قائد سرب اغتيال نصر الله يكشف بعض تفاصيل العملية

تقارير: «هشاشة» ردود إيران أغرت إسرائيل باغتيال زعيم «حزب الله»

الدخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية على جنوب لبنان 29 سبتمبر 2024 (رويترز)
الدخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية على جنوب لبنان 29 سبتمبر 2024 (رويترز)
TT

قائد سرب اغتيال نصر الله يكشف بعض تفاصيل العملية

الدخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية على جنوب لبنان 29 سبتمبر 2024 (رويترز)
الدخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية على جنوب لبنان 29 سبتمبر 2024 (رويترز)

مع مُضِيّ الساعات منذ الإعلان الرسمي عن اغتيال الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله، تكشف أوساط سياسية عن خبايا العملية على المستوى الحكومي والعسكري، التي من بينها أن صراعاً خفياً دار ما بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية في إسرائيل، كانوا فيه يسابقون الزمن، وكادوا يفوّتون فرصة تحقيق هذا «المكسب الحربي».

كما تحدّث قائد سرب الطيران الذي نفّذ الاغتيال، مع القناة 11 للتلفزيون، عن بعض تفاصيل العملية، وطبيعة مَن تم اختيارهم من طيارين لهذا الغرض، فضلاً عن طريقة تلقّيهم المعلومات بشأن الشخصية المستهدفة.

وحسب الطيار المذكور، فإن «الطيارين لم يعرفوا أنهم سيغتالون نصر الله، إلا قبل 4 ساعات من العملية. قبل ذلك كانوا يعرفون منذ مطلع الأسبوع انهم يستعدّون لعملية كبيرة، من دون إعطائهم التفصيل، وعندما عرفوا ارتفع الأدرينالين إلى أعلى درجة وتحمّسوا، وبدأ الشباب يطرحون أفكاراً إبداعية كيف يضلّلون (حزب الله) حتى لا يكتشف العملية، ونفّذوا فعلاً عدة عمليات تمويه لا أستطيع تفصيلها، فنجحت العملية 100 في المائة».

ثم أكّد الطيار أن طائرات مقاتلة أخرى اهتمت بمواصلة الغارات بعد الاغتيال، حتى لا يتاح لـ«حزب الله» الرد عليها.

وحسب مصدر آخر، تم تدمير بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات لدى «حزب الله»، وفق خطة مُعدّة سلفاً، مثلما فعلت الطائرات الإسرائيلية على الجبهتين السورية والمصرية في حرب 1967، وتمكّنت من شلّ حركتها، ولم تتمكن من إطلاق صاروخ واحد على الطائرات المُغيرة.

ويشرح قائد سرب الطيران أنه تم اختيار خليط من الطيارين، الشباب والكبار، أبناء 25 عاماً و50 عاماً، لهذا الغرض.

المستوى السياسي

اللافت كذلك في التقارير التي تحدثت عن ملابسات ما قبل اتخاذ القرار، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزراء اليمين في حكومته، الذين يُعَدّون الأعلى صوتاً في خطاب العربدة، تردّدوا كثيراً، وفقط بعد ضغوط شديدة مارسها وزير الدفاع، يوآف غالانت، والقيادة العسكرية والأمنية، رضخ نتنياهو، وأعطى المصادقة على العملية.

وجاء في تقارير عدةٍ عبرية وغربية، مصدرها جهات أمنية في تل أبيب، أن خطة اغتيال نصر الله كانت جاهزة في 11 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أي بعد 4 أيام من هجوم «حماس» على المواقع العسكرية والمدنية الإسرائيلية، في غلاف قطاع غزة، وهي خُطط قديمة جاهزة منذ سنة 2006، وتم تجديدها عدة مرات، لكن القيادة السياسية لجمتها، واكتفت يومها باغتيال عماد مغنية.

صورة عماد مغنية مرفوعة إلى جانب راجمات صواريخ لـ«حزب الله» خلال مناورة عسكرية بجنوب لبنان (أرشيفية)

وفي أكتوبر تم إخراجها لمعاقبة نصر الله على مبادرته لما عُرف باسم «معركة الإسناد» لغزة و«حماس»، ضمن خطة «وحدة الساحات» التي كان يطمح بتنفيذها قائد «حماس»، يحيى السنوار، بيد أن القيادة السياسية الإسرائيلية، وبتدخل من الإدارة الأميركية منعت تنفيذها، وفي حينه انضم الجنرالان بيني غانتس وغادي آيزنكوت، قائدا حزب «المعسكر الرسمي» إلى الحكومة؛ لإظهار تعاضد المجتمع الإسرائيلي، والوقوف وراء الجيش في هذه الحرب التي فُرضت على إسرائيل، وكان أحد شروطهما، المدعوم من واشنطن، هو التفرغ لجبهة غزة، والامتناع عن توسيع نطاق الحرب.

الهشاشة والثمن

ومع كل خطاب جديد لنصر الله، كان رئيس أركان الجيش هيرتسي هاليفي، يُظهر هذا الملف ويطرحه على الطاولة، وكان يحظى بدعم فائق من رئيس «الموساد»، دافيد برنياع، الذي يؤكد أن إسرائيل تعرف أين يقبع نصر الله، وتتابع خطاه بدرجة عالية من المعلومات الاستخبارية.

ولكن السؤال الذي كان يُطرح حول الثمن الذي ستدفعه إسرائيل على عملية اغتيال كهذه، كان يؤخر المصادقة على العملية، فقد توقعوا رد فعل جنونياً من «حزب الله»، وربما من إيران مباشرة.

وقد تغيّر هذا التوجه، مع مُضِيّ الوقت وظهور مَواطن ضعف مفاجئة في إيران، ومنها هشاشة ردّها على اغتيال محمد زاهدي بدمشق في أبريل (نيسان)، والامتناع عن الرد على اغتيال القائد السابق لـ«حماس» إسماعيل هنية في قلب طهران، وفي «حزب الله» نفسه (حيث لم يردّ على الاغتيالات الكبيرة بصواريخ الدرجة الأولى التي يمتلكها).

ركام القنصلية الإيرانية بدمشق حيث قُتل زاهدي ورفاقه بغارة إسرائيلية في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وإضافةً إلى ذلك فقد وقع «حزب الله» في كمائن عدة، فاشترى أجهزة البيجر واللاسلكي من ضباط مخابرات إسرائيلية، فانفجرت في وجوه مئات من عناصره، وتم تفجير قادة الحزب لدى اجتماعهم في الضاحية، وتم تدمير عديد من وسائله الدفاعية والهجومية.

هذه الضربات عُدَّت في إسرائيل مكاسب حربية كبيرة ومفاجئة، فانفتحت شهية الجنرالات، وأغرتهم بالمزيد منها.

وفي يوم الاثنين الماضي، عندما وصلت المعلومة الذهبية، عن اعتزام نصر الله المشاركة في اجتماع للقيادة سويةً مع المسؤول الإيراني من «فيلق القدس»، عباس نيلفروشان، قرّروا طرح الخطة للتنفيذ.

تردّد نتنياهو

وتشير التقارير إلى أن الجيش اصطدم بتردّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فقد طرح أسئلة كثيرة، وامتنع عن المصادقة الفورية، ولأن عملية اغتيال كبيرة كهذه يمكنها أن تدهور الأوضاع إلى حرب، قرّر نتنياهو دعوة المجلس الأمني – السياسي المُصغّر في الحكومة (كابينيت)، وأطلع الوزراء على الخطة وتبعاتها، في يوم الأربعاء الماضي، وجرى نقاش حول سفر نتنياهو إلى الولايات المتحدة لإلقاء خطاب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما إذا كان تصرّف كهذا ملائماً، فأكّدت المخابرات أن سفر نتنياهو سيكون غطاءً جيداً للعملية، وكان تقديرهم أنهم في «حزب الله» يتوقعون ألا تُقدِم إسرائيل على اغتيال كهذا بينما نتنياهو في الخارج، لذلك سافر.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الجمعة الماضي (إ.ب.أ)

بعد ساعات قليلة وأمام ضغط غالانت والجيش، عقد نتنياهو اجتماعاً للكابينيت عبر الهاتف يوم الخميس الماضي، وهنا فوجئ الجميع بأن الوزراء المتطرفين، بتسليل سموتريتش، ويريف لفين، ودافيد عمسالم، تحفّظوا على الاغتيال ولم يؤيدوه، وأعربوا عن خشيتهم أن يتسبّب في رد إيراني خطير على العملية، لكن قادة المخابرات قالوا إن احتمالات تدخّل إيران مباشرةً في عملية كهذه ضعيفة جداً، وتقرّر تخويل نتنياهو وغالانت بالمصادقة على تنفيذ الاغتيال.

ولكن نتنياهو امتنع عن المصادقة طيلةَ الخميس، وراح غالانت وقادة الأجهزة الأمنية يتذمّرون، وأخبروه بأن نصر الله سيصل إلى مقر القيادة في كل لحظة، وينبغي القيام بما يلزم من الآن، حيث إن العملية تحتاج إلى ترتيبات مسبقة، وحاول غالانت الضغط على نتنياهو في عدة اتصالات هاتفية الخميس، لكنه امتنع عن الموافقة.

وحسب القناة، ففي الساعة العاشرة صباحاً من يوم الجمعة، أجرى نتنياهو وغالانت مشاورات مع رئيس هيئة الأركان بالجيش الإسرائيلي، وأخبراه بأنهما يسابقان الزمن، وأن المماطلة في إعطاء أمر قد يُجهض العملية، ويُضيّع فرصة تاريخية لن يسامحه الناس عليها، وفقط خلالها وافق نتنياهو.


مقالات ذات صلة

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

المشرق العربي أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

قال الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، الأربعاء، إن حزبه لا يعنيه من يحكم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مبانٍ دمّرها القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت وبدا عَلم لـ«حزب الله» 6 مايو الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

القضاء اللبناني يحدّد 7 متورطين في متفجرات «حزب الله»

اقترب القضاء اللبناني من ختم التحقيق الأولي في ملف متفجرات ضهر البيدر التابعة لـ«حزب الله»؛ تمهيداً للادعاء على المشتبه بتورطهم في القضية.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)

لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

يعيد خبر أمني أو تهديد محتمل اللبنانيين، خلال دقائق، إلى نقطة الصفر؛ ترتفع وتيرة الاتصالات، وتُفتح مجموعات العائلة على تطبيقات المراسلة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي مُناصِرة لـ«حزب الله» ترفع شعار: «لن نترك السلاح» في الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامّين الأسبق حسن نصر الله والسابق هاشم صفي الدين (أرشيفية - إ.ب.أ)

ماذا طبّق لبنان من قرار حظر الجناح العسكري لـ«حزب الله»؟

يعيد توقيف شحنة المتفجرات في منطقة ضهر البيدر في شرق لبنان أخيراً، النقاش حول قرار الحكومة اللبنانية الشهير بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله».

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي صورة ملتقطة من بلدة زوطر الغربية تُظهر جنوداً إسرائيليين ودبابة خلال عملية لهم في البلدة... جنوب لبنان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

عمليات نسف وتفجير وإحراق منازل ينفّذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

نفّذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف وأحرقت منازل في جنوب لبنان، بالتزامن مع قصف مدفعي طال بلدات عدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية السورية، الأربعاء، استدعاء السفير الأردني في دمشق للاحتجاج على غارات جنوب البلاد، الثلاثاء، أوقعت 7 قتلى بينهم أطفال، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشنّ سلاح الجو الأردني، الثلاثاء، غارات على جنوب سوريا، قالت عمّان إنها أوقعت أكثر من 20 قتيلاً من عناصر تنظيم «داعش»، ردّاً على إطلاق نار في كنيسة بالكرك جنوب الأردن، أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 25 آخرين، وفق السلطات الأردنية.

وأكّدت السلطات الأردنية أن مهاجمي الكنيسة الثلاثة، وهم أردنيون، كانوا مرتبطين بتنظيمات متمركزة في الجنوب السوري؛ حيث شنّت غاراتها.

وأعلنت «الخارجية السورية»، مساء الأربعاء، استدعاء السفير الأردني وتسليمه «مذكرة احتجاج على خلفية القصف الأردني الذي طال مواقع مدنية في محافظة درعا».

وجاء ذلك بعد ساعات من إعادة سوريا فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن، إثر إغلاقه بُعيد الضربات الأردنية التي طالت، وفق الدفاع المدني السوري، قرية في محافظة السويداء و3 قرى في محافظة درعا، موقعة 7 قتلى بينهم امرأة و3 أطفال، وفق دمشق.

وشكّلت الضربات التي أثارت غضباً واسعاً في سوريا واحدة من كبرى الأزمات في العلاقات بين البلدين منذ وصول السلطات السورية الجديدة إلى الحكم إثر إطاحة بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعدما تبادلا الزيارات الرسمية مراراً.

وفي محاولة للتهدئة، أجرى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ليل الثلاثاء اتصالاً بنظيره السوري أسعد الشيباني أكد فيه، وفق بيان مشترك، «احترام الأردن الكامل لسيادة سوريا ووحدة أراضيها وأمنها»، وأعرب خلاله عن «بالغ الأسف والألم على سقوط ضحايا من المدنيين الأبرياء».

وكانت دمشق قد ندّدت بالغارات الأردنية وعدّتها «انتهاكاً واختراقاً غير مقبول للأجواء السورية دون أي تنسيق مسبق».

وأكّدت أن «هذا التصرّف الميداني أمر مرفوض جملة وتفصيلاً... لكونه يمثل خرقاً صريحاً لمبادئ حسن الجوار والسيادة الوطنية السورية». إلا أن الأردن أكّد الثلاثاء أنه نسّق الضربات مع دمشق.

وقال وزير الاتصال الحكومي والناطق باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، الثلاثاء، إن عمليات القصف «استهدفت مواقع لتنظيم (داعش)، بعد أن نفد صبر الأردن إزاء تحركات هذه التنظيمات الإرهابية واستهدافها الأمن الوطني».

وخلال الاتصال الهاتفي، اتفق الصفدي والشيباني، وفق البيان المشترك، على «تشكيل لجنة أمنية مشتركة للوقوف على جميع تفاصيل وحقائق العمليات الأخيرة ومتابعة تداعياتها، وتطوير آليات التنسيق الميداني والاستخباري للتعامل مع التهديدات الإرهابية».

وسبق أن شنّ الأردن غارات على جنوب سوريا استهدفت شبكات لتهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب مشاركته في غارات ضمن «التحالف الدولي» الذي قادته الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق.


بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
TT

بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)

تشير المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو بناء شراكة استراتيجية، تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة. وقالت مصادر في دمشق إن زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، إلى دمشق، الأربعاء، شكلت «منعطفاً جوهرياً»، في إطار العلاقات بين البلدين على المدى المنظور، وعلى المدى البعيد، وفي حال تحققت الأهداف التي بنيت عليها الزيارة.

وتكمن أهمية الزيارة كونها الأولى لرئيس حكومة اتحادية في العراق إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وأتت تتويجاً «لتحسن تدريجي في العلاقات السياسية والتنسيق الأمني بين الطرفين، عكسته سلسلة زيارات متبادلة على مستوى وزراء الخارجية ومسؤولي أجهزة الاستخبارات»، بحسب الباحث في «مركز جسور للدراسات» عبد الوهاب عاصي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التقارب ترافق مع الاتفاق على تشكيل لجنة عليا للتنسيق المشترك في يونيو (حزيران) الماضي، وتطوير التعاون الميداني في مكافحة الإرهاب والتهريب عبر الحدود، فضلاً عن التعاون في ملف سجناء «تنظيم داعش»، ونجاح تجربة نقل الفيول العراقي بالصهاريج إلى بانياس لتصديره.

لقاء الشرع - الزيدي بحضور وزراء الخارجية والعدل والطاقة والمالية السوريين ومن الجانب العراقي نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الاقتصاد ووزراء الخارجية والمالية والنفط والعدل وعدد من المسؤولين

تمنح زيارة الزيدي، ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع، دعماً سياسياً على مستوى رئاسة البلدين لمسارات تعاون، اختبر الطرفان جدواها عملياً، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بما يعكس تنامي قدرة المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة على بناء الثقة وتوسيع العلاقة بين بغداد ودمشق. وفق الباحث عاصي.

وتجمع البلدين؛ سوريا والعراق، قواسم مشتركة، كما يتناقضان في قضايا متباعدة، وفق رئيس «مركز دراسات النهضة» بدمشق عبد الحميد توفيق، الذي وصف زيارة الزيدي بـ«المنعطف الجوهري». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه من القواسم المشتركة إمكانية تصنيف البلدين «بؤرتي توتر في الإقليم والمنطقة، وأيضاً نقطتي استقطاب للقوى الإقليمية والدولية». ويمكن للتوتر في المنطقة أن يؤجل كثيراً تواصلهما، كما قد يؤجل كثيراً تناقضهما. لكن هناك قوى إقليمية وقوى دولية ذات مصلحة في عودة العلاقات بين البلدين الجارين إلى حالة من الاستقرار والهدوء، بما يخدم مصالح الجميع، سواء قوى إقليمية (تركيا) أو قوى دولية (خاصة الولايات المتحدة الأميركية) التي تلوّح بالخروج من المنطقة على الصعيدين الأمني والعسكري لاحقاً.

عمال يملأون شاحنات صهريجية عراقية بالبنزين في محطة بانياس النفطية بمحافظة طرطوس السورية (د.ب.أ)

في السياق، أفادت مصادر قريبة من الحكومة في دمشق، لـ«الشرق الأوسط»، بمناقشة زيارة الوفد العراقي عدداً من الملفات الحيوية، في دمشق، في مقدمتها ملف النفط والطاقة، وتأمين منافذ بديلة لتصدير النفط العراقي عبر البحر الأبيض المتوسط في سوريا، وتوقيع مذكرات تفاهم لإعادة تأهيل خط أنابيب «حديثة - بانياس» الاستراتيجي. ومن المتوقع تنفيذ المشروع مع شركات إقليمية ودولية كبرى، أبرزها شركة «شيفرون» الأميركية.

كما جرى بحث العلاقات التجارية، في ظل ما تشهده الحدود السورية ـ العراقية من تنامٍ سريع في حركة النقل، مع عبور أكثر من 140 ألف شاحنة (بين استيراد وتصدير وترانزيت) من العراق إلى سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية.

يذكر أن سوريا والعراق تشتركان بحدود تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، يعدّ ضبطها الركيزة الأساسية للاستقرار الجيوسياسي الإقليمي. وتناولت المباحثات سبل تحقيق بيئة آمنة للمشاريع الاستثمارية الواعدة. إضافة إلى بحث ملف الأمن المائي والزراعي والمساحات الزراعية المشتركة التي تُقدّر بنحو 80 إلى 100 مليون دونم.

زار رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي الجامع الأموي في دمشق ورافقه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)

وتسعى الحكومتان؛ السورية والعراقية، إلى تطوير مسارات ربط لوجستي ممتدة من ميناء الفاو العراقي وصولاً إلى ميناء طرطوس السوري، في خطوة تهدف إلى ربط أسواق الخليج العربي بالأسواق الغربية عبر الأراضي السورية.

ورغم أهمية التطورات الإيجابية المتسارعة في العلاقات الاقتصادية السورية ـ العراقية، فإنها تتركز على الشق التجاري، بحسب ما قالته مصادر اقتصادية في دمشق، لـ«الشرق الأوسط»، رأت في ذلك تقارباً أو تعاوناً فرضته التوترات الإقليمية وأزمة مضيق هرمز، في حين يجب على بلدين جارين بتاريخهما وجغرافيتهما المشتركة أن يدعما هذا التعاون والتنسيق بتكامل اقتصادي، يشمل القطاعات الإنتاجية، في إطار التنمية المستدامة التي يحتاجها البلدان. وأشارت المصادر إلى أن التحديات السياسية الإقليمية والدولية كانت تاريخياً عائقاً أمام تطوير بناء تكامل الاقتصادي مستدام بين البلدين.

الرئيس أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في مطار دمشق الأربعاء في أول زيارة يقوم بها إلى دمشق (الرئاسة السورية)

الباحث عبد الحميد توفيق تحدث عن وجود «منغصات كثيرة قد تعترض إنجاز العلاقات بين الجانبين، كما هو مأمول أو بوقت مبكر، منها ما يتصل بالعراق، وهو إيران ذات المصلحة بعدم استقرار العلاقات السورية ـ العراقية، ومحاولتها إبقاء أذرعها في البلد (عاملة فاعلة) حتى تحقق أهدافها، في ظل ما تتعرض له من حصار واحتمالات حرب تلوح مؤشراتها في المنطقة. أما المنغصات المتصلة بالجانب السوري فهو إسرائيل التي تسعى دائماً إلى خلق حالة توتر وعدم استقرار في سوريا على كل المستويات».

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (أ.ف.ب)

ويمكن للجانب الاقتصادي أن يشكل حاضنة أساسية ورافعة لتطوير العلاقات السياسية بين البلدين، بحسب الباحث عبد الحميد توفيق، وأيضاً للجانب الأمني «لاشتراك البلدين بتحديات أمنية كثيرة، وامتلاكهما القدرة على الفعل معاً»، لافتاً إلى أن «تنظيم داعش» يشكل تهديداً للبلدين، مشيراً هنا إلى وجود عناصر من «تنظيم داعش» مسجونين في العراق وفي سوريا، ما يعدّ «معضلة كبيرة، في ظل رفض بعض الدول الأوروبية الموافقة على استعادتهم. ما يبقيهم قنبلة موقوتة في البلدين».

وخلال الزيارة، كان ملف المعتقلين السوريين في العراق، ويتجاوز عددهم 3 آلاف معتقل، في مقدمة الملفات المطروحة على طاولة المباحثات، إذ طلب الجانب السوري تصنيفهم قانونياً تمهيداً لإعادتهم إلى بلادهم. وطرح الجانب العراقي استئناف الحج الديني إلى المقامات الشيعية وتأمين سلامة الزوار.

وبحسب المعطيات، تظهر دمشق وبغداد جدية في تغليب دبلوماسية المصالح المشتركة وصياغة منظومة أمنية واقتصادية كفيلة بضمان الاستقرار في العلاقات. ويقول الباحث عبد الحميد توفيق إن «الآفاق واعدة، طالما أن الإرادة السياسية متوفرة»، وطالما هناك «قوى إقليمية عربية ودولية لها مصلحة في استقرار العلاقات بين البلدين مستقبلاً».


قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
TT

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

قال الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الأربعاء، إن حزبه لا يعنيه مَن يحكم إسرائيل، مؤكداً في الوقت نفسه أنه سيواصل مواجهة «العدوان»، وذلك غداة انتخابات محتدمة في الدولة العبرية لم تسفر عن فائز واضح، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتقدّم معسكر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد فرز أكثر من 85 في المائة من الأصوات، بفارق طفيف، لكنه ظل دون الأغلبية في انتخابات الثلاثاء، وهي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي دفع إسرائيل إلى شن حرب على قطاع غزة، بالإضافة إلى خوضها حربين مع «حزب الله» في لبنان في عامَي 2024 و2026 وكذلك مع إيران.

وقبل أسبوع من انعقاد الانتخابات، توعّد نتنياهو بأن إسرائيل لن تتردد في ضرب أعدائها «في اللحظة التي يصبح فيها ذلك ضرورياً».

وقال قاسم في بيان: «لا يعنينا مَن يحكم الكيان الإسرائيلي الغاصب. لكن فليعلم أنَّه لن يتمكن من الاستمرار في احتلاله، وعليه أن يخرج من أرضنا».

وأكّد قاسم كذلك أن «المقاومة مستمرة... وستواجه العدوان عليها وعلى لبنان، ولا محلَّ للنقاش حول سحب سلاحها ما دام الاحتلال موجوداً وعدوانه مستمراً».

وإثر حرب مدمرة خاضها «حزب الله» وإسرائيل لأكثر من عام وانتهت بوقف لإطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أقرّت الحكومة اللبنانية خطة لنزع سلاح الحزب، نصّت على حصر السلاح بيد القوى الشرعية، وكلّفت الجيش بتنفيذها.

لكن «حزب الله»، الذي يرفض نزع سلاحه، انخرط مجدداً في المواجهة بشنه مطلع مارس (آذار) هجمات على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، ما أعاد لبنان إلى الحرب.

وردّت إسرائيل بقصف مكثف على لبنان، واحتلال قسم من أراضيه، ما أسفر عن مقتل أكثر من 4300 شخص، وفق السلطات.

وكانت حدة الأعمال العدائية في لبنان قد تراجعت منذ أواخر يونيو (حزيران) بفضل مذكرة تفاهم إيرانية - أميركية، واتفاق إطار أبرم بين حكومتي لبنان وإسرائيل في يونيو (حزيران) 2026.

مع ذلك، تواصل إسرائيل شنّ ضربات، قائلة إنها تستهدف بنى تحتية لـ«حزب الله» في الجنوب اللبناني. ولم يعلن الحزب مسؤوليته عن أي هجمات منذ إبرام اتفاق الإطار.