«فاغنر» و«التهدئة»... ملفان بارزان يسيطران على زيارة صالح لواشنطن

البعض يرى أن نتائجها تظل محدودة بسبب انشغال أميركا بالاستحقاق الرئاسي

صالح والقائم بأعمال وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية بمقر الخارجية الأميركية (المركز الإعلامي لصالح)
صالح والقائم بأعمال وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية بمقر الخارجية الأميركية (المركز الإعلامي لصالح)
TT

«فاغنر» و«التهدئة»... ملفان بارزان يسيطران على زيارة صالح لواشنطن

صالح والقائم بأعمال وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية بمقر الخارجية الأميركية (المركز الإعلامي لصالح)
صالح والقائم بأعمال وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية بمقر الخارجية الأميركية (المركز الإعلامي لصالح)

في ظل استمرار حالة الانقسام السياسي في ليبيا، جاءت زيارة رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، إلى الولايات المتحدة الأميركية، لتفتح بات التساؤلات حول دلالة توقيتها وأهدافها، وإمكانية أن يحصل بعدها على دعم لمقترحاته بشأن حلحلة الأزمة السياسية، وصولاً لإجراء الانتخابات العامة.

وعلى الرغم من أن زيارة صالح إلى واشنطن - التي بدأت منتصف الأسبوع الماضي - ركزت حسب متابعين على وجود عناصر شركة «فاغنر» الروسية في ليبيا، والحيلولة دون تصعيد جديد بين أفرقاء الأزمة السياسية، فإن البعض يرى أن نتائجها تظل محدودة الأثر، نظراً للانشغال الأميركي بالاستحقاق الرئاسي.

تركز النقاش الأميركي مع رئيس مجلس النواب الليبي، وفق رؤية أستاذ العلاقات الدولية، إبراهيم هيبة، حول سبل تهدئة التوترات، ومنع الصدام بين صالح من جهة، وبين خصومه داخل الساحة السياسية، ممثلين في رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة.

هيبة ذكّر بأزمة المصرف المركزي التي أدت لتوقف إنتاج وتصدير النفط وهو أمر لا ترغب واشنطن بتكراره (رويترز)

وجهة نظر هيبة تنطلق من أن واشنطن «تسعى لتفادي أي توتر مقلق بالساحة الليبية، في ظل انشغالها بالمستجدات الإقليمية؛ وتحديداً التصعيد بين إسرائيل وإيران». وذكّر هيبة في هذا السياق بالأزمة الأخيرة المتعلقة بإدارة المصرف المركزي، التي أدت لتوقف إنتاج وتصدير النفط الليبي، ما أثر بدرجة ما على السوق العالمية، «وهو ما لا ترغب واشنطن بتكراره».

وتتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان: «الوحدة الوطنية» المؤقتة التي تتخذ من العاصمة طرابلس بالغرب مقراً لها، والثانية في شرق البلاد وتحظى بدعم البرلمان، والقائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر.

ووفقاً لبيان البرلمان الليبي عن الزيارة، فقد التقى صالح القائم بأعمال وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية، جون باس، ومساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، باربرا ليف، بالإضافة إلى المبعوث الخاص للولايات المتحدة، ريتشارد نورلاند؛ حيث جرت مناقشة جملة من القضايا بشأن التسوية الشاملة للأزمة السياسية.

هيبة يرى أن أميركا تحرص على الشفافية في إنفاق وتوزيع الإيرادات النفطية بما يمنع وصولها للجماعات المتطرفة (أ.ف.ب)

وبشأن ملف التهدئة بين الأطراف الليبية، يعتقد هيبة أن واشنطن تركز على هذا المحور، في ظل سعيها الدؤوب لـ«كبح جماح الوجود الروسي في البلاد، بالإضافة إلى الشفافية في إنفاق وتوزيع الإيرادات النفطية، بما يمنع وصولها إلى جماعات متطرفة عبر عمليات غسيل الأموال».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد صرّح في مقابلة صحافية بأن مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة موجودة في مالي وليبيا «على أساس تجاري».

وانتهى هيبة إلى أن صالح سعى من خلال زيارته لأميركا إلى إرسال رسالة مفادها أن علاقته مع روسيا «ليست قائمة على تحالف استراتيجي، وأنه منفتح للتعاطي مع واشنطن في ملفات عديدة سياسية واقتصادية»، كما أنه «يتطلع للحصول على دعمها لخططه بإيجاد حكومة جديدة بالبلاد؛ وهو الأمر الذي لا يزال محل نزاع سياسي».

صالح ذكّر بدعوة بلقاسم حفتر للشركات الأميركية للمساهمة في تنفيذ مشاريع التنمية وإعادة الإعمار (أ.ف.ب)

وكان صالح قد دعا، خلال لقاءاته في واشنطن، إلى ضرورة الإسراع في إطلاق المنتدى الليبي - الأميركي، بهدف بناء شراكات استراتيجية. كما ذكّر بدعوة المدير العام لـ«صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا»، بلقاسم حفتر، للشركات الأميركية للمساهمة في تنفيذ مشاريع التنمية وإعادة الإعمار.

المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، يرى من جهته أن واشنطن «نجحت في فرض أجندة مطالبها على جدول تلك الزيارة، حيث جرى تركيز المسؤولين بوزارة الخارجية الأميركية على أن يحدد صالح بوضوح موقفه من وجود قوات روسية في شرق ليبيا».

وتحدث محفوظ عن المقابلة الإعلامية، التي أجريت مع صالح في واشنطن، والتي أشار خلالها إلى «عدم وجود مذكرة رسمية بين مجلسه وموسكو بشأن وجود قوات «فاغنر» في ليبيا، وقال بهذا الخصوص: «هذا أكثر هدف سعت واشنطن لتحقيقه». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن تصريح صالح «يتناقض مع تصريحات سابقة لمسؤولين روس بأن وجودهم العسكري في شرق ليبيا وجنوبها تم بالتنسيق مع قيادة البرلمان، والقيادة العامة للجيش الليبي».

وفي مقابلة مع قناة «الحرة» الأميركية، قال صالح: «لا وجود لمعاهدة رسمية مع روسيا بشأن وجود قوات عسكرية في ليبيا».

وعلى الرغم مما أورده بيان البرلمان الليبي عن استعراض صالح لتطورات الأزمة السياسية، واقتراحه جملة من الحلول التي تتطلب دعم ومساندة المجتمع الدولي للوصول للانتخابات، فإن محفوظ استبعد أن «تكون مثل هذه الأحاديث قد جرى التطرق لها بتوسع». وأرجع ذلك «لتفهم المسؤولين بواشنطن أن هناك ربما إدارة جديدة قد تحكم البيت الأبيض، وتدشن سياسات جديدة بالمنطقة برمتها».

وقلل محفوظ مما يتردد حول تخوف صالح من تحركات يقودها الدبيبة والمنفي لحل البرلمان والمجلس الأعلى للدولة، عبر تنظيم استفتاء شعبي، في ضوء اتفاقهما مؤخراً على تفعيل «مفوضية الاستفتاء»، وقال موضحاً: «صالح يعلم أن قرار تنظيم مثل هذا الاستفتاء قد يقابل بمعارضة من واشنطن وحلفائها».

وخلال العامين الماضيين، ركّزت واشنطن مساعيها على ضبط الملف الاقتصادي الليبي «لإدراكها أن عوائد النفط هي محور الصراع الرئيسي بالأزمة»، وفق رؤية محفوظ. كما ترى أن «ضبط حركة الأموال قد يقود لحلحلة الملفين السياسي والأمني، في ضوء تنازع وتطلع كل طرف للحصول على النصيب الأكبر من كعكة العوائد لضمان بقائه في السلطة، عبر شراء ولاء المؤيدين».


مقالات ذات صلة

درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

شمال افريقيا حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)

درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

في مشهد يطوي ذاكرة الدم، ويخفف ندوب الماضي الأليم، افتتح المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» تجمعاً سكنياً جديداً في مدينة درنة الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس مؤسسة النفط الليبية يتوسط القائم بالأعمال الأميركي ونائبته (السفارة الأميركية)

محادثات ليبية - أميركية لتعزيز التعاون في قطاع الطاقة

أكد جيريمي برنت، القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا، دعم بلاده المؤسسة الوطنية للنفط بوصفها مؤسسة اقتصادية حيوية، مشدداً على «ضرورة حماية استقلاليتها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)

ما قصة «بندقية المجاهدين» التي أُهدتها قبيلة ليبية لصدام حفتر؟

قبل أن يغادر صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي منطقة بئر الأشهب أهداه مشايخ وأعيان المنطقة «بندقية المجاهدين»، وأرجعوا ذلك لـ«مواقفه الوطنية».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي مستقبلاً تيتيه في مكتبه بطرابلس في 21 أبريل الحالي (المجلس الرئاسي الليبي)

الأزمة الليبية: تعدُّد لجان الحل... وأمل الوصول إلى الانتخابات «بعيد»

منذ أن اتجه «ملف الأزمة» الليبية إلى مدينة غدامس (جنوباً)، وهي قيد البحث حتى الآن، إمّا على طاولات خارجية، وإما عبر لجان محلية؛ سعياً للتواصل إلى حل توافقي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)

ما الخيارات المتاحة لواشنطن لتمرير «مبادرة بولس» بليبيا؟

تباينت آراء سياسيين ومحللين في ليبيا بشأن مستقبل المبادرة المنسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس لحلحلة أزمة بلدهم

جاكلين زاهر (القاهرة)

مصر: توسع زراعي لتعزيز الأمن الغذائي وسط تحديات مائية

مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)
مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)
TT

مصر: توسع زراعي لتعزيز الأمن الغذائي وسط تحديات مائية

مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)
مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)

تتوسع الحكومة المصرية في المشروعات الزراعية لتعزيز الأمن الغذائي، وسط تحديات نقص المياه التي تواجهها البلاد.

وفي وقت أعلنت فيه القاهرة عن «زيادة مساحة الرقعة الزراعية»، أعلنت وزارة الري، الجمعة، عن «استنفار حكومي لضمان جاهزية المنظومة المائية، وتلبية الاحتياج المرتفع للمياه خلال أشهر الصيف».

وتعهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بزيادة نسبة استصلاح الأراضي الزراعية إلى 4.5 مليون فدان ضمن مشروعات الدلتا الجديدة ومشروعات «جهاز مستقبل وطن»، وقال في كلمة خلال احتفال «عيد العمال»، الخميس، إن هذه المساحة «تشكل ثلث الرقعة الزراعية الموجودة في البلاد».

وتواجه مصر فترة أقصى الاحتياج المائي حالياً، وفق وزير الري، هاني سويلم، وتحدث، الجمعة، عن «حالة استنفار بجميع الجهات لضمان جاهزية المنظومة المائية بجميع مكوناتها من ترع ومصارف ومحطات رفع ومنشآت مائية، للتعامل بكفاءة مع الطلب المرتفع على المياه خلال الصيف».

وتشكو القاهرة من تحديات مائية، حيث يبلغ عجز المياه نحو 55 في المائة، وتعتمد على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه بنسبة 98 في المائة، وبحصة سنوية مقدارها 55.5 مليار متر مكعب، وفقاً لبيانات حكومية.

وحسب بيان وزارة الري، الجمعة، تشمل عمليات الاستنفار «مواصلة التصدي لأشكال التعديات على المجاري المائية وإزالتها، ومنع أي محاولات تعدٍ على منافع الري». وتستهدف الحكومة تنفيذ عديد من مشروعات معالجة المياه والتحلية للإنتاج الكثيف للغذاء لسد العجز في مواردها المائية، ونفذت 3 محطات كبرة لمعالجة المياه، هي الدلتا الجديدة وبحر البقر والمحسمة، وفق الري.

جانب من محاصيل استراتيجية في سيناء قبل الحصاد (وزارة الزراعة المصرية)

ويرى أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي أن «الحكومة تتوسع في مشروعات زراعية جديدة بالاعتماد على نظم الري الحديث، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه المشروعات تواجه تحديات تتعلق بتوافر المياه، خصوصاً أنها تعتمد بشكل أساسي على المياه الجوفية ومياه الصرف المعالجة».

ويشير إلى أن «استصلاح أراضي زراعية جديدة يتنوع ما بين مشروعات تنفذها الدولة مثل (توشكي وشرق العوينات والدلتا الجديدة)، وأخرى تنفذ بشكل فردي من مستثمرين وقطاع خاص»، ويوضح أن «التحدي الأساسي في تكلفة توفير موارد مائية لهذه المشروعات خصوصاً أن معظمها يعتمد على مياه الصرف الزراعي».

وتحدث السيسي، الخميس، عن إضافة 450 ألف فدان للرقعة الزراعية بشبه جزيرة سيناء، وقال إن «تحقيق هذا الهدف استدعى إقامة محطة بحر البقر، فضلاً عن إقامة البنية الأساسية الأخرى لها».

ويعتقد شراقي أن «المشروعات الزراعية الجديدة يجب أن تغطي جزءاً كبيراً من تكاليفها، بالتوسع في استخدام محاصيل أقل في استهلاك المياه، وذات عائد اقتصادي أكبر».

مشروعات تهيئة الترع في مصر (وزارة الري)

ويرى أستاذ الاقتصاد الزراعي بمعهد «البحوث الزراعية»، مدحت عنيبر أن «الحكومة مطالبة بزيادة الرقعة الزراعية، بما يعزز قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية»، ويشير إلى أن التحدي الأساسي في «توفير المياه من موارد جديدة».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «محطات معالجة المياه التي تقيمها الحكومة توفر الاحتياج المائي للتوسع الزراعي؛ وذلك لأنها تعيد معالجة مياه الصرف 4 دورات»، ويلفت إلى أن «السياسة الزراعية التي تعمل عليها مصر والتي تشمل إقامة مشروعات جديدة مثل الصوب الزراعية، وزراعة محاصيل توفر المياه، أسهمت في تحقيق الاكتفاء من الخضر والفاكهة وزيادة الصادرات»، وفق رأيه.

عملية تجديد شبكات الصرف المغطى بمنطقة بحر البقر (وزارة الري)

وأعلنت وزارة الزراعة، الجمعة، «زيادة حجم الصادرات منذ مطلع العام الحالي بعدما سجلت إجمالي الكميات المصدرة نحو 3.7 مليون طن». وأفادت بأن «الموالح جاءت في صدارة قائمة الصادرات بكميات بلغت نحو 1.7 مليون طن».


درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)
حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)
TT

درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)
حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)

تغيّر وجه مدينة درنة الليبية، التي اتخذها تنظيم «داعش» معقلاً له، وأضرّ بها إعصار متوسطي من قبل، لتزدان اليوم بآلاف البنايات الحديثة والمنشآت الحكومية الجديدة، في مشهد يطوي ذاكرة الدم، ويخفف ندوب الماضي الأليم.

فبعد قرابة 6 أعوام على دحر «داعش» بشكل كامل من هذه المدينة الساحلية، ونحو 3 سنوات على «إعصار دانيال»، الذي أزال أجزاءً واسعة منها، بدأت مظاهر الحياة تدب في درنة من جديد، من خلال مشاريع ينفذها «صندوق الإعمار».

جانب من الاحتفالات المصاحبة لافتتاح المشروع السكني في درنة الليبية (صندوق الإعمار)

وفي احتفالية حضرها القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس الحكومة المكلفة من البرلمان، أسامة حمّاد، إلى جانب سكان من المدينة، جرى افتتاح مشروع 2000 وحدة سكنية بحي السلام في درنة، مساء الخميس.

وقال حفتر الذي حضر الافتتاح إن مسار البناء والإعمار «يُعد واجباً أصيلاً على الدولة تجاه مواطنيها»، مضيفاً أن تلبية احتياجات المواطن وصون كرامته وضمان حقوقه «تأتي في صدارة أولويات الدولة».

مناطق من التجمع السكني الذي شيده صندوق الإعمار في درنة (الصندوق)

وشدد حفتر على «أهمية مواصلة العمل في مسار الإعمار، وتكثيف الجهود ليشمل مختلف المدن والقرى في جميع ربوع ليبيا»، مؤكداً أن «معيار التقييم الحقيقي هو ما يتحقق من إنجاز على أرض الواقع».

وكان «داعش» قد اتخذ من درنة معقلاً له في شرق ليبيا منذ عام 2014، وبدأ في فرض قبضته عليها عبر تحصيل الجزية، وتنفيذ الإعدامات في ساحاتها العامة بحق المناوئين، قبل أن يتمكن «الجيش الوطني» من تحريرها بشكل كامل في 28 يونيو (حزيران) 2018.

وأمام جموع كبيرة من البرلمانيين والمواطنين، أكد حفتر أن هذه المناسبة «تمثل لحظة طال انتظارها، تعود فيها البهجة إلى المدينة، وتستعيد فيها مظاهر الحياة والاستقرار»، معرباً عن تهانيه بما تحقق من إنجازات في مجالات الإعمار.

مسجد «الصحابة» في درنة بعد إعادة تجديده (صندوق التنمية)

وأشاد حفتر «بدور ضباط وجنود القوات المسلحة، ومنتسبي الشرطة والأجهزة الأمنية في تعزيز الأمن داخل المدينة، وتهيئة الظروف الملائمة لإنجاح مشاريع الإعمار».

وحضر الاحتفالية رئيس الأركان العامة الفريق خالد حفتر، ومدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بالقاسم حفتر، وعدد من أعضاء مجلس النواب والوزراء، وممثلو البعثات الدبلوماسية، إضافة إلى مشايخ وأعيان وجموع من أهالي درنة.

وتحدث حماد عن دور القيادة العامة ومجلس النواب في «إرساء دعائم الاستقرار، واستمرار تدشين واستكمال المشاريع السكنية، وتوزيعها على متضرري درنة، واستمرار مشاريع التنمية في مختلف ربوع البلاد، عبر إرادة وطنية صادقة وتمويل وطني».

مدرسة حديثة تم تشييدها لتلاميذ المدينة (صندوق التنمية)

واختتم حماد كلمته باعتبار درنة «نموذجاً وطنياً لمرحلة التعافي وإعادة البناء، عبر النوايا الصادقة والإرادة الحقيقية، التي تحققت من خلال التكامل بين مؤسسات الدولة لتنهض مجدداً، وتعود المدينة الزاهرة في أبهى إطلالاتها».

من جهته، قال بلقاسم حفتر إن «ما تحقق في درنة يمثل تحولاً حقيقياً من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجاز»، مشدداً على أن «معيار التقييم هو ما يُنفذ على الأرض لا ما يُعلن»، وموضحاً أن المشروع «لا يقتصر على توفير وحدات سكنية، بل يقدم نموذجاً عمرانياً متكاملاً، يعكس توجه الدولة نحو بناء مدن حديثة، وفق معايير تخطيط متقدمة».

وعاش سكان درنة معاناة مضاعفة؛ مرة في مواجهة التنظيم الإرهابي الذي اضطرّهم إلى النزوح بسبب التنكيل والإعدامات، ومرة أخرى بفعل الإعصار المتوسطي، الذي ضرب المدينة في 9 من سبتمبر (أيلول) 2023، متسبباً في كارثة إنسانية غير مسبوقة إثر انهيار سدين.

وفي فبراير (شباط) 2021، أُقيم معرض للكتاب بمدينة درنة في ساحة شاسعة، كان «داعش» يتخذها مقراً لقطع رؤوس معارضيه، قبل أن يفر ما تبقى من عناصره أمام ضربات «الجيش الوطني».

وفي خطوة عُدت «إضافة نوعية لقطاعي التعليم والصحة بالمدينة»، افتتح حماد مستشفى جامعة درنة العلاجي التعليمي بحي السلام، وسلمه إلى جامعة درنة.

وعدّ رئيس مجلس النواب ما تشهده درنة «من نهضة عمرانية، وتسليم للوحدات السكنية لمستحقيها دليلاً قاطعاً على أن العمل الجاد والتعاون الصادق قادران على تطويع التحديات، وتحويل الطموحات إلى واقع ملموس يخدم الوطن والمواطن».

وقال صالح في كلمته إن تسليم هذه الوحدات لسكان درنة «يعكس التزام الدولة بمسؤولياتها في توفير المسكن اللائق كحق طبيعي، بهدف تعزيز أمن الأسرة وطمأنينتها، ورفع أعباء الإيجار عن كاهل المواطنين». مبرزاً أن هذه الخطوة «ليست نهاية المطاف، بل هي انطلاقة لبرنامج إسكاني واسع، سيشمل العديد من المدن والقرى الليبية، استجابةً للحاجة المتزايدة للسكن الصحي، خصوصاً لفئة الشباب الراغبين في بناء حياة مستقرة».

جانب من الوحدات السكنية الحديثة التي تم تشييدها (صندوق التنمية)

وانتهى صالح مشيداً «بالدور الفعال للشركات الليبية والمصرية والتركية، والفرق الهندسية والعمالية، التي أسهمت في استكمال مشاريع كانت متوقفة منذ زمن طويل».

وكان «داعش» يسيطر أيضاً على مدينة سرت (450 كيلومتراً شرق طرابلس)، قبل أن تدحره قوات «البنيان المرصوص»، وتعلن حكومة طرابلس حينها تحرير المدينة في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2016.


«اتحاد الشغل» التونسي ينتقد «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم العالمي

جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)
جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)
TT

«اتحاد الشغل» التونسي ينتقد «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم العالمي

جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)
جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)

انتقد «اتحاد الشغل» التونسي «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم الوطني، وقال أمين عام اتحاد الشغل التونسي، صلاح الدين السالمي، في كلمته خلال تجمع عمالي، الجمعة، بمناسبة إحياء عيد العمال العالمي إنّ «الظرف صعب، ولا يحتمل المزايدات ولا المجاملات، وليس لنا من خيار تجاهه إلاّ التحلّي بالشفافية وروح المسؤولية والمصارحة بحقيقة الأوضاع»، مضيفاً أننا «جميعاً متضرّرون من الوضع الحالي، ولا مفرّ لنا من مواجهة هذا الوضع إلا بالعمل الجماعي المشترك».

وأشار السالمي في كلمته إلى ما وصفه «بالوضع الصعب الذي يعيشه العمّال بالفكر والساعد، والمتقاعدون على حدّ سواء، جرّاء الارتفاع الجنوني لتكلفة المعيشة، وتدهور القدرة الشرائية بسبب الارتفاع الكبير لأسعار المواد الأساسية، في وقت تتّسع فيه دائرة الهشاشة لتشمل فئات أوسع من الطبقة الوسطى، وتفاقم نسب البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب بمن في ذلك حاملو الشهادات، وتصاعد ظاهرة هجرة الإطارات من ذوي الاختصاص»، وفق تعبيره.

وأوضح السالمي أنّ مواجهة هذه الأوضاع «لن تنجح إلاّ عبر حوار يعيد الاعتبار للدور الاجتماعي للدولة، ويوفّر إطاراً صلباً لصياغة الحلول والشروط الضرورية، بما تقتضيه المرحلة من إصلاحات عادلة وعاجلة ومنصفة»، معتبراً أنّ 'التقدّم في مواجهة الصعوبات «لن يتحقّق إلاّ باستكمال الشروط اللازمة لإحلال مناخ سليم للتنمية المستدامة والعمل اللائق، لا مكان فيه للتهرّب الضريبي، ولا لأشكال العمل الهجينة والمارقة على القانون، والتي يكرّسها اليوم الاقتصاد الموازي والمنصّات الرقمية التي خلقها الواقع الجديد للعمل، ومناخ يسوده العدل والإنصاف، ويعود فيه الدعم لمستحقّيه دون غيرهم، وتحكمه مبادئ المساءلة والمحاسبة وعلوية القانون»، وفق تعبيره.

في سياق ذلك، رأى السالمي أن الزيادة الأخيرة في أجور القطاعين العام والخاص كانت أحادية الجانب، مشدداً على أنها لا تلبي الحاجيات الفعلية للعمال. وقال إن العمال في حاجة إلى زيادات في الأجور مهما كانت قيمتها، ودعا إلى ضرورة تفعيل مؤسسة الحوار الاجتماعي، بهدف معالجة الملفات العالقة للعمال والمؤسسات.

وجاءت هذه التصريحات بعد أن نشرت الحكومة التونسية، الخميس،زيادات في الأجور لموظفي الدولة والقطاعين العام والخاص والمتقاعدين، في مسعى لدعم القدرة الشرائية، في ظل ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة. وتقدر الزيادة بنسبة 5 في المائة في الأجر الأساسي، على أن يبدأ سريانها بأثر رجعي في الأول من يناير (كانون الثاني) 2026. ويتضمن مشروع قانون المالية لعام 2026 زيادات في الأجور على مدى 3 سنوات، بين 2026 و2028، بتكلفة تفوق 300 مليون دولار أميركي، لكن «اتحاد الشغل»، النقابة الكبرى في تونس، انتقد إقرار السلطة لزيادات خارج المفاوضات الاجتماعية، كما حذر من غياب سياسات فعالة للسيطرة على الأسعار وغلاء المعيشة.