رحيل الشاعر السوداني محمد المكي إبراهيم في القاهرة

فضيلي جماع: برحيله انفصل الصندل عن الجمر

محمد المكي أحد مؤسسي «مدرسة الغابة والصحراء» (الشرق الأوسط)
محمد المكي أحد مؤسسي «مدرسة الغابة والصحراء» (الشرق الأوسط)
TT

رحيل الشاعر السوداني محمد المكي إبراهيم في القاهرة

محمد المكي أحد مؤسسي «مدرسة الغابة والصحراء» (الشرق الأوسط)
محمد المكي أحد مؤسسي «مدرسة الغابة والصحراء» (الشرق الأوسط)

تزايد نزف المبدعين السودانيين، برحيل الشاعر والدبلوماسي الموسوم بـ«شاعر الأكتوبريات» محمد المكي إبراهيم، في العاصمة المصرية القاهرة، إثر علّة لم تمهله، وأصيب محبو أشعاره وأغنياته بحزن عميق، وانفطرت القلوب حزناً على رحيله، وعلى مواراة جثمانه خارج التراب الذي أحبّ وتغنّى له بجميل الأغنيات، وكتب فيه أجمل الأشعار وأعذبها.

نعى الناعي، الأحد، أن شاعر «ديوان أمتي» وشاعر أول الثورات السودانية (ثورة أكتوبر 1964)، انتقل إلى رحاب رب رحيم، ودُفن في القاهرة التي اختارها مقراً لإقامته ليكون قريباً من التراب الذي أحبّ، علّ نزيف الدم والخراب يتوقف فيعود إلى ديار «الخلاسية»، وليغني من جديد للثورة السودانية التي تحتشد في أحشاء التراب، وتتحدى كل خراب وخرائب الحرب، لكن «الموت نَقّاد» اختاره قبل أن يعود ليُدفن في مدافن أجداده في مدينة الأبيض (غرب البلاد).

وهزّ رحيل «ود المكي» أو كما يحلو لمقربيه مناداته، الوجدان السوداني الذي أسهم في تشكيله، بقصائده وفكره، وعدّ رحيله امتداداً للنزيف الذي أصاب أعداداً كبيرة من مبدعي البلاد من شعراء وفنانين وكتاب ومفكرين، ربما انفطرت قلوبهم بسبب الحرب، وما خلفته من دمار في النفوس والمعاني، قبل أن تدمر البنيان.

لحق «ود المكي» بصديقه الشاعر «كمال الجزولي» الذي فُجع السودانيون أيضاً برحيله فجأة في القاهرة أيضاً، ليلحق الرجلان بالهرم الغنائي الراحل «محمد وردي» الذي غادر الدنيا قبلهما بسنين، ليتركوا السودان وحيداً تتناوشه البنادق وأحذية الجنود، والطبيعة المعاندة معاً.

ولد محمد المكي إبراهيم في مدينة الأبيض حاضرة ولاية شمال كردفان عام 1939 من أسرة متصوّفة، وهو ينتمي إلى سلالة زعيم المتصوفة «إسماعيل الولي»، درس في مدارس المدينة، قبل أن يدرس بالمدرسة الثانوية الشهيرة «خورطقت»، ثم يدخل جامعة الخرطوم ليدرس الحقوق، قبل أن يدرس الدبلوماسية واللغة الفرنسية في «السوربون».

عمل الشاعر دبلوماسياً في وزارة الخارجية السودانية منذ عام 1966، وترقّى في مدارج العمل الدبلوماسي ليصل لمرتبة سفير، عمل في عدد من المحطات منها: «براغ، ونيويورك، وجدة، وباكستان، وتشيكوسلوفاكيا، وزائير».

إحدى «أيقونات» الغناء الثوري في السودان (الشرق الأوسط)

وتُعد قصيدته «أكتوبر الأخضر» إحدى «أيقونات» الغناء الثوري في السوداني، كتبها عقب انتصار ثورة السودانيين الأولى، وإطاحة نظام حكم الديكتاتور الفريق إبراهيم عبود، تغنى بها «أيقونة» الغناء السوداني الراحل «محمد وردي»، وما تزال تلهب مشاعر الناس، يقول فيها: «اسمك الظافر ينمو في ضمير الشعب إيماناً وبشرى... وعلى الغابة والصحراء يلتف وشاحا... وبأيدينا توهجت ضياءً وسلاحا... فتسلحنا بأكتوبر لن نرجع شبرا... سندق الصخر حتى يخرج الصخر لنا زرعاً وخضرة... ونرود المجد حتى يحفظ الدهر لنا إسماً وذكرى... باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغنّي... والحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمنّي... والكنوز انفتحت في باطن الأرض تنادي... باسمك الشعبُ انتصر... حائط السجن انكسر... والقيود انسدلت جدلة عرس في الأيادي».

وظلت قصيدته «بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت» طَوال أكثر من قرابة نصف قرن، ديواناً للعشق والعاشقين، تكتبها الصبيّات خلسةً في دفاتر عشقهن، ويستلهم منها العشاق الطريق إلى الحبيبات تقول: «الله يا خلاسية... يا حانةٌ مفروشةٌ بالرمل... يا مكحولة العينين... يا مجدولة من شعر أغنية... يا وردة باللون مسقيّة... بعض الرحيق أنا... والبرتقالة أنت.. يا مملوءة الساقين أطفالاً خلاسيين... يا بعض زنجيّة... وبعض عربيّة.. وبعض أقوالي أمام الله».

رثاه صديقه وابن بيئته الشاعر فضيلي جماع، بقوله: «سيبقى شعر محمد المكي إبراهيم الناضح بالحكمة والجمال ما بقيت أمتنا»، وتابع: «أبت هذه السنة كبيسة الأحزان إلا أن تفجعنا في رحيل شاعر الأمة محمد المكي إبراهيم. وبرحيله تصدق مقولته في رثائه لأستاذه وصديقه محمد المهدي المجذوب: برحيله ينفصل الصندل عن الجمر».

وتساءل الصحافي المخضرم محمد راجي: «كيف ترتحل الآن، والمتاريس منصوبة والعدى حُضَّر؟»، وقال: «الشاعر السوداني الوحيد، الذي يتسق شعره تمام الاتساق مع شخصيته، هو محمد المكي إبراهيم»، وتابع: «هذا رأي قلته قبل سنوات طويلة، وأيّده، في حينها، وبقوةٍ بعضٌ من أساتذتي وأصدقائي».

الشاعر الراحل محمد المكي إبراهيم

ونعاه رئيس مجلس السيادة قائد الجيش الفريق الأول عبد الفتاح البرهان بتغريدة على منصة «إكس» بقصيدته: «من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصرْ... من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسيرْ... من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمة... جيل العطاءِ المستجيش ضراوة ومصادمة... المستميتِ على المبادئ مؤمنا... المشرئب إلى السماء لينتقي صدر السماءِ لشعبنا... جيلي أنا...».

ومحمد المكي إبراهيم هو آخر القناديل المضيئة من مؤسسي «مدرسة الغابة والصحراء»، وهي حركة شعرية ثقافية تأسست عام 1962، مع زملائه الشعراء الراحلين «النور عثمان أبكر، ومحمد عبد الحي، ويوسف عيدابي، وعبد الله شابو»، وما زالت تُعد من أبرز تيارات الحداثة الأدبية في السودان، وترمز للتمازج الثقافي العربي والأفريقي في السودان، ورمزت للعرب بالصحراء ولأفريقيا بالغابة، وكانت خطاباً عميقاً حول قضية «الهوية السودانية».

نُشرت لمحمد المكي دواوين: «أمتي» (1969)، «بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت» (1976)، «في خباء العارية» (1986)، «يختبئ البستان في الوردة» (1989)، إلى جانب مؤلفاته: «الفكر السوداني... أصوله وتطوره»، «بين نار الشعر ونار المجاذيب».

نال وسام الآداب والفنون 1977 من وزارة الثقافة والإعلام السودانية، واختير قبل أسبوع من رحيله من قبل لجنة المُحكَّمين بالاتحاد العالمي للشعراء لعام 2024 «شاعر السودان»، وهي لجنة مكوّنة من نقّاد أكاديميين كبار سودانيين وعرب، ويُمنح سنوياً لأحد الشعراء العرب.


مقالات ذات صلة

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

يوميات الشرق رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق تتيح البرامج الجديدة فصلاً جديداً في تطوير الدراسات الأكاديمية المتخصصة بالأزياء (واس)

معهد مارانجوني في الرياض يطلق برامج أكاديمية جديدة بمجال الأزياء

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، إطلاق برامج البكالوريوس والماجستير بمجال الأزياء في معهد مارانجوني بمدينة الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

خاص بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المعدات الجيدة لا تكفي لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
TT

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)

تفتح الفنانة المصرية دُنيا سمير غانم صفحة جديدة في مسيرتها باعتبارها مطربة عبر أحدث ألبوماتها «الدلال» الذي اختارت أن تطرحه في موسم الخريف لتغرد منفردة بعيداً عن الصيف الذي كان مزدحماً بألبومات النجوم.

وطرحت دُنيا أولى أغنيات الألبوم الثلاثاء بعنوان «الله يعيني» وكتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: انتظروا أغنيتي الجديدة «الله يعيني» من ألبوم «الدلال»، التي طرحتها على «يوتيوب» وجميع منصات الديجيتال.

وتُعد «الله يعيني» أغنية عاطفية تجمع بين العتاب واللوم وإحساس الخذلان الذي تواجهه امرأة من حبيبها فتتمنى أن يعينها الله على نسيانه.

الأغنية من كلمات الشاعر مصطفى ناصر وألحان عمرو مصطفى وتوزيع النابلسي، وتعد الأغنية اللقاء الثاني بين مصطفى ناصر وصوت دنيا سمير غانم بعد أن جمعتهما أغنية «أسيب نفسي وأغني» قبل 3 سنوات، والتي عادت بها دنيا للغناء بعد رحيل والديها، وقد أهدتها لهما.

دنيا سمير غانم تراهن على ألبومها الجديد (حسابها على فيسبوك)

وكشف ناصر كواليس أغنية «الله يعيني»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الأغنية بدأت عبر ثيمة لحنية وضعها الملحن عمرو مصطفى وأنه كتب كلماتها بمجرد أن استمع إلى اللحن»، مؤكداً أنه انتهى منها خلال نصف ساعة فقط، لافتاً إلى أن «كيمياء خاصة تجمعه بعمرو مصطفى، حيث قدما معاً أكثر من 45 أغنية، من بينها (أكتر وأكتر) لعمرو دياب، و(مشيتي) لمحمد حماقي، و(سيبوه يفكر في زمان) التي غناها عمرو مصطفى، و(كداب) لسميرة سعيد».

ولفت إلى أن دنيا تحمست بمجرد أن استمعت إليها من المُلحن وقررت أن تغنيها، ويرى مصطفى ناصر أن الأغنية تعبر عن حالة شخص تلقى كثيراً من الوعود الحالمة وصدقها ثم استيقظ ليجد نفسه أمام وعود زائفة، مشيراً إلى أن التوزيع الموسيقي الذي قام به «النابلسي» على إيقاعات المقسوم والإيقاعات الشرقية حقق الحالة الكاملة للأغنية كما لو كانت «رقصة على الأحزان».

ووصف ناصر دنيا سمير غانم بأنها «فنانة متعددة المواهب»، وقال إنها نجحت كونها مطربة، مثلما نجحت ممثلة، واصفاً صوتها بأنه من «أكثر الأصوات دفئاً وشجناً وإحساساً، فهو قادر على توصيل الحالة الغنائية للمتلقي بشكل صحيح»، لافتاً إلى أنها «كونها مطربة لم تغب عن الغناء بل تحرص في أغلب أعمالها الدرامية على الغناء»، مشيداً بذكاء اختيارها لهذا التوقيت لطرح ألبومها، لا سيما أن شهور الصيف كانت مليئة بالألبومات، وقد تلقى الجمهور جرعة دسمة منها، واختارت هي توقيتاً منفرداً، معولة على جمهورها وموهبتها واختياراتها»، حسبما يقول.

دنيا مع الملحن عمرو مصطفى (حسابها على إنستغرام)

وأصدرت دنيا سمير غانم الأغنية التي أطلقت شهرتها «مش قادرة أصدق» ضمن ألبوم «فري ماكس 4» عام 2005، وطرحت ألبوماً في 2013 ضم 9 أغنيات، وجمعت ببراعة بين الغناء والتمثيل لا سيما في أعمالها الاستعراضية، كما شاركت بالغناء مع الفنان أحمد مكي في أغنيتي «دور بنفسك» و«الحلم».

وعَدّ الناقد الموسيقي أحمد السماحي دنيا من «الأصوات الفطرية والسليمة في الأداء الغنائي والصادقة في كل ما تقدمه، سواء في أغنيات بها شقاوة أو دراما»، لافتاً إلى أن «أغنية (الله يعيني) أغنية درامية تراهن على تجربة للتعبير العاطفي القريب من الجمهور»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المُلحن عمرو مصطفى قد استفاد من مرونة صوت دنيا وقدرتها على المزج بين الإحساس والعفوية، كما بدت كلمات مصطفى ناصر فرصة لتقديم حالة وجدانية تلامس المستمع».

دنيا سمير غانم تعود للغناء مجدداً (حسابها على إنستغرام)

ورأى السماحي أن البطل في هذه الأغنية هو موزعها النابلسي، حيث جاء توزيعه متميزاً جداً وتمكن من توصيل الهوية الصوتية لدنيا سمير غانم مع أعمال المكساج والماستر لخالد سند، لافتاً إلى أن أغنية «الله يعيني» تلعب على ثيمة أغنية «حكايتي مع الزمان» التي كتبها الشاعر الكبير محمد حمزة، وغنتها الفنانة وردة في السبعينات.

وشدد السماحي على أنه في ظل صوت محبوب مثل دنيا وتوافر عناصر إنتاج مختلفة فإن الأغنية تتميز بـ«صدق الأداء» و«خصوصية اللحن» و«ابتكار التوزيع» لكنها ليست «أغنية عظيمة». على حد تعبيره.


عدسة اصطناعية مزودة بدواء لعلاج الغلوكوما

أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
TT

عدسة اصطناعية مزودة بدواء لعلاج الغلوكوما

أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)

أظهرت نتائج تجربة سريرية أن عدسة تُستخدم لعلاج المياه البيضاء (الكاتاركت) يمكن أن تساعد أيضاً في علاج المياه الزرقاء (الغلوكوما). وأفاد باحثون -خلال الاجتماع السنوي للأكاديمية الأميركية لطب العيون (AAO)، في مدينة نيو أورليانز الأميركية، في الفترة من 9 إلى 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2026- بأن هذه العدسات الاصطناعية تحتوي على أجزاء صغيرة مشبعة بعقار «بيماتوبروست» (bimatoprost) -وهو دواء شائع الاستخدام لعلاج المياه الزرقاء- حيث يتم إطلاقه بشكل تدريجي داخل العين.

ووجد الباحثون أنه بعد مرور عام، كانت مستويات ضغط العين لدى المرضى الذين حصلوا على تلك العدسات مماثلة لتلك المسجلة لدى المرضى الذين تلقوا عدسات قياسية لعلاج المياه البيضاء واستخدموا قطرات العين مرتين يومياً لعلاج المياه الزرقاء. وأضاف الباحثون أن أكثر من 95 في المائة من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة إلى أي أدوية أخرى لعلاج المياه الزرقاء بعد مرور عام.

وقال الدكتور جيفري كامر، الباحث وطبيب العيون في المركز الطبي بجامعة فاندربيلت في ناشفيل بالولايات المتحدة، في بيان، الثلاثاء: «تخيل أن تتمكن من علاج اثنين من أكثر أمراض العيون شيوعاً -المياه البيضاء والمياه الزرقاء- في إجراء واحد. ببساطة، لا يوجد شيء مماثل لهذا قيد التطوير حالياً».

وتتسبب المياه الزرقاء في فقدان البصر نتيجة لارتفاع ضغط السوائل داخل العين، مما يؤدي إلى تلف العصب البصري. ويُعد خفض هذا الضغط الوسيلة الوحيدة المثبتة طبياً لإبطاء تطور المرض، وعادةً ما يُوصف للمرضى استخدام قطرات العين يومياً كخطوة أولى للعلاج.

غير أن الالتزام باستخدام القطرات مرة أو مرتين يومياً يمثل تحدياً؛ إذ يشير الباحثون إلى أن «استخدام قطرات العين بشكل يومي منتظم قد يكون أمراً صعباً».

المياه البيضاء

في المقابل، يعاني كثير من كبار السن أيضاً من المياه البيضاء، وهي حالة تتضمن تعتيم عدسة العين الطبيعية. وقد أشار الباحثون إلى أن جراحة إزالة المياه البيضاء وزراعة عدسات بديلة أصبحت واحدة من أكثر العمليات الجراحية شيوعاً وموثوقية في العالم. وألهم هذا الأمر الباحثين فكرة: لماذا لا يتم تزويد العدسات الاصطناعية بأدوية علاج المياه الزرقاء؟

وقال كامر: «إن فكرة العدسة التي تطلق الدواء وتوفر علاجاً مستمراً بعد جراحة المياه البيضاء هي فكرة مقنعة للغاية».

وقام الباحثون بإشراك 106 أشخاص يعانون من المياه الزرقاء أو ارتفاع ضغط السوائل داخل العين، وكان من المقرر أن يخضعوا لجراحة المياه البيضاء، حيث تم توزيع 3 أرباع المرضى عشوائياً للحصول على العدسات التي صُممت لتوصيل جرعة إما منخفضة وإما عالية من عقار «بيماتوبروست». أما الربع المتبقي من المرضى فقد حصلوا على عدسة قياسية بديلة، تلاها استخدام قطرات «تيمولول» (دواء لعلاج المياه الزرقاء/الغلوكوما) مرتين يومياً.

وأظهرت النتائج أنه بعد مرور عام، انخفض ضغط العين إلى 15.9 ملم زئبقي لدى المجموعة التي تلقت جرعة أعلى، وإلى 14.8 ملم زئبقي لدى المجموعة التي تلقت جرعة أقل، وإلى 15.7 ملم زئبقي لدى المجموعة التي استخدمت العدسة القياسية وقطرات العين. وقال كامر: «لقد شعرت بالتفاؤل -أكثر من شعوري بالمفاجأة- إزاء تطابق النتائج المسجلة بعد 12 شهراً مع النتائج الأولية التي ظهرت في التجارب التي أُجريت على البشر. إن رصد نتائج مماثلة عبر هذه الدراسات يوفر دليلاً مطمئناً على أن التأثير العلاجي يتكرر بنجاح مع تقدم البرنامج».

وأشار الباحثون إلى أنه ستتم متابعة المرضى المشاركين في هذه التجربة لمدة 3 سنوات، كما تجري حالياً تجربتان سريريتان أوسع نطاقاً. وخلص كامر إلى أن «المتابعة طويلة الأمد مهمة لفهم مدى استمرارية السيطرة على ضغط العين وكذلك لتقييم السلامة»، مضيفاً: «إن علاج المياه الزرقاء يتجه نحو حلول قد تجعل إدارة المرض أكثر بساطة».


اكتشاف نوع جديد من الديناصورات في بريطانيا

تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)
تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)
TT

اكتشاف نوع جديد من الديناصورات في بريطانيا

تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)
تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)

اكتشف فريق بحثي بقيادة كلية لندن الجامعية (UCL) نوعاً جديداً من الديناصورات، استناداً إلى أحفورة عُثر عليها في جزيرة وايت الإنجليزية.

ووفق ورقتهم البحثية المنشورة في دورية «رويال سوسيتي أوبن ساينس»، الثلاثاء، ينتمي هذا الديناصور إلى مجموعة من الحيوانات آكلة اللحوم الرشيقة الحركة التي تسير على قدمين وتُعرف باسم «ميغارابتورات». ويوصف بأنه كائن مفترس ذو مخالب طويلة وبحجم نمر كبير، ويُعد أول نوع من هذه المجموعة يُكتشف في أوروبا.

كانت الأحفورة الخاصة بهذا الاكتشاف - وهي عبارة عن جزء من مؤخرة الجمجمة - قد حصل عليها متحف التاريخ الطبيعي في لندن عام 1924، لكنها ظلت مهملة ولم تخضع للدراسة حتى وقت قريب.

وقال البروفسور بول باريت، كبير الباحثين في الدراسة والمختص في متحف التاريخ الطبيعي البريطاني: «على الرغم من عمليات الجمع التي استمرت لأكثر من 200 عام، لا تزال جزيرة وايت تفاجئنا بأنواع جديدة من الديناصورات، علماً بأن العثور على ديناصورات آكلة للحوم، مثل (إنفيكتيبيلا تريكس) - كان أمراً نادراً وصعب المنال بشكل خاص».

الميغارابتورات الغامضة.

وتُعد «الميغارابتورات» أكثر الديناصورات الضخمة آكلة اللحوم غموضاً، نظراً لندرة العثور على أحافير لها. ويُعتقد أنها نشأت في آسيا، قبل أن تهاجر عبر أوروبا وتصبح من كبار المفترسات في الكتلة الأرضية الجنوبية المعروفة باسم «غوندوانا»، التي كانت تشمل أفريقيا وأميركا الجنوبية والقارة القطبية الجنوبية في العصر الحالي. غير أن هذه النظرية كانت تفتقر حتى الآن إلى أدلة أحفورية جوهرية، إذ لم يُعثر سابقاً على أي بقايا للميغارابتورات في أوروبا.

والميغارابتورات وثيقة الصلة بالديناصورات من فصيلة «التيرانوصورات» (بما في ذلك «التيرانوصور ريكس»)، لكنها تميزت برؤوس نحيلة، وكانت تهاجم فرائسها باستخدام أذرعها الكبيرة ومخالبها الضخمة المنحنية بدلاً من الاعتماد على فكوكها.

وفي حين أن بعض الأنواع نمت لتصل إلى أحجام هائلة - تماماً مثل التيرانوصورات - فإن هذا النوع الجديد يُعد واحداً من أصغر الأنواع المكتشفة في هذه المجموعة وأقدمها أيضاً؛ إذ عاش في المملكة المتحدة خلال العصر الطباشيري المبكر قبل نحو 120 مليون عام. وقد أُطلق عليه اسم إنفيكتيبيلاتريكس أمبارينا Invictibellatrix amberina ويعني اسم «المحارب الذى لا يُقهر»، وذلك تكريماً للدور الذي لعبته الميغارابتورات كحيوانات مفترسة تتربع على قمة الهرم الغذائي.

وقال تشارلي شيرر، وهو باحث مشارك في الدراسة وطالب دكتوراه في قسم علوم الأرض بجامعة كوليدج لندن الإنجليزية: «يُعد هذا النوع الجديد أول دليل لدينا على أن الميغارابتورات كانت موجودة أيضاً في أوروبا».

ولم توضح الدراسة سبب انقراض الميغارابتورات في الشمال على الأرجح، لكن ذلك قد يكون ناتجاً عن تغيرات مناخية أو بيئية، أو بسبب وجود حيوانات مفترسة منافسة مثل أنواع أخرى من «التيرانوصورات».

وقال الدكتور كاسيوس موريسون من قسم علوم الأرض في كلية لندن الجامعية، والباحث الرئيسي للدراسة: «بناءً على ما نعرفه عن أقرب أقربائه، كان طول (إنفيكتيبيلاتريكس) يتراوح بين ثلاثة وأربعة أمتار، وارتفاعه يزيد قليلاً على متر ونصف تقريباً. ومن المرجح أنه كان يمتلك ريشاً، وقد تراوحت أطوال مخالبه بين 10 و20 سنتيمتراً. وكان يتغذى على الديناصورات الصغيرة والسحالي والثدييات، شاغلاً بذلك دوراً في السلسلة الغذائية يشبه دور الضبع في وقتنا الحاضر».

وأضاف موريسون: «لم يكن هذا الديناصور هو المفترس الأقوى في عصره، لكن بالنسبة للبشر، كان هذا الديناصور سيشكل خطراً أكبر من التيرانوصور ريكس؛ فقد كنا سنمثل فريسة مثالية الحجم بالنسبة له، إذ تبلغ أوزاننا نحو ثلث وزن جسمه، وكان من المؤكد أنه سيطاردنا».