفشي الأمراض المعدية في بعض مراكز الإيواء

مسعفون يخلون مصاباً من موقع استهدفته غارة إسرائيلية في شرق لبنان (أ.ف.ب)
مسعفون يخلون مصاباً من موقع استهدفته غارة إسرائيلية في شرق لبنان (أ.ف.ب)
TT

«أطباء بلا حدود» لـ«الشرق الأوسط»: الحرب تعرّض النظام الصحي اللبناني للإجهاد

مسعفون يخلون مصاباً من موقع استهدفته غارة إسرائيلية في شرق لبنان (أ.ف.ب)
مسعفون يخلون مصاباً من موقع استهدفته غارة إسرائيلية في شرق لبنان (أ.ف.ب)

حذرت منظمة «أطباء بلا حدود» من أن ظروف الحرب القاسية التي يرزح تحتها لبنان تُعرّض النظام الصحي للإجهاد، لافتة إلى أن المستشفيات «تواجه خطر نفاد المواد الطبية المستخدمة لرعاية الجروح بعد كلّ مرّة يتدفّق فيها الجرحى إلى غرفة الطوارئ». ونبهت على لسان المنسقة الطبية للمنظمة في لبنان الدكتورة لونا حمّاد، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن القطاع الطبي في البلاد «يواجه تحدياً يتمثّل بتفشّي الأمراض المعدية في بعض مراكز الإيواء؛ نظراً لاكتظاظها وغياب خدمات المياه والصرف الصحي».

وتفاقمت أزمات لبنان الاجتماعية والصحية، إثر توسعة إسرائيل للحرب على لبنان منذ 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، ودفعت أكثر من 842 ألف شخص للنزوح في البلاد، بسبب الحرب، حسبما أعلن «مكتب المنظمة الدولية للهجرة»، واضطرت بعض المستشفيات الواقعة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت إلى إخلاء المرضى، في وقت سُجلت فيه آلاف الإصابات جراء القصف، مما فرض ضغوطاً إضافية على القطاع الطبي المنهك أصلاً.

وأعلنت حماد أن منظمة «أطبّاء بلا حدود» أطلقت مع اندلاع الحرب في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مشروعاً إضافياً يُعنى بصحّة النازحين، حيث جالت فرقها الطبيّة المتنقلة على بلدات جنوبية في محافظتَي صور والنبطية؛ لتوفير الرعاية الصحية الأولية والأدوية للحالات الحادة والمزمنة، عدا عن خدمات الدعم النفسي. كما تبرّعت لمستشفيات عدة في أنحاء لبنان بعشرة أطنان من الإمدادات الطبية التي تشتدّ الحاجة إليها في رعاية الجروح.

وتشير حمّاد إلى أنه «في أعقاب القصف الإسرائيلي الموسّع منذ منتصف سبتمبر 2024، وسّعنا أنشطتنا عبر إرسال فرق طبية إضافية إلى مراكز الإيواء أو تجمعات النازحين، وصل عددها اليوم إلى 14 فريقاً، توزعت على المناطق في بيروت، وجبل لبنان، وصيدا، وشمال لبنان، والبقاع»، وهي فرق تتألّف من أطباء وممرضين واختصاصيين نفسيين ومشرفي التوعية الصحية. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «استكملنا التبرّع بالإمدادات الطبية للمستشفيات، ووصل حجم تبرّعاتنا اليوم إلى 88 طنّاً، كما تبرّعنا بالمحروقات في بعض الأحيان».

إغلاق عيادات وافتتاح أخرى

وبعد القصف الإسرائيلي الموسّع، اضطرت «أطباء بلا حدود» إلى إغلاق عيادتَين في برج البراجنة (جنوب بيروت) وفي بعلبك - الهرمل، «بسبب انعدام الأمن»، ثم «أعدنا افتتاح عيادة بعلبك - الهرمل جزئياً؛ كي يقدر مرضانا على الحصول على أدوية الأمراض المزمنة التي يحتاجون إليها».

واليوم، تقول حماد: «ما زالت عيادات برج حمود وعرسال عاملة، أما عيادة بعلبك - الهرمل فتعمل جزئياً؛ لتوفير أدوية الأمراض المزمنة».

عناصر من الدفاع المدني يعملون على إطفاء النيران في موقع تعرض لاستهداف إسرائيلي بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

الضغط على النظام الصحي

وتقول حماد إن «النظام الصحي يعمل اليوم جاهداً للاستجابة إلى الاحتياجات الطبية الكبيرة في لبنان»، كما أن «هول الوضع الإنساني الحالي بين القصف والنزوح قد أجهد النظام الصحي. كما أن قصف المدنيين والعاملين الصحيين يزيد الأمر سوءاً»، مشيرة إلى إعلان «منظمة الصحة العالمية» عن خروج عدد كبير من مراكز الرعاية الصحية الأولية عن الخدمة بفعل انعدام الأمن، ووصل عددها إلى مائة مركز، «ما يمثّل تقريباً نصف المراكز الصحية الأولية في لبنان». ودعت حماد «إلى ضرورة حماية المدنيين والعاملين الصحّيين ومرافق الرعاية الصحّية وسيارات الإسعاف»، التي وثقت وزارة الصحة اللبنانية استهداف 246 سيارة منها، وأدت إلى مقتل 178 مسعفاً، وإصابة 279 آخرين بجروح، جراء القصف الإسرائيلي.

أطفال نازحون يلهون في مركز إيواء مؤقت في دير الأحمر في شرق لبنان (أ.ب)

احتياجات متزايدة

وعن احتياجات القطاع الطبي في لبنان في ظل الحرب، تقول حماد: «يخبرنا مرضانا أنهم اضطروا إلى ترك منازلهم دون مقتنياتهم الشخصية أو وصفاتهم الطبية. فالأشخاص المتعايشون مع الأمراض المزمنة مثلاً يواجهون خطر المضاعفات في حال انقطاعهم عن الدواء، ما يجعل توفير الرعاية الصحّية الأولية للنازحين ضرورةً».

وحذّرت حمّاد من أنه «قد يواجه القطاع الطبي تحدياً يتمثّل بتفشّي الأمراض المعدية في بعض مراكز الإيواء؛ نظراً لاكتظاظها وغياب خدمات المياه والصرف الصحّي عنها».

نازحون إلى مركز إيواء مؤقت في شرق لبنان (أ.ب)

وتنبه المنظمة إلى أن ظروف الحرب كالتي يشهدها لبنان، «تعرّض أي نظام صحّي للإجهاد في أي بلد كان»، وتشدد حماد على وجوب «حماية العاملين في الرعاية الصحّية والمرافق وسيارات الإسعاف؛ كي يستمر النظام الصحي بالاستجابة للاحتياجات الكبيرة».

وتوقفت حماد عند دور المساعدات الخارجية في تمكين القطاع الطبي من الصمود، قائلة: «في مرحلة كهذه، تُعدّ جميع مبادرات دعم النظام الصحّي ضرورية. أخبرنا طاقم أحد المستشفيات التي نحن بصدد دعمها أنهم يواجهون خطر نفاد المواد الطبية المستخدمة لرعاية الجروح بعد كلّ مرّة يتدفّق فيها الجرحى إلى غرفة الطوارئ، وتحرص فرقنا على التبرّع بهذه المواد».

ولفتت إلى أن فرق «أطباء بلا حدود» أدخلت إلى لبنان منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، 75 طناً من المواد الطبية، «كما أحضرنا 45 طنّاً إضافية من الإمدادات من قبرص عبر البحر في أكتوبر الماضي».


مقالات ذات صلة

مقتل شخصين في غارتين إسرائيليتين بجنوب لبنان

المشرق العربي تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قمم جبل الريحان في جنوب لبنان... 9 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل شخصين في غارتين إسرائيليتين بجنوب لبنان

قُتل شخصان في غارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان ليل الخميس وصباح الجمعة، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة لموقع تابع لقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان بالقرب من الحدود مع إسرائيل (رويترز - أرشيفية)

«يونيفيل»: قذيفتان تصيبان مهبط طائرات مروحية وبوابة موقع للأمم المتحدة في جنوب لبنان

أعلنت قوات «يونيفيل» أن قذيفتي هاون يُحتمل أنهما قنابل مضيئة أصابتا مهبط الطائرات المروحية والبوابة الرئيسية لموقع تابع للأمم المتحدة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري جلسة للحكومة عُقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (رئاسة الجمهورية)

تحليل إخباري لبنان: هاجس «الترويكا» حال دون إصدار موقف موحد كان يفضّله عون

أبدت مصادر وزارية ارتياحها لمواقف رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون والبرلمان نبيه بري والحكومة نواف سلام بتأييدهم الإنجاز الذي حققه الجيش اللبناني.

محمد شقير (بيروت)
شؤون إقليمية العلَم الإسرائيلي... ويظهر جزء من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية في الخلفية بالضفة الغربية المحتلة يوم 14 أغسطس 2025 (رويترز)

إسرائيل تتراجع عن «الضربة الكبيرة» لـ«حزب الله»... لصالح «الضربات المحدودة»

أكدت مصادر مطلعة في تل أبيب أن القصف الإسرائيلي في لبنان هو الرد الذي اختاره الجيش على تصريحات رئيس الوزراء نتنياهو.

نظير مجلي (تل ابيب)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)

عون يدين الاعتداءات الإسرائيلية: توقيتها يثير تساؤلات عشية اجتماع «الميكانيزم»

دان الرئيس اللبناني جوزيف عون الاعتداءات الإسرائيلية التي طاولت في الساعات الماضية بلدات بقاعية وجنوبية عدة، وصولاً إلى مدينة صيدا.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

محافظ الرقة الجديد: الاستقرار الأمني تحقق بنسبة 90 %

صورة لمواطنين من الرقة (أ ف ب)
صورة لمواطنين من الرقة (أ ف ب)
TT

محافظ الرقة الجديد: الاستقرار الأمني تحقق بنسبة 90 %

صورة لمواطنين من الرقة (أ ف ب)
صورة لمواطنين من الرقة (أ ف ب)

بعد ساعات من تعيينه محافظاً للرقة صرح عبد الرحمن سلامة، بأن «الاستقرار الأمني في الرقة تحقق بنسبة تقارب 90 في المائة»، لافتاً إلى أن العمل جارٍ على معالجة ملف سجن الأقطان في محيط المدينة، بما يسهم في تأمينه بشكل كامل.

جاء ذلك في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى في الرقة، الثلاثاء، وكان سلامة ناقش في وقت سابق بحضور وفد من وزارة الاقتصاد والصناعة، ومديري المديريات، آليات إعادة تفعيل العمل المؤسساتي ومعالجة التحديات الاقتصادية القائمة، في الرقة.

وأعلن وزير الإعلام السوري ومحافظ الرقة، في المؤتمر الصحافي عن «انطلاق مرحلة جديدة من العمل الحكومي لإعادة بناء المحافظة على المستويات الخدمية والأمنية والتعليمية»، وأن «الجهود بدأت فعلياً لتقييم الأضرار ومعالجة التحديات المتراكمة».

ونقل تلفزيون سوريا عن محافظ الرقة عبد الرحمن سلامة قوله: «إن المعاناة الأساسية في المحافظة تتركز في ملف الخدمات، ولا سيما الجسور التي تعرضت للتدمير»، موضحاً أن «الجهات الحكومية شرعت في تقييم حجم الأضرار عبر مؤسسات الدولة، تمهيداً لرفع الاحتياجات إلى الوزارات المختصة»، مشيراً إلى أن خطة التقييم تشمل جميع القطاعات الخدمية.

كما شدد على أن إعادة تفعيل المدارس تمثل أولوية قصوى، كاشفاً عن مقترح قُدّم لوفد وزارة التربية للإسراع في تشغيل المؤسسات التعليمية.

وزير الطاقة محمد البشير يتفقد حقل الثورة النفطي في ريف الرقة بعد استعادته من «قسد» (سانا)

وفي سياق انخراط دمشق في إعادة تأهيل المناطق التي سيطرت عليها إعادة الحياة الطبيعية، ناقش عبد الرحمن سلامة بحضور وفد من وزارة الاقتصاد والصناعة، إلى جانب مديري المديريات، آليات إعادة تفعيل العمل المؤسساتي ومعالجة التحديات الاقتصادية القائمة، ووضع تصورات أولية لمرحلة التعافي وإعادة الاستقرار في المحافظة، وفق ما أفادت به قناة «الإخبارية السورية» الرسمية.

وقالت وزارة الاقتصاد والصناعة عبر معرّفاتها الرسمية، الثلاثاء، إن الاجتماع «ناقش سبل تقييم الواقع الحالي في المحافظة، وواقع المديريات والمؤسسات التابعة للوزارة»، وأهمية تعزيز التنسيق والتعاون بين المحافظة والوزارة، بما يضمن استعادة الخدمات الأساسية ودعم النشاط الاقتصادي، لتسريع وتيرة التعافي في المحافظة.

وكانت المؤسسة السورية للحبوب قد باشرت عملها على تزويد المخابز في المناطق التي عادت إلى سيطرة الحكومة في محافظتي حلب والرقة بمادة الطحين، لتكون قادرة على توفير الخبز ومواصلة إنتاج الأفران وجرى شحن 500 طن دفعة أولى.

سكان يحاولون عبور جسر متضرر بفعل قصف «قسد» في الرقة (رويترز)

كما دخلت مديرية التجارة الداخلية إلى المناطق التي خرجت من سيطرة «قسد»، بهدف استعادة الدور الرقابي والخدمي، وتعزيز الاستقرار التمويني.

من جانبها، قالت وزارة الداخلية السورية، إنها تمكنت من تحرير وتأمين عدد من العائلات التي اتخذتها «قسد» دروعاً بشرية، وذلك في محاولة لعرقلة تقدّم وحدات الجيش العربي السوري باتجاه مدينة الرقة.

وقالت قناة «الإخبارية السورية»، إن «قسد» سبق أن احتجزت عدداً من الأهالي المدنيين من شيوخ ونساء وأطفال، في مبنى الشبيبة في حي سيف الدولة بمدينة الرقة، لاستخدامهم كدروع بشرية. وأكد الأمن الداخلي تحرير المدنيين والعمل على إيصالهم إلى بيوتهم وأهلهم بأمن وأمان.

وفد من مديرية الآثار والمتاحف يقيّم أضرار المواقع الأثرية في محافظة الرقة (الداخلية السورية)

في شأن محلي آخر، شكلت المديرية العامة للآثار والمتاحف، منذ الساعات الأولى لدخول الجيش العربي السوري وتحرير محافظة الرقة، وفداً ميدانياً برئاسة المدير العام الدكتور أنس زيدان، لإجراء تقييمٍ سريعٍ للمواقع الأثرية في المحافظة وتوثيق الأضرار التي لحقت بها، إضافة إلى تفقد متحف الرقة الوطني، وتحديد الاحتياجات العاجلة اللازمة لحمايتها وصونها، وضمان سلامة الممتلكات الثقافية.

وأشار أيمن نابو مدير التخطيط في المديرية في تصريح لـ«سانا»، الثلاثاء، إلى أن الوفد زار أيضاً مدينة الطبقة للاطلاع على المواقع الأثرية الموجودة فيها، وعلى رأسها قلعة جعبر، إضافة إلى تسلم قطع أثرية بشكل رسمي كانت محفوظة في المركز الثقافي بالمدينة.


إسرائيل باشرت هدم منشآت داخل مقر الأونروا بالقدس الشرقية

جرافات إسرائيلية تهدم أجزاء من مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية 20 يناير 2026 (إ.ب.أ)
جرافات إسرائيلية تهدم أجزاء من مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية 20 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل باشرت هدم منشآت داخل مقر الأونروا بالقدس الشرقية

جرافات إسرائيلية تهدم أجزاء من مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية 20 يناير 2026 (إ.ب.أ)
جرافات إسرائيلية تهدم أجزاء من مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية 20 يناير 2026 (إ.ب.أ)

بدأت جرافات إسرائيلية، الثلاثاء، بهدم منشآت داخل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في القدس الشرقية المحتلة، في عملية وصفتها الوكالة الأممية بأنها «سابقة» و«انتهاك خطير».

وقال المتحدث باسم الأونروا، جوناثان فولر، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن القوات الإسرائيلية «اقتحمت» مجمع الوكالة الأممية بُعيد السابعة صباحاً (05:00 بتوقيت غرينيتش)، وشرعت الجرافات في هدم المنشآت.

وأضاف: «هذا الهجوم يعدّ سابقة على الأونروا ومقارها، ويشكل أيضاً انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وللامتيازات والحصانات التي تتمتع بها الأمم المتحدة».

وقال فولر: «يجب أن يكون الأمر بمثابة جرس إنذار، ما يحدث للأونروا اليوم يمكن أن يحدث غداً مع أي منظمة دولية أو بعثة دبلوماسية حول العالم».

من جهته، وصف مدير شؤون الأونروا في الضفة الغربية المحتلة، رولاند فريدريك، الخطوة بأنها ذات دوافع سياسية.

وقال لوكالة الصحافة الفرنسية: «يبدو أن الهدف هو الاستيلاء على الأرض لإقامة مشاريع استيطانية، كما يصرّح مسؤولون إسرائيليون علناً منذ سنوات في وسائل الإعلام وغيرها».

صورة تظهر علماً إسرائيلياً مرفوعاً فوق هياكل مدمرة داخل مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية، 20 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وذكرت صحيفة «هآرتس» اليسارية في إسرائيل، الثلاثاء، أنه «من المتوقع إقامة نحو 1400 وحدة سكنية في الموقع».

وأظهرت صور لوكالة الصحافة الفرنسية معدات ثقيلة، وهي تهدم منشأة واحدة على الأقل داخل المجمع، حيث رُفع علم إسرائيل فوق المبنى الرئيسي للأونروا.

وذكر مصور لوكالة الصحافة الفرنسية أن وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير حضر إلى الموقع وتفقده لفترة قصيرة.

وفي بيان عبر حسابه على «تلغرام»، قال بن غفير: «هذا يوم تاريخي، يوم احتفال، ويوم بالغ الأهمية في مسار إدارة شؤون القدس».

وأضاف: «لسنوات كان داعمو الإرهاب هنا، واليوم يتم إخراجهم من هنا مع كل ما بنوه في هذا المكان. هذا ما سيحدث لكل مؤيد للإرهاب».

اتهمت إسرائيل الأونروا بتوفير غطاء لمقاتلي حركة «حماس»، حتى إنها اتهمت بعض موظفي الوكالة بأنهم شاركوا في هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على إسرائيل، الذي أشعل فتيل الحرب في غزة.

ولكن تحقيقات محايدة خلصت إلى أن إسرائيل لم تقدّم دليلاً يدعم اتهاماتها بشأن تورط موظفين من الوكالة في أنشطة «إرهابية».

السلطات الإسرائيلية تقوم بهدم مجمع تابع لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في القدس الشرقية يوم الثلاثاء 20 يناير 2026 (أ.ب)

«لا حصانة»

من جهتها، قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في بيان، إن الخطوة «لا تمثل سياسة جديدة، بل هي تنفيذ للتشريع الإسرائيلي القائم المتعلق بـ(الأونروا - حماس)».

ويخلو مقر الأونروا في القدس الشرقية من الموظفين منذ يناير (كانون الثاني) 2025، بعد مواجهة استمرت أشهراً بشأن دور الوكالة في تقديم المساعدات الإنسانية في غزة، وانتهت بقرار إسرائيلي يمنع الأونروا من العمل داخل إسرائيل.

وقالت الخارجية الإسرائيلية، في بيانها، إن ما سمته «وكالة الأونروا - حماس» كانت «قد توقفت عن عملها في الموقع، ولم يعد هناك أي موظفين تابعين للأمم المتحدة أو أي نشاط فيه».

وأضافت أن «هذا المجمع لا يتمتع بأي حصانة، وقد وضعت السلطات الإسرائيلية اليد عليه، وفقاً لكل من القانون الإسرائيلي والقانون الدولي».

لكن مدير شؤون الأونروا، رولاند فريديريك، رفض الادعاء الإسرائيلي. وأكد أن مقر الأونروا «لا يزال ملكاً للأمم المتحدة ويتمتع بالحماية، بموجب الامتيازات والحصانات الأممية، بغضّ النظر عما إذا كان مستخدماً حالياً أم لا».

وأدان المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، عمليات الهدم في منشور على منصة «إكس»، معتبراً أنها محاولة جديدة من «السلطات الإسرائيلية لمحو هوية اللاجئ الفلسطيني».

تقدّم الأونروا الدعم للاجئين الفلسطينيين في الشرق الأوسط منذ أكثر من 70 عاماً، وواجهت باستمرار اتهامات إسرائيلية بأنها تقوّض أمن الدولة العبرية.

وبعد أشهر من اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أعلنت السلطات الإسرائيلية كلاً من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والمفوض العام للأونروا فيليب لازاريني، شخصين غير مرغوب فيهما.

صورة التقطتها طائرة مسيّرة لبقايا مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في القدس الشرقية، بعد هدمه على يد القوات الإسرائيلية، 20 يناير 2026 (رويترز)

«تصعيد خطير»

ندّدت السلطة الفلسطينية، الثلاثاء، بعمليات الهدم وحذّرت من «خطورة هذا التصعيد المتعمد ضد الأونروا، الذي يأتي في سياق استهداف ممنهج لدورها وولايتها الأممية، ومحاولة تقويض نظام الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين وحقوقهم». ودعت «الأمم المتحدة والدول الأعضاء إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وفاعلة لضمان احترام امتيازات المنظمة الدولية وحصاناتها، ووقف هذه الانتهاكات فوراً».

وأدان الأردن بشدة عمليات الهدم، معتبراً أنها تشكل «تصعيداً خطيراً، وخرقاً فاضحاً للقانون الدولي، وانتهاكاً لحصانات وامتيازات منظمات الأمم المتحدة».

وأكّد الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية، فؤاد المجالي، في بيان: «رفض المملكة المطلق وإدانتها الشديدة لهذا الفعل اللا قانوني واللا شرعي، ولمواصلة إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال حملتها الممنهجة لاستهداف الأونروا ووجودها وأنشطتها الحيوية التي لا يمكن إلغاؤها أو استبدالها».

كذلك، ندّدت السعودية، الثلاثاء، بهدم إسرائيل مباني لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة، مؤكدة «دعمها لوكالة الأونروا في مهمتها الإنسانية لإغاثة الشعب الفلسطيني الشقيق».

بدوره، طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إسرائيل بوقف هدم منشآت الأونروا في القدس الشرقية، حسبما أفاد المتحدث الرسمي باسمه.

كان مقر الأونروا في القدس الشرقية يُستخدم سجناً في عهد السلطنة العثمانية، ثم انتقلت ملكيته للحكومة الأردنية التي قامت بدورها بتسليمه إلى وكالة الأونروا.

وكان لازاريني قد ندّد في أوائل ديسمبر (كانون الأول) الماضي بمصادرة الشرطة الإسرائيلية ممتلكات المنظمة في مقرها بالقدس الشرقية، بينما قالت الشرطة لوكالة الصحافة الفرنسية إن ذلك جاء في إطار تحصيل ديون.

وبموجب اتفاقية وُقعت عام 1946، لا يجوز للدول المضيفة فرض ضرائب على الأمم المتحدة أو ممتلكاتها.


محاكمات غيابية ضد «حميدتي» و«حمدوك» بتهم تصل إلى الإعدام

أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (موقع «إكس»)
أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (موقع «إكس»)
TT

محاكمات غيابية ضد «حميدتي» و«حمدوك» بتهم تصل إلى الإعدام

أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (موقع «إكس»)
أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (موقع «إكس»)

بدأت في مدينة بورتسودان جلسات أول محاكمة غيابية ضد كلّ من قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وشقيقه عبد الرحيم دقلو، ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وذلك ضمن دعوى جنائية تضم 201 متهم، يواجهون اتهامات تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد. وقد وصف نشطاء ومتهمون هذه المحاكمات بأنها كيدية وتشكل سابقة خطيرة تستهدف النيل من الخصوم السياسيين.

وكانت محاكم سودانية في عدد من المدن قد أصدرت، في أوقات سابقة، أحكاماً بالإعدام والسجن المؤبد والسجن لمدد طويلة بحق نشطاء مدنيين وسياسيين معارضين للحرب، وذلك تحت اتهاماتٍ تتعلق بـ«التعاون مع قوات الدعم السريع».

وقالت «وكالة الأنباء السودانية الرسمية» (سونا) إن وقائع الجلسة الأولى انعقدت في مجمع محاكم الجنايات بمدينة بورتسودان، التي تتخذ منها الحكومة عاصمة مؤقتة. ووفقاً لوكالة «سونا»، استمعت المحكمة إلى «خطبة الادعاء الافتتاحية» التي قدمتها هيئة الاتهام، وتناولت الوقائع والبيانات المتعلقة بالدعوى الجنائية.

أرشيفية رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا مع وفد تحالف «صمود» السوداني بالقصر الرئاسي في بريتوريا (الصفحة الرسمية لتحالف صمود)

وأوضحت الوكالة أن بعض المتهمين ستجري محاكمتهم حضورياً، في حين تُجرى محاكمة آخرين غيابياً، ومن أبرزهم قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وإخوته عبد الرحيم والقوني دقلو، إضافة إلى سياسيين يتقدمهم عبد الله حمدوك، وياسر عرمان، ووجدي صالح عبده، وآخرون.

وتتمثل التهم الموجهة إلى المتهمين في دعم «التمرد»، والمشاركة في عمليات عسكرية ضد القوات المسلحة السودانية، وحمل السلاح، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وتقويض النظام الدستوري، وإثارة الحرب ضد الدولة، ومعاونة «جماعات الإجرام والإرهاب»، إضافةً إلى أفعالٍ أخرى وصفتها خطبة الادعاء بأنها «خطيرة».

21 تهمة

وقال رئيسُ النيابة العامة ورئيس هيئة الاتهام، ماهر سعيد، في تصريحاتٍ لوكالة «سونا»، إن القضية تعد من «أضخم» القضايا التي باشرتها النيابة العامة بالتنسيق مع الشرطة، مشيراً إلى أن إجراءات التحري استغرقت أكثر من عامين ونصف عام، تم خلالها جمع وتحليل بينات وقرائن وصفها بالمتكاملة والدقيقة. وأضاف سعيد أن الدعوى تشمل أكثر من 21 مادة اتهام من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م، مقروءةً مع المواد (5/6/9/10) من قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2001، والمادة (35) من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014. وأوضح أن ملف الاتهام أُعد بواسطة «اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني»، مبيناً أن الإجراءات شملت حصر المتهمين، وتحديد بياناتهم، ومخاطبة السجل المدني وسجلات الأراضي، واستكمال الإجراءات القانونية اللازمة لإثبات الوقائع المنسوبة إليهم، مؤكداً أن الجلسات ستتواصل إلى حين صدور الحكم النهائي.

الرئيس الكيني ويليام روتو مع حمدوك وعبد الواحد نور رئيس «حركة تحرير السودان» خلال توقيع وثيقة سياسية في نيروبي مايو 2024 (منصة «إكس»)

وتأتي جلسات هذه المحاكمة في أعقاب مسار قضائي سابق، أطلقته محكمة في بورتسودان خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي، حيث بدأت حينها محاكمة غيابية لحميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو و14 من قادة «قوات الدعم السريع»، على خلفية اتهامات تتعلق بمقتل والي غرب دارفور خميس أبكر، وقد طالب النائب العام آنذاك بتوقيع عقوبات «قاسية» على المتهمين.

وفي رد على بدء المحاكمة، وصف المحامي وجدي صالح، عضو التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، وأحد المتهمين، المحاكمةَ بأنها «عبث سياسي وسابقة خطيرة»، مؤكداً، في تصريحاتٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن هدفها هو «النيل من الخصوم السياسيين». وتساءل صالح: «ما الذي يجمعنا مع حميدتي و(قوات الدعم السريع)؟»، معتبراً أن هذه المحاكمة تأتي ضمن بلاغاتٍ أخرى موجهة ضدهم، هدفها «تحقيق مكاسب سياسية»، وأضاف: «تحالف صمود يعمل من أجل إنهاء الحرب التي دخلت عامها الثالث».

وبالتوازي مع محاكمة بورتسودان، كان رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، قد وجّه في التاسع من يناير (كانون الثاني) الحالي، بإعادة تصنيف ومراجعة أوضاع النساء المحتجزات بتهم التعاون مع «الميليشيا»، وتسريع إجراءات التقاضي، وضمان حقوقهن، وهي خطوة لاقت ترحيباً واسعاً من القانونيين والمهتمين بحقوق الإنسان داخل السودان وخارجه.

وكانت محاكم سودانية قد أصدرت في وقت سابق أحكاماً متفاوتة بحق مدنيين خلال الفترة الماضية، بتهم تتعلق بما يُعرف بـ«التعاون مع قوات الدعم السريع»، تراوحت بين الإعدام، والسجن المؤبد، والسجن لمدد طويلة، إضافة إلى قضايا أخرى مشابهة ما تزال منظورة أمام المحاكم. وقالت هيئة «محامو الطوارئ»، وهي تجمع حقوقي مستقل، في بيان لها، إن السلطات الأمنية في مناطق سيطرة الجيش تنتهج «سياسة قمعية ممنهجة تستهدف المدنيين»، لا سيما النشطاء الرافضين للحرب وقوى ثورة ديسمبر (كانون الأول).

واتهم البيان السلطات بالقيام باعتقالات تعسفية، وممارسة الإخفاء القسري، وعقد محاكمات «صورية»، استنادا إلى بلاغات «ملفقة وذات طابع سياسي».

وأشار التجمع إلى قرار محكمة جنايات مدينة ود مدني، الصادر في 13 يناير الحالي، الذي قضى بالسجن المؤبد بحق الكاتب والمؤرخ خالد بحيري. وذكر أن قضية بحيري ترتبط بقيامه بأنشطة إنسانية خلال فترة سيطرة «قوات الدعم السريع» على مدينة ود مدني، موضحاً أن الكاتب، عقب اعتقاله، حُرم من حق الدفاع والتواصل مع أسرته.

البرهان وحمدوك خلال زيارة لولاية القضارف يوم 16 أغسطس 2021 (مجلس السيادة الانتقالي)

وفي مدينة دنقلا شمال البلاد، أفاد البيان بأن محكمة جنايات المدينة تحاكم الطبيب أحمد عبد الله خضر، المعروف بـ«شفا»، بموجب مواد في القانون الجنائي تتعلق بإثارة التمرد وسط القوات النظامية، والإخلال بالسلامة العامة، وهي تهم تصل عقوبتها إلى السجن لأكثر من خمس سنوات. وأضاف البيان أن السلطات الأمنية في مدينة القضارف شرق البلاد اعتقلت الناشط علاء الدين الشريف، المعروف بـ«وطن»، الأسبوع الماضي، بينما كانت قد أصدرت، في 11 يناير الحالي، حكماً بالسجن لمدة ستة أشهر والغرامة بحق الناشط أيمن عبد الرحمن حماد الحريري، على خلفية منشور على «فيسبوك».

وإلى جانب الاعتقالات والمحاكمات بالسجن، كانت المحاكم السودانية قد أصدرت، في يونيو (حزيران) الماضي، أحكاماً بالإعدام بحق 52 شخصاً خلال 35 يوماً في تسع ولايات، وفقاً لما نقلته فضائية «الجزيرة». وطالب التحالف الحقوقي بالإفراج عن جميع المعتقلين، ووقف المحاكمات ذات الدوافع السياسية، والتحقيق في الانتهاكات، وتوفير الرعاية الصحية للمحتجزين، كما دعا الجهات الأممية والدولية المعنية إلى متابعة الأوضاع الحقوقية في السجون والمحاكم السودانية.