لبنان ينكشف سياسياً وأمنياً... و«حزب الله» أمام مراجعة جدّية

بعد إطاحة إسرائيل قواعد الاشتباك والخطوط الحمر

«حزب الله» مطالب بإجراء مراجعة شاملة بعد الانكشاف الأمني الذي أتاح لإسرائيل توجيه ضربات موجعة لقياداته وقواعده (أ.ف.ب)
«حزب الله» مطالب بإجراء مراجعة شاملة بعد الانكشاف الأمني الذي أتاح لإسرائيل توجيه ضربات موجعة لقياداته وقواعده (أ.ف.ب)
TT

لبنان ينكشف سياسياً وأمنياً... و«حزب الله» أمام مراجعة جدّية

«حزب الله» مطالب بإجراء مراجعة شاملة بعد الانكشاف الأمني الذي أتاح لإسرائيل توجيه ضربات موجعة لقياداته وقواعده (أ.ف.ب)
«حزب الله» مطالب بإجراء مراجعة شاملة بعد الانكشاف الأمني الذي أتاح لإسرائيل توجيه ضربات موجعة لقياداته وقواعده (أ.ف.ب)

لم يخرج لبنان من الصدمة التي حلت به باغتيال إسرائيل للعدد الأكبر من قيادات «حزب الله» وكوادره العسكرية، أثناء اجتماعهم في عمق الضاحية الجنوبية لبيروت، في محاولة ليست الأولى ولا الأخيرة، لاستدراج الحزب لتوسعة الحرب، رغم أنه ليس في وارد الانزلاق إليها إلا إذا اضطر للرد لمنعها من الإطاحة نهائياً بقواعد الاشتباك وإسقاطها الخطوط الحمر التي تجاوزتها للمرة الثالثة بعد اغتيالها القيادي في «حماس» صالح العاروري، والقيادي في الحزب فؤاد شكر.

فلبنان يتخوف من أن تكون إسرائيل قد حسمت أمرها، وقررت توسعة الحرب استجابة لدعوة رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو بوجوب تغيير الوضع الميداني على الأرض، وهذا ما دفع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى تشغيل محركاته دولياً وعربياً لمنعها من توسعة الحرب، بعد أن صرف النظر عن التوجّه إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها العادية، مكلفاً، بالإنابة عنه، وزير الخارجية عبد الله بو حبيب بالدفاع عن وجهة نظر لبنان، محملاً إسرائيل مسؤولية ما ارتكبته من اغتيالات.

لكن منسوب القلق أخذ يتصاعد حيال إصرار إسرائيل على استدراج الحزب لتوسعة الحرب، مع أنها كانت السباقة إلى توسعتها باجتياح أجهزته الخاصة بالاتصالات واغتيال المزيد من قادته وعلى رأسهم قائد وحدة الرضوان إبراهيم عقيل.

انكشاف أمني وسياسي

ومع أن لبنان على موعد مع عودة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، إلى بيروت في الساعات المقبلة للقاء رئيسي البرلمان نبيه بري، والحكومة نجيب ميقاتي، وقيادات أخرى لتحريك الملف الرئاسي، فإن تصاعد فتيل التفجير في لبنان يتصدّر جدول أعماله لإخراج انتخاب الرئيس من التأزم.

وإلى أن يكتمل المشهد العسكري في الجنوب وتمدده إلى الضاحية، فإن لبنان برمته أصبح مكشوفاً سياسياً وأمنياً، لافتقاده حتى الساعة شبكة الأمان الدولية لمنع تمادي إسرائيل من توسعة الحرب، وهذا يتطلب من القوى السياسية انفتاح بعضها على بعض لتحصين الوضع الداخلي، الذي يتآكل يوماً بعد يوم، بوصفه شرطاً لإعادة تكوين السلطة لضمان انتظام المؤسسات الدستورية، لئلا يتحول إلى جمهورية بلا رئيس.

«حزب الله» مطالب بمراجعة جدية

لكن إعادة تجميع الصفوف تبدأ أولاً بـ«حزب الله»، الذي يُفترض أن يبادر إلى إجراء مراجعة جدية لتقويم وضعه سياسياً وعسكرياً كونه شرطاً للخروج من الصدمة التي حلت به، ولإخراج البلد من حالة القلق التي يمكن أن تهدد مصير اللبنانيين ما لم تتدارك القوى السياسية خطورة الوضع وتبادر للبحث عن صيغة للملمته قبل فوات الأوان، لن تتأمن إلا بالتوافق على تسوية تاريخية قاعدتها انتخاب الرئيس.

ولأن الممر الإلزامي لتقويم الوضع يبدأ بـ«حزب الله»، فيتوجب عليه الابتعاد عن المكابرة لتصويب الخلل غير المسبوق والاعتراف بالأخطاء التي أتاحت لإسرائيل اختراق صفوفه وصولاً لاغتيالها أبرز قياداته الميدانية.

فالخطأ الذي ارتكبه الحزب، كما يقول عدد من أصدقائه قبل معارضيه، يكمن في أنه سمح بأن تتحول وحداته القتالية إلى جيش نظامي تسبب في التشتت المشكو منه، بخلاف السنوات الأولى من نشاطه التي اتسمت بسرية تامة، واقتصرت على مجموعات تعداد عناصرها محدود، ولا تخرج من أماكن وجودها تحت الأرض، إلا لاستهداف المواقع الإسرائيلية.

نتائج «الانفلاش»

ومن غير الجائز القول إن حاجة الحزب لتطوير سلاحه تستدعي هذا الكم من التشتت أو الانفلاش الذي سمح لإسرائيل باختراقه واستهدافه من الداخل، على غرار ما حصل باغتيال عقيل ورفاقه؛ لأنه من غير المعقول المجازفة بعقد الاجتماع في قلب الضاحية الجنوبية بغياب الضمانات الأميركية بعدم إدراجها في بنك الأهداف الإسرائيلية، وفي أعقاب تفجيرها أجهزته اللاسلكية والأخرى المخصصة لتوجيه النداءات والاستدعاءات.

وبكلام آخر، فإن الحزب في تصدّيه لإسرائيل بات في حاجة لأن يعيد النظر في مقاومته الكلاسيكية المولجة بالتصدي للاحتلال، وهو في أمس الحاجة للبحث عن بدائل، لا تقتصر على تبادل القصف، لتفادي ما خسره من جراء اغتيال إسرائيل للعشرات من قياداته وكوادره الميدانية بواسطة المسيّرات، إضافة إلى الذين سقطوا جرّاء الغارات التي نفّذتها في الضاحية الجنوبية.

فتفادي الخلل في ظل التفوق المخابراتي والتكنولوجي لإسرائيل يستدعي عدم المكابرة والمصارحة في تحديد المسؤوليات، بدءاً بأن يعيد الحزب النظر في تشتته غير المبرر من ناحية، وفي توفير البدائل في مقاومته غير التقليدية لمواجهة التفوق الإسرائيلي بملاحقة قياداته وكوادره والإغارة على معظمهم في أماكن تقع خارج منطقة العمليات في جنوب الليطاني.

ضرورة المرونة والانفتاح

كما يُفترض بالحزب أن يعطي فرصة لنفسه ويتعاطى بمرونة وانفتاح مع الدعوات للتفاوض غير المباشرة، وأن يطلق يد رئيس البرامان نبيه بري في كل شاردة وواردة تتعلق بالعروض الدولية، ومنها الأميركية، للتوصل إلى وقف إطلاق النار، ولم يكن أمينه العام حسن نصر الله مضطراً لتأكيد مساندته لـ «حماس» في ردّه على اجتياح إسرائيل أجهزته اللاسلكية والأخرى المعروفة بالـ«بيجر».

ولا يعني هذا، كما يقول أصدقاء الحزب قبل معارضيه، إن هناك من يريد حشر الحزب في الزاوية، بمقدار ما أن المطلوب من قيادته عدم حشر اللبنانيين الذين يقولون، على لسان معظم قياداتهم، باستحالة تسويق تسوية لإنقاذ لبنان، ومنعه من الانزلاق نحو المجهول، تكون على حساب الحزب.

فأصدقاء الحزب قبل معارضيه يسألون: ما المانع من أن يتيح لنفسه فرصة لالتقاط الأنفاس؟ وأن يأخذ التفاوض غير المباشر مداه، ولو من باب كسب الوقت؟ وهل من مشكلة لديه طالما أن المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي رأى أن لا ضير من التراجع التكتيكي في الميدان العسكري والسياسي، ما يوفر الغطاء «الشرعي» للحزب للدخول في مناورة، ولو مؤقتاً، تسمح له بترتيب أوضاعه، آخذاً في الاعتبار ضرورة الذهاب بعيداً في التحقيقات لجلاء الأسباب الكامنة وراء الخلل الذي لحق به وتوفير الحلول له.

وفي هذا السياق، يسأل بعض أصدقاء الحزب من خارج محور الممانعة: ما الذي يحول دون التراجع التكتيكي للحزب على قاعدة تصحيح الخلل الذي أصابه، سواء من الداخل أو عبر عملاء لإسرائيل مكّنها من تنفيذ مسلسل اغتيالاتها، لأن تفوقها الاستخباراتي والتكنولوجي لا يكفي من دون تأمينها شبكة من العملاء؟ وهل من جديد سيقوله نصر الله، الاثنين؟

ما موقف الحزب من التعاون الإيراني - الأميركي؟

حتى أن هؤلاء يسألون الحزب: أين يقف من التعاون الأميركي - الإيراني لاستيعاب التأزم في جنوب لبنان لمنع توسيع الحرب لتشمل المنطقة؟ وأيضاً ما مدى صحة ما تردّده المعارضة بأن طهران لم تنقطع عن التواصل مع واشنطن؟ وهل كان نصر الله مضطراً لوضع الورقة اللبنانية تحت تصرف «حماس»؟ وأي حال سيكون عليه لبنان إذا ما طال أمد الحرب في غزة؟

لذلك، لا يمكن وضع خطة عملية لوقف انكشاف لبنان أمنياً وسياسياً ما لم ترتكز على التوصّل إلى تسوية تبدأ بانتخاب الرئيس. فهل لدى الحزب الجاهزية المطلوبة للسير فيها؟ وما الذي يمنعه من التحاور مع خصومه لخفض منسوب التوتر الذي لن يحجبه التضامن الوطني مع الذين سقطوا في تفجير أجهزة اتصالاته؟


مقالات ذات صلة

قتيل في شمال إسرائيل بصاروخ أُطلق من لبنان

المشرق العربي مواطنون يتفقدون أثر سقوط صاروخ إيراني في ديمونة جنوب إسرائيل اليوم (أ.ب) p-circle

قتيل في شمال إسرائيل بصاروخ أُطلق من لبنان

أفاد مسعفون اليوم (الأحد) مقتل شخص قرب الجليل في شمال إسرائيل بصاروخ أُطلق من لبنان، وفق ما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب )
المشرق العربي صورة تجمع مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني والزعيم السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله أمام مبنى مدمر في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ب)

«الحرس الثوري» يُعيد بناء القيادة العسكرية لـ«حزب الله»

قال مصدران مطلعان على أنشطة «الحرس الثوري الإيراني» إنه أعاد بناء القيادة العسكرية لـ«حزب ​الله»، بعد أن تعرض لضربة قاسية على يد إسرائيل في عام 2024.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دبابات إسرائيلية تنتشر على الحدود الشمالية مع لبنان (إ.ب.أ)

المعارك الإسرائيلية البرية تصل إلى مرحلة «الالتحام» في جنوب لبنان

أشعل التقدم الإسرائيلي في مدينة الخيام وبلدة الناقورة الحدوديتين، اشتباكات عنيفة بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دخان القصف يتصاعد من بلدة الخيام في 17 مارس الحالي (أ.ف.ب)

القصف مستمر في جنوب لبنان ومعارك مباشرة في بلدة الخيام

احتدمت المعارك في جنوب لبنان بين إسرائيل و«حزب الله» على أكثر من محور، وخصوصاً في بلدة الخيام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد دخان عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (د.ب.أ)

قتيل وجريحان في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

قتل شخص وأصيب اثنان بجروح في غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في احدى بلدات جنوب لبنان، وفق ما أفادت وسائل إعلام لبنانية رسمية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيَّرات على مجمع مطار بغداد الدولي

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
TT

8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيَّرات على مجمع مطار بغداد الدولي

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

تعرَّض مجمع مطار بغداد الدولي الذي يضمّ مركزاً للدعم اللوجيستي يتبع للسفارة الأميركية في العاصمة العراقية، لثماني هجمات بالصواريخ والمسيَّرات ليل السبت الأحد، حسبما قال مسؤول في قيادة العمليات المشتركة العراقية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدث المسؤول عن «ثماني هجمات في أوقات متفرقة استمرّت حتى فجر اليوم (الأحد) بالصواريخ والمسيَّرات، وسقط قسم من الصواريخ في محيط وقرب (مركز الدعم اللوجيستي)، دون أن تسفر عن إصابات». وأشار إلى أن إحدى المسيَّرات «سقطت على منزل مدني في منطقة السيدية» القريبة من المطار، مما خلَّف «أضراراً مادية».

من جهته، تحدَّث مسؤول أمني ثانٍ عن وقوع ستّ هجمات على الأقلّ. وفي منطقة حيّ الجهاد القريبة من المطار، عُثر فجر الأحد على «مركبة تحمل قاذفة صواريخ استُخدمت في هجوم» على مركز الدعم اللوجيستي، بحسب مسؤول في الشرطة أكَّد أن المركبة كانت «متروكة في موقف خالٍ للسيارات».


مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.