قصف قاعدة تركية... وتوتر بين الجيش السوري و«تحرير الشام» في حلب

الاتحاد الأوروبي يطالب أنقرة بالتحقيق في إساءة المعاملة والترحيل القسري للاجئين

عناصر من المدفعية التركية تقصف مواقع «قسد» في منبج (المرصد السوري لحقوق الإنسان)
عناصر من المدفعية التركية تقصف مواقع «قسد» في منبج (المرصد السوري لحقوق الإنسان)
TT

قصف قاعدة تركية... وتوتر بين الجيش السوري و«تحرير الشام» في حلب

عناصر من المدفعية التركية تقصف مواقع «قسد» في منبج (المرصد السوري لحقوق الإنسان)
عناصر من المدفعية التركية تقصف مواقع «قسد» في منبج (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

تواصل التصعيد على محاور التماسّ بين القوات التركية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في حلب، بالتزامن مع التوتر الذي يخيّم في ظل التصعيد المستمر بين الجيش السوري و«هيئة تحرير الشام»، والتعزيزات العسكرية المتبادَلة، في ظل الحديث عن استعداد الهيئة لهجوم واسع على مواقع الجيش السوري.

على صعيد آخر، دعا الاتحاد الأوروبي تركيا للتحقيق في مزاعم إساءة معاملة لاجئين في المراكز المموَّلة منه، وعمليات الترحيل القسري إلى سوريا.

وشهدت قرى بريف حلب الشرقي قصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني السوري»، الموالي لأنقرة، وقوات «مجلس منبج العسكري» التابع لـ«قسد».

وقصفت المدفعية التركية عدة مواقع بريف منبج، وردّت قوات «مجلس منبج العسكري» باستهداف قاعدة تركية في قرية البلدق بريف جرابلس جنوب شرقي حلب، وسط معلومات عن سقوط جرحى، حسبما أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، السبت.

قصف تركي على مناطق لـ«قسد» في منبج (أرشيفية)

في غضون ذلك، ومع إصرار «هيئة تحرير الشام»، وفصائل مسلحة أخرى، على فتح معركة مدينة حلب، في ظل رفض تركيا التزاماً بتفاهماتها مع روسيا، وصلت تعزيزات عسكرية جديدة لكل من الفرقة الرابعة والفرقة 25 مهام خاصة، والفيلق الخامس، والحرس الجمهوري بالجيش السوري، إلى ريف حلب الغربي وضواحيها، بالتزامن مع تحليق طائرة مروحية وسرب طيران حربي روسي في أجواء المنطقة وريف إدلب.

وحسب «المرصد السوري»، تضمّنت التعزيزات الجديدة سيارات مُثبّت عليها رشاشات ثقيلة، وجنود، وذخيرة، وغرف طبية.

تعزيزات للجيش السوري على محاور حلب (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

جاء ذلك بالتزامن مع التعزيزات التي تدفع بها «هيئة تحرير الشام» إلى محاور ريف حلب الغربي، إضافةً إلى تثبيت راجمات صواريخ ومدفعية ثقيلة، وأسلحة نوعية مثل صواريخ «تاو» الأميركية.

كما دفعت تركيا من جانبها تعزيزات ضخمة على مدى الأسبوعين الماضيين، ودخلت 109 آليات تضمّنت راداراً متطوراً إلى مناطق سيطرتها في حلب، ونقاطها العسكرية في إدلب، في ظل تصاعد التوتر بين «هيئة تحرير الشام» والجيش السوري.

وتتواصل عمليات القصف المتبادل وعمليات القنص بين القوات السورية والفصائل المسلحة، وخصوصاً «هيئة تحرير الشام»، كما يستخدم الجيش السوري مسيّرات مسلحة لاستهداف مواقع مدنية وعسكرية، بحسب «المرصد السوري».

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، قُتل 5 أشخاص، بينهم مدني، وأُصيب 3 آخرون في 8 عمليات استهداف متبادلة.

تعزيزات عسكرية تركية في شمال سوريا (أرشيفية)

على صعيد آخر، دعا الاتحاد الأوروبي تركيا إلى التحقيق في مزاعم إساءة معاملة لاجئين في المراكز المموَّلة منه، وعمليات ترحيل قسري إلى سوريا وأفغانستان.

وأفادت وسائل إعلام تركية بأنه حسب تحقيق واسع النطاق أجراه فريق «لايت هاوس ريبورتس»، بالاشتراك مع وسائل إعلام غربية، منها «دير شبيغل» و«لوموند» و«بوليتيكو»، اتهم عشرات من المهاجرين مسؤولين أتراكاً بارتكاب انتهاكات في مراكز الاحتجاز المموَّلة من الاتحاد الأوروبي، والإعادة القسرية إلى سوريا، وكذلك أفغانستان.

وقدّم الاتحاد الأوروبي نحو 11 مليار يورو إلى تركيا منذ توقيع اتفاقية «الهجرة وإعادة قبول اللاجئين»، الموقّعة مع أنقرة عام 2016، للمساعدة في توفير الملجأ، والتعامل مع 4 ملايين لاجئ فرّوا من الحرب في سوريا، ووقف تدفّقهم إلى دول أوروبا عبر اليونان، وقد تم إنفاق جانب منها لدعم أمن الحدود ومعالجة اللجوء.

قوات حرس الحدود اليونانية تدخّلت لصد موجة من المهاجرين السوريين من تركيا في 2020 (أرشيفية)

وفي الوقت ذاته، كشف التحقيق الموسّع عن أن المفوضية الأوروبية (الذراع التنفيذية للاتحاد)، تجاهلت مراراً وتكراراً تحذيرات المجتمع المدني والدبلوماسيين، وحتى موظفيها، بينما قدّم الاتحاد الأوروبي تمويلاً للمراكز التي تؤوي المهاجرين.

ولفت التحقيق إلى أن تركيا ربما تعبت، على ما يبدو، من لعب دور «مخزن اللاجئين»، وبدأت الحكومة التركية في استخدام قدر كبير من البنية الأساسية المموّلة من الاتحاد الأوروبي، للحدّ من عدد طالبي اللجوء الذين تستضيفهم من خلال جمع السوريين والأفغان وغيرهم ممن يواجهون خطراً في بلدانهم الأصلية وترحيلهم قسراً.

وانخفض عدد السوريين المقيمين في تركيا تحت الحماية المؤقتة في الفترة الأخيرة من 3.7 مليون عام 2021، إلى 3.09 مليون، وفق أحدث البيانات الرسمية الصادرة في سبتمبر (أيلول) الماضي.

سوريون عائدون إلى بلادهم عبر بوابة حدودية مع تركيا (إعلام تركي)

ويتوقع أن يستمر عدد السوريين في التراجع مع انتهاء مهلة منحتها السلطات التركية لتحديث العناوين المقيمين بها تنتهي في ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وكشف مختصون ومحلّلون، منهم الأكاديمي التركي محمود كايا، عن أسباب الانخفاض التي تشمل العودة الطوعية إلى سوريا، والهجرة غير القانونية إلى أوروبا، فضلاً عن السياسات التركية المتغيرة، وخصوصاً بعد الزلزال المدمر في 6 فبراير (شباط) 2023، والتوترات السياسية في البلاد، والأزمة الاقتصادية، وكلها عوامل دفعت قسماً من السوريين إلى العودة إلى بلادهم.

وتُشكّك منظمات حقوقية فيما يسمى بعمليات «العودة الطوعية»، وحقيقة أن السوريين يختارون العودة بإرادتهم.


مقالات ذات صلة

عبدي: حل «قسد» بداية جديدة ويجب إشراك الأكراد في صياغة الدستور الجديد

المشرق العربي أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)

عبدي: حل «قسد» بداية جديدة ويجب إشراك الأكراد في صياغة الدستور الجديد

وصف مستشار الرئيس السوري حل «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بأنه «نهاية، وبداية في آن واحد»، مشدداً على ضرورة مشاركة الأكراد في صياغة الدستور.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص رتل قوى الأمن وقوات المهام الخاصة يدخل مقر فوج «معسكر الطلائع» في الحسكة (إعلام الحسكة)

خاص مسؤول سوري لـ«الشرق الأوسط»: عملية الدمج بعد «قسد» ماضية إلى نهايتها

عملية الدمج التي نص عليها «اتفاق 29 يناير (كانون الأول) 2026»، انتقلت من «مرحلة التفاهمات والتفاوض إلى مرحلة التنفيذ الفعلي»...

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي وفد عسكري من وزارة الدفاع خلال اجتماع في محافظة الحسكة (أرشيفية - المحافظة)

آراء متباينة في الحسكة السورية بشأن التغييرات بعد حل «قسد»

أعرب البعض عن ارتياحه لتلك التطورات التي بدأت بدخول قوى الأمن الداخلي لمدينة الحسكة في حين رأى آخرون أن من المبكر الحكم على التغيير الجاري لأنه ما زال في بدايته

موفق محمد (دمشق)
شؤون إقليمية عناصر من «قسد» خلال دورية في الحسكة بعد اندماجهم في صفوف الجيش السوري (أ.ب)

تركيا تنفي عودة عناصر من «قسد» إليها بعد انتهاء دمجها

نفت تركيا ادعاءات بشأن عودة عناصر أجنبية نشطت ضمن «قسد» إليها بعد إعلان حلها وانتهاء دمجها في مؤسسات الدولة السورية، مجددةً دعمها لدمشق في هذه المرحلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي مقاتلات «وحدات حماية المرأة» يشاركن في التدريبات العسكرية في الحسكة شمال شرقي سوريا - 22 أغسطس (رويترز)

مقاتلات كرديات يبحثن عن دور في سوريا الجديدة

قالت قائدة «وحدات حماية المرأة»، نوروز أحمد، إنها أُبلغت في اجتماعات مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الأسبوع الماضي، في دمشق، بأن مقاتلاتها لا مكان لهن في الجيش.

«الشرق الأوسط» (القامشلي (سوريا))

واشنطن تدرس تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط

جنود من البحرية الأميركية خلال تدريبات إطلاق نار على سطح السفينة «يو إس إس تريبولي» يوم 2 أبريل 2026 (سنتكوم)
جنود من البحرية الأميركية خلال تدريبات إطلاق نار على سطح السفينة «يو إس إس تريبولي» يوم 2 أبريل 2026 (سنتكوم)
TT

واشنطن تدرس تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط

جنود من البحرية الأميركية خلال تدريبات إطلاق نار على سطح السفينة «يو إس إس تريبولي» يوم 2 أبريل 2026 (سنتكوم)
جنود من البحرية الأميركية خلال تدريبات إطلاق نار على سطح السفينة «يو إس إس تريبولي» يوم 2 أبريل 2026 (سنتكوم)

يدرس مسؤولون في المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات الأميركية خفض عدد الجنود والمنشآت المنتشرة في الشرق الأوسط إذا انتهى الصراع مع إيران، في تحول محتمل يعيد طرح مسألة حجم الوجود الأميركي في المنطقة بعد أكثر من عقدين على هجمات 11 سبتمبر.

ونقلت شبكة «سي إن إن» عن ستة مصادر أن المناقشات لا تزال غير رسمية، لكنها تشمل تصوراً لتقليص القوات والمنشآت، مع الإبقاء على بعض القواعد الكبرى والمواقع الاستراتيجية.

وتأتي هذه المناقشات في ظل غياب استراتيجية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب، وبعد محاولات أميركية متكررة خلال العقدين الماضيين لتقليص الانخراط في الشرق الأوسط قبل أن تعيد الأزمات المتلاحقة واشنطن إلى المنطقة.

ولا يزال نحو 50 ألف جندي أميركي منتشرين في الشرق الأوسط، إلى جانب حاملتي طائرات وأكثر من 12 مدمرة مزودة بصواريخ موجهة.

وقالت المصادر إن القتال مع إيران كشف هشاشة عدد من المنشآت الأميركية أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بعدما تعرضت قواعد لهجمات خلال الحرب.

جانب من انتشار أكثر من 2600 بحار وعنصر من مشاة البحرية الأميركية على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في الشرق الأوسط (سنتكوم)

ويبحث الجيش أيضاً تعزيز حماية المواقع التي ستبقى، بما في ذلك نقل بعض المنشآت إلى تحت الأرض. وكانت الفكرة مطروحة منذ سنوات، لكنها اكتسبت إلحاحاً أكبر بعد تعرض القواعد الأميركية لهجمات متكررة.

وأعد الجيش عدة خيارات لتعديل هيكل انتشاره في المنطقة ابتداء من العام المقبل، لكن المسؤولين لا يرون أن التخلي عن مواقع استراتيجية لإطلاق الطائرات أمر عملي ما دام الصراع مستمراً، وفق «سي إن إن».

وتبحث المؤسسة العسكرية ووكالة الاستخبارات المركزية أيضاً إمكان تنفيذ بعض المهمات الحساسة من دون قواعد دائمة، عبر إبقاء الأفراد والمعدات في الولايات المتحدة وإرسالهم إلى المنطقة لتنفيذ مهمات محددة ثم إعادتهم.

ولم تبدأ حتى الآن مراجعة رسمية لوضع انتشار القوات، كما لم تصدر أوامر مباشرة بخفضها. ويرتبط أي تقليص واسع، بانتهاء الحرب مع إيران، مع توقع الإبقاء على عدد من القواعد الرئيسية في المنطقة.

وأشار التقرير إلى أن أي تقليص واسع سيعتمد على انتهاء الحرب مع إيران، فيما لا يظهر حتى الآن مسار واضح نحو تسوية تنهي الصراع.


محكمة إسرائيلية ترفض التماساً لوقف مشروع استيطاني رئيسي بالضفة

عناصر من القوات الإسرائيلية بأحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية خلال غارة عسكرية (أ.ب)
عناصر من القوات الإسرائيلية بأحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية خلال غارة عسكرية (أ.ب)
TT

محكمة إسرائيلية ترفض التماساً لوقف مشروع استيطاني رئيسي بالضفة

عناصر من القوات الإسرائيلية بأحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية خلال غارة عسكرية (أ.ب)
عناصر من القوات الإسرائيلية بأحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية خلال غارة عسكرية (أ.ب)

رفضت محكمة إسرائيلية، الثلاثاء، التماساً لوقف مشروع «إي وان» الاستيطاني الرئيسي، الذي سيفصل شمال الضفة الغربية المحتلة عن جنوبها، والذي أثار انتقادات دول ومنظمات غير حكومية، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المحكمة، في قرارها: «رفضت المحكمة المركزية في القدس طلباً عاجلاً قدّمه الملتمسون للحصول على أمر قضائي مؤقت» يهدف إلى تعليق مناقصة لمشروع «إي وان» الاستيطاني قرب القدس.

كانت وزارة الإسكان الإسرائيلية قد طرحت، الشهر الماضي، مناقصة لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية استيطانية، في إطار المشروع الذي دفع منظمات غير حكومية للجوء إلى القضاء والطعن في المناقصة ومحاولة إلغائها، في حين دعت دول أوروبية إسرائيل إلى التخلي عن المشروع.


بندر عباس… واجهة إيران على «هرمز» تدفع كلفة الحصار

طيور نورس تتجمع قرب جرارات وأشخاص على شاطئ مضيق هرمز ببندر عباس مع أفق المدينة في الخلفية بإيران الاثنين (أ.ب)
طيور نورس تتجمع قرب جرارات وأشخاص على شاطئ مضيق هرمز ببندر عباس مع أفق المدينة في الخلفية بإيران الاثنين (أ.ب)
TT

بندر عباس… واجهة إيران على «هرمز» تدفع كلفة الحصار

طيور نورس تتجمع قرب جرارات وأشخاص على شاطئ مضيق هرمز ببندر عباس مع أفق المدينة في الخلفية بإيران الاثنين (أ.ب)
طيور نورس تتجمع قرب جرارات وأشخاص على شاطئ مضيق هرمز ببندر عباس مع أفق المدينة في الخلفية بإيران الاثنين (أ.ب)

بعد ستة أشهر من الحرب، تتضح آثار تشديد الحصار الأميركي على إيران في بندر عباس؛ المدينة المُطلة على مضيق هرمز، حيث انكمشت حركة الميناء والتجارة، وتراجعت دخول السكان مع استمرار القيود على الموانئ الإيرانية.

وخفتت الحركة على الواجهة البحرية التي كانت تعجّ بالقوارب والشاحنات والعمال، بينما امتدت التداعيات من الأرصفة وشركات التخليص الجمركي، إلى متاجر التجزئة والعاملين في النقل البحري.

وهزّت المدينةَ، خلال الأسبوع الماضي، غارات جوية أميركية جديدة استهدفت مناطق ساحلية، وسط غضب محلي وقلق متزايد بشأن القدرة على تدبير متطلبات الحياة اليومية، في ظل استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وفق «أسوشييتد برس».

قال حميد حاجي زاده، وهو سائق سيارة أجرة، إنه لا يفهم الأميركيين. وأضاف: «إنهم أبطال في الأفلام، لكنهم هنا قتلوا أشخاصاً في المدارس وحفلات الزفاف وأماكن أخرى، وقصفوا الطرق والجسور».

وفي هذه المدينة التي يزيد عدد سكانها على 700 ألف نسمة، يعيش السكان عن قرب تطورات مضيق هرمز، التي استحوذت على اهتمام العالم، ويقولون إن موقع مدينتهم لم يجلب لهم، خلال الأشهر الستة الماضية، سوى الخطر والمشقة.

رجل يعمل على متن قارب بينما يغادر زورق بمحرك ميناء بندر عباس بإيران 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

«الأعمال الآن سيئة للغاية»

يعمل محمد ترابيان في الرصيف البحري، حيث يقدم خدمات للركاب. وقال إنه قبل الحرب كان يصل يومياً 50 شاحنة محملة بالأغذية واللحوم لتفريغ حمولاتها هناك.

أما الآن، فأصبح جزء كبير من الرصيف خالياً، في ظل الحصار الأميركي الهادف إلى منع إيران من تصدير نفطها.

وقال ترابيان: «الأعمال، الآن، سيئة للغاية». وقدّر أن نحو 500 شخص كانوا يكسبون رزقهم في محيط الرصيف، مضيفاً: «لا يوجد عمل هنا».

ولطالما ارتبط اقتصاد بندر عباس بالبحر وبميناء رجائي القريب، أحد أكبر الموانئ التجارية في إيران. وتبلغ الطاقة الاستيعابية للميناء 100 مليون طن متري من البضائع سنوياً، وفق تقرير نشرته وكالة «إرنا» الرسمية في يوليو (تموز) الماضي.

وانتقد مسؤولون إيرانيون بشدةٍ الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) الماضي، ثم أعادت فرضه بعد انهيار المفاوضات مع طهران بشأن مسار لإنهاء الحرب.

بائع يجلس أمام متجر للمنسوجات بينما تمر نساء في سوق تقليدية بمدينة بندر عباس بإيران 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

وتعهدت واشنطن، منذ ذلك الحين، بمزيد من الضغط الاقتصادي المرتبط بالمضيق، الذي يشكل ممراً حيوياً للشحن العالمي للنفط والغاز الطبيعي والمنتجات المرتبطة بهما.

وحذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين في المحادثات المنهارة مع الولايات المتحدة، في وقت سابق من الشهر الحالي، من أن تصعيد الحصار سيقابَل بردّ عسكري.

وفي بندر عباس، امتدت التداعيات إلى مختلف حلقات الاقتصاد تقريباً؛ من السفن وعمال الأرصفة، إلى شركات التخليص الجمركي وأصحاب المتاجر.

وقالت مهسا شجاعي، وهي محاسبة بشركة للتخليص الجمركي، إن جزءاً كبيراً من أعمال شركتها قبل الحرب كان مرتبطاً باستيراد الأرز والشاي والقهوة من الهند وباكستان.

وقدّرت شجاعي أن ما بين 80 و90 في المائة من حجم أعمال الشركة اختفى. وقالت إن الشركة التي كانت تتولى نحو 100 معاملة تخليص جمركي خلال فترة معينة، لا تعالج، الآن، سوى نحو 10 معاملات.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة إدخال الشحنات عبر الجمارك.

«ببساطة لا يوجد زبائن»

امتدت الأضرار الاقتصادية إلى ما وراء الواجهة البحرية، خصوصاً مع هبوط العملة الإيرانية إلى مستويات قياسية. وفي أسواق التجزئة، يقول التجار إن أعداد الزبائن تتراجع مع تدهور القدرة الشرائية.

ويبيع مهرداد جهانغيري ملابس الأطفال في متجر يوفر دخلاً لأسرته وأسرة والده. وقال إن مبيعاته انخفضت بنحو النصف، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وتابع جهانغيري: «ببساطة، لا يوجد زبائن. السوق أصبحت هادئة جداً».

كان توقيت اندلاع الحرب شديد الضرر بالنسبة إلى التجار، إذ بدأت قبل فترة وجيزة من رأس السنة الإيرانية «نوروز»، التي تُعد تقليدياً واحدة من أكثر مواسم التسوق نشاطاً.

ويعتمد التجار، خلال تلك الفترة، على إنفاق الأُسر بمعدلات تفوق الأشهر العادية، لكن الحرب بددت جانباً كبيراً من المبيعات التي كانوا يتوقعونها.

عامل يجز عشب حديقة فندق مطل على مضيق هرمز بينما تظهر منصة تجريف عائمة وسفن تجارية وسط الضباب قبالة بندر عباس الاثنين (أ.ب)

ويكاد موسم تسوُّق مهم آخر أن يضيع، الآن. ففي الأسابيع التي تسبق إعادة فتح المدارس، في وقت لاحق من سبتمبر (أيلول)، اعتادت الأسر شراء ملابس جديدة لأطفالها.

وقال جهانغيري إن الحشود المعتادة بالكاد ظهرت، هذا العام.

وبلغ الركود حداً جعل المتجر يتأخر أحياناً في دفع الإيجار وتتراكم عليه ديون في السوق، وهو أمر قال جهانغيري إنه لم يحدث من قبل.

وأضاف: «جيوب الناس فارغة، والدخول تراجعت».

وعندما سُئل عما إذا كانت أسرته اضطرت إلى تقليص نفقاتها اليومية، أجاب فوراً: «بالتأكيد. تغير الأمر كثيراً».

وحاول تجار آخرون التكيف مع الظروف عبر تقديم تخفيضات أو السماح للزبائن الدائمين الذين يثقون بهم بدفع ثمن مشترياتهم على أقساط.

«البحر غير آمن»

أما الذين يكسبون رزقهم مباشرة من البحر، فلا تقتصر مشكلتهم على تراجع الأعمال، إذ يتعين عليهم أيضاً حساب المسافة التي يمكنهم الابتعاد بها عن الساحل دون تعريض أنفسهم للخطر.

وقال عباس غلزنائي، وهو يقود قارباً بمحرك لنقل الركاب إلى السفن والموانئ القريبة، إنه كان يقطع قبل الحرب مسافة تصل إلى 30 ميلاً (48 كيلومتراً) للعمل.

وقال غلزنائي: «قبل الحرب، كانت الأعمال جيدة. الآن، لا أستطيع تجاوز سبعة أو ثمانية أميال. البحر غير آمن».

غروب الشمس خلف سفن تجارية راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس مع أفق المدينة في الخلفية بإيران 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

وأدى ذلك إلى انخفاض عدد ركابه ودخله. وأضاف أن الحصول على بعض الاحتياجات أصبح صعباً أيضاً، قائلاً: «يصعب العثور على الأشياء. نواجه صعوبة في الحصول على البنزين».

وفي عرض البحر، ارتسمت سفن الشحن كظلال أمام الشمس الغاربة، عالقة في حالة من عدم اليقين، مثل بندر عباس نفسها، تنتظر معرفة متى يمكنها التحرك مجدداً.