«خرافة» شركات التكنولوجيا «وحيدات القرن» تصطدم بالواقع

انفجار فقاعة الشركات الناشئة التي تم تقييمها بمليار دولار وأكثر

«خرافة» شركات التكنولوجيا «وحيدات القرن» تصطدم بالواقع
TT

«خرافة» شركات التكنولوجيا «وحيدات القرن» تصطدم بالواقع

«خرافة» شركات التكنولوجيا «وحيدات القرن» تصطدم بالواقع

تميزت الطفرة في قطاع التكنولوجيا على مدار الأعوام القليلة الماضية بصعود ما يسمى بشركات اليونيكورن - في إشارة إلى المخلوقات الخرافية «وحيدات القرن» - وهي الشركات الناشئة التي بلغت قيمتها مليار دولار أو أكثر. وقبل أن يكتسب المصطلح هذا الانتشار، كانت شركة «ليفينغ سوشيال» من كبرى «وحيدات القرن» في وقتها. والآن تمثل نموذجًا وعبرة لما قد تبدو عليه بعض وحيدات القرن الحالية في قادم الأعوام إذا خرجت الأمور عن مسارها الصحيح.
وقبل 4 أعوام فقط، كانت «ليفينغ سوشيال» ومنافستها الأكبر «غروبون» قد حققتا نموًا سريعًا بفضل فكرة بسيطة مفادها الربط بين الزبائن والمتاجر والأعمال المحلية عبر عروض مخفضة يومية تصل إلى صناديق بريد المستخدمين، مثل خصم 50 في المائة على مأكولات جاهزة أو رسالة ترويجية عن الحصول على قطعتين عند شراء قطعة واحدة من منتج ما. وتقتطع «ليفينغ سوشيال» وغروبون نسبة على كل صفقة.
واعتبر أصحاب رؤوس الأموال المغامرة أن تلك العروض اليومية ستكون سبيل الإنترنت لغزو الأنشطة التجارية المحلية، وبحلول أواخر عام 2011، كانت «ليفينغ سوشيال» قد جمعت أكثر من 800 مليون دولار ووصل تقييمها إلى 4.5 مليار دولار، حسبما تفيد البيانات الصادرة عن شركة في سي إكسبرتس. وعدت الشركة أمازون وصندوق الاستثمار العملاق تي روي برايس من بين مستثمريها. وأنفقت «ليفينغ سوشيال»بسخاء وأطلقت حملات إعلانية تلفزيونية ضخمة. وفي ظل موجة الزخم التي تعيشها، فكرت الشركة في طرح أسهمها في البورصة.
اليوم أصبحت «ليفينغ سوشيال» جثة وحيدة (يونيكوربس) أكثر منها وحيدة القرن. ولم تتقدم الشركة قط بطلب لطرح عام أولي كما خبا حماس المستهلكين للعروض اليومية. أما صندوق «تي روي برايس» فقد خفف حصته في «ليفينغ سوشيال» إلى صفر تقريبًا، حسبما تظهر بيانات «مورنينغستار». وانكمشت القوة العاملة في الشركة لتصل إلى نحو 800 موظف بعدما كانت تضم 4500 موظف في أوج مجدها عام 2011. (غروبون، التي أدرجت نفسها بالفعل في البورصة، تتداول أسمهما بأسعار تقل أكثر من 85 في المائة عن سعر الطرح العام الأولي).
وتصارع «ليفينغ سوشيال» الآن لكي تنعش أعمالها عبر التركيز على «خبرات جديدة»، مثل برنامج كوبونات مجانية، الذي يعيد الأموال لبطاقات العملاء الائتمانية عندما يتناولون الطعام في مطاعم معينة. وتعاني الشركة من أجل الإبقاء على موظفيها. كما أنها باعت تقريبًا جميع الشركات الأجنبية التي اشترتها وأغلقت المقار التي افتتحتها أيام ازدهارها.
ويقول جيم برامسون وهو مستشار قانوني عام في «ليفينغ سوشيال» عمل مع الشركة على مدار 5 أعوام ونصف العام، إنه «من الصعب تغيير شركة كبيرة الحجم بين ليلة وضحاها».
وربما ينضم قريبًا إلى «ليفينغ سوشيال» رفقاء جدد. وتوجد الآن أكثر من 142 شركة وحيدة القرن تقدر قيمتها مجتمعة بنحو 500 مليار دولار، بحسب شركة الأبحاث «سي بي إنسايتس». وبدأت التصدعات تظهر على بعض من تلك الشركات الناشئة ذات القيم المرتفعة.
كانت عدة صناديق استثمارية خفضت مؤخرًا قيم شركة تبادل الرسائل «سنابشات» وخدمة التخزين على الإنترنت دروببوكس. وأفادت «زينيفتس»، وهي شركة ناشئة تعمل في مجال الموارد البشرية، إنها لم تحقق أهدافها لقطاع المبيعات مما يبطئ من وتيرة تعييناتها. وسعرت شركة سكوير للمدفوعات يوم الأربعاء الماضي طرحها العام الأولي بقيمة 2.9 مليار دولار، بعدما قيمها مستثمرون خاصون بـ6 مليارات دولار. وحذر أصحاب رؤوس أموال مغامرة في سليكون فالي، من أمثال بيل غيرلي من بنشمارك ومايكل موريتز من سكويا، من أن هزة كبيرة ستطال شركات اليونيكورن.
فينكي غانيسان هو مستثمر مغامر في مينلو فينشرز، وضخ أموالاً في شركة طلب السيارات الأجرة «أوبر» وشركات يونيكورن أخرى. ويقول إنه كما أن تقييم «ليفينغ سوشيال» رفع التوقعات إلى مستويات لم تستطع الشركة الوصول إليها، فإن «وحيدات القرن اليوم ستواجه ذات المشاكل».
وتأسست «ليفينغ سوشيال» عام 2007 من قبل 4 أصدقاء هم آرون باتاليون وتيم أوشوغنيسي، وإيدي فريدريك، وفال أليكسينكو، الذين كانوا يعملون سوية في شركة ناشئة للرعاية الصحية تدعى «ريفوليوشن هيلث غروب». الطبعة الأولى من ليفينغ سوشيال، كانت تسمى هانغري ماشين، وأنتجت تطبيقات ارتبطت بفيسبوك، بما في ذلك تطبيقات لاستطلاع الآراء وطريقة لتبادل الكتب المفضلة مع الأصدقاء. وبمرور الوقت، أصبحت «هانغري ماشين» شركة ترسل إلى زبائنها رسائل إلكترونية يومية تحمل عروضًا من الشركات والمتاجر. وكان تيم أوشوغنيسي رئيس مجلس إدارة الشركة.
وهرع المستهلكون للاستفادة من عروض «ليفينغ سوشيال» اليومية. وبعد نحو عام من دخولها هذا النشاط، قالت الشركة إنها تمتلك 10 ملايين مشترك منتشرين عبر أنحاء الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. وبعد شهور قليلة، أعلنت أنها تمكنت من رفع عدد مشتركيها بما يزيد عن الضعف. ودخلت السوق الآسيوية في وقت لاحق من ذلك العام. وضمت قائمة المستثمرين في الشركة ريفوليوشن فينشرز ولايت سبيد فينشر بارتنرز وأمازون وجي بي مورغان تشايز، ليبلغ إجمالي رأس المال الذي جمعته «سوشيال كابيتال» أكثر من 919 مليون دولار.
وعلى مدار السنوات التالية، استحوذت «ليفينغ سوشيال» على العملاء بأسرع ما يمكن في مسعى لضمان صدارة غير قابلة للمنافسة في مجال العروض اليومية. وأنفقت الشركة النقود على الإعلانات التلفزيونية لزيادة الوعي بعلامتها التجارية. وبهدف تعزيز توسعها، استحوذت «ليفينغ سوشيال» على شركات ناشئة في إسبانيا ونيوزيلندا وأسواق أخرى لا تعرف عنها الكثير. وقدمت الشركة عروضًا ترويجية في فئات جديدة مثل السفر وتوصيل الوجبات. وشهدت طفرة في التوظيف.
لكن رغم إنفاقها الإعلاني الضخم، لم تكن أنشطتها الأساسية ناجعة. وتكشف البيانات المالية الأخيرة التي أصدرتها «أمازون» أنه في عام 2011، حققت «ليفينغ سوشيال» إيرادات بقيمة 238 مليون دولار - لكنها خسرت 499 مليون دولار.
أما «غروبون»، التي لم تحقق الأرباح أيضًا، فقد أدرجت أسهمها في البورصة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، وعلى الفور واجهت شكوك المستثمرين حول استدامتها. وكانت الشكوك معدية وسرعان ما انتقلت إلى «ليفينغ سوشيال» وأجهضت فرصها في طرح أسهمها في البورصة. وحاولت الشركة الناشئة أن تجمع 400 مليون دولار في أواخر 2011، لكنها لم تتمكن من جمع سوى 176 مليون دولار، بحسب بيانات لجنة الأوراق المالية والبورصة.
ويقول مستثمرو «ليفينغ سوشيال» إنه يسهل الآن تبين أن استراتيجية النمو بأي تكلفة خلقت دورة هبوطية من الإفراط في التوظيف والتوسع. ولم يلتفت أحد كثيرًا إلى الكيفية التي ستجني بها الشركة المال في نهاية المطاف.
وتدار «ليفينغ سوشيال» الآن من قبل رئيس مجلس إدارة جديد هو غوتام تاكار، الذي انضم إلى الشركة في أغسطس (آب) 2014 بعد نحو عقد من الزمان قضاه في إي باي. ويقول السيد تاكار إن خطة الشركة المقبلة سوف تقلص من اعتمادها على العروض وتركز بالأحرى على مبادرة جديدة لاستعادة المال.
ويمنح مشروع تجريبي يدعى «ريستورانتس بلاس»، الزبائن تخفيضات عبر استرداد النقود على بطاقاتهم الائتمانية - دون حاجة إلى كوبونات مطبوعة - عندما يتناولون الطعام في مطاعم معينة. وتأخذ «ليفينغ سوشيال» حصة من كل معاملة.
ويقول السيد تاكار إن «جمهورنا الأساسي من النساء الثريات المتعلمات - من اللائي تتراوح أعمارهن بين 25 إلى 40 عامًا. ما يمكننا عمله هو مساعدة هؤلاء النسوة على التمتع بعطلة نهاية أسبوع طيبة».
وداخل «ليفينغ سوشيال»، كانت الشكوك تساور موظفي الشركة إزاء تحول استراتيجيتها، حسبما أفاد 3 موظفين تركوها هذا العام. وقال نحو 12 موظفًا سابقًا ومستثمرون حاليون إن الإجراءات الاستراتيجية الخاطئة من قبل الشركة أثرت بالسلب على الروح المعنوية. مشاعر السخط فاقمها عجز الموظفين الأوائل - الذين أغرتهم حزم الأسهم السخية - عن بيع أسهمهم في «ليفينغ سوشيال».
النتيجة أن الشركة عاجزة عن الاحتفاظ بموظفيها، لا سيما أن «ليفينغ سوشيال» تنافس شركات يونيكورن أخرى لاستمالة المهندسين. ولم تعد الشركة قادرة على عرض رواتب ضخمة وحزم أسهم مغرية لاجتذاب المواهب.
ويقول السيد تاكار: «تعيين التقنيين ليس بأسهل مهمة في العالم.. فنحن لسنا غوغل».
كما دخلت «ليفينغ سوشيال» أيضًا في طور التقشف بجولة من الاستغناءات في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي علاوة على تصفية للاستثمارات في وحدات كاملة. كما أغلقت الشركة مقار في عدة مدن، من بينها نيويورك وسياتل. وباعت الخريف الماضي تيكيت مونستير، ومقرها في كوريا الجنوبية. وفي فبراير (شباط) الماضي، باعت الشركة «ليتس بونس»، وهي شركة ناشئة مقرها إسبانيا كانت قد استحوذت عليها في 2011، وبعد شهرين، تخلصت «ليفينغ سوشيال» من أعمالها في أستراليا ونيوزيلندا.
ويجد المستثمرون والمؤسسون والكثير من الموظفين أنفسهم عالقين مع أسهمهم، في ضوء أن الطرح العام الأولي أو البيع يبدوان بعيدي المنال. وعندما سئل السيد تاكار عن هذا المسار قال إن التقييمات جميعها «نظرية». وأضاف: «التقييمات هي واحدة من تلك الأشياء التي تخضع لنظرة المتلقي».

* خدمة «نيويورك تايمز»



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».