رحيل الشاعر السوداني محمد المكي إبراهيم في القاهرة

فضيلي جماع: برحيله انفصل الصندل عن الجمر

محمد المكي أحد مؤسسي «مدرسة الغابة والصحراء» (الشرق الأوسط)
محمد المكي أحد مؤسسي «مدرسة الغابة والصحراء» (الشرق الأوسط)
TT

رحيل الشاعر السوداني محمد المكي إبراهيم في القاهرة

محمد المكي أحد مؤسسي «مدرسة الغابة والصحراء» (الشرق الأوسط)
محمد المكي أحد مؤسسي «مدرسة الغابة والصحراء» (الشرق الأوسط)

تزايد نزف المبدعين السودانيين، برحيل الشاعر والدبلوماسي الموسوم بـ«شاعر الأكتوبريات» محمد المكي إبراهيم، في العاصمة المصرية القاهرة، إثر علّة لم تمهله، وأصيب محبو أشعاره وأغنياته بحزن عميق، وانفطرت القلوب حزناً على رحيله، وعلى مواراة جثمانه خارج التراب الذي أحبّ وتغنّى له بجميل الأغنيات، وكتب فيه أجمل الأشعار وأعذبها.

نعى الناعي، الأحد، أن شاعر «ديوان أمتي» وشاعر أول الثورات السودانية (ثورة أكتوبر 1964)، انتقل إلى رحاب رب رحيم، ودُفن في القاهرة التي اختارها مقراً لإقامته ليكون قريباً من التراب الذي أحبّ، علّ نزيف الدم والخراب يتوقف فيعود إلى ديار «الخلاسية»، وليغني من جديد للثورة السودانية التي تحتشد في أحشاء التراب، وتتحدى كل خراب وخرائب الحرب، لكن «الموت نَقّاد» اختاره قبل أن يعود ليُدفن في مدافن أجداده في مدينة الأبيض (غرب البلاد).

وهزّ رحيل «ود المكي» أو كما يحلو لمقربيه مناداته، الوجدان السوداني الذي أسهم في تشكيله، بقصائده وفكره، وعدّ رحيله امتداداً للنزيف الذي أصاب أعداداً كبيرة من مبدعي البلاد من شعراء وفنانين وكتاب ومفكرين، ربما انفطرت قلوبهم بسبب الحرب، وما خلفته من دمار في النفوس والمعاني، قبل أن تدمر البنيان.

لحق «ود المكي» بصديقه الشاعر «كمال الجزولي» الذي فُجع السودانيون أيضاً برحيله فجأة في القاهرة أيضاً، ليلحق الرجلان بالهرم الغنائي الراحل «محمد وردي» الذي غادر الدنيا قبلهما بسنين، ليتركوا السودان وحيداً تتناوشه البنادق وأحذية الجنود، والطبيعة المعاندة معاً.

ولد محمد المكي إبراهيم في مدينة الأبيض حاضرة ولاية شمال كردفان عام 1939 من أسرة متصوّفة، وهو ينتمي إلى سلالة زعيم المتصوفة «إسماعيل الولي»، درس في مدارس المدينة، قبل أن يدرس بالمدرسة الثانوية الشهيرة «خورطقت»، ثم يدخل جامعة الخرطوم ليدرس الحقوق، قبل أن يدرس الدبلوماسية واللغة الفرنسية في «السوربون».

عمل الشاعر دبلوماسياً في وزارة الخارجية السودانية منذ عام 1966، وترقّى في مدارج العمل الدبلوماسي ليصل لمرتبة سفير، عمل في عدد من المحطات منها: «براغ، ونيويورك، وجدة، وباكستان، وتشيكوسلوفاكيا، وزائير».

إحدى «أيقونات» الغناء الثوري في السودان (الشرق الأوسط)

وتُعد قصيدته «أكتوبر الأخضر» إحدى «أيقونات» الغناء الثوري في السوداني، كتبها عقب انتصار ثورة السودانيين الأولى، وإطاحة نظام حكم الديكتاتور الفريق إبراهيم عبود، تغنى بها «أيقونة» الغناء السوداني الراحل «محمد وردي»، وما تزال تلهب مشاعر الناس، يقول فيها: «اسمك الظافر ينمو في ضمير الشعب إيماناً وبشرى... وعلى الغابة والصحراء يلتف وشاحا... وبأيدينا توهجت ضياءً وسلاحا... فتسلحنا بأكتوبر لن نرجع شبرا... سندق الصخر حتى يخرج الصخر لنا زرعاً وخضرة... ونرود المجد حتى يحفظ الدهر لنا إسماً وذكرى... باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغنّي... والحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمنّي... والكنوز انفتحت في باطن الأرض تنادي... باسمك الشعبُ انتصر... حائط السجن انكسر... والقيود انسدلت جدلة عرس في الأيادي».

وظلت قصيدته «بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت» طَوال أكثر من قرابة نصف قرن، ديواناً للعشق والعاشقين، تكتبها الصبيّات خلسةً في دفاتر عشقهن، ويستلهم منها العشاق الطريق إلى الحبيبات تقول: «الله يا خلاسية... يا حانةٌ مفروشةٌ بالرمل... يا مكحولة العينين... يا مجدولة من شعر أغنية... يا وردة باللون مسقيّة... بعض الرحيق أنا... والبرتقالة أنت.. يا مملوءة الساقين أطفالاً خلاسيين... يا بعض زنجيّة... وبعض عربيّة.. وبعض أقوالي أمام الله».

رثاه صديقه وابن بيئته الشاعر فضيلي جماع، بقوله: «سيبقى شعر محمد المكي إبراهيم الناضح بالحكمة والجمال ما بقيت أمتنا»، وتابع: «أبت هذه السنة كبيسة الأحزان إلا أن تفجعنا في رحيل شاعر الأمة محمد المكي إبراهيم. وبرحيله تصدق مقولته في رثائه لأستاذه وصديقه محمد المهدي المجذوب: برحيله ينفصل الصندل عن الجمر».

وتساءل الصحافي المخضرم محمد راجي: «كيف ترتحل الآن، والمتاريس منصوبة والعدى حُضَّر؟»، وقال: «الشاعر السوداني الوحيد، الذي يتسق شعره تمام الاتساق مع شخصيته، هو محمد المكي إبراهيم»، وتابع: «هذا رأي قلته قبل سنوات طويلة، وأيّده، في حينها، وبقوةٍ بعضٌ من أساتذتي وأصدقائي».

الشاعر الراحل محمد المكي إبراهيم

ونعاه رئيس مجلس السيادة قائد الجيش الفريق الأول عبد الفتاح البرهان بتغريدة على منصة «إكس» بقصيدته: «من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصرْ... من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسيرْ... من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمة... جيل العطاءِ المستجيش ضراوة ومصادمة... المستميتِ على المبادئ مؤمنا... المشرئب إلى السماء لينتقي صدر السماءِ لشعبنا... جيلي أنا...».

ومحمد المكي إبراهيم هو آخر القناديل المضيئة من مؤسسي «مدرسة الغابة والصحراء»، وهي حركة شعرية ثقافية تأسست عام 1962، مع زملائه الشعراء الراحلين «النور عثمان أبكر، ومحمد عبد الحي، ويوسف عيدابي، وعبد الله شابو»، وما زالت تُعد من أبرز تيارات الحداثة الأدبية في السودان، وترمز للتمازج الثقافي العربي والأفريقي في السودان، ورمزت للعرب بالصحراء ولأفريقيا بالغابة، وكانت خطاباً عميقاً حول قضية «الهوية السودانية».

نُشرت لمحمد المكي دواوين: «أمتي» (1969)، «بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت» (1976)، «في خباء العارية» (1986)، «يختبئ البستان في الوردة» (1989)، إلى جانب مؤلفاته: «الفكر السوداني... أصوله وتطوره»، «بين نار الشعر ونار المجاذيب».

نال وسام الآداب والفنون 1977 من وزارة الثقافة والإعلام السودانية، واختير قبل أسبوع من رحيله من قبل لجنة المُحكَّمين بالاتحاد العالمي للشعراء لعام 2024 «شاعر السودان»، وهي لجنة مكوّنة من نقّاد أكاديميين كبار سودانيين وعرب، ويُمنح سنوياً لأحد الشعراء العرب.


مقالات ذات صلة

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

يوميات الشرق المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يطلق تأسيس «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته علمياً.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)

«الأزقة» تفتح دفاترها لكتابة ليالي رمضان بأسلوب جديد

في مكة المكرمة، لا تمر ليالي رمضان، كما تمر في المدن الأخرى، هنا تتشبث الأحياء بعاداتها، كما تتشبث الجذور بأرضها، فتستعيد الحارات ذاكرتها الجمعية كل عام.

سعيد الأبيض (جدة)
يوميات الشرق الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)

80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

محاولة تخيُّل عدد الفوانيس التي تُعلَّق في الصين في أيّ وقت، تُشبه إلى حد بعيد محاولة إحصاء عدد الأشجار في غابات الأمازون.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض...

«الشرق الأوسط» (باريس)

ليس الوجه وحده... المشي أيضاً يكشف عمّا نشعر به!

أحياناً... تمشي مشاعرنا أمامنا من دون أن ننتبه (شاترستوك)
أحياناً... تمشي مشاعرنا أمامنا من دون أن ننتبه (شاترستوك)
TT

ليس الوجه وحده... المشي أيضاً يكشف عمّا نشعر به!

أحياناً... تمشي مشاعرنا أمامنا من دون أن ننتبه (شاترستوك)
أحياناً... تمشي مشاعرنا أمامنا من دون أن ننتبه (شاترستوك)

ثمة اعتقاد بأنّ حركات الذراعين الكبيرة مرتبطة بالغضب، بينما ترتبط الحركات الصغيرة بالحزن. واكتشف علماء، في إطار دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «رويال سوسايتي أوبن ساينس»، أنّ طريقة تحريك الشخص ليديه وساقيه في أثناء المشي، تكشف عن دلائل تُنبّئ عن مشاعره.

عموماً، يعتمد البشر على مجموعة من الإشارات حول الآخرين «لقراءة» حالتهم العاطفية الداخلية، تتضمَّن تعابير دقيقة، مثل الحركة الطفيفة للحاجبين والعينين والفم، التي قد تشير إلى السعادة أو الغضب أو الخوف أو الحزن أو الاندهاش.

كما أنّ التغيرات الطفيفة في لغة الجسد، من وضعية مفتوحة إلى وضعية مغلقة، قد تكشف ما إذا كان الشخص يُظهر اهتماماً أو يشعر بالتوتّر. وتساعدنا هذه الإشارات في حياتنا اليومية على استنتاج مزاج الآخرين. ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف دلالة أنماط الحركة المحدّدة على مشاعر معيّنة.

الآن، خلُصَ باحثون إلى أنّ طريقة تأرجُح الذراعين والساقين مرتبطة بمشاعر محدّدة. وفي إطار الدراسة الجديدة، سعى العلماء إلى تحديد أنماط الحركة في أثناء المشي والتأثير فيها، وتحديد كيفية تأثيرها على التعرف إلى المشاعر.

ووجدوا أنّ الناس قادرون على استنباط مشاعر الآخرين من خلال فيديو مُلتقط بتقنية التقاط الحركة. في إحدى التجارب، قيَّم المشاركون مقاطع فيديو لأنماط حركة منسقة لممثلين مدربين، واستنتجوا حالتهم العاطفية.

وطلب الباحثون من الممثلين استحضار أحداث شخصية أثارت فيهم الغضب أو السعادة أو الخوف أو الحزن، قبل أن يمشوا مسافة قصيرة وهم يسترجعون تلك الذكريات. كما ارتدوا علامات عاكسة، ما مكَّن العلماء من إنشاء مقاطع فيديو باستخدام نقاط ضوئية.

في تجربة أخرى، جرى تغيير طريقة مشي الأشخاص، وفقاً لمشاعرهم، لمحاكاة حالات الغضب والحزن والخوف. ووجد العلماء أنّ أحكام المشاركين على المشاعر قد تغيَّرت بشكل ملحوظ في الاتجاه المتوقَّع. وبفضل الدراسة، تمكّن المشاركون من استنتاج مشاعر الممثلين بدقة تفوق مستوى المصادفة.

وأكد الباحثون أنّ حركات الذراع الأكبر حجماً ارتبطت بالغضب، في حين ارتبطت الحركات الأقل حجماً بالحزن. وتشير النتائج إلى أنّ أنماط حركة محدّدة يمكن أن تؤثّر بشكل مستقل في التعرُّف إلى المشاعر.

وكتب العلماء: «إلى حدّ ما، أدرك المراقبون المشاعر المقصودة للمشاة». وأضافوا: «يوفّر نهجنا إطاراً فاعلاً لعزل ومعالجة السمات الديناميكية داخل الحركات المعقَّدة، وبالتالي تعزيز فهم التقييمات العاطفية والجمالية والتقنية للحركة».


فنان ينحت العجائب برموشه

في هذا الصِغر تتّسع الحكاية (حساب الفنان في «فيسبوك»)
في هذا الصِغر تتّسع الحكاية (حساب الفنان في «فيسبوك»)
TT

فنان ينحت العجائب برموشه

في هذا الصِغر تتّسع الحكاية (حساب الفنان في «فيسبوك»)
في هذا الصِغر تتّسع الحكاية (حساب الفنان في «فيسبوك»)

ابتكر فنان مشهور بمنحوتاته المجهرية عملاً مصغَّراً لشخصية «تومي شيلبي»، من مسلسل «بيكي بلايندرز». وأمضى الدكتور ويلارد ويغان، الذي حَمَل سابقاً الرقم القياسي العالمي لأصغر منحوتة يدوية الصنع، أربعة أسابيع من العمل الدؤوب، مستعيناً برموشه على أنها فرشاة رسم لإكمال العمل الفنّي الذي يُظهر الشخصية وهي تمتطي حصاناً.

في أدقّ ما نملك... يكمن أوسع خيالنا (حساب الفنان في «فيسبوك»)

وقال الفنان، البالغ 68 عاماً، والمتحدّر من وولفرهامبتون، لـ«بي بي سي»: «لقد فعلتُ ذلك ليراه سكان غرب ميدلاندز. يعجبني أسلوب ملابس عصابة (بيكي بلايندرز) والغموض الذي يكتنفها».

وتُعرض المنحوتة إلى جانب 19 منحوتة مجهرية أخرى في «مركز كورنبو» في هيلز أوين، وتُخصَّص جميع عائدات المعرض لجمعية خيرية لإنقاذ الكلاب.

وأوضح الفنان أنّ فكرة المعرض جاءت بعد لقاء عفوي مع صديقته القديمة، لوسي أنتيل، التي أسَّست مع شقيقتها جمعية «مونارك موتس» لإنقاذ الكلاب في هيلز أوين، مُضيفاً: «منذ صغري، كنتُ مولعاً بالحيوانات، ويا للأسف، يتعرَّض بعضها لمعاملة سيئة».

وتتضمَّن المنحوتات الدقيقة المعروضة في المعرض أعمالاً فنية داخل ثقب إبرة، وعلى رأس دبوس، وأخرى داخل شعرة بشرية واحدة، جميعها شديدة الصغر لدرجة أنها لا تُرى إلا بالمجاهر.

من الرمش يولد فنّ يفوق التصوُّر (حساب الفنان في «فيسبوك»)

وصرَّح النحات، الذي نشأ في منطقة ويدنسفيلد: «درّبتُ جهازي العصبي، فأستطيع العمل بين نبضات قلبي، لديّ 1.5 ثانية للتحرُّك بين كلّ نبضة وأخرى، أستطيع إبطاء نبضات قلبي. وبمجرّد أن يتوقّف نبضي، تعلّمتُ النحت بين النبضات. إنه شيء تطوّرتُ فيه تدريجياً، وأستخدم رموشي فرشاةَ رسم».

وتابع: «كان أصغر عمل نحتته لشكسبير داخل شعرة. لم أستطع رسمه برمش، فاضطررتُ إلى رسمه بذرة غبار».

بعد تشخيص إصابته بالتوحّد في سنّ الخمسين، قال إنّ القراءة والكتابة لم تكونا سهلتين عليه، لكن التحدّيات التي واجهها قادته لاكتشاف موهبته الكامنة.

وأضاف الفنان، الحائز على وسام الإمبراطورية البريطانية عام 2007 لخدماته في مجال الفنّ: «يحاول الجسم تعويض نفسه بالإبداع، وهذا ما حدث معي. بدأتُ بالإبداع فحسب. كنتُ بارعاً في استخدام يديّ. كنتُ أنظر إلى شخص ما لثانية، ثم أنحت وجهه على عود أسنان».

رمش يُعيد تعريف المستحيل (حساب الفنان في «فيسبوك»)

من جهتها، قالت لوسي أنتيل من جمعية إنقاذ الكلاب الخيرية: «قد تُمكّننا هذه الأموال أخيراً من الحصول على مركبة مناسبة لنقل الكلاب في أنحاء البلاد».

وتابعت: «تتراوح فواتيرنا البيطرية بين 3 آلاف و5 آلاف جنيه إسترليني شهرياً. هذه تكاليف مستمرّة، وسيكون من الرائع حقاً أن نتمكّن من شراء أرض وبيوت للكلاب لإنشاء محميّة لها».

يُذكر أن معرض «عبر المجهر وفي عين الإبرة» انطلق السبت، ويستمرّ مدّة 4 أسابيع.


تيم حسن وسامر البرقاوي و«الصبّاح»: شراكة تتقدَّم المواسم الرمضانية

تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)
تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)
TT

تيم حسن وسامر البرقاوي و«الصبّاح»: شراكة تتقدَّم المواسم الرمضانية

تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)
تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)

في خريطة الدراما الرمضانية خلال السنوات الأخيرة، يبرز اسم تيم حسن إلى جانب المخرج سامر البرقاوي بصورة تكاد تكون تلقائية. ومع الوقت، اكتمل هذا الترابط بحضور شركة «الصبّاح إخوان» التي تولَّت إنتاج أهمّ أعمال جمعت الرجلين. هكذا تشكَّل مثلث مهني بات مألوفاً لدى الجمهور العربي، يقوم على ممثل يقود العمل بشخصية محورية، ومخرج يعرف كيف يصوغ حضوره داخل اللغة البصرية للمسلسل، ومنتج يُدير هذا التعاون على امتداد مواسم رمضان.

بدايات متأنية مهَّدت لمسار درامي امتدّ عبر سنوات طويلة (صفحة تيم حسن في «فيسبوك»)

تعود البدايات إلى منتصف العقد الماضي مع «تشيللو» عام 2015، ثم «نص يوم» في 2016. في تلك السنوات، كانت الدراما العربية تدخل مرحلة توسُّع في الأعمال المشتركة، مع سعي شركات الإنتاج إلى بناء مسلسلات تتجاوز حدود السوق المحلّية. ضمن هذا المناخ، التقت مصالح فنّية وإنتاجية. تيم حسن كان قد راكم حضوراً قوياً في الدراما السورية، مع قدرة على الانتقال بين الشخصيات المُركَّبة والشعبية. سامر البرقاوي جاء من تجربة إخراجية تميل إلى الإيقاع المُتماسك وبناء التصاعد الدرامي داخل المشهد. شركة «الصبّاح إخوان» كانت تتحرَّك بدورها ضمن استراتيجية إنتاجية تبحث عن نجم قادر على حَمْل عمل كامل والتوجُّه به إلى جمهور عربي واسع.

التحوّل الفعلي جاء مع «الهيبة» في 2017. في ذلك العمل تبلورت صيغة درامية مُكتملة المعالم تقوم على البطل المركزي الذي تدور حوله بقية الشخصيات والصراعات. شخصية «جبل شيخ الجبل» تحوَّلت بسرعة إلى علامة تلفزيونية معروفة، مُستندةً إلى حضور حاسم وعبارات قصيرة قابلة للتداول. إخراج البرقاوي لعب دوراً أساسياً في تثبيت هذه الصورة. اختار الاقتراب بالكاميرا من الشخصية والتحكُّم بإيقاع الحوار، ممّا عزَّز حضور تيم حسن داخل الصورة.

شراكة صنعت حضورها مع الوقت وتواصل كتابة فصولها كلّ موسم (فيسبوك)

مع النجاح الكبير للجزء الأول، تحوَّلت السلسلة إلى مشروع طويل امتدَّ عبر أجزاء، قبل أن تنتقل الثنائية إلى أعمال أخرى مثل «الزند: ذئب العاصي»، و«تاج»، و«تحت سابع أرض»، ثم «مولانا» في موسم رمضان الحالي. خلال هذا المسار، انتقل تيم حسن من موقع الممثل البارز ضمن جيل كامل إلى موقع الركيزة الموسمية الثابتة. حضوره بات جزءاً من توقّعات الموسم الرمضاني، ممّا منح هذه الشراكة وزناً إضافياً داخل السوق الدرامية.

هذا الحضور لم يتكوَّن بفعل النجم والمخرج فقط. خلف الكاميرا يعمل فريق تقني ارتبط بتجارب البرقاوي المتكرّرة، من مصوّرين ومصمّمي إضاءة ومهندسي صورة، أصبحوا يعرفون جيداً كيف يُقدّمون تيم حسن داخل الكادر. مع مرور الوقت، تكوَّنت خبرة مشتركة في التعامل مع ملامح الممثل وصورته على الشاشة، ممّا جعل الصورة تبدو أحياناً وكأنها تعرف طريقها مُسبقاً إلى الشخصية. هذه الخبرة الجماعية أسهمت في تثبيت شكل بصري لافت للأعمال التي تجمع هذا الفريق.

التعاون بين تيم حسن وسامر البرقاوي رسَّخ موقعه في ذاكرة المواسم الرمضانية (فيسبوك)

في المقابل، حافظ تيم حسن على علاقة إنتاجية ممتدّة مع شركة «الصبّاح إخوان». هذه العلاقة تقوم على فَهْم متبادَل لطبيعة المشاريع التي يُفضّلها الممثل، وقدرة الشركة على توفير الظروف الإنتاجية التي تتيح له تقديم أعماله ضمن مستوى تقني وتسويقي مرتفع. ومع تكرار التعاون، أصبح اسم تيم حسن جزءاً من استراتيجية الإنتاج لدى الشركة، كما أصبح وجود الشركة جزءاً من الإطار الذي يعمل ضمنه الممثل في مواسمه الرمضانية.

رهان «الصبّاح إخوان» على هذا الاسم جاء ضمن رؤية إنتاجية محسوبة. الشركة أدركت مبكراً أنّ النجم الذي يستطيع جذب جمهور واسع عبر أكثر من بلد عربي يُشكّل قاعدة صلبة لأي مشروع طويل. ومن هنا جرى الاستثمار في استمرارية هذا الخطّ الإنتاجي، مع المحافظة على فريق إخراج وتقنيات يعرف طبيعة العمل المُشترك بين تيم حسن وسامر البرقاوي.

سنوات من العمل المشترك جعلت هذه الثنائية جزءاً من المشهد الدرامي الرمضاني (فيسبوك)

كما أن استمرار أيّ صيغة درامية لسنوات يضعها أمام معادلة التجدُّد والحفاظ على نجاحها. الذائقة الجماهيرية تتبدَّل بسرعة، والسوق الرمضانية تزدحم كلّ عام بأعمال تحاول جذب الانتباه. هذا الواقع يضع الثنائية أمام امتحان دائم لقدرتها على تقديم ما يتجاوز الإطار الذي كرَّسته أعمالها السابقة. بعض المسلسلات حاولت تبديل البيئة الدرامية والانتقال إلى زمن مختلف كما حدث في «الزند»، بينما بقيت عناصر أخرى ثابتة إلى حدّ بعيد، ركيزتها البطل المحوري والصراع المكثَّف والجُمل القصيرة التي تنتقل بسرعة إلى الفضاء الرقمي.

واليوم، يبدو «مولانا» محاولة لدفع هذا المسار الطويل من التعاون نحو مساحة مختلفة. العمل الذي تصدَّر سريعاً المراتب الأولى في نسب المشاهدة تحوَّل إلى ظاهرة شعبية تُضاهي «الهيبة»، وإنما حضوره لا يُختزل في «الترند» أو الجُمل التي يتناقلها الجمهور. بين مزاح الشخصية واستخفافها الظاهري بما يدور حولها، تمرُّ إشارات أكثر عمقاً تُفكّك الوهم الذي يتمسَّك به بعض الناس، وتُحاكي قادة يُطلقون وعوداً يعرفون أنها فارغة، فيما يجدون دائماً مَن يُصدّقهم ويسير خلفهم.

في «مولانا» تختبئ الرسالة الأثقل بين السطور (بوستر المسلسل)

هذه الرسائل تسير بين السطور عبر سخرية خفيفة تبدو في ظاهرها لعباً لغوياً أو مزحة سريعة. وبينما يشتغل المسلسل على سطح قابل للانتشار على وسائل التواصل، يعمل في الوقت عينه على مستوى أعمق يحمل تأمّلاً قاسياً في قابلية الناس لتصديق الرواية الكاذبة، وفي هذا الأسلوب تحديداً تكمن قوة التأثير.

حتى عناصر مثل شارة البداية والنهاية بصوت منى واصف، تؤكد أنّ الصدى لا يرتبط دائماً باسم النجم الذي يؤدّي الأغنية. أحياناً تكفي الفكرة بنبرتها الصافية لتجد طريقها إلى الجمهور. في هذا التوازن بين الخبرة المُتراكمة والإصرار على التجديد، تستمرّ شراكة تيم حسن وسامر البرقاوي مدعومة بظلّ إنتاجي ثابت من «الصبّاح إخوان». نجاحها حتى الآن يعود إلى قدرة هذا المثلث على إدارة مشروعه بقدر كبير من الاحتراف وقراءة المزاج الجماهيري في توقيت دقيق، وهي معادلة ستبقى مُطالَبة بإثبات قدرتها على الذهاب أبعد في المواسم المقبلة.