«مدينة مُحتلّة»... أسئلة في التاريخ وساعات من التكرار

الفيلم لا يزال يتنقل بين عواصم العالم

من «مدينة مُحتلة»... (إيه 24)
من «مدينة مُحتلة»... (إيه 24)
TT

«مدينة مُحتلّة»... أسئلة في التاريخ وساعات من التكرار

من «مدينة مُحتلة»... (إيه 24)
من «مدينة مُحتلة»... (إيه 24)

بعد أكثر من عام على عرضه في دورة 2023 من مهرجان «كان» الشهير، ما زال فيلم ستيف ماكوين «مدينة مُحتلة (Occupied City)» يتنقل من مدينة عالمية إلى أخرى، ولديه عواصم كثيرة سيزورها: مكسيكو سيتي، وطوكيو، وروما، وآيرلندا، وكندا (رغم عرض سابق بدورة العام الماضي في «مهرجان تورونتو»)، والهند، والسويد التي ستعرضه في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

خلال هذه الفترة الممتدة من مايو (أيار) في العام الماضي إلى الآن، أنجز المخرج ماكوين فيلماً آخر بعنوان «غارة (Blitz)». مثل «مدينة مُحتلة»؛ هو فيلم تسجيلي. على عكسه؛ فيلم من 120 دقيقة؛ أي نصف مدّة عرض الفيلم السابق تماماً.

احتلال وحصار

اختيار ماكوين مدينة أمستردام لتكون «المكان الجغرافي والزمني» لفيلمه «مدينة مُحتلة» ليس صدفة. هو الآن يعيش هناك، والفيلم هولندي الإنتاج (تدعمه شركتا إنتاج بريطانية وأميركية) وتعكس بعض مشاهده، التي تعرض جزءاً من الحياة الحاضرة، حُبّه المدينة.

‫لكن الموضوع ليس عن الحاضر، والفيلم ليس دعائياً أو سياحياً، ولو أنه في كلّيته احتفاء بها وتجسيد لحاضرها اليوم (مشاهد عدّة لأطفال يلعبون وراشدين يتمتعون بحياة المدينة)، بل يتناول حياة المدينة فيما بين عامي 1940 و1945. إنها الفترة التي احتل فيها الجيش الألماني هولندا بدعم من الحزب النازي الهولندي. في الواقع اهتم هتلر بضمّ هولندا إلى الإمبراطورية التي حلم بها، عادّاً أن الهولنديين هم أيضاً شعب آري. وعندما بدأ هجوم قوات التحالف الكبير في إحراز التقدم الذي شمل تحرير فرنسا، أمر هتلر بالدفاع عن هولندا وعاصمتها بكل قوّة؛ الأمر الذي لم تنجح فيه القوّات الألمانية التي بدأت التراجع أمام ضراوة الهجوم المضاد.

فيلم ماكوين، وهو مخرج معروف باختياره موضوعات صعبة وذات طابع إنساني عميق... مثل حاله في «جوع» (2008)، و«12 سنة عبداً» (2013)، لا يتحدّث عن المدينة فقط، بل عن اليهود الذي كانوا يعيشون فيها، ثم، بطبيعة الحال، عما آلوا إليه تدريجياً منذ الاحتلال النازي.

في البداية جرى تعدادهم (نحو 120 ألف فرد حينها)، ومن ثمّ منعهم من ارتياد الملاهي ودور العرض والنشاطات المختلفة. صاحب ذلك منع موسيقاهم، وتوسّع إطار الحظر ليشمل المدينة بكاملها. ثم (منذ عام 1942) بُدئ إلقاء القبض عليهم وترحيلهم إلى المعسكرات ومراكز الإبادة.

يلتحم هذا الجانب مع تاريخ المدينة وتعريضها للجوع وسرقة ما أمكن سرقته من متاحفها، ولاحقاً، كيف تنفّست الصعداء حين تحريرها.

إنها تجربة صعبة لا ريب، لكن الفيلم الذي انتهى تصويره قبل «طوفان الأقصى» يذكّر على نحو خارج نطاقه بما حدث ولا يزال يحدث في غزّة. هذا التذكير هُلامي لا يخلو من الغموض؛ فمن ناحية قد يُقرأ بوصفه تبريراً تاريخياً وعاطفياً لحق اليهود في إقامة دولة خاصّة بهم، ومن ناحية أخرى يترك التساؤل فيما إذا كان الإنسان، في طبعه، عدو نفسه عندما يمارس على الآخرين الاضطهاد والعنف والقسوة التي مُورست جميعها عليه.

مسألة قبول

اقتبس المخرج «مدينة مُحتلة» من كتاب وضعته زوجته بيانكا ستيغتر بعنوان «أطلس مدينة مُحتلة: أمستردام 1940 - 1945». في معظم ما نشاهده إصرار على التفاصيل الآتية من لدن ذلك الكتاب.

ما يختلف فيه فيلم مقتبس من كتابٍ ما، أكثرُ من مجرد القدرة على استخلاص عناصر ومواد وفصول العمل المكتوب وتحويلها إلى فيلم مرئي. إذا لم يكن هناك داعٍ قوي يحّتم على المخرج الالتزام بأمانة بكل ما وضعه المؤلف بين دفّتي كتابه من حيثيات وإحصاءات وتفاصيل، فإن الاقتباس سينحني تحت ثقل المادة المصوّرة بدل أن يحييها.

هذا ما يحدث في «مدينة مُحتلة» خلال 4 ساعات من العرض (في منتصفها استراحة من 10 دقائق). ما يبدأ وعداً بفيلم تاريخي جيد، يتحوّل إلى تجربة في قدرة المُشاهد على قبول مشاهدة تفاصيل مذكورة لذاتها. هذه تؤدي، تلقائياً، إلى تكرار المعلومات والمفادات. وإذ تتكوّن الساعة الأولى من دفق يمزج بين ما حدث للمدينة ككل وما حدث لليهود على الأخص، ينجلي الفيلم فيما تبقى عن تكرار ورتابة. بعد الاستراحة يُصاب المشاهد ليس بالملل فقط؛ بل بالتساؤل عن قيمة ما يراه... عن جدوى تحقيق فيلم من 4 ساعات كان يمكن إنجازه على نحو أفضل في ساعتين أو أقل.

فيلم كهذا لا بدّ له من أن يأتي مليئاً بالصور، وهناك ما لا يُحصى منها، إلا إذا عمد المُشاهد إلى تعدادها. الناتج أن المدينة تحتل الواجهة، ومسألة الهولوكوست تحتل الموضوع. هي المرادف بالكلمات كون الفيلم يعتمد على تعليق متواصل. ربط التعليق بالمشاهد المتوالية جيد. التوقف عند حد من هذا الدفق المعلوماتي المتكرر هو ما ينسفُ ذلك العنصر الإيجابي أو يستهلكه.

أسئلة

بعيداً عن العاطفة المُسوقة في الفيلم بحذر لكنها حاضرة بوضوح، يجبر الفيلم مشاهديه على مقارنته بما قام به كلود لانزمان عندما حقق «Shoah» سنة 1985 في نحو 8 ساعات. «شواه» اعتمد على المقابلات والذاكرة، وقصد أن يُحيط بكل تجارب من جالسهم لاستجوابهم بغرض تقديم «الفيلم» الذي لا قبله ولا بعده في هذا المضمار.

نتيجة «شواه» ونتيجة «مدينة مُحتلة» واحدة: طول الفترة الزمنية لا علاقة له بفن السينما، بل بتحويلها إلى أداة إعلامية. هي بروباغاندا في نهاية المطاف بصرف النظر عن مفادها وقضيتها. الفارق أن فيلم ماكوين أكثر تنوّعاً، وفيه توليف جيد لألبومه من المشاهد واللقطات، بينما ما زال «شواه» عبارة عن كاميرا تصوّر وكلام يُنطق.

نال «مدينة مُحتلّة» ثناءَ عدد كبير من النقاد الغربيين، لكن ما هو لافت أن عدداً من النقاد اليهود هاجموا الفيلم بضراوة؛ بينهم ب. غرايتزر في موقع «فوروورد» (صحيفة إلكترونية أميركية يهودية مستقلة) الذي كتب: «يتّخذ الفيلم شكل عرض من السلايدات البصرية، ولا يستعين بأي مشاهد أرشيفية».

ناقد مجلة «ڤاراياتي» أووَن غلايبرمان وضع عبارة: «فيلم ماكوين التسجيلي عن الهولوكوست هو محنة من 4 ساعات، لكن بعمق بوصة واحدة» عنواناً لمقالته.

على ذلك، لا بدّ من الإنصاف هنا. صحيح أن الفيلم يستهلك الوقت والصبر لمتابعته، وصحيح أنه لا يستعين بمشاهد وثائقية، إلا إن متابعته، مع الاستعداد الكُلي لمشاهدته كاملاً، تُطلعنا على تنفيذ جيد على مستوى الانتقال من مشهد لآخر. ويتميّز بأنه لم يستَعِن بأشرطة وثائقية على عكس كثير من الأفلام الوثائقية السابقة.

ثم هناك أكثر من ذلك، لا يغيب عن الفيلم التأكيد على أن بعض اليهود وشوا بيهود آخرين على أساس أن يغضّ النازيون النظر عنهم فلا يُساقوا إلى التعذيب. في المقابل، يحيط الفيلم بكيف فعل مسيحيون ما وجب عليهم فعله لمساعدة اليهود على الهرب، وبعضهم (كما يذكر الفيلم) دفع حياته ثمن ذلك.



استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن سُرقت من متحف هولندي

خوذة كوتوفينيستي الذهبية أثناء عرضها على الصحافة في متحف درينتس بآسن في هولندا 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
خوذة كوتوفينيستي الذهبية أثناء عرضها على الصحافة في متحف درينتس بآسن في هولندا 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن سُرقت من متحف هولندي

خوذة كوتوفينيستي الذهبية أثناء عرضها على الصحافة في متحف درينتس بآسن في هولندا 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
خوذة كوتوفينيستي الذهبية أثناء عرضها على الصحافة في متحف درينتس بآسن في هولندا 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات الهولندية، الخميس، استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدَّر بثمن تعود إلى رومانيا، كانت قد سُرقت، العام الماضي، من متحف في هولندا، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

وتحت حراسة مشدَّدة من عناصر شرطة مدجَّجين بالسلاح وملثَّمين، كشف المدَّعون عن خوذة كوتوفينيستي، البالغ عمرها 2500 عام، وهي من أبرز الكنوز الوطنية الرومانية من حضارة داسيا، وذلك خلال مؤتمر صحافي في مدينة آسن في شرق البلاد.

وقالت كورين فاهنر، من النيابة العامة، للصحافيين: «نحن سعداء للغاية. لقد كانت رحلة مليئة بالتقلبات، خصوصاً بالنسبة لرومانيا، ولكن أيضاً لموظفي متحف درينتس».

وكانت الخوذة معروضة في متحف درينتس الصغير، في يناير (كانون الثاني) 2025، خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة من معرض استمر ستة أشهر، عندما اقتحم لصوصٌ المكان واستولوا عليها، إلى جانب ثلاثة أساور ذهبية.

شرطي يقف خوذة كوتوفينيستي التي استعيدت في هولندا خلال مؤتمر صحافي بمدينة آسن في 2 أبريل 2026 (أ.ب)

وأُثيرت مخاوف من احتمال صَهر الخوذة، نظراً لشهرتها ومظهرها المزخرف اللافت الذي يجعل بيعها أمراً شبه مستحيل.

كما استعيد سواران من الأساور الثلاثة المفقودة، ضِمن اتفاق توصّل إليه المدّعون مع ثلاثة رجال أُوقفوا بعد وقت قصير من تنفيذ عملية السرقة، ومن المقرر أن تبدأ محاكمتهم لاحقاً في أبريل (نيسان) الحالي.

وقالت فاهنر إن البحث عن السوار المتبقي سيستمر.

لكن الخوذة لم تُستردَّ دون أضرار. وقال مدير متحف درينتس، روبرت فان لانغ، خلال المؤتمر الصحافي: «تعرضت الخوذة لانبعاج طفيف، لكن لن يكون هناك ضرر دائم، أما الأساور فهي في حالة ممتازة».

سيارة أمام متحف درينتس قبل مؤتمر صحافي بشأن سرقة الأعمال الفنية في آسن بهولندا 2 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

كان اللصوص قد استخدموا قنبلة ألعاب نارية بدائية الصنع ومطرقة ثقيلة لاقتحام المتحف. وأظهرت لقطات أمنية غير واضحة، وزّعتها الشرطة بعد الحادث، ثلاثة أشخاص وهم يفتحون باب المتحف باستخدام عتلة كبيرة، أعقب ذلك انفجار.

وأدى هذا السطو إلى توتر في العلاقات بين هولندا ورومانيا.

وكان وزير العدل الروماني، رادو مارينيسكو، قد وصف الحادث، العام الماضي، بأنه «جريمة ضد دولتنا»، مؤكداً أن استعادة القطع الأثرية «أولوية مطلقة».


روميو وجولييت على المسرح: سادي سينك ونوح جوب وروعة الحب الفَتيّ

ملصق مسرحية «روميو وجولييت»
ملصق مسرحية «روميو وجولييت»
TT

روميو وجولييت على المسرح: سادي سينك ونوح جوب وروعة الحب الفَتيّ

ملصق مسرحية «روميو وجولييت»
ملصق مسرحية «روميو وجولييت»

في مسرحية «روميو وجولييت»، تبدو الأحداث رهناً بسوء التوقيت؛ إذ يواجه عاشقا شكسبير الشابان حظاً عاثراً بقدر ما يواجهان الواقعية السياسية لقبائلهما المتحاربة، فلا تصل الرسائل العاجلة، ويأتي الإدراك متأخراً للغاية.

وفي عرض لندني جديد من إخراج روبرت آيك، يبرز هذا الجانب من القصة عبر ساعة رقمية ضخمة تظهر بصورة متقطعة فوق الممثلين. وفي مناسبات عدة، تعود الساعة القهقرى لثوانٍ معدودة، لتعاد المشاهد بتغييرات طفيفة غير أنها مصيرية، مما يدفعنا إلى التأمل في كيف كان يمكن للأمور أن تأخذ منحى مختلفاً. ولتأكيد هذه الفكرة، تظهر ثلاث لوحات ضخمة في خلفية المسرح لتعيد ترتيب نفسها مُشكّلةً عتبةً يمر من خلالها الممثلون، في تجسيد حرفي لفكرة «الأبواب المنزلقة» التي تغيِّر مسارات القدر.

ساعة رقمية ضخمة تصاحب الأحداث (لندن ثييتر - مانويل هارلان)

ورغم أن الإخراج قد يبدو غارقاً في المؤثرات التقنية، فإن هذا العرض لمسرحية «روميو وجولييت»، الذي يستمر حتى 20 يونيو (حزيران) على مسرح هارولد بينتر بلندن، يستمد قيمته من الأداء الآسر لأبطال العمل في أدوارهم الرئيسية.

تجسد سادي سينك، نجمة مسلسل «أشياء غريبة»، التي أبهرت جمهور «برودواي» مؤخراً في مسرحية «جون بروكتور هو الشرير»، دور «جولييت» برقّة هشّة تبدو صادقة في التعبير عن مشاعر المراهقة المتأججة. ورغم أن الشخصية تبلغ من العمر 13 عاماً -أي أصغر من سينك بعشر سنوات- فإأن «جولييت» هذه تبدو مراهقة تماماً وهي تفرك راحة يدها بتوتر، أو وهي تودّع «روميو» بكلمات «تصبح على خير» بلكنة خرقاء مرتبكة ومضحكة في البداية. ولاحقاً، تظهر في حالة من الاضطراب المنضبط، وهي تحرك يديها بحركات متشابكة للغاية بينما تستعرض الظلم الذي حاق بها في مأزقها.

أما الممثل البريطاني نوح جوب، الشريك الأصغر لسينك في البطولة، فيبدو أن حياته تحاكي فنه؛ إذ جسد مؤخراً دور «هاملت» في فيلم «هاملت»، ويخوض الآن تجربته الأولى على خشبة المسرح. وبملامحه الصبيانية الطبيعية، يجسد جوب شخصية «روميو» بطيبة بريئة توحي بقلة الخبرة وموجبة للتعاطف. وعندما تسير الأمور على ما يرام -في البداية- يلوِّح بقبضته في الهواء منتشياً بالنصر، بينما تقفز «جولييت» بدورها فوق سريرها؛ إنهما مجرد طفلين.

بيد أن الصدق العاطفي الذي قدمه كل من سينك وجوب لم ينسحب على بقية طاقم العمل، الذين بدا بعضهم كأنهم يقدمون عرضاً في مراجعة طلابية. فالتناول «الفج» بلكنة أهل لندن (كوكني) الذي قدمته كلير بيركنز لشخصية المربية، كاتمة أسرار «جولييت»، أثار بعض الضحكات لكنه اقترب بشكل خطر من الكاريكاتير. أما شخصية «ميركوشيو» التي جسدها كاسبر هيلتون هيل، فظهرت كمنحرف مفرط النشاط بشكل مزعج. كما يبدأ المشاجرة القاتلة مع «تيبالت» (أرونا جالو) عبر دهس مخروط آيس كريم فوق رأسه، ثم يُصدر أصواتاً غريبة في أثناء عراكهما.

ويبدو من الصعب التوفيق بين هذا الأداء والطابع التشويقي المثير الذي غلب على الإخراج. فالساعة الرقمية تعيد استحضار سمة متميزة من مسرحية «أوديب» الأخيرة والمنفَّذة ببراعة للمخرج آيك في «ويست إند» و«برودواي»، حيث كانت تدق في عدٍّ تنازليّ مشؤوم يوحي بحتمية القدر. أما هنا، ورغم تلك المرات القليلة التي عادت فيها الساعة إلى الوراء، فإنها تظل مجرد ساعة تثير نوعاً من التشويق المبتذل والمبالغ فيه بعض الشيء. وفي بعض المشاهد، يستمر طنين الساعة في الخلفية، وقد ذكَّرني صوتها المستمر بجهاز إنذار أول أكسيد الكربون في منزلي عندما توشك بطاريته على النفاد.

ومع ذلك، تنجح هذه النسخة من «روميو وجولييت» في بعض الجوانب الجوهرية؛ إذ تتداخل مشاهدها بعضها مع بعض، بحيث يجلس أحد العاشقين صامتاً على خشبة المسرح بينما يتحدث الآخر في أحيان كثيرة، مما يخلق شعوراً حقيقياً بالألفة، ويجسد حضور كل منهما الدائم في أفكار الآخر. وبفضل الإضاءة الأثيرية التي صممها جون كلارك، فقد تحوَّل العرض إلى لوحات فنية رائعة الجمال.

في الخاتمة المضاءة بالمشاعل، عندما يظن «روميو» خطأً أن «جولييت» قد فارقت الحياة ويضمّها في عناق أخير قبل تجرُّع السم، تظهر حركة طفيفة وناعمة في معصمها. كان بإمكان الجمهور رؤية تلك الحركة، التي ألقت بظلال طويلة على الجدار خلفها، إلا أن «روميو» لم يلحظها.

إن انغماسنا في مسرحية «روميو وجولييت» يمتزج حتماً بنوع من الحنين المرتبك إلى براءتنا المفقودة. وثمة طرق عديدة للتقليل من شأن عواطف الشباب، بوصفها مجرد افتتان، أو انغمار عاطفي، أو حب صبياني؛ لذا يشعر المخرجون الذين يتصدون للمسرحية غالباً بأنهم مضطرون للبحث عن رابط أو فكرة جاذبة بخلاف روعة الحب المبكر.

الطوابير خارج المسرح (إكس)

إن هذا الاندفاع أمر مفهوم غير أنه مضلل؛ فكل ما هو جيد في نسخة آيك من مسرحية «روميو وجولييت» مرتبط بالصدق والعاطفة الجياشة. خذ النهاية على سبيل المثال: فبعد الرحيل المأساوي للعاشقين، يظهر ثلاثة ممثلين آخرين على خشبة المسرح، يمثلون نسخة أكبر سناً لـ«روميو» و«جولييت» ومعهما ابنة، مما يمنحنا لمحة عن الحياة التي كان من الممكن أن يعيشاها. وعند هذه النقطة، يكون كلٌّ من سينك وجوب قد نجحا في ملامسة شغاف قلوبنا، وتركنا لهما الحرية الكاملة في العزف عليها.

* خدمة «نيويورك تايمز»


تطبيق ذكي يحسّن المزاج ويقلل القلق والاكتئاب

التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

تطبيق ذكي يحسّن المزاج ويقلل القلق والاكتئاب

التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

طوّر باحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة تطبيقاً هاتفياً مبتكراً يهدف إلى تحسين الصحة النفسية والمزاج وتقليل أعراض القلق والاكتئاب.

وأوضح الباحثون أن التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول، خصوصاً للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الحصول على العلاج التقليدي بسبب محدودية الموارد أو التكلفة أو الوصمة الاجتماعية. ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «Journal of Consulting and Clinical Psychology».

والاكتئاب هو اضطراب نفسي شائع يؤثر على المزاج والتفكير والسلوك، ويسبب شعوراً مستمراً بالحزن وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، وقد ترافقه أعراض جسدية مثل التعب المزمن، وتغييرات في الشهية أو النوم، وصعوبة التركيز، كما يؤثر على جودة الحياة والعلاقات الشخصية ويزيد من صعوبة التعامل مع الضغوط اليومية.

وتشمل علاجات الاكتئاب الدعم النفسي، والعلاج السلوكي المعرفي، والأدوية، إلى جانب تطوير العادات الصحية التي تعزز المزاج وتساعد على التكيف مع الضغوط.

ويحمل التطبيق الجديد اسم «HabitWorks»، ويعتمد على تمارين قصيرة يومية تشبه الألعاب، تستغرق خمس دقائق فقط، وتركز على تعديل التحيز في التفسير؛ أي الميل إلى التوصل لنتائج سلبية تلقائياً عند مواجهة مواقف غامضة أو غير مؤكَّدة.

تمارين قصيرة

ومن خلال هذه التمارين القصيرة، يتمكن المستخدمون من فهم أنماط تفكيرهم بطريقة سهلة وجاذبة، ما يسهم في تحقيق تحسن ملموس. كما يوفر التطبيق أدوات لتسجيل المزاج اليومي ومتابعة العادات، مما يعزز وعي المستخدمين بتأثير أنماط تفكيرهم على مشاعرهم واستجاباتهم اليومية.

وجرى تصميم التطبيق بحيث تعتمد التمارين على فترات قصيرة ومتكررة تتناسب مع الطريقة التي يستخدم بها الناس هواتفهم، بدلاً من محاكاة جلسات علاجية طويلة ومعقدة. كما شاركت لجنة استشارية من أشخاص لديهم خبرة مباشرة مع القلق والاكتئاب في تصميم التطبيق؛ لضمان ملاءمته وفاعليته وسهولة التزام المستخدمين به.

وأظهرت نتائج تجربة سريرية شملت 340 بالغاً من 44 ولاية أميركية جرى توزيعهم عشوائياً لاستخدام التطبيق لمدة أربعة أسابيع أو للمجموعة الضابطة التي اكتفت بتعبئة استبيانات لتتبُّع الأعراض، أن مستخدمي التطبيق حققوا تحسناً ملحوظاً في تفسير الأحداث، والوظائف اليومية، وشدة الأعراض النفسية، مقارنة بالمجموعة الضابطة.

كما سجل التطبيق معدل التزام مرتفعاً، إذ استمر 77.8 في المائة من المشاركين في استخدامه حتى الأسبوع الرابع، وأكمل 84.4 في المائة التقييم بعد انتهاء التدخل.