مدير «ناسا» يدعو للتحقيق حول «محادثات منتظمة» بين إيلون ماسك وبوتين

الملياردير إيلون ماسك (رويترز)
الملياردير إيلون ماسك (رويترز)
TT

مدير «ناسا» يدعو للتحقيق حول «محادثات منتظمة» بين إيلون ماسك وبوتين

الملياردير إيلون ماسك (رويترز)
الملياردير إيلون ماسك (رويترز)

دعا مدير وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) بيل نيلسون، يوم الجمعة، إلى إجراء تحقيق في تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» يفيد بأن إيلون ماسك - مؤسس «سبايس إكس» وحليف الرئيس السابق دونالد ترمب - والرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانا على «اتصال منتظم» منذ أواخر عام 2022.

ووفقاً لشبكة «سي إن إن» الأميركية، يثير التقرير، الذي قال إن مؤسس «سبايس إكس» ناقش «موضوعات شخصية وتوترات تجارية وجيوسياسية» مع الرئيس الروسي، مخاوف تتعلق بالأمن القومي؛ حيث ربما منحت علاقات «سبايس إكس» مع وكالة «ناسا» والجيش الأميركي ماسك إمكانية الوصول إلى معلومات سرية أميركية.

وقال نيلسون لموقع «سيمافور»: «لا أعرف ما إذا كانت هذه القصة صحيحة، أعتقد بأنه يجب التحقيق فيها، وإذا كانت القصة صحيحة بأن هناك محادثات متعددة بين إيلون ماسك ورئيس روسيا، فأعتقد بأن هذا سيكون مثيراً للقلق، خصوصاً بالنسبة لوكالة (ناسا)، ووزارة الدفاع، وبعض وكالات الاستخبارات».

وأثار بعض المسؤولين الأميركيين مخاوف تتعلق بمكافحة التجسس في العام الماضي بشأن اتصالات ماسك مع خصوم الولايات المتحدة مثل روسيا، لكن مجتمع الاستخبارات الأميركي حذَّر من النظر في تلك الاتصالات لأن ماسك مواطن أميركي، بحسب ما قاله مسؤول لشبكة «سي إن إن».

وقال عدد من مسؤولي البيت الأبيض للصحيفة، إنهم لم يكونوا على علم بالاتصال بين ماسك وبوتين. وقالت الصحيفة إن معرفة الاتصالات «تبدو سراً محفوظاً في الحكومة».

وأكد عدد من المسؤولين الأميركيين والأوروبيين والروس الحاليين والسابقين صحة الاتصالات للصحيفة.

وفي إحدى الحالات، استشهدت الصحيفة بطلب بوتين من ماسك عدم تنشيط خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية «ستارلينك» عبر تايوان «خدمةً للزعيم الصيني شي جينبينغ».

ولم يستجب ماسك لطلبات الصحيفة للتعليق.

وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، جون كيربي (الجمعة)، إنه رأى التقرير لكن البيت الأبيض «ليس في وضع يسمح له بتأكيده»، وأحال الأسئلة إلى ماسك.

وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) للصحيفة إن وزارة الدفاع لا تعلق على «الموافقة الأمنية لأي فرد أو المراجعة أو الوضع، أو على مسائل سياسة أمن الأفراد في سياق التقارير حول تصرفات أي فرد».

وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحيفة إن ماسك وبوتين أجريا مكالمة هاتفية واحدة فقط ناقشا فيها «شؤون الفضاء، وكذلك التقنيات الحالية والمستقبلية».

ولعب ماسك دوراً رئيسياً في الصراع في أوكرانيا، فمنذ غزو روسيا لأوكرانيا في أوائل عام 2022، تضاءل دعم ماسك لأوكرانيا، الذي تجسد في توفير «سبايس إكس» لخدمات «ستارلينك»، حيث أصبحت تصريحاته حول الصراع أكثر توافقاً مع تصريحات ترمب، الذي قال إنه سيتفاوض على إنهاء الحرب بسرعة.

وكانت محطات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التي توفرها شركة ماسك مصدراً حيوياً للاتصالات للجيش الأوكراني، مما يسمح له بالقتال والبقاء على اتصال حتى مع تدمير شبكات الهاتف الخلوي والإنترنت.

وأشار ديمتري ألبيروفيتش، الخبير في شؤون روسيا والأمن السيبراني، لشبكة «سي إن إن» إلى أن «(ستارلينك) ضرورية لأوكرانيا على وجه الخصوص؛ لأنها لا تستطيع متابعة هذه الحرب دونها».

بعد أن أعلن ماسك دعمه المبكر لأوكرانيا، طلبت «سبايس إكس» فجأة من «البنتاغون» دفع عشرات الملايين من الدولارات شهرياً لتمويل «ستارلينك» في أوكرانيا وتخفيف العبء عن «سبايس إكس»، ورداً على هذا التقرير، أعلن ماسك فجأة أنه سحب طلب التمويل.

وفي الوقت نفسه تقريباً، استخدم ماسك استطلاعاً على منصة «إكس» لاقتراح خطة «سلام بين أوكرانيا وروسيا» تضمَّنت إعادة الانتخابات «تحت إشراف الأمم المتحدة» في مناطق البلاد التي ضمَّتها روسيا مؤخراً بشكل غير قانوني.

وبعد أن شكَّك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في تفضيل ماسك أحد طرفي الحرب، ردَّ رجل الأعمال بأنه «لا يزال يدعم أوكرانيا بشدة لكنه يخشى التصعيد الهائل».

وكانت «سبايس إكس» قد حدت في السابق من إشارة «ستارلينك» الخاصة بها إلى المناطق التي تسيطر عليها القوات الأوكرانية، مما أعاق التقدم المحتمل الذي كان سيعتمد على اتصالات «ستارلينك».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

ثم قامت «سبايس إكس» بتوسيعها إلى بقية البلاد، وفي وقت سابق من هذا العام، ادعت استخبارات الدفاع الأوكرانية أنها أكدت استخدام اتصالات أقمار «ستارلينك» من قبل القوات الروسية في المناطق المحتلة.

ويبدو أن روسيا تشتري المحطات من أطراف ثالثة. وقالت «سبايس إكس» إنها لم تقم بأي نوع من الأعمال مع الحكومة الروسية أو جيشها، وإن خدمتها لن تعمل في روسيا، ولم يتطرق البيان إلى ما إذا كانت ستعمل في مناطق أوكرانيا المحتلة.

وجاء ادعاء أوكرانيا في أعقاب الكشف في سيرة ماسك، التي كتبها والتر إيزاكسون، عن استخدام نظام الأقمار الاصطناعية في الحرب.

ووفقاً لمقتطف من الكتاب، لم يمنح ماسك طلباً أوكرانياً لتشغيل شبكة اتصالات أقمار «ستارلينك»، التابعة لشركته، بالقرب من ساحل القرم العام الماضي لتعطيل هجوم أوكراني.

وكان قرار ماسك، الذي دفع المسؤولين الأوكرانيين إلى التوسل إليه لإعادة تشغيل الأقمار الاصطناعية، مدفوعاً بخوف حاد من أن ترد روسيا على هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم بأسلحة نووية، وهو الخوف الذي عززته محادثات ماسك مع كبار المسؤولين الروس، وفقاً لإيزاكسون.

وفي 2022، نفى ماسك ادعاء عالم السياسة الأميركي إيان بريمر بأنه تحدَّث مع بوتين بشأن الحرب و«خطة السلام» المقترحة لإنهاء الصراع.

وبرز ماسك، الذي يشغل أيضاً منصب الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» ومالك «إكس»، بصفته شخصيةً ماليةً رئيسيةً في الانتخابات الرئاسية لهذا العام، حيث ضخ نحو 44 مليون دولار في أكتوبر (تشرين الأول) في لجنة عمل سياسي تعمل على إعادة انتخاب ترمب؛ ما رفع إجمالي تبرعات الملياردير للمجموعة إلى نحو 119 مليون دولار، وظهر مع ترمب في حملة انتخابية في وقت سابق من هذا الشهر في بتلر بولاية بنسلفانيا.

كما عقد ماسك اجتماعاته الخاصة في بنسلفانيا الأسبوع الماضي، حيث حثَّ الناخبين على دعم ترمب، وروَّج لكثير من نظريات المؤامرة، التي تم فضحها، حول انتخابات 2020، وقد ناقش الاثنان علناً دوراً حكومياً محتملاً لماسك.

في الأيام الأخيرة، عرض ماسك أيضاً سحب قرعة يومية بقيمة مليون دولار للناخبين في الولايات المتأرجحة، وهو ما أثار التدقيق من وزارة العدل.

وعلى الرغم من تحذير وزارة العدل من أن الأموال قد تكون غير قانونية، فإن لجنة العمل السياسي التابعة لماسك قد منحت جائزتين بقيمة مليون دولار للناخبين المسجلين في ميشيغان وويسكونسن يوم الخميس.


مقالات ذات صلة

اتهام 8 رجال بتخطيط هجوم على البيت الأبيض «لاغتيال ترمب وفانس ونتنياهو»

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مائدة الغداء خلال فعالية في حديقة الورود بالبيت الأبيض - 6 يوليو 2026 (أ.ب) p-circle

اتهام 8 رجال بتخطيط هجوم على البيت الأبيض «لاغتيال ترمب وفانس ونتنياهو»

أصدرت هيئة محلفين أميركية اتحادية كبرى لائحة اتهام بحق ثمانية رجال بتهمة التخطيط لشن هجوم على فعالية للفنون القتالية المختلطة بالبيت الأبيض في يونيو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الكثير من الأميركيين يواجهون ضغوطاً متزايدة لتأمين احتياجاتهم المعيشية الأساسية (رويترز) p-circle

أميركا تُنتج 1200 مليونير جديد يومياً... وثروات قياسية تعمّق فجوة الدخل

تواصل الولايات المتحدة ترسيخ مكانتها بوصفها أكبر مولّد للثروات في العالم، إذ يشهد اقتصادها انضمام آلاف الأشخاص إلى قائمة الأثرياء سنوياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشة عرض في «تايمز سكوير» تظهر إعلاناً لشركة «سبيس إكس» بعد إطلاق الطرح العام الأولي للشركة في نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تُبدي تفاؤلاً تجاه «سبيس إكس» قبيل إدراجها في مؤشر «ناسداك 100»

من المتوقع أن يؤدي إدراج شركة «سبيس إكس» في مؤشر «ناسداك 100»، يوم الثلاثاء، إلى إطلاق موجة من عمليات الشراء التلقائي بمليارات الدولارات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار شركة «سبايس إكس» ورسم بياني لارتفاع سعر السهم (رويترز)

خسائر «سبايس إكس» تتواصل بعد تبخر 600 مليار دولار

واصلت أسهم شركة «سبايس إكس» المملوكة لإيلون ماسك تراجعها الثلاثاء، بعد موجة بيع استمرت 3 أيام، محَت أكثر من 600 مليار دولار من قيمتها السوقية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ شعار برنامج الدردشة الآلي «غروك» التابع للملياردير إيلون ماسك يظهر على شاشة هاتف (رويترز) p-circle

واشنطن تكشف أنها استخدمت «غروك» في الحرب على إيران

كشفت الحكومة الأميركية في مذكرة قانونية، أنها استخدمت برنامج «غروك» للذكاء الاصطناعي العائد لمنصة «إكس» المملوكة لإيلون ماسك، في شنّ ضربات على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ما تمزُّق الشريان الأورطي الذي أودى بحياة ليندسي غراهام؟

السيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام (رويترز)
السيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام (رويترز)
TT

ما تمزُّق الشريان الأورطي الذي أودى بحياة ليندسي غراهام؟

السيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام (رويترز)
السيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام (رويترز)

تُوفي السيناتور الأميركي البارز ليندسي غراهام، السبت، عن عمر ناهز 71 عاماً، على أثر إصابته بتمزق في الشريان الأورطي، وهو الشريان الرئيسي الذي ينقل الدم من القلب إلى باقي أجزاء الجسم.

ويُعد تمزق الشريان الأورطي حالة طبية طارئة. يقول الدكتور مايكل ماك، جرّاح القلب ورئيس معهد «بايلور سكوت آند وايت هيلث» للأبحاث في دالاس، لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، إن نحو 50 في المائة فقط من المصابين يتمكنون من الوصول إلى المستشفى، في حين ينجو نحو نصف هؤلاء بعد تلقّي العلاج.

وأضاف ماك أن هذه الحالة تُعد أول ما يتبادر إلى ذهن الأطباء عندما يُتوفى شخص، كان يتمتع بصحة جيدة، بشكل مفاجئ.

من جهتها قالت جرّاحة القلب الأميركية، الدكتورة كيندرا غروب: «تتكون جدران الشريان الأورطي من ثلاث طبقات، ويحدث التمزق في الطبقة الداخلية، مما يسمح بتدفق الدم بين طبقات هذا الوعاء الدموي الأنبوبي، ويهدد حياة المريض بشكل مباشر».

ويُرجَّح أن يكون السبب وراء هذه المشكلة هو تمدد الأوعية الدموية الأبهري الكامن، وهو انتفاخ داخل الأوعية يشبه البالون ينتج عن ارتفاع ضغط الدم، أو تصلب الشرايين، أو بعض الحالات الوراثية النادرة التي تصيب القلب والأوعية الدموية، مثل «الصمام الأبهري ثنائي الشرفات».

وقالت غروب إن المرضى غالباً ما يصفون الألم المصاحب للحالة بأنه شديد للغاية ويمتد من الصدر إلى الظهر، ويشبه «طعنة السكين في القلب».

ويختلف أسلوب علاج هذه الحالة وفقاً لموضع التمزق في الشريان، ففي حال وقوعه بالجزء البعيد عن الشرايين المُغذية للمخ، يمكن إصلاحه عبر قسطرة من منطقة الفخذ إلى الشريان الأورطي تحمل مادة لإغلاق التمزق. أما إذا أصاب الجزء الذي يُغذي المخ، فيتطلب الأمر إجراء جراحة قلب مفتوح، بشكل عاجل، يجري خلالها استئصال الجزء الممزق واستبدال رقعة صناعية به.


واشنطن تفقد ليندسي غراهام أحد أبرز صقور سياستها الخارجية

ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف  يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
TT

واشنطن تفقد ليندسي غراهام أحد أبرز صقور سياستها الخارجية

ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف  يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)

تُوفّي العضو الجمهوري البارز في مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، فجر أمس، عن 71 عاماً، في وقت يخوض فيه الرئيس دونالد ترمب واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية قبل انتخابات التجديد النصفي.

وتسبب الرحيل المفاجئ للسياسي المخضرم في حالة من الحزن والارتباك وسط حزبه الجمهوري. وأوردت الصحافة المحلية أن غراهام توفي بعد تعرضه لسكتة قلبية في مقر إقامته بالقرب من الكابيتول. وسارع الرئيس ترمب إلى نعي غراهام عبر منصة «تروث سوشيال»، واصفاً إياه بأنه «وطني أميركي حقيقي»، و«أحد أعظم أعضاء مجلس الشيوخ».

وبرحيل غراهام، لم يفقد ترمب مجرد عضو نافذ في مجلس الشيوخ، وإنما خسر أحد أكثر الحلفاء داخل الكونغرس، الذي يعد واحداً من أبرز صقور السياسة الخارجية الذين لعبوا دوراً محورياً في ملفات تتعلق بالحروب في غزة وأوكرانيا وإيران، كما لعب دوراً قوياً في ملف علاقات الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط.


رحيل ليندسي غراهام أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأميركية

السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
TT

رحيل ليندسي غراهام أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأميركية

السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)

لم تكن وفاة السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام عن عمر 71 عاماً، فجر الأحد حدثاً عادياً في العاصمة الأميركية واشنطن، وإنما مثلت نقطة تحول داخل الحزب الجمهوري والإدارة الأميركية، في وقت يخوض فيه الرئيس دونالد ترمب واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية قبل انتخابات التجديد النصفي.

فبرحيل غراهام لا يفقد ترمب مجرد عضو نافذ في مجلس الشيوخ، وإنما يخسر أحد أكثر المدافعين عنه والأكثر ولاءً له داخل الكونغرس، وواحداً من أبرز صقور السياسة الخارجية الذين لعبوا دوراً محورياً في ملفات تتعلق بالحرب في إيران والحرب الروسية والأوكرانية وحرب غزة، كما لعب دوراً قوياً في ملف علاقات الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط.

وقد أعلن مكتب غراهام وفاته، فجر الأحد، بعد معاناته من سكته قلبية في مقر إقامته بالقرب من الكابيتول وفقاً لصحافية «وول ستريت جورنال» وتسجيلات استدعاء فرق الطواري الطبية. وكان من المقرر أن يظهر غراهام في برنامج «واجه الصحافة» على شبكة «إن بي سي»، صباح الأحد.

وسارع الرئيس ترمب إلى نعي غراهام عبر منصة «تروث سوشيال»، واصفاً إياه بأنه «وطني أميركي حقيقي» و«أحد أعظم أعضاء مجلس الشيوخ الذين عرفتهم»، مؤكداً أن الولايات المتحدة فقدت «صديقاً مخلصاً ومحارباً لا يكل». ولم يكن هذا الرثاء مجرد كلمات بروتوكولية، بل عكس طبيعة العلاقة الاستثنائية التي تطورت بين الرجلين خلال العقد الأخير، بعدما بدأت بخصومة الحادة، وانتهت بتحالف سياسي وثيق.

من الخصومة إلى الولاء

ويصعب فهم مكانة غراهام داخل الدائرة المقربة من ترمب من دون العودة إلى انتخابات عام 2016، عندما كان السيناتور البارز من أشد منتقدي المرشح الجمهوري دونالد ترمب، ووصفه آنذاك بأنه لا يصلح لقيادة الحزب ولا البلاد، كما وصفه بأنه محرض على الانقسام العرقي وكاره للأجانب ومتعصب دينياً. وشهدت العلاقة بين الرجلين توتراً كبيراً عقب الهجوم على مبني الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، وكان غراهام من بين أولئك الذين اتهموا الرئيس ترمب بالتحريض على الهجوم، لكن السياسة الأميركية كثيراً ما تعيد رسم التحالفات فقد صوت غراهام ضد إدانة ترمب في محاكمته الثانية بهدف عزله.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام (جمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية) وهو يخاطب الحشود خلال فعالية للحملة الانتخابية لعام 2024 في كولومبيا، كارولينا الجنوبية، في 28 يناير 2023. (أ ف ب)

ورغم أن غراهام رفض مزاعم ترمب بأن انتخابات 2020 كانت مزورة فإنه دعم مساعي ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية. وبعد وصول ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل غراهام تدريجياً إلى أقرب مستشاريه داخل مجلس الشيوخ، خصوصاً بعد رحيل السيناتور جون ماكين، الذي كان يمثل المرجعية الأساسية لتيار الجمهوريين التقليديين. وأصبح غراهام لاحقاً حلقة الوصل الأهم بين البيت الأبيض والكونغرس، ودافع بقوة عن سياسات ترمب، وسانده في معارك تعيين قضاة المحكمة العليا، ووقف إلى جانبه خلال إجراءات العزل، كما لعب دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك الجمهوريين خلال أكثر المراحل صعوبة في رئاسة ترمب الأولى.

بدايته ورحلته

في عام 1994، انتُخب غراهام للمرة الأولى عضواً في مجلس النواب، قبل أن يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ في عام 2002، ويعاد انتخابه في الأعوام 2008 و2014 و2020. وكان يشغل أخيراً منصب رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ.

نشأ في لبدة سنترال بولاية كارولينا الجنوبية، وحصل على درجة البكالوريوس عام 1977 ثم الدكتوراه في القانون عام 1981، وانضم إلى القوات الجوية الأميركية في أثناء دراسته الجامعية. وعمل غراهام محامياً عسكرياً، وبلغ رتبة عقيد في سلاح الجو، وهي تجربة أسهمت في تشكيل مواقفه في السياسة الخارجية المؤيّدة لتدخل الولايات المتحدة.

وفي عام 2002، صوّت لصالح غزو العراق في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، كما أيّد لاحقاً الإبقاء على وجود عسكري أميركي طويل الأمد في أفغانستان. ويُعدّ غراهام من أبرز منتقدي سياسات الرئيس السابق باراك أوباما الخارجية، إذ وصفه عقب توقيع «خطة العمل الشاملة المشتركة» بين إيران ومجموعة «5+1» في عام 2015 بأنه «خصم ضعيف للشر».

صوت الصقور

كان غراهام يمثل داخل الحزب الجمهوري مدرسة «السلام عبر القوة»؛ ولذلك ارتبط اسمه تقريباً بكل الملفات الساخنة التي تواجه الولايات المتحدة. وفي الملف الإيراني، كان من أكثر الداعين إلى تشديد العقوبات، وتبنى باستمرار خيار استخدام القوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة، معتبراً أن امتلاك إيران سلاحاً نووياً يمثل تهديداً مباشراً للأمن الأميركي والإسرائيلي.

أما في الحرب الروسية - الأوكرانية، فقد كان من أكثر أعضاء الكونغرس زيارة لكييف منذ اندلاع الحرب، ودافع عن استمرار المساعدات العسكرية، وأسهم في الدفع نحو مشروع عقوبات أكثر تشدداً ضد موسكو، قبل أيام فقط من وفاته، كما رأى أن أي تراجع أميركي عن دعم أوكرانيا سيُقوّض مصداقية واشنطن أمام حلفائها في أوروبا وآسيا. وقد نعاه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وكتب على منصة «إكس» أنه «زار أوكرانيا 10 مرات خلال سنوات الغزو الروسي الشامل، وكان هنا مع شعبنا في أحلك الظروف»، مشيراً إلى أنه «عمل على مبادرات تهدف لتحقيق السلام».

غراهام وإسرائيل

وفي المقابل، ظل غراهام أحد أكثر السياسيين الأميركيين قرباً من إسرائيل، وبعد هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، دافع عن حقها في الرد العسكري على خصومها، ودعا إلى تعميق التعاون الأمني معها، وهو ما جعله يحظى بعلاقات وثيقة مع معظم القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، كما كان من أشد المؤيدين لـ«اتفاقات إبراهام»، وقام بالعديد من الزيارات لدول منطقة الشرق الأوسط. وكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منصة «إكس»: «لقد فقدت إسرائيل واحداً من أعظم أصدقائها. فقدت أميركا وطنياً عظيماً. وقد فقدت صديقاً عزيزاً»، كما سارع للظهور على شبكة «فوكس نيوز»، صباح الأحد، لأكثر من 20 دقيقة متحدثاً عن مواقف غراهام السياسية لدعم إسرائيل.

وتتحدث تقارير إعلامية إسرائيلية وأميركية عن احتمال حضور نتنياهو مراسم تشييع الجنازة الرسمية في مسقط رأسه بولاية كارولينا الجنوبية، مع وجود تكهنات بأن تتحول الزيارة إلى مناسبة لعقد لقاء مع الرئيس ترمب لبحث ملفات إيران وغزة والعلاقات الثنائية.

فراغ سياسي

سياسياً، تفتح وفاة غراهام فراغاً يصعب ملؤه سريعاً؛ فالرجل لم يكن مجرد رئيس للجنة نافذة في مجلس الشيوخ، بل كان أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الجمهورية، وصاحب تأثير واسع داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية. وقد ساد الحزن والارتباك أوساط الجمهوريين، حيث تعيد وفاة ليندسي غراهام حسابات الجمهوريين، وتقلص مقاعد الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ مؤقتاً إلى حين تعيين بديل وفق قانون ولاية كارولاينا الجنوبية، وهو ما يمنح الديمقراطيين هامشاً أوسع للمناورة في عدد من الملفات التشريعية الحساسة، لكن التأثير الأكبر يتمثل في غياب شخصية كانت تجمع بين قربها من ترمب وثقة الجمهوريين التقليديين، وهي معادلة نادرة داخل الحزب.

ماذا يخسر ترمب؟

وبالنسبة للرئيس ترمب، تأتي وفاة غراهام في توقيت شديد الحساسية؛ فالإدارة تواجه تحديات متزامنة تشمل التصعيد مع إيران، والحرب في أوكرانيا، والخلافات داخل حلف شمال الأطلسي، والاستعداد لانتخابات التجديد النصفي. وفي كل تلك الملفات، كان غراهام يؤدي دور «المسوّق السياسي» داخل الكونغرس، حيث كان يمتلك قدرة استثنائية على الدفاع عن سياسات ترمب أمام الجمهوريين المترددين، وعلى بناء توافقات مع بعض الديمقراطيين في قضايا الأمن القومي.

كما كان غراهام يمثل جسراً بين البيت الأبيض والمؤسسة الأمنية، مستفيداً من علاقاته الواسعة داخل وزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات، إضافة إلى شبكة علاقاته الدولية التي بناها على مدى أكثر من عقدين.

وقد أسهم غراهام في تشكيل مسار نقاشات كبيرة حول تعيينات المحكمة العليا والسياسات العسكرية والهجرة، وكان تأثيره واضحاً في القضايا المتعلقة بملفات الشرق الأوسط.

ويقول محللون وسياسيون إنه يصعب اختزال إرث غراهام في مواقفه المؤيدة لترمب أو في دعمه لإسرائيل وأوكرانيا؛ فقد كان واحداً ممن تبقوا من رموز الجيل الجمهوري الذي جمع بين النزعة المحافظة داخلياً والسياسة الخارجية التدخلية خارجياً. وبرحيله، يخسر الحزب الجمهوري أحد أكثر أصواته تأثيراً في ملفات الأمن القومي في لحظة تشهد فيها السياسة الأميركية استقطاباً غير مسبوق يعاد فيها رسم موازين القوى داخل الحزب الجمهوري.