ماكرون يجدد أمام البرلمان المغربي دعم «سيادة» المغرب على الصحراء

البلدان وقَّعا عقوداً واتفاقات استثمار بقيمة تناهز 10 مليارات يورو

الرئيس ماكرون خلال إلقائه خطاباً أمام البرلمان المغربي (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون خلال إلقائه خطاباً أمام البرلمان المغربي (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يجدد أمام البرلمان المغربي دعم «سيادة» المغرب على الصحراء

الرئيس ماكرون خلال إلقائه خطاباً أمام البرلمان المغربي (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون خلال إلقائه خطاباً أمام البرلمان المغربي (أ.ف.ب)

جدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطاب أمام البرلمان المغربي، الثلاثاء، التأكيد على تأييد بلاده لـ«سيادة المغرب على الصحراء الغربية»، ووعد باستثمارات فرنسية في الإقليم المتنازَع عليه، غداة إبرام البلدين عقوداً بقيمة تناهز 10 مليارات يورو.

الرئيس الفرنسي محيياً عدداً من المغاربة عند مدخل مقر البرلمان المغربي (أ.ف.ب)

وقال ماكرون في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «أعيد التأكيد أمامكم، بالنسبة لفرنسا فإن حاضر ومستقبل هذه المنطقة يندرجان في إطار السيادة المغربية»، ليعقِّب البرلمانيون بالتصفيق الحار. وأضاف ماكرون موضحاً: «أقولها أيضاً بكل قوة، الفاعلون الاقتصاديون وشركاتنا سوف يرافقون تنمية هذه المنطقة عبر استثمارات ومبادرات دائمة وتضامنية لصالح سكانها».

صفحة جديدة

أتاح هذا الموقف الذي سبق لماكرون إعلانه في رسالة للملك محمد السادس نهاية يوليو (تموز) الماضي، فتح صفحة جديدة في علاقات الحليفين التاريخيين، بعد سلسلة من التوترات الحادة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، تزامناً مع ضغط المغرب على فرنسا لتحذو حذو واشنطن التي أعلنت أواخر عام 2020 اعترافها بسيادة الرباط على الصحراء.

الرئيس ماكرون أمام مدخل البرلمان رفقة رئيس مجلس النواب رشيد طالبي العلمي (أ.ف.ب)

لكنّ الأولوية التي خصّ بها الرئيس الفرنسي الجزائر بعد إعادة انتخابه في 2022، بينما قطعت الأخيرة علاقاتها مع المغرب منذ عام 2021، زادَت من توتّر العلاقات بين الرباط وباريس. وتابع ماكرون الذي بدأ، الاثنين، زيارة دولة إلى الرباط، موضحاً أن الموقف الفرنسي «ليس عدائياً تجاه أحد»، وأنه «يتيح فتح صفحة جديدة بيننا، وأيضاً مع كل أولئك الذين يريدون العمل في إطار تعاون جهوي». وكانت الجزائر قد أعربت مطلع أغسطس (آب) الماضي عن رفضها الموقف الفرنسي المؤيِّد للمغرب، واستدعت سفيرها في باريس للتشاور. ووصف ماكرون الموقف الفرنسي بأنه «متجذر في التاريخ، يحترم الواقع ومتطلع للمستقبل»، معلناً أن بلاده «سوف تقوم بتفعيله لمرافقة المغرب في المؤسسات الدولية».

العاهل المغربي مستقبلاً الرئيس الفرنسي لدى وصوله إلى الرباط (ماب)

من جهته، شكر رئيس مجلس النواب، رشيد طالبي العلمي، فرنسا على «موقفها التاريخي». بينما رأى رئيس الغرفة الثانية للبرلمان، محمد ولد الرشيد، وهو صحراوي وحدوي، أنه «يشكل لحظة فاصلة في مسار التطور الإيجابي للحل النهائي لهذه القضية». وبالنسبة إلى المغرب، يعدّ هذا الاعتراف الرهان الأساس لتطبيع علاقاته مع فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الذي يصدر قرارات سنوية حول هذا النزاع. وفي نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2023 جدد مجلس الأمن الدولي دعوة أطراف النزاع إلى «استئناف المفاوضات» قصد التوصّل إلى حلّ «دائم ومقبول من الطرفين». لكن المغرب يشترط التفاوض فقط حول مقترح الحكم الذاتي، بينما تعارض الجزائر استئناف المفاوضات، على غرار تلك التي نظّمها في سويسرا المبعوث الأممي السابق الألماني، هورست كولر، الذي استقال من منصبه في عام 2019 بسبب عدم إحرازه نتائج.

واجب استراتيجي

دعا ماكرون في خطابه أمام البرلمانيين المغاربة إلى «تعاون طبيعي وسلس» يحقق «نتائج أوضح» بخصوص مسألة الهجرة غير النظامية. هذه المسألة تحظى باهتمام كبير لدى الجانب الفرنسي، إذ يريد وزير الداخلية الجديد الذي يعتمد نهجاً صارماً بهذا الخصوص، دفع المغرب إلى استعادة مواطنين أوقِفوا لإقامتهم بطريقة غير نظاميّة في فرنسا. كما أعلن الرئيس الفرنسي أن عقوداً جديدة سيتم إبرامها، الثلاثاء، بين البلدين، حيث يقام منتدى لرجال الأعمال بمناسبة زيارته المغرب، ووصف الشراكة بينهما بكونها «واجباً استراتيجياً».

العاهل المغربي والرئيس ماكرون خلال توقيع الإعلان المتعلق بالشراكة الاستثنائية الوطيدة بين المغرب وفرنسا (ماب)

وليل الاثنين، أبرم البلدان عقوداً واتفاقات استثمار بقيمة تناهز 10 مليارات يورو في حفل ترأسه قائدا البلدين في قصر الضيافة بالرباط. وتشمل هذه الاتفاقات ميادين عدة، بينها النقل بالسكك الحديدية، حيث تأكدت مشاركة الشركتين الفرنسيتين «ألستوم» و«إيجيس» في الشطر الثاني للخط الفائق السرعة بين طنجة (شمال) ومراكش (وسط). وستفاوض «ألستوم» الجانب المغربي على تزويده نحو 12 إلى 18 عربة قطار فائق السرعة، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة على الملف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وكانت فرنسا تأمل في أن تبقى الطرف الرئيسي في توسيع خط القطارات السريعة، بعدما حظيت بصفقة بناء المرحلة الأولى بين طنجة والدار البيضاء (شمالي غرب). والخط وهو الأول في أفريقيا دشّنه قائدا البلدين في 2018. ويُنتظر أن تسرّع مشاركة المغرب في تنظيم مونديال 2030 لكرة القدم مع إسبانيا والبرتغال في إنجاز هذا المشروع، وفق وسائل إعلام مغربية. من جانب آخر، وقّع البلدان اتفاقاً «لتفعيل عرض المغرب في قطاع الهيدروجين الأخضر» بين شركة «توتال إنرجي» والحكومة المغربية التي تراهن على التموقع في السوق الدولية لهذه المادة، وقد أعلنت، الأسبوع الماضي، أنها تلقت 40 مقترحاً لمشاريع ستخضع للانتقاء لاحقاً، وجُلها في منطقة الصحراء المغربية. كما أُعلِن عن اتّفاق بين عملاق الطيران الفرنسي «سافران» والحكومة المغربيّة لإنشاء «وحدة لصيانة محرّكات الطائرات وإصلاحها»؛ إذ إنّ المغرب عمل في السنوات الأخيرة على تطوير صناعة أجزاء الطائرات لتنويع صادراته. بينما أعلنت شركة الملاحة البحرية الفرنسية «سي إم إي سي جي إم»، الاثنين، إبرام شراكة لاستغلال رصيف الحاويات في ميناء الناظور (شمالي شرق)، مناصفة مع شركة «مارسا ماروك» المغربية لمدة 25 عاماً. وحظي ماكرون باستقبال فخم، حيث رافقه الملك محمد السادس من مطار الرباط سلا حتى القصر الملكي، في سيارة مخصصة للمراسم عبرت شوارع رئيسية بالعاصمة، زُيّنت بأعلام البلدين.


مقالات ذات صلة

فرنسا وإيطاليا تعتزمان تشكيل «ائتلاف» بديل ﻟ«يونيفيل» في لبنان

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أثناء مراسم توقيع اتفاقية خلال قمة فرنسية - إيطالية في أنتيب جنوب فرنسا يوم 25 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

فرنسا وإيطاليا تعتزمان تشكيل «ائتلاف» بديل ﻟ«يونيفيل» في لبنان

أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية ميلوني، أن فرنسا وإيطاليا تعتزمان تشكيل «ائتلاف» بديل ﻟ«يونيفيل» في لبنان بعد انتهاء مهمتها في ديسمبر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا صورة التقطتها القوات البحرية الفرنسية في 23 يونيو 2026 لضابطة تنظر بمنظار إلى ناقلة النفط «ديليفر» قبل اعتراضها في البحر المتوسط (أ.ف.ب)

ماكرون: «البحرية» الفرنسية تعترض ناقلة نفط من «أسطول الظل» الروسي

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، إن «البحرية» الفرنسية اعترضت ناقلة نفط في أثناء مرورها قرب سواحل صقلية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو 19 يونيو 2026 (رويترز) p-circle

لافروف: روسيا تريد معرفة إذا تغيّر موقف ترمب من حرب أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، إن روسيا تتطلع إلى معرفة ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب غيّر موقفه فعلاً تجاه حرب أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
خاص العلم الفلسطيني مرفوع على تمثال الجمهورية في باريس دعماً للفلسطينيين بغزة في يونيو 2025 (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: لقاء سري لـ«حماس» مع نواب ودبلوماسيين فرنسيين

قالت 3 مصادر فلسطينية، في إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط»، إن لقاءً «سرياً» جمع قيادات بارزة من المكتب السياسي لحركة «حماس» مع وفد فرنسي في إحدى دول المنطقة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ) p-circle

فرنسا تعارض إنشاء «مراكز عودة» للمهاجرين في دول ثالثة

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الجمعة)، إن باريس لا تؤيد إنشاء ما تُسمى «مراكز العودة» للمهاجرين في دول ثالثة، وشكّك في فاعليتها.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

واشنطن لاحتواء مخاوف الليبيين من مبادرتها لحل الأزمة السياسية

مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
TT

واشنطن لاحتواء مخاوف الليبيين من مبادرتها لحل الأزمة السياسية

مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)

سعت الولايات المتحدة إلى احتواء الانتقادات والشكوك، التي أحاطت بمبادرتها الخاصة بليبيا، بعدما أثارت تسريبات عن ترتيبات لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها مخاوف كثيرة من إطالة المرحلة الانتقالية وتكريس الانقسام، عبر تأكيدات أميركية رسمية بأن المبادرة المقترحة تستهدف توحيد المؤسسات الليبية، وتحظى بإشراف مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

شكوك ورفض

على وقع شكوك ورفض قطاعات واسعة من الليبيين بشأن مبادرته، أكد مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، أن المبادرة التي تقودها واشنطن «هي عكس ما يُشاع عنها»، موضحاً في تصريحات تلفزيونية، مساء الجمعة، أنها تهدف إلى توحيد الليبيين ومؤسساتهم، وأنها «خطة ليبية - ليبية» يقتصر فيها الدور الأميركي على تسهيل الحوار بين الأطراف، نافياً بشكل قاطع أن تكون تمهيداً لتقسيم البلاد، أو لتأجيل الانتخابات إلى عام 2032.

نائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

وتقوم المبادرة، وفق تسريبات لمصادر سياسية ليبية ودبلوماسية خلال الأشهر الماضية، على صيغة لتقاسم السلطة بين أبرز مراكز النفوذ في الشرق والغرب، عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد برئاسة نائب قائد «الجيش الوطني»، صدام حفتر، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وقد أثارت هذه التصورات اعتراض قوى سياسية، خصوصاً في الغرب الليبي، اعتبرت أنها قد تؤدي إلى تكريس المحاصصة السياسية بين العائلات النافذة في ليبيا، وهو ما دفع واشنطن إلى تقديم مزيد من التوضيحات بشأن أهداف المبادرة.

عبد الحميد الدبيب رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وهنا عمد بولس إلى توضيح أن تفاصيل السلطة التنفيذية المقبلة، والأسماء التي ستقودها «متروكة بالكامل لليبيين والأطراف المتفاوضة من شرق وغرب البلاد»، مشيراً إلى أن المبادرة تتكامل مع خطة الأمم المتحدة؛ إذ تركز على معالجة المرحلة القصيرة والمتوسطة، بينما تتولى خريطة الطريق الأممية معالجة القضايا بعيدة المدى.

كما حرص المسؤول الأميركي على توجيه رسائل طمأنة إلى مختلف القوى الليبية، بالتأكيد على استمرار الدور الدستوري لكل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وعلى ضرورة تمثيل الجنوب، وعدم اقتصار أي تفاهمات على الشرق والغرب، معتبراً أن المشهد في غرب ليبيا معقد، ويضم أطرافاً مؤسسية وشعبية وميدانية ينبغي أن تكون جزءاً من أي تسوية.

وبعد تسريبات أخرى واكبت الحديث عن مبادرة بولس، وتداولتها وسائل إعلام محلية بشأن احتمال عقد الانتخابات بعد 6 سنوات، جاء نفي بولس القاطع لهذه الأنباء، عاداً إياها «غير صحيحة»، وأكد أنها لن تتعدى سقف ثلاث سنوات.

رسائل طمأنة

بدت هذه الرسائل الأميركية من وجهة نظر سياسيين ومحللين، ومن بينهم القيادي في «حزب ليبيا النماء»، حسام فنيش، بأنها «محاولة واضحة لاحتواء موجة الانتقادات التي صاحبت المبادرة الأميركية، عبر تقديم رسائل طمأنة للقوى السياسية المتحفظة عليها».

مسعد بولس نفى بشكل قاطع أن تكون المبادرة الأميركية تمهيداً لتأجيل الانتخابات (مفوضية الانتخابات)

وقال فنيش لـ«الشرق الأوسط» إن نفي بولس بأن تكون المبادرة مدخلاً لتقسيم ليبيا أو لإطالة المرحلة الانتقالية، يعكس إدراك واشنطن لحجم المخاوف التي أثيرت منذ الكشف عن الخطة، سواء بشأن فرض ترتيبات سياسية من الخارج، أو تجاوز المؤسسات القائمة.

ويعتقد فنيش أن تأكيد بولس استمرار دور مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، والحديث عن ضرورة تمثيل الجنوب، يهدفان إلى توسيع قاعدة القبول بالمبادرة، وتقليل الاعتراضات عليها، لافتاً أيضاً إلى أن «الإشارة إلى إشراف الرئيس ترمب على المبادرة تحمل دلالة سياسية مهمة؛ لأنها تعكس أن الملف الليبي يحظى باهتمام من أعلى مستوى داخل الإدارة الأميركية، وتمنح المبادرة ثقلاً سياسياً ورسالة بأن واشنطن جادة في الدفع نحو تسوية سياسية».

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث الأزمة السياسية الليبية (المجلس)

وتبرز ملامح الجدية في المضي قدماً بهذه المبادرة إلى حيز التنفيذ، ومن وجهة نظر «حزب ليبيا النماء»، بخصوص حديث مستشار ترمب عن تأييد نحو 109 نواب ليبيين لمبادرته، بما يكشف عنه من متابعة دقيقة لما يدور في المشهد الليبي، والسعي إلى تجميع خيوط محلية تدعم مبادرته.

في المقابل، بدا أن بعض الشخصيات الليبية قرأت تصريحات بولس باعتبارها مؤشراً على انفتاح أميركي على إشراك طيف أوسع من القوى الليبية في أي ترتيبات مقبلة. وقال وزير الاقتصاد الليبي الأسبق، سلامة الغويل، إن حديث بولس «فتح نافذة يمكن البناء عليها»، بعدما أظهر استعداداً للاستماع إلى أصوات ليبية تتجاوز طرفي الحوار التقليدي، في اعتراف ضمني بأن ليبيا تضم قوى وطنية وسياسية واجتماعية متعددة، لا يجوز اختزالها في طرفين فقط.

هانا تيتيه الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة (غيتي)

وقال الغويل لـ«الشرق الأوسط» إن المرحلة الحالية تتطلب إطلاق حوار وطني حقيقي يشارك فيه الجميع دون إقصاء، مع مراجعة التجارب السابقة وعدم إعادة إنتاجها، معتبراً أن ليبيا بحاجة إلى تسوية تحقق تمثيلاً سياسياً حقيقياً لكل المكونات السياسية والاجتماعية والأمنية، بعيداً عن الاحتكار والإقصاء.

وجاءت تصريحات بولس بالتزامن مع اهتمام متزايد من إدارة ترمب بالملف الليبي، حيث أكد نائب وزير الخارجية الأميركي، كريستوفر لاندو، الجمعة، الأهمية الاستراتيجية لليبيا بالنسبة للأمن الإقليمي، وشدد على تعزيز التعاون بين البلدين في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، ضمن لقاء نائب وزير الدفاع الليبي، عبد السلام الزوبي، مع مسؤولين أميركيين.

بدوره، رأى عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن المبادرة الأميركية تجاوزت مرحلة الطرح إلى مرحلة التنفيذ، بعد انطلاق اتصالاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الليبي. وقال بن شرادة إن «نقطة القوة في هذه المبادرة هو أنها انتقلت من مرحلة الطرح إلى مرحلة التنفيذ بتواصلها مع الأطراف الدولية والإقليمية المتدخلة في الشأن الليبي، والقطار بدأ بالتحرك»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الأطراف التي ستختار عرقلتها «قد تجد نفسها خارج مسار المرحلة المقبلة؛ لأن المستقبل لا ينتظر المترددين ولا المعرقلين».

ورغم اتساع دائرة الاهتمام بمبادرة مستشار ترمب، بعد أول حديث علني متلفز عنها، فقد استدرك فنيش بأن هذه «التطمينات، ورغم أهميتها، لن تكون كافية وحدها لتبديد المخاوف»، مشيراً إلى أن «الحكم على المبادرة سيظل مرتبطاً بما ستتضمنه من تفاصيل عملية، ومدى توافقها مع الإرادة الليبية، وضمان ألا تتحول إلى إطار جديد لإدارة الأزمة، بدلاً من إنهائها».


اختطاف عساكر في جنوب ليبيا... و«الجيش الوطني» يلتزم الصمت

قوة تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في مدينة الكفرة بالجنوب (لواء سيل السلام)
قوة تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في مدينة الكفرة بالجنوب (لواء سيل السلام)
TT

اختطاف عساكر في جنوب ليبيا... و«الجيش الوطني» يلتزم الصمت

قوة تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في مدينة الكفرة بالجنوب (لواء سيل السلام)
قوة تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في مدينة الكفرة بالجنوب (لواء سيل السلام)

أثار إعلان مجموعة مسلحة، تُطلق على نفسها اسم «غرفة عمليات الجنوب»، اختطاف عدد من جنود «الجيش الوطني» الليبي في جنوب البلاد، موجة انتقادات وإدانات واسعة من مؤسسات محلية وبلديات وقيادات قبلية، خلال الأربع والعشرين ساعة من الحادث.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي حتى لحظة إعداد هذا التقرير، أخذاً في الاعتبار أن ما تُعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب»، بقيادة محمد وردقو، تُظهر نشاطاً ميدانياً وإعلامياً مناهضاً لـ«الجيش الوطني» بشكل متقطع منذ بروزها في المشهد خلال يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي أحدث بيان لها، أعلنت هذه المجموعة المسلحة، الجمعة، أنها تمكّنت من «أسر مجموعة من عناصر (الجيش الوطني)»، والاستيلاء على عدد من الآليات العسكرية عند «بوابة الزعيترية» في منطقة وادي الشاطئ جنوب غربي البلاد، متحدثة عن استمرار ما وصفته بـ«عملياتها الأمنية والعسكرية» في مناطق الجنوب، من دون أن تكشف عن عدد الجنود المحتجزين أو مكان احتجازهم.

قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

غير أن تسجيلاً مصوراً بثته الجماعة المسلحة أظهر ما قالت إنهم ستة من عناصر «الجيش الوطني» الليبي، دون أن يتسنّى التحقق من صحة التسجيل، أو محتواه من مصدر مستقل.

وبادرت الحكومة المكلفة من البرلمان، الجمعة، إلى وصف حادثة اختطاف الجنود بأنها «عمل إجرامي جبان، يستهدف أمن الوطن واستقراره». وطالب ديوان وزارة الحكم المحلي بالمنطقة الجنوبية، التابع للحكومة، بالإفراج الفوري عن المختطفين، وملاحقة المسؤولين عن العملية وتقديمهم إلى العدالة، مؤكداً «تضامنه مع الجيش وأسر الجنود»، داعياً إلى توحيد الصفوف لمواجهة ما وصفه بكل من يهدد أمن ليبيا وسيادتها.

وسرعان ما اتسعت دائرة الإدانات لتشمل عدداً من بلديات الجنوب، من بينها سبها، وبراك الشاطئ، والقرضة الشاطئ، وإدري الشاطئ، وتهالة وقراقرة، والوادي الشرقي، ووادي عتبة، التي أصدرت بيانات متقاربة في مضمونها، أكدت رفضها استهداف القوات المسلحة، وعدّت ما جرى تهديداً لأمن الجنوب واستقرار البلاد.

وذهب المجلس البلدي في مدينة سبها، أكبر مدن بلديات الجنوب الليبي، إلى وصف هذه الواقعة بأنها «اعتداء على فكرة الدولة ذاتها، وعلى حق المواطنين في الأمن والاستقرار»، معرباً عن تضامنه مع قيادة «الجيش الوطني» ومنتسبيه، داعياً إلى «وحدة الصف، ونبذ الفتنة والحفاظ على السلم المجتمعي».

مدرعات وعربات عسكرية على حدود ليبيا الجنوبية الغربية (إعلام القيادة العامة)

وعلى المستوى القبلي، أعلن «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» تبرؤه من العملية، مؤكداً أن منفذيها «مجموعة مارقة مأجورة لا تمثّل أهل فزان، ولا تمت بصلة إلى قيمهم وأعرافهم وتاريخهم الوطني»، داعياً القبائل والمكونات الاجتماعية إلى «رفع الغطاء الاجتماعي عن كل من يثبت تورطه» في الحادث. وطالب بسرعة إطلاق سراح الجنود المختطفين، وتقديم المسؤولين إلى العدالة، محذراً من محاولات «زرع الفتنة، وتشويه صورة الجنوب خدمة لأجندات مشبوهة».

ويأتي الحادث في وقت يشهد فيه الجنوب الليبي تحديات أمنية متواصلة، ترتبط باتساع رقعة الصحراء، وتشابك الحدود مع دول الجوار، مما يجعل المنطقة مسرحاً لتحركات جماعات مسلحة وشبكات تهريب وهجرة غير نظامية.

وحسب تقديرات المحلل العسكري، محمد الترهوني، فإن قوات «الجيش الوطني» الليبي «تمتلك القدرة والخبرة الكافية للتعامل مع واقعة اختطاف الجنود، وفرض سيطرتها الكاملة على الجنوب الليبي»، مستنداً إلى تجربة مشابهة جرت في يناير الماضي وانتهت باستعادتهم.

ولم تكن هذه الواقعة الأولى من نوعها؛ إذ سبق أن تعرّض عدد من جنود «الجيش الوطني» للاختطاف خلال هجوم استهدف في يناير الماضي منفذ التوم الحدودي، وعدداً من المواقع العسكرية على الشريط الحدودي الجنوبي، قبل أن يعلن الجيش تحريره الجنود في عملية ميدانية، قال إنها نُفذت وفق ترتيبات عسكرية واستخباراتية.

ويعتقد الترهوني أن استمرار نشاط مسلحي «غرفة عمليات الجنوب» قد يفتح باب تساؤلات أوسع حول ما إذا كانت بعض الأطراف السياسية تسعى لاستثمار هذه المجموعة بوصفها ورقة ضغط في الجنوب الليبي، في ظل التجاذبات المصاحبة للترتيبات المحتملة للمرحلة الانتقالية المقبلة، وفقما ذكر لـ«الشرق الأوسط».

ويخشى مراقبون أن يؤدي تكرار مثل هذه الحوادث إلى زيادة التوتر في الجنوب الليبي، في وقت تتواصل فيه الجهود المحلية والدولية لإعادة الاستقرار إلى البلاد، وسط استمرار الانقسام السياسي والعسكري بين شرق ليبيا وغربها.

Your Premium trial has ended


انتهاء أزمة 5 ليبيين حُكم عليهم بالسجن 30 عاماً في إيطاليا

السفير الليبي لدى إيطاليا مع أحد المواطنين المفرج عنهم بمقر السفارة في روما الجمعة (صفحة السفارة)
السفير الليبي لدى إيطاليا مع أحد المواطنين المفرج عنهم بمقر السفارة في روما الجمعة (صفحة السفارة)
TT

انتهاء أزمة 5 ليبيين حُكم عليهم بالسجن 30 عاماً في إيطاليا

السفير الليبي لدى إيطاليا مع أحد المواطنين المفرج عنهم بمقر السفارة في روما الجمعة (صفحة السفارة)
السفير الليبي لدى إيطاليا مع أحد المواطنين المفرج عنهم بمقر السفارة في روما الجمعة (صفحة السفارة)

أسدلت السلطات القضائية الإيطالية الستار على أزمة قانونية ودبلوماسية استمرت أكثر من عقد، بعدما قررت وقف تنفيذ أحكام بالسجن لمدة 30 عاماً بحق 5 مواطنين ليبيين، معظمهم لاعبون سابقون في كرة القدم، وأطلقت سراحهم تباعاً بعد نحو 11 عاماً من الاحتجاز، على خلفية اتهامات بـ«الاتجار بالبشر» و«تسهيل الهجرة غير المشروعة»، في قضية ارتبطت بمأساة بحرية وقعت عام 2015.

ويرى مراقبون ليبيون أن إغلاق هذا الملف يعد تخفيفاً للحرج السياسي عن سلطتي شرق وغرب البلاد، ويمهد لتنسيق أكثر مرونة بين طرابلس وروما في ملف إدارة الحدود البحرية، الذي يُعد من أكثر الملفات حساسية، بالنظر إلى كون إيطاليا الشريك الأوروبي الأبرز لليبيا في تمويل وتدريب خفر السواحل للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط.

تعد إيطاليا الشريك الأوروبي الأبرز لليبيا في تمويل وتدريب خفر السواحل للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية (أ.ف.ب)

وفي إعلان رسمي على انتهاء هذه الأزمة، جاء استقبال السفير الليبي لدى إيطاليا، مهند يونس، مساء الجمعة، في مقر السفارة بالعاصمة روما، للمواطن محمد المزوغي، عقب صدور قرار بوقف تنفيذ العقوبة الصادرة بحقه، ليكون آخر المفرج عنهم من بين أفراد المجموعة.

وأشار يونس رسمياً إلى خروج المواطنين الخمسة جميعاً من مراكز الاحتجاز الإيطالية، مع استمرار بعض الإجراءات القانونية ذات الصلة، لافتاً إلى اطمئنانه على الأوضاع الصحية والمعيشية للمزوغي، واستكمال ترتيبات إقامته المؤقتة حتى إنهاء إجراءات عودته إلى ليبيا.

وجاء ذلك بعد أيام من إعلان السفارة الليبية الإفراج عن الرياضيين طارق العمامي ومهند خشيبة، إثر قرار قضائي مماثل بوقف تنفيذ العقوبة، مع إبقائهما تحت إشراف قانوني يسمح لهما بحرية التنقل داخل إيطاليا، إلى حين استكمال إجراءات ترحيلهما.

وسبق هذه التطورات صدور عفو جزئي من الرئيس الإيطالي، سيرجيو ماتاريلا، عن أحد أفراد المجموعة أواخر العام الماضي، في خطوة مهّدت للانفراجة القانونية التي انتهت بالإفراج عن جميع المتهمين.

وتعود القضية إلى أغسطس (آب) 2015، عندما أوقفت السلطات الإيطالية الشباب الخمسة الذين كانوا يمارسون كرة القدم في أنديتهم المحلية، ووجهت إليهم اتهامات بـ«تسهيل الهجرة غير النظامية»، استناداً إلى شهادات ناجين من قارب مكتظ انطلق من مدينة زوارة الليبية، وعلى متنه مئات المهاجرين، في رحلة انتهت بمصرع 49 مهاجراً اختناقاً داخل عنبر السفينة، فيما تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ نحو 313 شخصاً، ونقلهم إلى السواحل الإيطالية.

وقفة احتجاجية سابقة للإفراج عن اللاعبين الليبيين (صفحات لأسر اللاعبين)

وفي نهاية العام نفسه، أصدرت محكمة إيطالية أحكاماً بالسجن لمدة 30 عاماً بحق الشباب الليبيين، ما أثار اهتماماً واسعاً داخل ليبيا، ودفع عائلاتهم ونشطاء حقوقيين إلى نفي الاتهامات، مؤكدين أنهم كانوا مهاجرين فارين من ظروف الحرب والفوضى، وأن محاكمتهم جرت من دون توفير دفاع قانوني كافٍ.

واللاعبون الخمسة هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من نادي طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً.

وخلال السنوات الماضية، تحوَّل الملف إلى قضية رأي عام حظيت بإجماع سياسي نادر في ليبيا، إذ طالبت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، إلى جانب حكومتي «الوحدة الوطنية» في غرب البلاد و«الاستقرار» المكلفة من البرلمان في شرقها، فضلاً عن مجلس النواب، بالإفراج عنهم، معتبرين الأحكام الصادرة بحقهم «مجحفة».

وشهد الملف تحولاً حاسماً أمام محكمة الاستئناف الإيطالية، التي أعادت فحص الدفوع القانونية والشهادات، وانتهت إلى قناعة بأن المتهمين كانوا مهاجرين فارين من النزاعات المسلحة، وليسوا منظمين أو مهربين ضمن شبكات للاتجار بالبشر، وهو ما أفضى إلى وقف تنفيذ العقوبات والإفراج عنهم.

في سياق منفصل، أدانت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا» مقتل مسؤول أمني وشاب آخر، إثر تعرضهما لإطلاق نار كثيف في مدينة العجيلات (غرب)، محذرةً من تصاعد مؤشرات الجريمة والفوضى الأمنية، وموجهة انتقادات حادة إلى أداء وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية.

وطالبت المؤسسة الجهات القضائية والضبطية بفتح تحقيق عاجل وشامل لكشف ملابسات الجريمة، وضمان تقديم المتورطين إلى العدالة، محملة وزارة الداخلية والجهات الأمنية المسؤولية عن التراجع الأمني، ووصفت الوضع بأنه نتيجة «غياب الدور الفعلي للأجهزة المختصة، وفشلها في حماية المواطنين والمقيمين وممتلكاتهم، والحفاظ على الاستقرار».

وكانت مصادر محلية قد أفادت بأن أحد عناصر جهاز مكافحة التهديدات الأمنية ومرافقه لقيا مصرعهما في هجوم مباغت، نفَّذته مجموعة مسلحة مجهولة تستقل سيارات مصفحة في منطقة الدورانية بمدينة العجيلات، التي تبعد نحو 80 كيلومتراً شمال غربي العاصمة طرابلس.

وأضافت المصادر أن المهاجمين أطلقوا وابلاً من الرصاص بشكل مباشر على الضحيتين، ما أدى إلى مقتلهما على الفور، في ثاني حادث من نوعه تشهده المنطقة خلال أسبوع، الأمر الذي يُثير مخاوف من تصاعد أعمال العنف، واحتمال تجدد عمليات تصفية الحسابات بين مجموعات مسلحة.