هل بدأ تنفيذ «خطة الجنرالات» في شمال قطاع غزة؟

إسرائيل توسّع عمليتها البرية... وتمنع المياه والطعام والوقود عن نحو 200 ألف محاصر

فلسطينيون ينزحون من شمال قطاع غزة السبت (رويترز)
فلسطينيون ينزحون من شمال قطاع غزة السبت (رويترز)
TT

هل بدأ تنفيذ «خطة الجنرالات» في شمال قطاع غزة؟

فلسطينيون ينزحون من شمال قطاع غزة السبت (رويترز)
فلسطينيون ينزحون من شمال قطاع غزة السبت (رويترز)

وسّعت إسرائيل، السبت، بشكل مفاجئ عمليتها العسكرية في شمال قطاع غزة، وطلبت إخلاء مزيد من المناطق المجاورة لمخيم جباليا الذي بدأت اجتياحاً له قبل 8 أيام، وسط قصف جوي ومدفعي وإطلاق نار من الآليات والطائرات المسيّرة، الأمر الذي خلّف مزيداً من الضحايا والدمار، بينما أُفيد بانقطاع المياه والطعام والوقود عن نحو 200 ألف محاصَر في المنطقة المستهدَفة.

وطلب الجيش الإسرائيلي من سكان أحياء جباليا البلد، وجباليا النزلة، وأجزاء من حي الشيخ رضوان (منطقة أبو إسكندر)، وهي مناطق تضم أكثر من 120 ألف فلسطيني، بخلاف الآلاف من النازحين الذين تكدّسوا فيها منذ أشهر، إخلاءها فوراً، ما خلّف حالة من الخوف والقلق والفوضى.

وقال مصطفى حلاوة (49 عاماً) ويسكن في حي الشيخ رضوان لـ«الشرق الأوسط»: «الوضع مخيف. واضح أنهم قرروا السيطرة على شمال قطاع غزة مع انشغال العالم بما يحدث في لبنان». وأضاف: «يريدون إجبارنا على النزوح إلى جنوب قطاع غزة؛ ليبقى شمال القطاع خالياً من أي سكان».

وجاء التحرك الإسرائيلي المباشر تزامناً مع تحركات أخرى غير معلنة رصدها السكان في منطقة شمال بيت لاهيا، وأيضاً في المناطق الغربية لها، وشملت إطلاق نار وقصفاً مدفعياً طال أيضاً أجزاء من المناطق الشمالية لمدينة غزة وتحديداً مناطق الكرامة، ومحيط مقر المخابرات، والمقوسي.

ويُظهر الوضع في شمال القطاع توسيع إسرائيل بشكل كبير العملية العسكرية الجارية في مخيم جباليا، مع تشديد الحصار الذي حرم عدداً كبيراً من السكان من المساعدات، والوقود، والمياه الصالحة للشرب، وبعض الخضراوات.

فلسطيني يبكي أقاربه الذين قُتلوا في غارة إسرائيلية على مخيم جباليا ليلة الجمعة (أ.ف.ب)

ويخشى السكان من أن يكون ما يحدث في شمال القطاع تنفيذاً غير معلن لما عُرفت باسم «خطة الجنرالات» التي تحدّثت عنها وسائل إعلام عبرية باستفاضة في الأيام الأخيرة، خصوصاً بعدما أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أخيراً بدراسة الخطة وإمكانية تنفيذها.

وقالت ميرفت منصور (53 عاماً)، التي تسكن في مدينة غزة: «أصبح واضحاً أنهم يريدون دفعنا نحو الجنوب». وأضافت: «إنهم يحاصروننا بشكل كامل، ويوسّعون العملية، ويدمرون المباني، ويستهدفون مراكز الإيواء، ويرمون علينا المنشاير من أجل أن نخرج».

وتنص «خطة الجنرالات»، التي أعدها جنرالات سابقون في الجيش الإسرائيلي من أبرزهم رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً، غيورا آيلاند، وقُدّمت لنتنياهو وهيئة أركان الجيش، على ضرورة القضاء بشكل كامل على أي وجود لحركة «حماس» في شمال القطاع، من خلال إفراغ المنطقة من سكانها تماماً، وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة، ومنع دخول المساعدات الإنسانية إليها، واعتبار كل مَن يتبقّى داخلها «إرهابياً»، والعمل على تصفيته.

ولم ينفِ الجيش الإسرائيلي أو يؤكد تبني مثل هذه الخطة، واكتفى مصدر عسكري بالحديث لصحيفة «يديعوت أحرونوت» عن أن العملية هدفها تفكيك قدرات «حماس» التي أعادت بناءها شمال القطاع.

وفي محاولة لمنع إسرائيل من تطبيق الخطة، دعت وزارة الداخلية في قطاع غزة السكان في الشمال إلى عدم الالتفات إلى تهديدات وبيانات قوات الاحتلال، والبقاء في منازلهم ومناطق سكنهم ومراكز الإيواء، وعدم إخلائها.

وأكد كل من حلاوة ومنصور، بالإضافة إلى آخرين التقتهم «الشرق الأوسط»، أنهم لن يغادروا مناطقهم رغم التحذيرات الإسرائيلية.

وقال وائل النجار (31 عاماً): «أنا باقٍ هنا في جباليا. لقد متنا وجعنا وخسرنا كل شيء. لم يبقَ شيء نخسره». وأضاف: «إنهم يجرّبون كل شيء. قطعوا المياه والطعام، ويقصفون الآن. لكنني مستعدّ للموت هنا وليس في الجنوب».

وأكد «برنامج الأغذية العالمي» انقطاع خطوط المساعدات الغذائية إلى شمال قطاع غزة، مشيراً إلى أن خطر المجاعة «ما زال قائماً» في القطاع.

نازحون من شمال قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

وأوضح في منشور له عبر منصة «إكس»: «لم تدخل أي مساعدات غذائية إلى شمال غزة منذ الأول من أكتوبر (تشرين الثاني)» الحالي، مؤكداً أن تداعيات ما يحدث كارثية على الأمن الغذائي لآلاف الأسر الفلسطينية، مبيناً أن نقاط توزيع الأغذية شمال غزة اضطرت للإغلاق؛ بسبب تواصل القصف، وأوامر الإخلاء. وأشار إلى اندلاع النيران في المخبز الوحيد العامل في جباليا، بعد إصابته بذخيرة متفجرة.

وبحسب الدفاع المدني في قطاع غزة، فإن سكان مخيم جباليا وعدداً من المناطق المحيطة به دون مياه ولا طعام لليوم السابع على التوالي.

وقال الدفاع المدني: «هناك 200 ألف مواطن في مخيم جباليا ومحيطه يواجهون خطر الموت إما بالقصف الإسرائيلي، أو الجوع والعطش في ظل الحصار الخانق».

ويطال الاستهداف الإسرائيلي مقومات الحياة كلها. وطلب الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة من 3 مستشفيات تعمل في جباليا وبيت لاهيا، وهي «كمال عدوان»، و«الأندونيسي»، و«العودة»، إخلاءها من المرضى والطواقم الطبية، إلا أن الأطباء رفضوا، رغم إطلاق قذائف دخانية ومدفعية تجاهها.

وسمح جيش الاحتلال، صباح السبت، بإدخال شاحنة واحدة تحمل وقوداً لصالح مستشفى «كمال عدوان» الذي يستقبل الضحايا من داخل مخيم جباليا وبعض المناطق المحيطة به، حيث يتم إجلاء المصابين بصعوبة بالغة وتحت النار، بحسب ما يؤكد فارس عفانة مدير الإسعاف في الخدمات الطبية.

وقال عفانة، في تصريح لعدد من الصحافيين عبر خدمة «واتساب» من داخل مكانه في مخيم جباليا، إن هناك حالات لا يستطيعون الوصول إليها؛ بسبب تحرك الآليات الإسرائيلية والطائرات المسيّرة التي تطلق النار في كل مكان.

ويسمع سكان شمال قطاع غزة بأكمله، بما في ذلك مدينة غزة، انفجارات ضخمة يومياً تبين أنها ناجمة عن عمليات نسف منازل في مخيم جباليا ومنطقتي التوام والصفطاوي؛ ما يتسبب بارتدادات أرضية مثل «الهزات».

ولا يتمكّن السكان الموجودون في بعض مراكز الإيواء داخل مخيم جباليا ويتعرّضون لاستهدافات مباشرة وغير مباشرة، من معرفة ماذا يجري داخل المخيم بشكل مفصل. كما أن الصورة ما زالت غائبة عن كثير من الصحافيين بعد تكرار استهدافهم منذ بدء العملية هناك.

ويسيطر على سكان مدينة غزة، وشمال القطاع اللذين يقطن بهما أكثر من 370 ألف فلسطيني، كثير من الارتباك.

وقالت حركة «حماس» إن مجازر الاحتلال التي تشتد في جباليا هدفها معاقبة الأهالي على صمودهم في أرضهم ورفضهم كل محاولات التهجير عنها، في حين قالت مركزية حركة «فتح» إن شمال القطاع «يُباد» من قبل إسرائيل، داعيةً إلى ضرورة التدخل العاجل لإنقاذ السكان في ظل تسارع وتيرة «الإبادة» بحقهم.


مقالات ذات صلة

اغتيالات لا تتوقف في غزة... إسرائيل تلاحق كل رموز «حماس»

خاص فلسطينيون يحملون جثمان محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» خلال جنازته بمدينة غزة يوم 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

اغتيالات لا تتوقف في غزة... إسرائيل تلاحق كل رموز «حماس»

تحاول إسرائيل القضاء على أي رمز يظهر في «حماس» إعلامياً أو غير ذلك، في إطار محاولاتها للقضاء على جميع قيادات الحركة ونشطائها البارزين في مختلف المستويات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا سفير مصر في رام الله خلال لقاء نائب الرئيس الفلسطيني (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تجدد رفضها للتهجير وتشدد على وحدة غزة والضفة الغربية

فيما طالبت مصر بتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها في قطاع غزة، جددت رفضها «تهجير الفلسطينيين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية استهدفت مركبة في مدينة غزة (رويترز) p-circle

غزة: مقتل 9 بينهم طفلان في قصف إسرائيلي

أفاد مسؤولون ‌في قطاع الصحة بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل تسعة فلسطينيين على الأقل، بينهم طفلان بعمر العاشرة والسادسة، اليوم الأربعاء في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية استهدفت خيمة في مخيم لإيواء النازحين بمدينة غزة (رويترز) p-circle

مسؤول: «مجلس السلام» يخطط لإنشاء منطقة إنسانية تجريبية في غزة

كشف مسؤول ‌في «مجلس السلام» الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن المجلس يخطط لإنشاء منطقة ​إنسانية تجريبية لسكان غزة كوسيلة لإعادة تنشيط خطة السلام المتعثرة

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يتلقَّى حسام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان العلاج من قبل زملائه من جراء إصابته في غارة إسرائيلية استهدفت المجمع الطبي في بيت لاهيا 23 نوفمبر2024 (أ.ف.ب)

لجنة أممية تدعو للإفراج عن طبيب من غزة تحتجزه إسرائيل

أبدت لجنة تحقيق أممية اليوم قلقها إزاء تقارير تفيد بوقوع انتهاكات بحق الطبيب حسام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان الذي اعتقله الجيش الإسرائيلي في ديسمبر 2024.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

إسرائيل تقصف في الشمال السوري وأنقرة تنصب بطاريات صواريخ في مطار دمشق

قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)
قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)
TT

إسرائيل تقصف في الشمال السوري وأنقرة تنصب بطاريات صواريخ في مطار دمشق

قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)
قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)

في أعقاب التصريحات الرسمية ضد تركيا ورئيسها رجب طيب إردوغان، حذرت أوساط أمنية وخبراء استراتيجيون الحكومة الإسرائيلية ورئيسها، بنيامين نتنياهو، من مغبة فتح جبهة حربية ثامنة لخدمة مصالحه الحزبية الانتخابية، وأوضحوا له أن «تركيا ليست دولة لبنان ولا سوريا ولا إيران، وتحويلها إلى عدو مغامرة ستكون كلفتها باهظة».

وقال المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هاريئيل، إن تصعيد الخطاب تجاه تركيا «غير ضروري، وزائد ومبالغ فيه، ويأتي ضمن أجواء سياسية وأمنية متوترة، مع اقتراب الانتخابات»، وسط اتهامات للحكومة بالسعي إلى إبراز التهديدات الخارجية وتعزيز صورة نتنياهو في الملف الأمني.

نتنياهو في مرتفعات جبل الشيخ (أ.ف.ب)

وكان نتنياهو قد صرح، الجمعة والخميس، لوسائل إعلام عبرية، بأنه يسعى إلى «الحفاظ على التفوق الجوي الإسرائيلي، بوصفه أمراً حيوياً وضرورياً لمواجهة المحاور الجديدة»، وذلك في إشارة إلى تركيا.

وخلال كلمة ألقاها في حفل تخريج طيارين في سلاح الجو الإسرائيلي، ألمح إلى التوترات الشديدة مع تركيا، وإلى إمكانية بيع الولايات المتحدة مقاتلات «إف-35» إلى أنقرة، وقال في هذا السياق إن «هناك محاور تسقط ومحاور أُخرى تنشأ، والحرب لم تنتهِ بعدُ، وهناك تحديات جديدة». وشدد على أن «الحفاظ على التفوق الجوي ركن أساسي من أركان عقيدة الأمن القومي»، عاداً ذلك «مفتاحاً للحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط المضطرب، ونحقق ذلك من خلال التطوير المستمر للأفراد والآلات على حد سواء».

وجاءت أقوال نتنياهو بعدما أعرب هو وغيره من المسؤولين في تل أبيب عن القلق من احتمال أن يوافق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف-35» وتزويدها بأسلحة أخرى حساسة.

وتتركز المخاوف الإسرائيلية حول توسّع الدور التركي في المنطقة، خصوصاً في سوريا. وحسب مصادر عسكرية، فإن لتركيا في سوريا ألوية وفرقاً، وقريباً ستبدأ أيضاً بنشر منظومات رادار مع بطاريات صواريخ متطورة في مطار دمشق الدولي.

قوات تركية في شمال سوريا (أرشيفية - الدفاع التركية)

وحسب أحد المسؤولين فإنه «ليس سراً أن سوريا، التي ما زالت حتى الآن فارغة من منظومات دفاع جوي، تمثل ممراً لسلاح الجو الإسرائيلي نحو إيران. أما نشر منظومات كشف تركية، فسيسد هذا المسار ويحرم إسرائيل من القدرة على مفاجأة إيران».

وقال الخبير الاستراتيجي أرئيل: «الأنباء الأكثر سوءاً بالنسبة لنا وفرها ترمب هذا الأسبوع من أنقرة. فالصداقة الجديدة والحبيبة مع إردوغان تمثل صعود المحور الجديد في الشرق الأوسط: حلف (الإخوان المسلمين) - تركيا وقطر على الرأس وسوريا و(حماس) في الخلف. بعد حربين ضد إيران، بقي المحور الشيعي على حاله وإلى جانبه حصلنا على محور قوي ومقلق بقدر لا يقل عنه. سوريا هي تفويت ذريع للفرصة من جانب حكومتنا العمياء. عندما استولى أحمد الشرع على الحكم، سعى للتقرب من إسرائيل، انطلاقاً من الإيمان بأننا نحوز المفاتيح لواشنطن. أراد اتفاقاً حتى لو كان يسمح للجيش الإسرائيلي بالبقاء في سوريا، وإسرائيل تجاهلت. وبالغ وزير الدفاع المحرج خاصتنا، الذي صعد إلى كل قمة تغطيها الثلوج في سوريا، كي يعلن أننا لن ننسحب منها أبداً. وبينما يغرق نتنياهو ووزراؤه في الخيالات، عن كيف سيهودون كل تلة، فهم الشرع أن المفتاح لواشنطن يوجد في أنقرة... فتح الباب لإردوغان، واليوم تركيا هي التي تبني الجيش السوري وتزوده بالعتاد. ذلك الجيش الذي دمرناه قبل سنة ونصف السنة».

لقاء الرئيس ترمب ونظيره السوري أحمد الشرع خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة قادة «الناتو» في مجمع بستيبي الرئاسي في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)

وقال المراسل العسكري لصحيفة «معاريف»، ألون بن دافيد، إن النشاط العسكري التركي في سوريا وصفة للاحتكاك بيننا وبين الأتراك. أنا لست ممن يتوقعون صداماً عسكرياً بين تركيا وإسرائيل. فمن الصعب أن نتخيل عضواً في الناتو يشن حرباً على إسرائيل. لكن في الاحتكاك العسكري توجد مخاطرة، ومع الأخذ في الحسبان الحليف الجديد للرئيس الأميركي، ليس مؤكداً أن يحل الاحتكاك في صالحنا. على مدى أكثر من سنتين ونصف السنة أظهرت إسرائيل قوتها في المنطقة وكانت مبهرة لكنها لم تحقق الحسم، بغياب تفكير سياسي يرافقها. تركيا، مع خطابها العنيد واللاسامي، هي دولة معادية لكن محظور علينا أن نجعلها عدواً لدوداً».

إردوغان لدى استقباله ترمب في أنقرة قبيل انطلاق أعمال قمة الناتو يوم 7 يوليو (رويترز)

وأضاف: «بعد نحو ثلاث سنوات تحدثت فيها إسرائيل بلغة القوة التي لم تحل أياً من مشاكلنا الأمنية، فإننا ملزمون بأن نعيد تكييف خطابنا الدبلوماسي. محور (الإخوان المسلمين) أصبح أمراً واقعاً، وهو مدعوم، لأسفنا، من الرئيس الأميركي. نحن ملزمون بأن نجد الطريق للحديث مع هذا المحور، إذ مثلما فهم كل إسرائيلي له عينان في رأسه: توجد حروب لا يمكن الانتصار فيها».


التصعيد الأميركي - الإيراني يجدد القلق اللبناني من عودة الحرب

لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)
لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)
TT

التصعيد الأميركي - الإيراني يجدد القلق اللبناني من عودة الحرب

لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)
لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

أعاد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران خلط الأوراق في المنطقة، بعدما استأنفت واشنطن ضرباتها على أهداف إيرانية، وردّت طهران باستهداف قواعد أميركية في المنطقة، في وقت يتزامن فيه تعثر تنفيذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، ما يزيد القلق اللبناني من تجدد الحرب.

وبينما تتمسك تل أبيب بالبقاء فيما تسميه «المنطقة الأمنية»، تتجه الأنظار إلى انعكاس أي تطور في العلاقة الأميركية-الإيرانية على الجبهة اللبنانية، التي بقيت خلال الأشهر الماضية ضمن سقف تصعيد مضبوط رغم استمرار الغارات والاغتيالات وعمليات النسف.

رهانات على الوساطات

ورغم التصعيد، رأى العميد المتقاعد حسن جوني أن ما يجري لا يعني بالضرورة انهيار الاتفاق الأميركي- الإيراني أو توقف المفاوضات بصورة نهائية، بل قد يشكل مرحلة ضغط متبادل تسبق العودة إلى الالتزام به بعد معالجة بعض النقاط الخلافية.

وقال جوني لـ«الشرق الأوسط»: «استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية أكثر من مرة وعلى نطاق واسع خلال نحو أربعين يوماً، وهذه هي النتيجة التي أفضت إليها تلك القوة»، معتبراً أن ذلك يدفع الطرفين إلى مواصلة المناورة ضمن حدود الاتفاق بدلاً من إسقاطه بالكامل.

وربط جوني بصورة مباشرة بين مستقبل العلاقة الأميركية-الإيرانية والجبهة اللبنانية، مؤكداً أن «الجبهة اللبنانية مرتبطة بالكامل بجبهة إيران وبالصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل». وأضاف: «إذا عادت الحرب بين إيران والولايات المتحدة، فلا أعتقد أن (حزب الله) سيبقى مكتوف اليدين، ولا سيما أن الواقع الميداني الذي استقر عليه في جنوب لبنان لا يصب في مصلحته، وبالتالي قد يرى في تجدد المواجهة فرصة لإعادة خلط الأوراق وتغيير المعادلات القائمة».

ورأى أنّ «رفض (حزب الله) لمسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل ونتائج هذا المسار يعكس ارتباط موقفه بالتفاهم الأميركي – الإيراني»، مضيفاً: «إذا تعطل الاتفاق بين واشنطن وطهران وعادت الحرب، فمن المرجح أن يعود الحزب إلى المواجهة أيضاً، في محاولة لإعادة تثبيت مكاسبه أو تحسين موقعه ضمن أي تسوية لاحقة».

واشنطن أكثر جدية في تنفيذ تفاهم لبنان

من جهته، رأى العميد المتقاعد ناجي ملاعب، أن التطورات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران لا تعني بالضرورة انهيار مسار التفاهم بينهما، معتبراً أن ما يجري لا يزال يقع ضمن حدود الضغوط المتبادلة، في وقت تظهر فيه واشنطن اهتماماً متزايداً بملف تنفيذ التفاهم الخاص بلبنان.

وقال ملاعب لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن انتهاء الاتفاق مع إيران لا يعني بالضرورة سقوطه نهائياً، لأن «طهران نفسها معنية بالإبقاء على مساحة للتفاهم إذا توافرت الظروف»، مشيراً إلى أن «الردود بقيت حتى الآن ضمن مستويات محسوبة».

وفيما يتعلق بالملف اللبناني، اعتبر أن «التململ الرسمي الذي بدأ يظهر تجاه نتائج المفاوضات يعكس شعوراً بأن ما تحقق حتى الآن لا يلبّي الطموحات اللبنانية، وأن الضمانات الأميركية لم تكن بالمستوى المطلوب».

مسعفون يتفقدون أنقاض سيارة تعرضت لاستهداف إسرائيلي في مدينة النبطية بجنوب لبنان يوم الاثنين الماضي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن رفض لبنان المشاركة في الجولة المقبلة من المفاوضات في روما كان مرتبطاً بطبيعة الاجتماع، إذ «لم يكن مقبولاً أن يظهر وكأنه لقاء لبناني - إسرائيلي مباشر بمستوى أميركي منخفض»، مضيفاً أن «الموقف تبدل بعدما أبلغت واشنطن الجانب اللبناني أن الاجتماعات ستُعقد داخل السفارة الأميركية في روما، وبحضور رسمي أميركي يتولى إدارة المفاوضات، ما دفع لبنان إلى الموافقة، لكن مع ربط مشاركته بتنفيذ الجزء الأول من التفاهم، وفي مقدمته تطبيق تجربة المنطقتين التجريبيتين قبل انعقاد الاجتماعات المقررة في 15 و16 من الشهر الحالي».

ورأى ملاعب أن الحراك الأميركي خلال الأيام الأخيرة يعكس اهتماماً مباشراً بملف لبنان، مشيراً إلى أن «جولات السفير الأميركي على المسؤولين اللبنانيين، ولقاءه المطول مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وزيارة قائد القيادة الوسطى الأميركية الجنرال براد كوبر إلى لبنان، تشكل مؤشرات على ذلك».

وأضاف أن تعيين الجنرال الأميركي كليرفيلد للإشراف على تنفيذ التفاهم، مع معلومات عن انتقاله للإقامة في لبنان والعمل من داخل السفارة الأميركية لمتابعة تنفيذ ترتيبات المنطقتين التجريبيتين، «يشكل مؤشراً إضافياً على وجود درجات مرتفعة من الجدية الأميركية في إدارة هذا الملف».

واعتبر ملاعب أنّ «إيران تدرك أنها لن تحصل على ضمانات دائمة مهما كان الموقف الأميركي، ولذلك ستواصل الحفاظ على أذرعها الإقليمية ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً»، كاشفاً أن تشدد «حزب الله» في مواقفه «يعكس الموقف الإيراني»، مضيفاً: «حتى الآن لا أتوقع تطوراً كبيراً في العمليات، إلا إذا أوعزت إيران إلى الحزب بالخروج من إطار وقف إطلاق النار والاستمرار في مقاومة الوجود الإسرائيلي، علماً أن الذرائع الميدانية متوافرة، وقد شهدت بنت جبيل مؤخراً اشتباكات ميدانية، وبالتالي يبقى القرار النهائي مرتبطاً بكيفية استخدام إيران لأذرعها خلال المرحلة المقبلة».


إعفاءات ضريبية إسرائيلية كبيرة لتشجيع اليهود على الاستيطان بالضفة

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

إعفاءات ضريبية إسرائيلية كبيرة لتشجيع اليهود على الاستيطان بالضفة

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

بعد أقل من أسبوعين على تخصيص نحو 200 مليون دولار لتعزيز الأمن، بادر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى تخصيص مبلغ مشابه يعطى للمستوطنين كمنحة إعفاء ضريبي، وذلك بغرض تشجيع المواطنين اليهود في إسرائيل على الانتقال للسكن في المستوطنات الاستعمارية القائمة في الضفة الغربية، حتى يبلغ عدد المستوطنين مليون نسمة (اليوم يشكلون 750 ألف مستوطن، بما يشمل القدس الشرقية المحتلة).

وقد تباهى سموتريتش، الجمعة، بهذه المعطيات التي يريد لها أن تساعده على الخروج من مأزقه السياسي. فهو يقود حزب «الصهيونية الدينية» الممثل بثمانية مقاعد، لكن الاستطلاعات تشير إلى احتمال أن يسقط ويفشل في الوصول إلى نسبة الحسم. وهو يحاول بكل قوته استرضاء جمهور المستوطنين لإنقاذه. ويستغل سموتريتش كونه وزير المالية المسؤول عن «حنفية النقود» في الدولة العبرية، وكونه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع، ليفرض نفسه مسؤولاً عن الاستيطان. وفقط قبل أسبوعين رصد مبلغاً يضاهي نصف مليار شيقل (الدولار يعادل 3 شواقل)، لغرض توفير سيارات مصفحة، وترتيب السفر الشعبي المجاني، وشق الطرق للمستوطنات.

وزير المالية بتسلئيل سموتريتش يتحدث مع نتنياهو خلال جلسة للكنيست (أرشيفية - رويترز)

وقال سموتريتش، خلال شريط مسجل بثه اليوم، إنه يقدم الإعفاءات الضريبية لـ64 مستوطنة في الضفة الغربية، بقيمة 47 ألف دولار للعائلة الواحدة. واعتبر ذلك «تصحيحاً للتمييز الذي عانى منه المستوطنون عبر عشرات السنين. فالمواطن الإسرائيلي الذي يعيش في البلدات المجاورة للحدود في الشمال أو في الجنوب يحظى بإعفاء ضريبي بقيمة 14 بالمائة، بسبب المخاطر الأمنية التي يعيشها». وقد قرر منح المستوطنين إعفاء بقيمة 7 بالمائة؛ أي أقل من سكان البلدات الحدودية، «مع أنهم يعيشون في أخطار أمنية لا تقل سوءاً».

وقد رحب المستوطنون بهذا القرار، لكنهم اعتبروه «غير كافٍ». وقال رئيس مجلس مستوطنات بنيامين (قرب رام الله)، يسرائيل غانتس، إنه يتمنى على الوزير أن يكمل الحسنات ويحقق المساواة للمستوطنين. وأضاف: «نحن أيضاً بلدات حدودية تواجه أخطاراً أمنية».

سموتريتش في اجتماع لحزبه الجمعة (موقع حزب الصهيونية الدينية)

يُذكر أن حركة «السلام الآن» وجمعية «كيرم نبوت» الإسرائيليتين أصدرتا تقريراً يشير إلى أن الحكومة، بقيادة بنيامين نتنياهو ومبادرة سموتريتش، سرعت من وتيرة ضم أراضٍ في الضفة الغربية لإسرائيل من خلال تغيير هيكلي للنظام الحكومي، وتوسيع المستوطنات، وتهجير السكان، وتعميق سيطرة إسرائيل على المناطق «أ» و«ب». وأكدتا أن الحكومة قامت بتمويل البؤر الاستيطانية بسخاء وجهّزتها واستولت على الأراضي، وأن التغييرات التي طرأت على الضفة خلال فترة ولاية هذه الحكومة غير مسبوقة، وخصوصاً في أيام الحرب. ففي الفترة بين الأعوام 2023 – 2025 تمت إقامة 185 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، معظمها مزارع وبؤر استيطانية جبلية. وتسيطر هذه المزارع على أكثر من مليون دونم؛ أي 18 في المائة من إجمالي مساحة الضفة، ولا تصنف إلا 40 في المائة من الأراضي التي استولت عليها رسمياً بأنها «أراضي دولة». وقد خصصت وزارة الاستيطان والمهمات الوطنية برئاسة الوزيرة أوريت ستروك عشرات ملايين الشواقل سنوياً لها.

ووفقاً للتقرير، فقد تم إخلاء 118 تجمعاً سكنياً و«تجمع رعاة» – وهي تجمعات سكنية وبعضها تابع لهذه التجمعات – بشكل منهجي خلال ثلاث سنوات. وقد ترك السكان بيوتهم بسبب عنف المستوطنين، ومنعهم من الحصول على المياه، وعدم حمايتهم من السلطة. وبهدف منع عودة الفلسطينيين، فقد أقام المستوطنون أسواراً على طول الطرق بمسافة لا تقل عن 51 كيلومتراً. وقد وُضعت هذه الأسوار بشكل رئيسي في غور الأردن، وفي مناطق تستخدمها التجمعات المحلية، الأمر الذي أدى بالفعل إلى إغلاق مئات آلاف الدونمات.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

كما رصد التقرير معطيات تفيد بأنه في السنوات الثلاث الماضية، شهدت عمليات هدم المباني الفلسطينية المبنية دون ترخيص في المناطق «ج» زيادة بنسبة 80 في المائة. وقُدمت خطط لبناء 40064 وحدة سكنية في المستوطنات. وأجازت قرارات مجلس الوزراء، في محاولة لمنع التنمية الفلسطينية، بناء أكثر من 100 مستوطنة جديدة، من بينها 50 بؤرة استيطانية تمت شرعنتها، و15 حياً تم تطويره، و37 مستوطنة جديدة بالكامل. وتوجد معظم هذه المستوطنات في عمق الضفة الغربية، في مناطق لم يكن فيها أي وجود إسرائيلي حتى الآن.

ووفقاً للتقرير، فإنه في سبيل إلغاء «اتفاق أوسلو» تتجه عمليات الاستيلاء من المناطق «ج» نحو المناطق «أ» و«ب»، الخاضعة للسيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية حسب الاتفاق. وفي هذا السياق، تم إنشاء نحو 20 بؤرة استيطانية في مناطق السلطة حتى نهاية عام 2025. وفي نفس الوقت، يمنع سكان البؤر الاستيطانية القريبة من المناطق «ج» الفلسطينيين من الوصول إلى الأراضي في المناطق «أ» و«ب» من خلال استخدام العنف المنهجي. وحسب معدّي التقرير، يمنع المستوطنون السكان الفلسطينيين من الوصول إلى نحو 100 ألف دونم من مناطق السلطة.