هرباً من الحرب... لبنانيون يلجأون إلى البحر والبر بديلاً عن رحلات جوية «خطرة ومكتظة»

الخط الشمالي من بيروت إلى عمان الأكثر طلباً... والرحلات البحرية إلى تركيا وقبرص تلقى رواجاً

مسافرون قادمون من لبنان يسيرون عند معبر جديدة يابوس الحدودي في جنوب غربي سوريا (أ.ف.ب)
مسافرون قادمون من لبنان يسيرون عند معبر جديدة يابوس الحدودي في جنوب غربي سوريا (أ.ف.ب)
TT

هرباً من الحرب... لبنانيون يلجأون إلى البحر والبر بديلاً عن رحلات جوية «خطرة ومكتظة»

مسافرون قادمون من لبنان يسيرون عند معبر جديدة يابوس الحدودي في جنوب غربي سوريا (أ.ف.ب)
مسافرون قادمون من لبنان يسيرون عند معبر جديدة يابوس الحدودي في جنوب غربي سوريا (أ.ف.ب)

يعيش اللبنانيون منذ أكثر من أسبوعين حالة من القلق النفسي والإحباط وسط تصاعد حدة القصف الإسرائيلي الذي طال مناطق عدة في البلاد، حيث لم تقتصر الضربات العنيفة على الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية فحسب، بل امتدت إلى بلدات وقرى مختلفة في جبل لبنان والبقاع والشمال.

وتسببت الأحداث الأخيرة في ظهور موجة من النزوح الداخلي. تتحدث الأرقام عن نحو مليون و200 ألف نازح لبناني، حملوا أحلامهم وآمالهم وبضعة أمتعة في سياراتهم، ولجأوا إلى منازل مستأجرة بعضها بمبالغ ضخمة، أو إلى مراكز إيواء عادةً ما تكون عبارة عن مدارس رسمية فتحت أبوابها لاستقبالهم.

ووسط حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأجواء في لبنان، تبرُز مشكلة يواجهها الأشخاص الذين يبحثون عن سُبل لمغادرة البلاد هرباً من الحرب، حيث أوقفت جميع شركات الطيران الأجنبية رحلاتها التجارية إلى مطار رفيق الحريري الدولي، ولا يمكن لأي مسافر الآن حجز تذاكر إلا عبر شركة «طيران الشرق الأوسط» اللبنانية، وهي الوحيدة التي لا تزال تسيّر رحلات من وإلى بيروت.

«لا ضمانات»

يعود سبب امتناع شركات الطيران من الهبوط في بيروت للقصف الكثيف الذي يصيب أحياناً أهدافاً قريبة جداً من المطار، حيث إن الطريق من وإلى المطار يعد غير آمن بحد ذاته.

وقال وزير الأشغال العامة والنقل علي حمية، الثلاثاء، إن السلطات تلقت خلال اتصالاتها الدولية «تطمينات» بخصوص عدم استهداف إسرائيل مطار بيروت، لكنها لا ترقى إلى «ضمانات»، على وقع تواصُل شَنّ غارات كثيفة في محيط المرفق الجوي منذ الأسبوع الماضي.

وكثّفت إسرائيل منذ 23 سبتمبر (أيلول) الماضي غاراتها الجوية، خصوصاً على ضاحية بيروت الجنوبية التي يقع مطار رفيق الحريري، الوحيد في البلاد، عند أطرافها. وشنّت إسرائيل غارات في جنوب البلاد وشرقها، استهدفت إحداها منطقة المصنع الحدودية؛ ما أدى إلى قطع المعبر البري الرئيسي بين لبنان وسوريا. وأكد حمية أن الحكومة اللبنانية «تسعى إلى أن تُبقي المرافق العامة براً وبحراً وجواً سالكة، وأولها مطار رفيق الحريري الدولي»، بوابة لبنان جواً إلى العالم.

مسافرون ينتظرون رحلاتهم الجوية في مطار رفيق الحريري الدولي (أ.ف.ب)

وفي خضم حالة الخوف والهلع المنتشرة بين اللبنانيين، يلجأ كثير من الأشخاص مؤخراً إلى البر والبحر للوصول إلى بلدان مجاورة، إمّا للاستقرار فيها مؤقتاً، وإما للسفر عبرها إلى وجهات أخرى.

ووفقاً لمعلومات نشرتها قناة محلية، الثلاثاء، عَبَرَ نحو 60 ألف لبناني نقطة المصنع الحدودية مع سوريا منذ 23 سبتمبر، أي تاريخ بداية تصعيد إسرائيل القصف الجوي على مناطق لبنانية عدة، بعدما كانت الضربات تقتصر تقريباً على بلدات جنوبية حدودية منذ بداية حرب غزة قبل عام.

الهرب براً

بعد فشل الشاب اللبناني الثلاثيني وئام في الحصول على تذاكر سفر خلال مدة زمنية قريبة لعائلته المكونة من 3 أفراد بسبب زيادة الطلب على الرحلات الجوية، وعدم قدرة «طيران الشرق الأوسط» على تسيير مزيد من الرحلات اليومية، لجأ إلى أحد مكاتب السفر في جبل لبنان لتأمين مقاعد على متن حافلة، والسفر براً إلى الأردن.

ويقول وئام في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لم تتحمل زوجتي أصوات القصف التي نسمعها كل ليلة، حيث يشتد الضرب في ساعات الفجر، ووسط حالة الرعب من المستقبل وما قد ينتظرنا من مآسٍ، قررنا السفر إلى الأردن لمحاولة إيجاد مكان آمن لنا ولطفلتنا البالغة من العمر بضعة أشهر فقط».

ويضيف: «حجزنا مقاعد على متن حافلة تُقل اللبنانيين من بيروت إلى عمّان، حيث يسلك السائق طريق الشمال - من طرابلس - بعدما تَعَرَّضَ الطريق الرئيسي إلى سوريا (المصنع) للقصف».

وعن أسعار التذكرة وصعوبة الرحلة، يوضح الشاب الذي يعمل عن بُعد خبيراً مالياً في إحدى الشركات الأجنبية: «طلب المكتب منا مبلغاً قدره 200 دولار للشخص الواحد لتوصيلنا إلى عمّان، وقضينا نحو 15 ساعة على الطريق. ومع التوقف في كثير من النقاط للاستراحة، إلا أن الرحلة أرهقتنا بالفعل، خصوصاً مع وجود ابنتنا التي تحتاج إلى رعاية كبيرة بسبب سنها الصغيرة».

وفي هذا السياق، تشرح خبيرة الحجوزات سارة البنا، التي تعمل في شركة «نخال» للسياحة والسفر اللبنانية، أن إقبال الناس على الرحلات البرية، من لبنان إلى سوريا والأردن ازداد كثيراً وسط الأوضاع الصعبة.

وتوضح لـ«الشرق الأوسط» أنهم يتلقون يومياً عشرات الاتصالات من عائلات تطلب المغادرة «بأي وسيلة».

وتتابع: «نُسيّر أسبوعياً أكثر من 3 حافلات - بسعة 40 شخصاً للواحدة - من بيروت إلى عمّان عبر شمال لبنان بعد تعرُّض طريق المصنع للقصف، وتتراوح أسعار التذاكر بين 150 و250 دولاراً للشخص الواحد، فالسعر يحدده الطلب على كل رحلة وفقاً لموعدها وساعة الانطلاق... وما إلى ذلك».

وتضيف البنا: «يحتاج الطريق البري من 15 إلى 18 ساعة عبر طرابلس، ومن ثم حمص السورية وصولاً إلى عمّان، ولكن هناك أكثر من محطة للاستراحة، بسبب وجود كثير من كبار السن والصغار على متن الحافلات».

إعلان أصدرته إحدى وكالات السفر اللبنانية للترويج لرحلات برية من بيروت إلى عمَّان

من جهتها، تصف لارا، المسؤولة عن الحجوزات في مكتب سفريات «يلا ترافيل» في بيروت الإقبال الكثيف على الرحلات البرية عبر الحافلات إلى عمان، وتقول: «نتلقى يومياً المئات من الرسائل عبر (واتساب) للاستفسار عن الرحلات، حيث قررت عائلات كثيرة السفر معاً، والهرب من لبنان وسط الأوضاع الصعبة».

وتضيف: «حافلاتنا تسير يومياً عبر الطريق الشمالي وصولاً إلى طرابلس ومن ثم سوريا والأردن، وتكون المقاعد محجوزة بشكل كامل».

وعن الحالة النفسية للعائلات، تقول لارا إن معظم المسافرين تظهر عليهم ملامح الحزن عند صعودهم على متن الحافلات، وتستطرد: «الركاب نازحون من الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية، ولكنهم أيضاً سكان مناطق جبلية وشمالية في لبنان تعد آمنة نوعاً ما، والكل يحلم بليلة نوم هادئة واحدة بعيدة عن أصوات القصف، في بلدان أخرى للأسف».

«برايفت تاكسي»

لا تقتصر الرحلات البرية من لبنان إلى سوريا والأردن على الحافلات الكبيرة، حيث تظهر أيضاً شركات نقل تتيح سيارات أجرة خاصة، معروفة بـ«برايفت تاكسي»، لنقل الأشخاص إلى الوجهة التي يريدونها، ولكن بأسعار مرتفعة.

وتكلفة سيارة الأجرة الخاصة التي يمكنها نقل 6 مسافرين حداً أقصى مع أمتعتهم، تتراوح بين ألف و100 دولار، وألف و500 دولار للرحلة، وفقاً لسائق سيارة أجرة رفض الكشف عن اسمه.

ويوضح: «هناك طلب على هذا النوع من الرحلات من قِبل العائلات التي تضم أطفالاً صغاراً، أو مرضى كباراً بالسن، حيث إن السيارة الخاصة أكثر راحةً وخصوصية مقارنةً بالحافلات، ويمكن للمسافرين تحديد مدة الاستراحات والأماكن التي يرغبون في التوقف عندها».

ولم يكن لخالة فاطمة، شابة لبنانية من سكان العاصمة بيروت، مَفَرٌّ إلا اللجوء إلى سيارة أجرة خاصة للنزوح إلى سوريا، وذلك بسبب وضعها الصحي الصعب. وتشرح: «خالتي تعاني شللاً نصفياً، وتحتاج إلى رعاية طبية دائمة وأدوية كثيرة. وخوفاً من الحرب وانقطاع الأدوية في لبنان، لجأت إلى سوريا عبر سيارة أجرة، ومن هناك ستقرر وجهتها التالية».

السفر بحراً

للبنانيين الراغبين في السفر بحراً وجهتان أساسيتان: قبرص وتركيا. وعن هذه الرحلات، توضح البنا من شركة «نخال»: «الوجهة الأكثر رواجاً اليوم عبر البحر هي منطقة ميرسين في تركيا، حيث تحتاج الرحلة لنحو 18 ساعة. أما قبرص، التي يلجأ إليها الكثيرون أيضاً، فتحتاج لـ7 ساعات تقريباً فقط».

لبنانيون يفرون من القصف الإسرائيلي على متن قارب متجه إلى قبرص (رويترز)

وتشرح الخبيرة: «تتنوع الرحلات البحرية، وهناك في لبنان عدد من السفن التي تنقل الناس إلى وجهات بعيدة، فالقوارب الصغيرة التي يمكنها ضمّ نحو 10 أشخاص هي الأكثر تكلفةً - نحو 3 آلاف دولار على الشخص الواحد».

وتقول البنا: «نقطة التجمع الأساسية لهذه الرحلات هي مرفأ ضبية في بيروت، وعلى اللبنانيين المسافرين إلى قبرص الحصول على تأشيرة كالعادة، وهي تحتاج إلى نحو 8 أيام عمل، أو إبراز تأشيرة (شينغن) صالحة».

ولكن كحال النقل البري، هناك دائماً خيارات أقل تكلفةً، وهي البواخر الكبيرة التي تنطلق من ميناء طرابلس في شمال البلاد، ووجهتها الأساسية منطقة تاشوجو بالقرب من ميرسين في تركيا.

ويوضح أحمد الموظف في إحدى شركات السفر بلبنان والمشارك في تنظيم الرحلات هذه: «تبدأ الرحلة من مرفأ طرابلس في شمال لبنان، وتبلغ التكلفة 350 دولاراً للشخص الواحد، والآن لدينا نحو 3 رحلات أسبوعياً يمكنها نقل 400 مسافر في كل مرة. ولكن هناك خطط لرفع عدد الرحلات إلى 5 بسبب الضغط».

مجموعة من اللبنانيين يفرون من البلاد على متن قارب متجه إلى قبرص من ميناء ضبية (رويترز)

«طائرات خاصة»

تتحدث سارة البنا من شركة «نخال» عن حلول إضافية للخروج من لبنان، ولكنها لا تناسب إلا «الطبقة الثرية» على حد تعبيرها.

وتشرح: «هناك طائرات خاصة صغيرة توصلك من مطار بيروت الدولي إلى أنطاليا أو إسطنبول في تركيا، بشكل مريح وسريع».

وعن تكلفة هذه الرحلات، تقول: «الرحلة الجوية الخاصة (سعة 4 أشخاص) إلى إسطنبول، تبلغ تكلفتها نحو 28 ألفاً و500 دولار، أما الرحلة إلى مدينة أنطاليا فتُكَلف المسافرين نحو 18 ألف دولار».

وعن الإقبال على هذه الرحلات، تقول البنا: «الطلب ضعيف، ولكنه ليس منعدماً».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تستبق اتفاق واشنطن - طهران بمحاولة التقدم بجنوب لبنان

المشرق العربي إسرائيلية تنظر إلى الأراضي اللبنانية حيث يتصاعد الدخان جراء غارة استهدفت جنوب لبنان (رويترز)

إسرائيل تستبق اتفاق واشنطن - طهران بمحاولة التقدم بجنوب لبنان

دفعت الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف المدفعي، مئات العائدين إلى مدينة النبطية لمغادرتها، حيث كثفت القوات الإسرائيلية قصفها للمنطقة رغم دخول الهدنة حيز التنفيذ

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً من المطارنة الموارنة في الاغتراب (الرئاسة اللبنانية)

لبنان يتمسك بفصل مساره عن طهران بمواجهة محاولات إعادة الربط

يتعامل لبنان الرسمي بحذر مع تداعيات «إعلان واشنطن» في وقت تسعى فيه الدولة اللبنانية إلى تكريس فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي السفير السعودي الجديد لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري مسلماً وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي نسخة من أوراق اعتماده (سفارة المملكة العربية السعودية لدى لبنان)

السفير السعودي الجديد يسلّم أوراق اعتماده لوزير الخارجية اللبنانية

سلّم سفير المملكة العربية السعودية الجديد لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري، وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، نسخة من أوراق اعتماده.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رئاسة مجلس النواب)

مطالبة «حزب الله» بتغيير الحكومة اللبنانية أو استبدال وزراء تصطدم بمعارضة بري

يترقب اللبنانيون صدور مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية للتأكد مما يخص بلدهم في البنود الواردة فيها لحسم الجدل حول الاجتهادات التي يروّج لها هذا الفريق أو ذاك.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز) p-circle

عون: مسار التفاوض مع إسرائيل «مستقل» عن التفاهم الأميركي - الإيراني

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون اليوم على أن مسار التفاوض مع إسرائيل «مستقل» عن التفاهم الذي أعلنت طهران وواشنطن التوصل إليه لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

نعيم قاسم: سقف المفاوضات مع إسرائيل يجب أن يكون «الأمن المتبادَل»

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية - رويترز)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية - رويترز)
TT

نعيم قاسم: سقف المفاوضات مع إسرائيل يجب أن يكون «الأمن المتبادَل»

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية - رويترز)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية - رويترز)

عدّ الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الأربعاء، أن سقف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ينبغي أن يكون «الأمن المتبادَل»، مشدداً في الوقت نفسه على أن المطلب الأساسي للبنان يجب أن يكون استعادة سيادته.

وقال قاسم، في كلمة خلال افتتاح مجلس عاشورائي: «سقف المفاوضات مع العدو الإسرائيلي هو (الأمن المتبادَل). ليس هناك سقف آخر. وأي مشروع تحت سقف (نزع السلاح) لن يمر، فهو وصفة إسرائيل لتأخذ كل شيء وتُخرّب البلد».

وأضاف قاسم: «كل ما له علاقة بترتيب وضعنا الداخلي؛ سواء أكان موضوع السلاح، أم كان موضوع الاقتصاد، أم كان موضوع استراتيجية الأمن الوطني، أم الاستراتيجية الدفاعية... كله يجب أن يكون خارج المفاوضات بالكامل، هذا نُناقشه داخلياً. ولذلك؛ في أي تفاوض يجب أن يكون المطلب الأساس استعادة سيادة لبنان».


ترمب تحدث مع الشرع بشأن مواجهة «حزب الله»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
TT

ترمب تحدث مع الشرع بشأن مواجهة «حزب الله»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الأربعاء، إنه تحدث مع نظيره السوري أحمد الشرع حول محاربة جماعة «حزب الله» في لبنان، وذلك بعد يوم من انتقاده لإسرائيل لـ«قتلها عدداً كبيراً جداً من المدنيين وعدم إنجاز المهمة».

ورداً على سؤال وُجه إليه خلال قمة مجموعة السبع في «إيفيان-ليه-بان» بفرنسا عما إذا كان قد تحدث مع الشرع بشأن «حزب الله»، أومأ ترمب برأسه وقال «نعم». وعندما سُئل عما إذا كان الشرع مستعداً لمواجهة الجماعة المسلحة، قال ترمب إنه سيتحدث عن ذلك لاحقاً، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت هذه التصريحات بعد أن انتقد ترمب تكتيكات إسرائيل في محاربة «حزب الله»، بينما أشاد بالشرع، الذي تولى السلطة في سوريا عام 2025 بعد سنوات من الحرب الأهلية.

وقال ترمب للصحافيين، أمس الثلاثاء، على هامش القمة: «اعتبر أن (لبنان) يمثل حرباً صغيرة، وإيران حرباً كبيرة، لكن لدينا تلك المشكلة الصغيرة التي تطل برأسها باستمرار، وهي جماعة (حزب الله)».

وأبدى ترمب دعماً قوياً للشرع. وقال عنه: «قام بعمل مذهل في توحيد الصفوف. إنه ليس فتى كشافة، لكنه قام بعمل كبير في توحيد الصفوف، ولديه قدرة كبيرة على التعامل مع (حزب الله). إنه لا يحبهم».

كانت «رويترز» قد أفادت في مارس (آذار) بأن الولايات المتحدة شجعت سوريا على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح «حزب الله»، لكن دمشق كانت مترددة في الشروع في مثل هذه المهمة؛ خوفاً من الانجرار إلى الحرب في الشرق الأوسط وتأجيج التوتر الطائفي في سوريا ولبنان.

ووفقاً لتصريحات نشرتها وسائل إعلام حكومية سورية، نفى الشرع، يوم السبت، صحة ما تردد بشأن دخول سوريا إلى لبنان واصفاً ذلك بأنه ليس له أساس.

وعبّر ترمب في الأيام القليلة الماضية عن استيائه من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب الهجمات الإسرائيلية في بيروت التي قال إنها كان من الممكن أن تعرض الاتفاق الذي أبرمه مع إيران للخطر.

وأضاف أمس أن إسرائيل تُقاتل الجماعات المسلحة اللبنانية لفترة طويلة جداً وقتلت عدداً كبيراً جداً من المدنيين. وتابع: «ليس عليكم هدم مبنى سكني في كل مرة تبحثون فيها عن شخص ما. لأن هناك الكثير من الناس في تلك المباني السكنية، وليسوا جميعهم من (حزب الله)، وهذا ما أستطيع أن أؤكده لكم».

وأوضح: «اقترحت على إسرائيل أن تترك سوريا تتولى أمر (حزب الله)، لأنني، لأكون صريحاً معكم، أعتقد أنها تقوم بهذه المهمة بشكل أفضل».


«جبهة الضفة ساخنة»: مستوطنون يضرمون النار في مسجدين... واستعدادات لبناء مدرسة يهودية

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه ترفع أعلام إسرائيلية يوم الأربعاء (رويترز)
المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه ترفع أعلام إسرائيلية يوم الأربعاء (رويترز)
TT

«جبهة الضفة ساخنة»: مستوطنون يضرمون النار في مسجدين... واستعدادات لبناء مدرسة يهودية

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه ترفع أعلام إسرائيلية يوم الأربعاء (رويترز)
المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه ترفع أعلام إسرائيلية يوم الأربعاء (رويترز)

سخّنت إسرائيل جبهة الضفة الغربية على مستويات عدة، أمس، وفيما هاجم مستوطنون مناطق مختلفة وأضرموا النار في مسجدين في رام الله، صادق ما يسمى «المجلس الأعلى للتخطيط والبناء الاستيطاني» على إنشاء 576 وحدة سكنية جديدة في الضفة، وشمل ذلك الموافقة على بناء مبنى ضخم بمساحة 1000 متر مربع لصالح مدرسة «شفيه حبرون» الدينية اليهودية في البلدة القديمة في مدينة الخليل.

وهاجم المستوطنون على نحو واسع قرى فلسطينية في الضفة الغربية، في شمال الضفة ووسطها وجنوبها، وأشعلوا النيران في منازل وحقول وخربوا أراضي وجرارات زراعية وخطوط مياه في أكثر من منطقة، وطالت الهجمات «المسجد الكبير» في قرية جلجليا شمال رام الله، بعدما خط المستوطنون على جدرانه شعارات من بينها «انتقام» و«ليلة المساجد».

رجل يزيل الأنقاض من أمام مسجد في قرية جلجلية في رام الله بعد أن تعرض للتخريب والحرق على يد مستوطنين إسرائيليين (أسوشييتد برس)

وقالت مصادر أمنية فلسطينية إن مجموعة من المستوطنين تسللوا إلى بلدة جلجليا، وأشعلوا النيران في المسجد الكبير، ما أدى إلى اندلاع حريق وإلحاق أضرار مادية فيه، قبل أن يتصدى لهم أهالي البلدة، ثم اقتحمت قوات الاحتلال البلدة وأطلقت قنابل الغاز السام المسيل للدموع وقنابل الصوت.

ووصف إمام المسجد، محمد عبد الرحيم، في حديث مع موقع «واي نت» الإخباري الإسرائيلي. ما حدث بأنه «لحظات مرعبة وسريعة» وقال: «فجأةً رأينا حريقاً هائلاً داخل المسجد. أحضر المستوطنون مواد قابلة للاشتعال مثل الإطارات وغيرها، مما تسبب في اشتعال النيران بسرعة وكاد أن يدمر المسجد بالكامل. قد نضطر إلى إعادة بنائه». وتابع: «سمعنا انفجارات صغيرة، ظننا في البداية أنها حرب».

وتكرر الأمر نفسه لاحقاً في مزارع النوباني القريبة، التي اقتحمها مستوطنون، مستهدفين إحراق مسجد «الفاروق» ما أدى إلى أضرار مادية واضحة قبل أن تتم السيطرة على الحريق.

هجمات متكررة على المساجد

ويركز المستوطنون أكثر على المساجد في هجماتهم الأخيرة، وقبل أيام قليلة حاولوا إحراق مسجد في قرية برقا في رام الله، وفي قرى أخرى.

ويصعد المستوطنون في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وراحت هجماتهم تأخذ منحىً دموياً واضحاً، وقد نفذوا خلال الشهر الماضي وحده 551 اعتداءً شملت العنف الجسدي المباشر، وحرق البيوت والحقول واقتلاع الأشجار، والاستيلاء على الممتلكات. وحسب هيئة مقاومة الاستيطان، فقد قتل المستوطنون هذا العام فقط 17 فلسطينياً.

وقال الجيش الإسرائيلي، حسب هيئة البث الإسرائيلية، إن قواته وصلت إلى موقع الحادث (جلجليا) بعد أن فر المشتبه بهم من المكان. وأضاف الجيش أنه سيواصل التحقيق في الحادث. وقالت «كان» إن هذا الحادث يعد الثالث من نوعه خلال الأسبوع الأخير.

فلسطيني يتفقد الأضرار التي ألحقها مستوطنون إسرائيليون بمسجد في قرية جلجلية بالضفة الغربية شمال رام الله يوم الأربعاء (د.ب.أ)

ودانت السلطة تصعيد المستوطنين واستهداف الفلسطينيين وبيوتهم وحقولهم إلى جانب استهداف دور العبادة.

وقال قاضي قضاة فلسطين، مستشار الرئيس للشؤون الدينية، محمود الهباش، إن «جرائم إحراق المساجد تمثل إرهاباً منظماً وجريمة حرب مكتملة الأركان وفق أحكام القانون الدولي».

وحذر الهباش من خطورة تصاعد الاعتداءات على دور العبادة، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، واستمرار «محاولات إشعال حرب دينية في المنطقة»، مؤكداً أن تداعيات هذه السياسات ستكون خطيرة وغير قابلة للاحتواء، أو التنبؤ بنتائجها.

تغيير الوضع القائم في الأقصى

ويتعرض الأقصى منذ سنوات لحرب ممنهجة تهدف إلى تغيير الوضع القائم هناك، وقد تمكن وزراء المستوطنين في الحكومة وقادتهم مثل إيتمار بن غفير والسياسي اليميني موشيه فيجلين في فرض أمر واقع جديد هناك نجحوا من خلاله في تمكين مستوطنين من أداء الصلاة في المكان.

وصلى بن غفير وفيجلين وآخرون عدة مرات في الأقصى وهتفوا «المكان لنا»، في أكبر تغيير للوضع القائم في المسجد، وهو الترتيب السائد منذ عقود بالاتفاق بين إسرائيل والمملكة الأردنية، والذي يُسمح فيه لليهود وغيرهم من غير المسلمين بالتجول في الأقصى خلال ساعات معينة، شريطة أن يكون العدد محدداً، ودون أداء أي طقوس دينية أو صلوات.

الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يحمل علماً أمام المسجد الأقصى في القدس القديمة الخميس (رويترز)

واقتحم بن غفير الأقصى عدة مرات وصلى هناك علانية فيما صرح فيجلين بأنهم سيبنون في المكان هيكلاً جديداً.

ويخشى الفلسطينيون من أن ينجح «اليمين المتطرف» في تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً على غرار الحرم الإبراهيمي في الخليل.

مدرسة يهودية في الخليل

وبعد يوم واحد فقط من إعلان وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش ما سماه «إلغاء اتفاقيات الخليل» وسحبه لصلاحيات السلطة الفلسطينية من مواقع بينها الحرم الإبراهيمي، تمت الموافقة على مشروع بناء كبير لصالح مدرسة دينية يهودية في قلب المدينة وقرب الحرم.

فلسطينيون ينتظرون يوم الأربعاء عند حاجز إسرائيلي من أجل أداء الصلاة في المسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

ووافق «المجلس الأعلى للتخطيط»، الأربعاء، على إنشاء 576 وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية و456 وحدة سكنية في مستوطنة «مِتسبيه يريحو» القريبة من أريحا شرق الضفة الغربية، و120 في مستوطنة «كارني شومرون» قرب (قلقيلية)، إلى جانب الموافقة على بناء مبنى بمساحة 1000 متر مربع تابع لمدرسة «شافيه حبرون» الدينية في البلدة القديمة في الخليل.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الموافقة على بناء المدرسة الدينية تم دون الحاجة إلى موافقة البلدية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

وقال سموتريتش: «نحن مستمرون في بناء أرض إسرائيل قولاً وفعلاً، وتطبيق السيادة العملية على الاستيطان. إن جلب الآلاف إلى (متسبيه يريحو)، وإقامة مبنى جديد للمعهد الديني (شفيه حبرون) في مدينة الآباء، تحرك وطني يرسخ قبضتنا على الأرض، ويعزز أمن إسرائيل، ويضع حقائق واضحة تمنع إقامة دولة إرهاب عربية».

وكان سموتريتش قد أعلن الثلاثاء إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، وهي جزء من اتفاق أوسلو، قبل أن تقول السلطة الفلسطينية إن ذلك يهدد عملية السلام، ثم تعلن الخارجية الإسرائيلية، أن الاتفاقيات لم تلغَ وإنما تم اتخاذ قرار يتعلق تحديداً بصلاحيات التخطيط والبناء فيما يخص «المجتمع اليهودي» (المستوطنين) في الخليل و«المواقع التراثية» اليهودية هناك، على حد زعمها.