إليك كل ما تحتاج لمعرفته عن الاقتصاد الصيني راهناً

رجل يزور متجراً للسلع الهندية في سوق ييوو بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
رجل يزور متجراً للسلع الهندية في سوق ييوو بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

إليك كل ما تحتاج لمعرفته عن الاقتصاد الصيني راهناً

رجل يزور متجراً للسلع الهندية في سوق ييوو بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
رجل يزور متجراً للسلع الهندية في سوق ييوو بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

لقد كان شهراً قاتماً بالنسبة للاقتصاد الصيني؛ فقد كشفت مجموعة من البيانات الأخيرة عن تباطؤ ثاني أكبر اقتصاد في العالم بشكل أسرع من المتوقَّع، مما دفع المحللين إلى التنبؤ بأنه لن يتمكن من تحقيق هدف النمو المتواضع نسبياً البالغ 5 في المائة هذا العام.

لقد تباطأ نمو الناتج الصناعي ومبيعات التجزئة، في حين هبطت سوق الأوراق المالية والاستثمار في العقارات بشكل حادّ. وارتفعت معدَّلات البطالة، ويظل الانكماش قضية ملحَّة، وفقاً لتقرير صحيفة «واشنطن بوست». ومع ذلك، لا يزال المسؤولون الصينيون مترددين في اتخاذ إجراءات لتنشيط الاقتصاد من خلال حزم التحفيز الضخمة التي استخدمت بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، والتي يقول كثير من خبراء الاقتصاد إنها ضرورية مرة أخرى لوقف التباطؤ.

وبدلاً من ذلك، تواصل الحكومة الصينية مضاعفة استراتيجيتها للاستثمار في التصنيع المتقدم والنمو القائم على التصدير، حتى مع تقويض التوترات التجارية المتصاعدة مع الولايات المتحدة وأوروبا لقدرتها على بيع بعض صادراتها الأكثر قيمة في الخارج.

فيما يلي أبرز المعلومات حول الوضع الحالي للاقتصاد الصيني:

1- لماذا يواجه الاقتصاد الصيني مشكلة؟

لقد كافحت الصين للتعافي من 3 سنوات عقابية من سياسات «صفر كوفيد»، خلال الوباء، التي أعطت الأولوية للصحة والأمن على النمو. توقع خبراء الاقتصاد أن الطلب المكبوت الذي تم إطلاقه عندما انتهت هذه السياسات رسمياً قبل ما يقرب من عامين سيضخ زخماً جديداً في الاقتصاد الصيني، إلا أن هذا لم يحدث. وبدلاً من ذلك، ظل النمو باهتاً - مع تحرك معظم المؤشرات في الاتجاه الخاطئ.

موظفون يعملون في مصنع بلاستيك بييوو في مقاطعة تشجيانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

وتظهر الأرقام الأخيرة تباطؤ الزخم الاقتصادي في جميع المجالات في أغسطس (آب). كما نمت مبيعات التجزئة بمعدل أبطأ مما كانت عليه في يوليو (تموز)، وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء، حيث ادخرت الأسر الصينية بدلاً من إنفاقها.

كان هذا في جزء كبير منه لأن سوق العمل لا تزال تعاني من الكساد. وارتفع معدل البطالة في المناطق الحضرية إلى 5.3 في المائة، الشهر الماضي، وهو أعلى معدل في ستة أشهر.

كما أن الحصول على وظيفة يشكل تحدياً خاصاً للشباب؛ فبعد أن بلغ معدل البطالة بين الشباب مستويات قياسية، العام الماضي، توقف المسؤولون الصينيون مؤقتاً عن إصدار الإحصاءات، وتوصلوا إلى مقياس جديد أكثر ملاءمة. ولكن حتى المقياس الجديد يبدو الآن قاتماً؛ ففي يوليو، بلغ معدل البطالة بين الشباب في المناطق الحضرية 17 في المائة.

2- ما الدور الذي يلعبه سوق العقارات في كل هذا؟

يُعدّ الانهيار في قطاع العقارات، الذي كان حتى وقت قريب يشكل ربع الاقتصاد تقريباً، وكان محركاً رئيسياً لثروة الطبقة المتوسطة، في قلب الصعوبات الاقتصادية بالصين. فبعد أن حدّت الحكومة من قدرة مطوِّري العقارات على اقتراض الأموال في عام 2020. أدت سلسلة من حالات التخلُّف عن السداد من جانب المطوِّرين إلى اندلاع أزمة متموجة عبر اقتصاد الصين. ومنذ يناير (كانون الثاني)، انخفض الاستثمار في العقارات بأكثر من 10 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. وأدى انخفاض أسعار العقارات إلى استنزاف مدخرات الأسرة وتقييد قدرة الحكومات المحلية على جمع الأموال من خلال مبيعات الأراضي، أحد مصادر إيراداتها الرئيسية.

امرأة تسير بجوار مجمع سكني تابع لمجموعة «إيفرغراند» يسمى «قصر إيفرغراند» في بكين (أ.ف.ب)

وقال فيكتور شيه، مدير مركز الصين للقرن الحادي والعشرين بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، لـ«واشنطن بوست»، إن انخفاض استثمار الحكومة المحلية والاستثمار العقاري يشكل ضربة مزدوجة للاقتصاد. وأضاف: «من الصعب استبدال هذين المحركين المتوقفين للنمو».

وتعكس الأسواق الصينية هذه المخاوف؛ فقد انخفض مؤشر الأسهم الصينية القياسي على مدى الأشهر الخمسة الماضية، بنحو 14 في المائة منذ أعلى مستوى له في مايو (أيار). وقال لوغان رايت، مدير أبحاث أسواق الصين في «مجموعة روديوم للأبحاث»: «منذ إعادة فتح الصين بعد الوباء، كانت هناك نوبات مؤقتة من التفاؤل، ولكن بشكل عام، لم تكن هناك قصة أو سرد واضح جعل المستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب، أكثر اهتماماً بنشر المزيد من رأس المال في السوق».

ولكن من الواضح أن الديموغرافيا لا تساعد التوقعات الاقتصادية للصين في الأمد البعيد؛ ففي مواجهة الشيخوخة السكانية وانخفاض معدلات المواليد، أعلنت الحكومة الصينية، الأسبوع الماضي، أنها سترفع سن التقاعد 3 سنوات (إلى 63 عاماً) للرجال، و5 سنوات (إلى 55 عاماً) للنساء، في الوظائف اليدوية، في محاولة لتعزيز قوة العمل المتقلصة.

لقد أصبحت قدرة الصين على تحقيق هدف النمو هذا العام (بنحو 5 في المائة) موضع شك الآن. ففي خطاب ألقاه يوم الخميس الماضي، حث الزعيم الصيني شي جينبينغ المسؤولين على «السعي إلى استكمال أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية السنوية». ولكن بعض البنوك الغربية بعيدة كل البعد عن الاقتناع؛ فقد خفَّض كل من «غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» توقعاتهما للنمو الاقتصادي الصيني هذا العام إلى 4.7 في المائة، في حين تتوقع «مورغان ستانلي» 4.6 في المائة فقط.

3- ماذا عن القطاع الخاص؟

على مدى العقد الماضي، قامت الحكومة الصينية بتحويل بيئة الأعمال بشكل أساسي في الدولة الأكثر سكاناً في العالم. بعد توليه السلطة في عام 2013، أطلق شي حملة شاملة لمكافحة الفساد. ورغم أن الجهود كانت تركز بشكل أساسي على المسؤولين الفاسدين في البداية، فإنها توسَّعت منذ ذلك الحين إلى القطاع الخاص، مع تحرُّك الحكومة لاحتجاز المصرفيين الخارقين والتحقيق مع المليارديرات، مثل شو جياين، مؤسس شركة العقارات المتعثرة «إيفرغراند». وفي عام 2020، ألغت الهيئات التنظيمية الطرح العام الأولي لشركة التكنولوجيا المالية العملاقة «أنت غروب» التابعة لجاك ما، لتبدأ حملة صارمة استمرت لسنوات على صناعة التكنولوجيا الصينية المزدهرة ذات يوم، التي تعتبرها الحكومة احتكارية.

عميلة تفتح باب فرع بنك مينشنغ الصيني في بكين (رويترز)

يقول تشين تشي وو، أستاذ التمويل في جامعة هونغ كونغ، إن هجوم الحكومة على القطاع الخاص هو السبب الجذري للمشاكل الاقتصادية التي تعاني منها الصين. ويضيف: «هناك اعتقاد عميق بأن أصحاب الأعمال الخاصة والشركات الخاصة يتنافسون على السلطة والنفوذ في المجتمع الصيني الأوسع مع الحزب الشيوعي الصيني».

ولم يقتصر الضرر على الشركات الصينية؛ فوفقاً لتقرير أصدرته غرفة التجارة الأميركية في شنغهاي، الأسبوع الماضي، أدى تباطؤ الاقتصاد وبيئة الأعمال المقيدة إلى انخفاض أرباح الشركات الأميركية العاملة في الصين إلى مستويات قياسية في عام 2023، كما أدى ذلك إلى انخفاض التفاؤل بشأن السوق الصينية؛ إذ شعر أقل من نصف المشاركين في الاستطلاع بالتفاؤل بشأن آفاق الأعمال في الصين على مدى السنوات الخمس المقبلة، في حين خفّض عدد قياسي من الشركات استثماراتها في الصين، العام الماضي، وسط خطط لنقل الاستثمارات إلى جنوب شرقي آسيا والهند.

4- هل ستدعم الحكومة الصينية الاقتصاد؟

لم تكن الحكومة الصينية مستعدة بعد لتطبيق سياسات تحفيزية قوية لتعزيز الطلب الاستهلاكي، على الرغم من الدعوات المتزايدة إلى اتخاذ تدابير، مثل تعزيز أنظمة الرعاية الاجتماعية، أو استقرار سوق العقارات، أو تقديم مدفوعات نقدية للأسر المتعثرة لتشجيعها على الخروج والإنفاق.

«هناك إجماع متزايد بين خبراء الاقتصاد، بمن فيهم أنا، على ضرورة صرف مدفوعات نقدية للناس، وهو ما لا أعتقد أنه سيحدث»، كما قال تشو نينغ، أستاذ التمويل في جامعة شنغهاي جياو تونغ، مشيراً إلى الحواجز العملية والتكاليف الهائلة المترتبة على توزيع الشيكات على عدد كبير من السكان.

الرئيس الصيني شي جينبينغ ملتقياً الملك الماليزي السلطان إبراهيم سلطان إسكندر في قاعة الشعب الكبرى (رويترز)

ويستشهد تشو أيضاً بسبب فلسفي: «أعتقد أن صنَّاع السياسات متشككون في الطريقة التي تعامل بها الغرب مع (كوفيد)، بتوزيع النقود، ولا يريدون اتباع مثاله». بدلاً من ذلك، ركزت الحكومة الصينية على تمويل التصنيع، ويرجع ذلك جزئياً إلى أولوية رئيسية للحزب الشيوعي لتصبح مكتفية ذاتياً في التقنيات الحيوية، مثل أشباه الموصلات. في مارس (آذار)، أعلن رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ عن أكثر من مليار دولار من الاستثمارات الحكومية لترقية تصنيع التقنيات الأساسية وسلاسل التوريد الصناعية. هنا، كان هناك بعض النجاح: فمنذ يناير، نما الاستثمار في التصنيع بنسبة 9 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وفقاً للإحصاءات الرسمية.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت صادرات الصين العالمية للشهر الخامس على التوالي في أغسطس (آب)، وفقاً لبيانات الجمارك الصينية، حيث زادت بأكثر من 8 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها في عام 2023.

وتقول زوي ليو، زميلة الدراسات الصينية في مجلس العلاقات الخارجية: «إن الصينيين سوف يستشهدون بقدرتهم على الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والمركبات الكهربائية، وعلى وجه الخصوص سوف يذكرون هيمنتهم على سلاسل التوريد. لذا أعتقد أن القصة الإجمالية أن النمو يتباطأ، ولكن ليس كل شيء ضائعاً».

5- ولكن ماذا يعني تباطؤ الصين بالنسبة للعالم؟

تثير الطفرة الصناعية الناجحة في الصين ردود فعل عكسية. ففي الأشهر الأخيرة، تصاعدت التوترات الاقتصادية بين الصين وبقية العالم، بسبب الزيادة الحادة في الصادرات الصينية. وتخشى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن تستخدم الصين ممارسات تجارية غير عادلة، مثل الإعانات الحكومية الضخمة، لدعم هذه الصناعات، مما يؤدي إلى تدفق المنتجات الصينية، مثل المركبات الكهربائية والألواح الشمسية والصلب إلى السوق العالمية، مما قد يلحق الضرر بالصناعات والوظائف في بلدان أخرى.

إن تباطؤ الاقتصاد الصيني قد يؤدي إلى تفاقم هذه المشكلة، لأن انخفاض عدد العملاء في الداخل سيجبر الشركات الصينية على مضاعفة الجهود في الخارج. قال رايت من «روديوم»: «القلق بالنسبة للولايات المتحدة أن ضعف الطلب المحلي الصيني يعني المزيد من الصادرات الصينية إلى بقية العالم. تسعى الصين إلى استراتيجية مواجهة بشكل متزايد مع بقية العالم».

حاولت الحكومة الأميركية معالجة هذه الاستراتيجية بتدابير تجارية، مثل التعريفات الجمركية، وكذلك الدبلوماسية. في مايو (أيار)، أعلنت إدارة بايدن عن زيادات في التعريفات الجمركية على السلع المصنوعة في الصين، بما في ذلك تعريفة بنسبة 100 في المائة على المركبات الكهربائية، وتعريفة بنسبة 50 في المائة على الألواح الشمسية وتعريفة بنسبة 25 في المائة على السلع الفولاذية. ومن المقرر أن تبدأ التدابير في سريانها، في نهاية سبتمبر (أيلول).

يوم الخميس، التقى وفد أميركي بقيادة جاي شامبو، وكيل وزارة الخزانة للشؤون الدولية، نظراءهم الصينيين في بكين، وناقش المخاوف بشأن فائض الصادرات الصينية، وفقاً لمسؤول في وزارة الخزانة.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد عاملة في مصنع للتغليف بمدينة ليانينغانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

أعراض حرب إيران تبدأ في ضرب مفاصل الاقتصاد الصيني

فقد النمو الصيني زخمه في أبريل، مع تباطؤ الإنتاج الصناعي، وتراجع مبيعات التجزئة إلى أدنى مستوياتها في أكثر من 3 سنوات.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

التبادل التجاري بين الخليج والاتحاد الأوروبي يتجاوز 189 مليار دولار في 2025

بلغ إجمالي واردات دول مجلس التعاون الخليجي من الاتحاد الأوروبي 123.6 مليار دولار خلال عام 2025، في حين سجلت الصادرات 65.4 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

الأسهم الصينية تهبط مع تراجع الإقبال على المخاطرة

تراجعت أسهم البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ يوم الاثنين، مع تحول تركيز المستثمرين من المحادثات الأميركية الصينية إلى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد وزير المالية السوري محمد يسر برنية (رويترز)

في مؤشر على تعزيز مكانتها... سوريا تشارك في «اجتماعات الـ7» بباريس

قال مصدر مطلع لـ«رويترز» إن سوريا ستشارك في جلسة مغلقة مع وزراء مالية «مجموعة السبع» ومحافظي البنوك المركزية في باريس يوم الاثنين...

«الشرق الأوسط» (دمشق)

قضاء كوريا يكبّل إضراب «سامسونغ»... والمخاوف تحاصر «إمدادات» الذكاء الاصطناعي

رئيس نقابة عمال «سامسونغ» محاطٌ بوسائل الإعلام بعد جلسة وساطة صباحية باللجنة الوطنية للعلاقات العمالية في كوريا الجنوبية (رويترز)
رئيس نقابة عمال «سامسونغ» محاطٌ بوسائل الإعلام بعد جلسة وساطة صباحية باللجنة الوطنية للعلاقات العمالية في كوريا الجنوبية (رويترز)
TT

قضاء كوريا يكبّل إضراب «سامسونغ»... والمخاوف تحاصر «إمدادات» الذكاء الاصطناعي

رئيس نقابة عمال «سامسونغ» محاطٌ بوسائل الإعلام بعد جلسة وساطة صباحية باللجنة الوطنية للعلاقات العمالية في كوريا الجنوبية (رويترز)
رئيس نقابة عمال «سامسونغ» محاطٌ بوسائل الإعلام بعد جلسة وساطة صباحية باللجنة الوطنية للعلاقات العمالية في كوريا الجنوبية (رويترز)

تتجه أنظار قطاع التكنولوجيا العالمي نحو العاصمة الكورية الجنوبية، حيث قررت شركة «سامسونغ إلكترونيكس» ونقابتها العمالية تمديد المفاوضات الحرجة لتفادي أضخم إضراب في تاريخ عملاق التقنية، وسط مخاوف عارمة من أن يؤدي توقف أكثر من 45 ألف عامل عن العمل إلى ضرب الاقتصاد الكوري الجنوبي، وتعطيل سلاسل التوريد العالمية المرتبطة برقائق الذاكرة الحيوية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والجوالات الذكية.

وتأتي هذه التطورات بعد انهيار الجولة الأولى من المفاوضات التي توسطت فيها الحكومة الأسبوع الماضي بشأن الأجور والمكافآت لدى أكبر منتج لرقائق الذاكرة في العالم، والتي تمثل وحدها ما يقرب من ربع صادرات كوريا الجنوبية.

وأكد ممثلو النقابة ورئيس اللجنة الوطنية لعلاقات العمل، بارك سو - كيون، استئناف المباحثات لتضييق الفجوة الواسعة بين الطرفين؛ إذ تطالب النقابة بإلغاء الحد الأقصى للمكافآت السنوية البالغ 50 في المائة من الراتب الأساسي، وتخصيص 15 في المائة من الأرباح التشغيلية السنوية لصندوق مكافآت الموظفين وتثبيت ذلك قانونياً، في حين اقترحت «سامسونغ» تخصيص ما بين 9 في المائة إلى 10 في المائة من الأرباح بشرط تجاوزها حاجز 200 تريليون وون (145 مليار دولار) هذا العام، مع التمسك بسقف المكافآت الحالي.

وفي تحول دراماتيكي خفف الضغط التشغيلي عن الشركة، أصدرت محكمة كورية جنوبية أمراً قضائياً تقييدياً جزئياً بناءً على طلب «سامسونغ»، يلزم آلاف العمال بالمرابطة في مصانعهم وضمان استمرار الإنتاج الطبيعي لحماية المواد والمنشآت الحيوية من التلف في حال بدء الإضراب المقرر لـ 18 يوماً.

وفرضت المحكمة غرامات مالية صارمة بحق النقابتين الرئيستين تصل إلى 100 مليون وون (72 ألف دولار) يومياً عن كل خرق للأمر القضائي، وغرامة قدرها 10 ملايين وون يومياً على قادة النقابة.

وفور صدور الحكم، قفزت أسهم «سامسونغ إلكترونيكس» بنسبة 6.7 في المائة في التعاملات الصباحية قبل أن تغلق مرتفعة بنسبة 3.88 في المائة، متفوقة على المؤشر العام الكوري «كوسبي» الذي صعد بنحو 0.31 في المائة فقط، بينما أعلنت النقابة أن الملاحقة القضائية لن تثنيها عن مواصلة التصعيد إذا لم تسفر المفاوضات عن اتفاق عادل، مؤكدة تفاوضها بحسن نية.

وعكست تصريحات كبار المسؤولين الكوريين حالة الذعر الحكومي من تداعيات الإضراب على أسواق المال والنمو الاقتصادي؛ إذ سارع رئيس الوزراء الكوري، كيم مين - سيوك، بالإعلان عن استعداد الدولة لتفعيل الخيارات القانونية كافة، بما فيها «أمر التحكيم الطارئ»، وهو بند سيادي يمنع العمل الصناعي والاحتجاجي فوراً لمدة 30 يوماً لإجراء وسيط حكومي إلزامي. وفي خطوة لافتة، دخل الرئيس الكوري، لي جاي - ميونغ، المعروف تاريخياً بميوله الصديقة للعمال كونه محامياً سابقاً لحقوق الإنسان، على خط الأزمة عبر منصة «إكس»، مشدداً على ضرورة احترام حقوق الإدارة التنفيذية بالقدر نفسه الذي تحترم فيه حقوق العمال لضمان استقرار البلاد. من جهتها، أعلنت النقابة رفضها المطلق لضغوط التحكيم الإجباري، متعهدة بعدم قبول أي تسوية للأجور لا تلبي شروطها المرفوعة.

وعلى الجانب التجاري، كشفت تقارير مطلعة أن المسؤولين التنفيذيين في قطاع أشباه الموصلات داخل «سامسونغ» حذروا النقابة من خطورة خسارة العملاء الاستراتيجيين الذين تم كسبهم بعد جولات شرسة من التنافس، وعلى رأسهم عملاق الذكاء الاصطناعي الأميركي «إنفيديا». ونقل مشاركون في الاجتماعات المغلقة أن بعض هؤلاء العملاء الكبار لوّحوا بوقف استقبال شحنات الرقائق مؤقتاً خلال فترة الإضراب، نظراً لعدم قدرة الشركة على ضمان معايير الجودة الصارمة في ظل غياب ربع القوة العاملة، وهو ما قد يدفع الشركات العالمية للبحث عن بدائل فورية في سوق تعاني أصلاً من شح حاد في معالجات الذاكرة المتطورة، مما قد يحرم «سامسونغ» من طفرة الأرباح القياسية المرافقة لثورة الذكاء الاصطناعي الحالية.


فاتورة وقود حرب ترمب في إيران تكبّد الأميركيين 40 مليار دولار

فوهة مضخة وقود داخل شاحنة بمحطة وقود في أرلينغتون بولاية تكساس (أ.ب)
فوهة مضخة وقود داخل شاحنة بمحطة وقود في أرلينغتون بولاية تكساس (أ.ب)
TT

فاتورة وقود حرب ترمب في إيران تكبّد الأميركيين 40 مليار دولار

فوهة مضخة وقود داخل شاحنة بمحطة وقود في أرلينغتون بولاية تكساس (أ.ب)
فوهة مضخة وقود داخل شاحنة بمحطة وقود في أرلينغتون بولاية تكساس (أ.ب)

كشفت دراسة حديثة، أجراها معهد «واتسون» للشؤون الدولية والعامة بجامعة «براون»، عن أن المواطنين الأميركيين تكبدوا فاتورة باهظة تجاوزت 41.5 مليار دولار أعباءً إضافية على أسعار الوقود (البنزين والديزل) منذ اندلاع حرب الرئيس دونالد ترمب في إيران أواخر فبراير (شباط) الماضي، وهو ما يعادل 316 دولاراً تكلفة إضافية على كاهل كل أسرة أميركية، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

وأشارت الدراسة إلى أن هذا الإنفاق الضخم الضائع كان كافياً لتمويل «برنامج استثمار الجسور الفيدرالي» بالكامل لإصلاح شبكة الجسور المتهالكة في البلاد، البالغة تكلفته 40 مليار دولار، أو إعادة هيكلة نظام مراقبة الحركة الجوية بالكامل بتكلفة 31.5 مليار دولار؛ مما يبرز حجم الفرص الضائعة على البنية التحتية الأميركية لمصلحة تكلفة الحرب غير الشعبية. وعمّت تداعيات هذا الشح في معروض الطاقة أرجاء أكبر اقتصاد في العالم، دافعة بمعدلات التضخم إلى أعلى مستوياتها منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، ليمتد الأثر سريعاً من محطات الوقود إلى أسعار المواد الغذائية، والسلع الأساسية، وتذاكر الطيران؛ متسبباً في أزمة سياسية متصاعدة للإدارة الأميركية الحالية.

وجاء هذا التقرير الصادم بالتزامن مع استعداد الملايين في الولايات المتحدة لبدء موسم القيادة الصيفي الأسبوع المقبل، الذي يمثل ذروة الطلب السنوي على البنزين في البلاد؛ مما ينذر بمزيد من الضغوط المالية.

والسبب الرئيسي وراء هذه القفزة السعرية هو الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز الاستراتيجي - الذي يتدفق عبره خُمس المعروض النفطي العالمي - منذ اندلاع النزاع؛ مما دفع بأسعار «خام برنت» للارتفاع بأكثر من النصف لتستقر عند مستويات 110 دولارات للبرميل.

ووفق بيانات «الجمعية الأميركية للسيارات»، فقد قفزت أسعار البنزين في أميركا بنسبة قياسية بلغت 51 في المائة لتصل إلى 4.51 دولار للغالون، مسجلة الارتفاع الحاد والأعلى بين جميع دول «مجموعة السبع»، في حين حلق الديزل عند مستويات قريبة من القياسية مسجلاً 5.65 دولار للغالون، بارتفاع نحو 54 في المائة.

وتسببت هذه الموجة التضخمية العنيفة في قفزة سريعة بأسعار المستهلكين والجملة خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي هي الأعلى منذ سنوات؛ مما انعكس مباشرة على تكلفة الدين الحكومي؛ إذ اضطرت وزارة الخزانة الأميركية الأسبوع الماضي إلى إصدار سندات لأجل 30 عاماً بعائد لمس 5 في المائة لأول مرة منذ عام 2007 وسط مخاوف المستثمرين العميقة من استدامة التضخم.

وفي المقابل، أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً حاداً في شعبية الرئيس ترمب لتصل إلى مستويات متدنية قياسية، حيث أبدى 58 في المائة من الأميركيين في استطلاع لـ«فاينانشال تايمز» عدم رضاهم التام عن إدارته ملف تكلفة المعيشة، عادّين أن الحرب لا تحظى بتأييد الناخبين.

ورغم المحاولات المتكررة من إدارة ترمب لتهدئة الصدمة النفطية عبر سحب كميات قياسية من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، وتخفيف القيود البيئية على الشحن، وتخفيض الضرائب الفيدرالية على الوقود، فإن تصريحات الرئيس الأخيرة أثارت عاصفة من الجدل الحاد في الأوساط السياسية والاقتصادية؛ حيث صرح لصحافيين علناً بأنه لا يفكر في الوضع المالي للأميركيين أو أي شخص آخر، وأن دافعه لإنهاء الحرب لم يتأثر «ولو قليلاً» بالضغوط التضخمية المحلية، مؤكداً أن تركيزه بالكامل ينصب حصراً على هدف واحد؛ هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي مهما بلغت التكلفة الاقتصادية.


«القدية» السعودية و«غوغل كلاود» توسّعان شراكتهما لإنشاء البنية الرقمية

متنزه «أكواريبيا» المائي في مشروع «القدية» السعودي (واس)
متنزه «أكواريبيا» المائي في مشروع «القدية» السعودي (واس)
TT

«القدية» السعودية و«غوغل كلاود» توسّعان شراكتهما لإنشاء البنية الرقمية

متنزه «أكواريبيا» المائي في مشروع «القدية» السعودي (واس)
متنزه «أكواريبيا» المائي في مشروع «القدية» السعودي (واس)

أعلنت شركة «القدية للاستثمار»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة السعودي، عن توسّع كبير في تعاونها مع «غوغل كلاود» لإنشاء البنية الرقمية الأساسية لمشروع «القدية»، الذي يضم أضخم المدن الترفيهية في العالم، وذلك بمشاركة «ماستر ووركس» بصفتها الشريك الاستراتيجي للتكامل.

ووفق بيان للشركة، يندرج هذا التعاون ضمن مساعي مشروع «القدية» لتحقيق أهداف «رؤية 2030»، الإطار الاستراتيجي الذي أُطلق عام 2016 لتنويع الاقتصاد السعودي وتطوير قطاعات السياحة والترفيه والبنية التحتية.

وستعتمد «القدية»، التي تمتد على مساحة 360 كيلومتراً مربعاً، وتضم أكثر من 20 حياً، على تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي من «غوغل كلاود» لتشغيل عملياتها بوصفها مدينة ذكية متكاملة تستهدف تقليص زمن الحصول على الرؤى التشغيلية من أسابيع إلى دقائق.

ويرتكز التعاون على ثلاثة محاور تقنية رئيسة؛ أولها مصنع ذكاء اصطناعي مدعوم بمنصة «Gemini Enterprise Agent» لتحويل بيانات الزائرين إلى تجارب شخصية متقدمة، وثانيها منصة «Q-Brain» للذكاء الاصطناعي الوكيل المبنية على نماذج «Gemini» لدعم اتخاذ القرار التشغيلي، وثالثها منصة بيانات موحدة مبنية على «BigQuery» تدمج بيانات جميع الوجهات الترفيهية في مصدر مركزي واحد.

وقال الرئيس التنفيذي لتقنية المعلومات في «القدية للاستثمار» عبد الرحمن العلي، إن هذا التعاون يهدف إلى تقديم تجربة رقمية سلسة تربط القدية بمحفظة الوجهات الترفيهية المتنامية على مستوى المملكة، مشيراً إلى أن الجمع بين تقنيات «غوغل كلاود» وخبرة «ماستر ووركس» سيُرسي أساساً قائماً على البيانات يجعل إدارة مشروع بهذا الحجم أكثر ذكاء وكفاءة للمُشغلين والزائرين على حد سواء.

من جانبه، أوضح المدير العام لـ«غوغل كلاود» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، عبد الرحمن الذهيبان، أنه من خلال دمج البنية التحتية العالمية واسعة النطاق للشركة وأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي ضِمن عملياتها، تعمل «القدية» على بناء أساس يحوّل البيانات الضخمة إلى رؤى قابلة للتنفيذ.

وأضاف أن منظومة الذكاء الاصطناعي المتكاملة توفر الابتكار اللازم لتقديم تجربة مستخدم رائدة، بما يضمن تحقيق أعلى مستويات الكفاءة الرقمية في جميع جوانب هذا المشروع، وبما يتماشى مع طموحات «رؤية 2030».

وتُعدّ وجهات كمتنزه «سكس فلاقز مدينة القدية» و«أكواريبيا» مفتوحة حالياً أمام الزوار، في حين تُواصل المدينة توسّعها لتشمل ملاعب رياضية احترافية ومناطق ألعاب ومرافق ثقافية وفنية.